الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بحسب زعمه ووهمه - وهذا هو ما عبر عنه ديغول بقوله: (هناك 25 مليون نسمة في أفريقيا السوداء من مدغشقر إلى جيبوتي، أعلنوا باختيارهم عن مشاركتهم لفرنسا في نوع الحكم الذي يرتضونه، وفي الوقت ذاته، فقد أعلن 55 مليون من المواطنين، في الوطن الأم - فرنسا. وفي الجزائر، وفي الاتحاد - ريئينيون - وليزا نتيل - إلى آخره قد عبروا عن إرادة مماثلة). وكان بدهيا أن ترفض الجزائر هذا المنطق الملتوي.
ب - العصا والجزرة - محاولة القضاء على الثورة
حاول (ديغول) تنفيذ سياسة الدمج، بسياسة ملتوية يمكن وصفها وصفا دقيقا بأنها سياسة (العصا والجزرة) وذلك بهدف القضاء على الثورة المسلحة. وهكذا، وبينما كانت القوات الفرنسية تتلقى الدعم الهائل لتنفيذ مجموعة من مخطلطات العمليات العسكرية (للتهدئة)، كان ديغول يمضي قدما في محاولاته المرفوضة لتطبيق سياسة الدمج عمليا، مع الإعلان عن إصلاحات اقتصادية وسياسية (لترقيع ثوب الاستعمار المهترىء)، وأخذ يسير ببطء لتحقيق (مشروعه الكبير) للجزائر، الذي ينص على أن تكون جزءا خاصا من مجموعة فرنسية يعاد تنظيمها لتضم كافة المستعمرات الأفريقية. وقام (ديغول) بعد انتهاء الاستفتاء بزيارة (قسنطينة) في مطلع شهر تشرين الأول - أكتوبر - وأعلن مشروعا شاملا وواسع التكاليف لسنوات الخمس للتطور الاقتصادي في الجزائر. وقد تضمن (برنامج قسنطينة) إحداث أربعمائة ألف مركز جديد للعمل للجزائريين، وإعداد مساكن جديدة لنحو من مليون شخص، كما تضمن إيواء ثلثي الأطفال الجزائريين قبل انتهاء مدة السنوات
الخمس في المدارس، وإعادة نحو من (625) ألف فدان من الأراضي إلى الفلاحين الجزائريين ويقضي البرنامج بتصنيع الجزائر
على أساس النفط والغاز الطبيعي اللذين اكتشفا حديثا في الصحراء، وبإقامة مصانع للفولاذ والمنتجات الكيماوية في المناطق الساحلية. وأكد البرنامج أيضا أن الفروق الكبيرة بين الرواتب، في فرنسا والجزائر، ستزول، وأن مراكز خاصة في الإدارات العسكرية والمدنية في فرنسا ستخصص للجزائريين، وقدرت التكاليف الإجمالية للمشروع مبلغا أضخم من تكاليف الحرب التي تربو على البليون دولار أمريكي في السنة.
وكانت خطة (ديغول) لإعادة بعث فرنسا، واستعادة قوتها، وقيام أسرة افريقية - فرسية، تعتمد إلى حد كبير على مدى نجاحه في تحقيق السلام في الجزائر. ولكن مفهوم (سلام الاستسلام) الذي أعلنه ديغول يوم 23/ 10/ 1958 كان سلاما مرفوضا من قبل مجاهدي جيش التحرير وقيادة منظمة التحرير، حيث ذكر (ديغول) في خطابه المشار إليه، ما يلي: (
…
أقول دون التواء، إن معظم رجال الثورة قاتلوا بشجاعة
…
فليأت صلح البواسل! كيف العمل لوضع حد للمعارك؟ حيث يحتم تنظيمهم أن يقاتلوا في أمكنتهم، يجدر برؤسائهم أن يتصلوا بالقيادة، وفي هذه الحالة، سيستقبل المقاتلون ويعاملون بشرف. إن الحكمة القديمة للمعارك تتطلب، في هذه الأحوال، استخدام راية البرلمانيين البيضاء
…
، وفيما يختص بالمنظمة الخارجية التي تبذل الجهد في إدارة القتال من بعيد، فاني أردد عاليا ما سبق أن قلت: إذا سمي مندوبون للاشتراك مع السلطة في تنظيم إنهاء أعمال الحرب، فما عليهم إلا أن يقصدوا السفارة الفرنسية في توتس أو في الرباط، فهذه أو تلك ستؤمن
انتقالهم إلى فرنسا، وهناك تكون سلامتهم التامة مضمونة، وإني أكفل لهم حرية العودة
…
).
أثارت خطب (ديغول) وتصريحاته غضب أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، لأسباب كثيرة، منها فضح الاتصالات السرية لإجراء مفاوضات تمهيدية من أجل تسوية الصراع، ومنها طرح (سلاح الاستسلام) ومنها تجاهل (المشكلة السياسية). وكان هدف ديغول هو الحصول من جبهة التحرير على اعتراف بشرعية الانتخابات التي كان قد أعلن عنها، وخلق انقسام في صفوف قادة الثورة.
وجاء تشرين الثاني - نوفمبر - 1958، فشهد معركة أخرى من معارك الزيف والتزوير، وكانت المعركة هذه المرة لانتخاب (أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية). وبما أن الجزائر قد ادمجت في فرنسا - من وجهة نظر ديغول فقط - واعتبرت جزءا منها
…
فقد تقرر أن يكون لها عدد من كراسي الجمعية الوطنية، وعلى هذا الأساس بدأت معركة الانتخابات في الجزائر، ولم يكن الهدف من (معركة الانتخاب) واحدا على كل حال في مفهومي (الوطنيين الجزائريين) من جهة، وأعدائهم (الفرنسيين) من جهة ثانية؛ فقد كانت المعركة من جانب الجزائريين مرفوضة باعتبار أن (الجزائر ليست جزءا من فرنسا) وأنه لا شأن لها بها ولا (بالجمعية الوطنية الفرنسية). ولهذا فقد كان هدف (جبهة التحرير الوطني) هو إحباط هذه الانتخابات، واسقاط تطبيقات نظرية الدمج التي أعلنها (ديغول)، وتدمير سياسته. أما هدف الفرنسيين من هذه الانتخابات، فهو جعل الشعب الجزائري شريكا في هذه الانتخابات بأي ثمن، وكان لا بد لهم من إرغام بعض المنحرفين الجزائريين على ترشيح أنفسهم للانتخابات،
حتى يخرجوا على العالم بعد ذلك بقولهم أن (الدمج) قد أصبح حقيقة واقعة، وأن الجزائر باتت ممثلة في (البرلمان الفرنسي) كأي إقليم من الأقاليم الفرنسية، وأن النواب الجزائريين يمثلون الشعب الجزائري بالانتخاب، فتزول بذلك الصفة التمثيلية الشرعية (للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية) و (جبهة التحرير الوطني). وكان لا بد - تبعا لأهداف المعركة الانتخابية - من أن تأخذ هذه المعركة صفتها الدموية الضارية.
لقد قاطع الجزائريون الانتخابات، حتى أنه عندما حان موعد إغلاق جدول المرشحين، لم يكن قد تقدم للترشيح من الجزائريين أي فرد - لاشعال 45 منصبا نيابيا من أصل 66 كرسيا خصصت للجزائر -. وأمام هذا الموقف، اضطرت الإدارة الفرنسية في الجزائر إلى تحديد أسماء المرشحين المقبولين من فرنسا على أنهم من أنصار الدمج، ووضعت القوائم الانتخابية، وجاءت بالذين وقع عليهم الاختيار، وأرغموا على توقيع طلبات الترشيح للانتخابات، أو القتل. ثم بدأت المرحلة الثانية من الصراع، وهي إرغام (الجزائريين على انتخاب الذين رشحتهم الإدارة الفرنسية للانتخابات. غير أن جماهير الشعب الجزائري قاطعت الانتخابات بصورة إجماعية، وظلت حوادث النسف والتدمير والتخريب تتوالى على مراكز الانتخابات طوال اليوم، وخسر الجيش الفرنسي في هذا اليوم مئات القتلى والجرحى وعشرات السيارات المصفحة والأسلحة والطائرات. وجاءت اللحظة التي تنتهي فيها عمليات الاقتراع، والصناديق خاوية فارغة، وأعلن حاكم مدينة الجزائر عن تمديد عملية الاقتراع ثلاث ساعات (حتى يتمكن الجزائريون من الإدلاء بأصواتهم)، وأذاع (الجنرال ماسو) من راديو الجزائر، بأن
(مقاطعة الانتخابات هي خيانة للجيش الفرنسي). وانطلقت على الأثر القوات الفرنسية، في جميع أنحاء الجزائر، لحشد المدنيين العزل من بيوتهم وقراهم ومتاجرهم بالقوة المسلحة، وتقتل على الفور كل من يمتنع أو يبدي مقاومة، ثم ساقت هؤلاء جميعا إلى صناديق الانتخابات للإدلاء بأصواتهم. وقد وصفت (وكالة الأسوشيتد برس) معركة الانتخابات في الجزائر بقولها:(قضى الجزائريون نهائيا على كل أمل - لديغول - في الاعتماد على نتيجة الانتخابات لإقرار أي وضع للجزائر، فلا زال الجزائريون يقاطعون هذه الانتخابات مما سيفقد نتيجتها أي شرعية، إذ أنها لن تكون ممثلة تمثيلا حقيقيا للرأي العام الجزائري).
وتعرضت (صحيفة فرنسية)(1) للانتخابات الجزائريه بقولها:
(ندد العضو السابق في البرلمان الفرنسي - السيد فونلوب اسيرايير - بتدخل السلطات الفرنسية في الانتخابات الجزائرية، فقال: إن المساعي التي يبذلها أولئك الذين يشرفون على الانتخابات التي ستجري في الثلاثين من تشرين الثاني - نوفمبر -
1958، ما هي إلا محاولة فاشلة لإيهام العالم بأن الجزائريين يحبذون الاندماج، وأنهم اختاروا رجالا للدفاع عن هذه الأكذوبة الكبرى، ومما لا شك فيه هو أن السلطات العسكرية الفرنسية في الجزائر سوف تسيطر على الانتخابات، وسوف توجهها نحو تحقيق فكرة الاندماج، ومن المحقق أن تسفر الانتخابات في الجزائر على نتائج سوف لا تكون أكثر حظا وتوفيقا من الانتخابات السابقة).
(1) صحيفة (لوموند) 16 و17 تشرين الثاني - نوفمبر - 1958.
وذكرت (صحيفة فرنسية)(1) أخرى ما يلي: (لقد بدأ الصراع، وكان هناك خوف في الجزائر من أن يتربع في أية لحظة المسلمون الذين سجلت أسماؤهم في القوائم الفرنسية، ومع ذلك، فالجيش الفرنسي ذاته هو الذي انتقاهم واختارهم من جملة الموظفين ورؤساء العصابات في الجزائر، وقبيل إقفال باب الترشيح بساعات قليلة، عرفت أسماء أربعين من الثلاث والخمسين مسلما الذين رشحوا للانتخابات، لكنه ينقصهم الشرط الأساسي، وهو أهلية التمثيل، فلا يوجد واحد منهم تتوافر فيه شروط تلك الأهلية، ومعنى هذا أن خطة الجنرال ديغول قد خابت تماما، وفشلت في الوصول إلى أهدافها
وتعرض الوزير السابق (آلان سافاري)(2) في مقال له تحت عنوان (لماذا انسحبت من معركة الانتخابات) فقال ما يلي: (لقد بات من المحال إنشاء قوة ثالثة بين القوتين المتصارعتين في الجزائر، أو زج أي نظام ديموقراطي بينهما، وما من قوة في الجزائر تستطيع التدخل بين الجيش الفرنسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية، لأنه من المسلم به أن النخبة الجزائرية كلها اليوم في الجبال أو مهاجرة أو معتقلة في السجون والمحتشدات الفرنسية).
تناقلت وكالات الأنباء العالمية أخبار (هذه المهزلة الانتخابية) وانتظمت مجموعة الصحف في معظم دول العالم في ما يشبه الجوقة الواحدة للتنديد بهذه الظاهرة (الديموقراطية) المريضة. واشتركت
الصحافة الفرنسية في فضح (لعبة التمثيل الانتخابي) و (سياسة
(1) صحيفة (الأكسبريس) الفرنسية 13/ 11/ 1958.
(2)
صحيفة (الأوبسرفاتور) 13/ 11/ 1958.
الدمج الفاشلة)،غير أن ذلك كله لم يقنع الجنرال ديغول بخطأ سياسته، فسافر من جديد إلى الجزائر في كانون الثاني - يناير - 1959، ليتحدث إلى النواب الجزائريين الذين انتخبوا حديثا، على الرغم من أنهم لم يكونوا الممثلين الحقيقيين الذين كان يأمل في أن يبحث معهم المستقبل السياسي للجزائر وتوغل بعد ذلك في الصحراء ليطلع على أعمال التنقيب عن الزيت والغاز الطبيعي التي يعتمد عليها في تنفيذ برنامجه الاقتصادي، وقد أعلن في (واحة توغورت) (1) ما يلي:
(يجب أن تكون الصحراء منطقة عظيمة من مناطق المستقبل بين عالمين، عالم البحر الأبيض المتوسط، وعالم أفريقيا السوداء، وبين عالم المحيط الأطلسي، وعالم حوض النيل والبحر الأحمر - ولا ريب في أن فرنسا مهتمة كل الاهتمام بهذا العمل العظيم
…
أما بالنسبة إلى هؤلاء القادمين حديثا إلى ميدان الحرب الأهلية، فعليهم أن يفهموا أن صفحة النضال قد طويت، وقد غدت أمامنا الآن صفحة من التقدم ومن الحضارة ومن الأخوة التي كانت مفقودة؛ إنها صفحة رجالنا، فلتعش الصحراء! ولتحيا فرنسا!). وقد أطلق ديغول في رحلة عودته الى الجزائر على زعماء الثورة صفة المتعصبين، وكان قد وصفهم من قبل بالشجعان. وظهر واضحا أن (ديغول) قد أقفل عن عمد الطريق لإيجاد تسوية سياسية، وانصرف لتنفيذ مشروعه للإصلاح الاقتصادي، في الوقت الذي تابع الجيش عملياته للقضاء على الثورة بالقوة العسكرية.
(1) الجزائر الثائرة - جوان غيلسبي - تعريب خيري حماد - دار الطليعة - بيروت - 1961 ص 204.
أدرك (ديغول) أن اصطلاح (الدمج) قد تجاوزه الزمن، ولهذا فقد مضى لتطبيق سياسة الدمج من غير الإعلان عنها، ومن غير تسميتها باسمها، وتحت اصطلاح جديد. وقد امتنع عن ذكر لفظة الدمج، وقال:(ان جزائر الأجداد قد ماتت، وإننا يجب أن نعترف بأن للجزائر الجديدة شخصيتها المتميزة).
وقد قالها هو نفسه، وقالها الساسة الذين يعملون معه:
(إننا لا نذكر لفظ الدمج، ولكن هذا الهدف سيتحقق في المدى البعيد، بنتيجة السياسة التي نعمل لها).
وهذا ما دفع عضو مجلس الدولة الفرنسي (جيلني) للقول:
لقد صفقت كغيري من الناس للكلمات الفخمة، الرنانة، التي قالها (الجنرال ديغول) في ندوته الصحافية عن الجزائر، ذلك أنه من المهم جدا أن يتم الاعتراف بالشخصية الجزائرية، وأن يعبر الجنرال ديغول عن أمله في مشاركتها مشاركة متينة مع فرنسا. ولكن قبل هذه الكلمات توجد الحقائق والوقائع، وعندما أمعن النظر، لا أجد مناصا من أن ألاحظ أن الإجراءات الإيجابية الواقعية الوحيدة التي اتخذت حتى الآن هي (إجراءات دمج) وهي كما يلي:
1 -
تقسيم الجزائر إلى مقاطعات فرنسية.
2 -
تنظيم البلديات الفرنسية في الجزائر.
3 -
توحيد طوابع البريد في البلدين.
4 -
حذف كل تمثيل (شخصي) للشخصية الجزائرية.
5 -
انتخاب نواب عن الجزائر في البرلمان الفرنسي.
6 -
إدماج الموظفين المسلين في إطارات - كادرات - الموظفين الفرنسيين بفرنسا.
7 -
إدماج مؤسسة الخطوط الحديدية الجزائرية بمثيلتها في فرنسا.
وأمام وضع كهذا لا أعجب أبدا من رد الفعل الذي قام به الوطنيون الجزائريون ردا على ندوة الجنرال ديغول، لأنهم وطنيون (شجعان) كما وصفهم ديغول ذاته، معترفا بحقيقة لم يعد بالمستطاع إنكارها).
وكذلك ما قاله مندوب ديغول - دولوفرييه - في الجزائر يوم 10 - آذار - مارس - 1959. حيث أعلن ما يلي:
(
…
هناك ثورتان تجريان اليوم في الجزائر: أولهما هي ثورة البترول والغاز في الصحراء، والثانية هي هذا المجهود الذي لم يسبق له مثيل في الميادين الاقصادية والاجتماعية والبشرية، والتي تريد فرنسا أن تقضي بها على المشاكل التي أوجدت حركة الثورة الجزائرية حتى تصبح هذه الثورة غير ذات موضوع) (1).
لقد كان هدف سياسة (ديغول) هو (استيعاب الثورة) وتطوير عملية (النهب الاستعماري)، ولم يكن هذا الهدف بعيدا عن أنظار قادة الثورة، فقد أعلنت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فور ظهور نتائج الانتخابات المزيفة عن موقفها ببيان رسمي نشرته على العالم، وتضمن ما يلي:
(إن نتائج الانتخابات التي أعلنتها السلطات الفرنسية في الجزائر، لا يلتزم بها الشعب الجزائري بأي حال من الأحوال. إن هذه الانتخابات لا تعبر إلا عن رأي جيش الاحتلال الفرنسي في
(1) سقوط ديغول (السيد الشوريجي) كتب سياسية - 142 - الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة - 1960 ص 26 و31 - 32 و34 - 35 و36.
الجزائر، ولقد قامت حكومة الجنرال ديغول بعملية الانتخاب في الجزائر لتؤكد استمرارها فى التنكر لإرداة الشعب الجزائري، وإن عمل حكومة الجنرال ديغول هذا بدلا من أن يساعد على إعادة السلم في الجزائر، أكد أنه المناصر الوفي للنظام الاستعماري الذي يعتمد على القوة والخداع).
وعالجت مجلة (المجاهد) الجزائرية، موقف (ديغول) وسياستة بقولها:
(إن المشكلة في حقيقة الأمر، ليست في القمع، ولا في الانتخابات، وليست في البترول ولا في الخبز، وإنما في شيء يرمز إلى كل ذلك، وإلى ما هو أوسع وأعظم، وهو أن ثورتنا تسير اليوم تحت ظل علم وطني، وبقيادة حكومة وطنية، وتحت رائد الاستقلال الوطني.
هذه هي الأهداف الأساسية، والبقية فروع، وفرنسا الآن مهتمة بالفروع ظنا منها أننا سننسى الأصل. إن الجزائر أيضا يتحداها التاريخ، وليس انتصارها من باب الممكن، بل إنه عندنا يقين وعمل يتجدد بتجدد طلوع الشمس).
وعادت مجلة (المجاهد) لترد على مشاريع (ديغول) الإصلاحية، بقولها:
(تستطيع فرنسا إعطاء الشعب الجزائري - نوابا - بلديين أو برلمانيين، ولكن الثورة تبقى إلى جانب ذلك مستمرة، ولا تستطيع فرنسا أن تفعل شيئا بنوابها لإيقاف الثورة، ولا تستطيع حتى أن تخدع بتلك الصنائع الرأي العام العالمي.
وتستطيع فرنسا أن تقيم المشاريع الاقتصادية في بلادنا، وتحمل
طبقاتنا الشعبية على العمل في تلك المصانع، ولكن الثورة تبقى مستمرة إلى جانب تلك المصانع وإلى جانب ما سماه - دي لوفريي - ثورة البترول والإصلاح. ومن الممكن جدا أن تستفيد بعض الطبقات الشعبية من هذه المشاريع، ولكن استفادتها سكون عنصر قوة لثورتنا ولن تكون عنصر ضعف.
وباستطاعة فرنسا تحسين ما شاءت أو ما تمكنت من تحسينه على أوضاعنا الإدارية والاجتماعية والاقتصادية، ولكن لتثق فرنسا أن ذلك كله سيزيد من قوة ثورتنا، مثلما كانت، وما تزال، المجازر وأعمال التدمير والاعتداء على الحرمات قد زادت من قوة ثورتنا.
الثورة دائما مستمرة، لأن هدفها الأول والأخير هو أن يزول هذا الوجه الاستعماري من على أرضها إلى الأبد، وبعد ذلك، سيكون النواب أعضاء في البرلمان الجزائري لا الجمعية الوطنية الفرنسة، وستصبح هذه المصانع ملكا للشعب الجزائري وليست ملكا للفرنسيين، وهذا هو الفرق الشاسع بين أهداف الثورة، وبين محاولات المستعمر
…
).
لقد اصطدمت سياسة (ديغول) بمجموعة من العقبات والمقاومات، لا على مستوى الجزائر أو على مستوى الصراع المسلح، أو حتى على مستوى الصراع السياسي، وإنما على مستوى فرنسا ذاتها وعلى المستوى العالمي؛ فقد أصيب الاقتصاد الفرنسي بالتدهور، وظهر بوضوح أن مشاريع ديغول للإصلاح الاقتصادي في الجزائر (مشروع قسنطينة) لن تتمكن من النهوض بسبب ما تتطلبه من قدرات وإمكانات تزيد على ما تمتلكه فرنسا من القدرات والإمكانات الأمر الذي أرغم فرنسا على الخضوع لألمانيا - الغربية - وقبول هيمنتها التقنية والاقتصادية وحتى