الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
3 -
سياسة ديغول
كان للثورة الجزائرية تأثيرها العميق على الحياة الفرنسية في كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، وقد حمل المجاهد الجزائري سلاحه ليهز دعائم الاستعمار ويقوض بنيانه، فكان من أبرز ثمار تضحياته ذلك الاضطراب الذي انعكس على الصفحة السياسية لفرنسا طوال سبع سنوات ونيف من الصراع المستمر، والذي أدى إلى تغيير نظامين هما:(الجمهورية الرابعة) و (الجمهورية الخامسة) إلى جانب تبديل أربعة من القادة، وتغيير (سبع حكومات فرنسية). غير أن أكبر تحول حدث في مسيرة الصراع هو (إنقلاب 13 أيار - مايو - 1958) والذي حمل (ديغول) إلى سدة الحكم، وحمل معه (جمهوريته الخامسة)؛ وذلك بعد سلسلة من الأزمات الحادة التي تركت فرنسا في حالة من الفراغ السياسي المرعب - للفرنسيين طبعا - وجاء (ديغول) على أمل (وضع حد لمأساة فرنسا) و (إخراجها من الوحل).
…
لم يكد ديغول يجمع في يديه سلطات الحكم في فرنسا بعد أن وافقت الجمعية الوطنية على منحه هذه السلطات لمدة ستة شهور
حتى قرر مواجهة المشكلة الأولى التي تعانيها فرنسا - مشكلة الجزائر - فقرر القيام بزيارة ميدانية للجزائر، ومن هناك يعلن موقفه من هذه المشكلة وطريقة معالجته لها. وتطلع العالم كله إلى الكلمات التي سينطق بها (ديغول)، وكان هناك أمل لدى الكثيرين أن (ديغول) لن يخضع للمستوطنين، بعد أن تمكن من كل شيء، وأنه سيغلب مصلحة الشعب الفرنسي على (مصلحة المائتي عائلة).
ولكن، لم يكد (ديغول) يصل إلى الجزائر يوم 4 حزيران - يونيو - 1958، حتى أعلن أن إنقلاب (13 أيار - مايو -) قد بعث فرنسا من جديد، وأنه يوافق على كل ما فعله زعماء هذا الانقلاب، ثم عقد اجتماعا ضخما حضره آلاف الفرنسيين المستوطنين بالجزائر. وقال:(إن كل المواطنين في الجزائر سيصبحون فرنسيين، ولم يعد في الجزائر مسلمون وفرنسيون كما كان الحال في الماضي) وأعلن بعد ذلك أنه سيجري انتخابات عامة تشترك فيها الجزائر، مسلموها وفرنسيوها على السواء؛ وطلب إلى المجاهدين (إلقاء السلاح والدخول في هذه الجزائر الجديدة، الجزائر الفرنسية، وقال إنهم أبطال شجعان، اضطروا لحمل السلاح لأن السياسة الفرنسية فيما مضى هي التي كانت تفرق في المعاملة بينهم وبين الأوروبيين، ولكن عهد المساواة قد بدأ الآن، ليفتح المجال أمام الصلح).
وسافر (ديغول) في اليوم التالي إلى قسنطينة، ثاني مدينة في الجزائر، حيث ردد نفس المصطلحات مع مزيد من الإيضاح: (فقال إنه ميحقق المساوة بين المسلمين والفرنسيين فيما يتعلق بالاشتراك في الاستفتاء على الدستور الفرنسي الجديد، وانتخابات الجمعية الوطنية، وعاد فناشد المجاهدين الكف عن القتال، وبدء
عهد جديد من العلاقات الودية مع فرنسا).
وصل (ديغول) في رحلته إلى (وهران) يوم 6 حزيران - يونيو - 1958.وقال فيها:
(إن فرنسا موجودة في الجزائر، وستبقى بها ممثلة في رجال الجزائر رنسائها، وإني سأعمل على إزالة الخلافات السياسية بين
فرنسا والجزائر). وفي يوم 8 حزيران - يونيو - ألقى خطابا في (مستغانم) قال فيه (تحيا الجزائر الفرنسية).
أسرعت جبهة التحرير، فردت على (ديغول) وأعلنت رفضها لمشروع (دمج الجزائر بفرنسا).
وعقد بعد ذلك مؤتمر في تونس ضم ممثلين عن أقطار المغرب العربي - الإسلامي في الفترة من 17 الى 20 حزيران - يونيو - وقرر المؤتمر استنكار السياسة التي أعلنها (ديغول) وقد تضمن البيان الختامي للمؤتمر ما يلي: (يرى المؤتمر أن هذه السياسة لن تؤدي إلا إلى توسيع نطاق حرب الإبادة التي تشنها فرنسا ضد شعب عقد العزم على المقاومة والكفاح حتى لا تكون له جنسية غير الجنسية الجزائرية، وصمم ألا يحيا إلا حياة شعب مسالم حر، وهو لذلك يرفض كل برنامج يهدف إلى الإدماج، ذلك النظام الذي استنكرته شعوب أفريقيا التي تعلن تمسكها بالمباديء التي تم الاتفاق عليها في - طنجه - ويعلن المؤتمر حق الشعب الجزائري في السيادة والاستقلال. وإن هذا الحق هو الشرط الوحيد لحل النزاع
…
). وعلقت صحيفة (الأومانيتيه) الفرنسية (1) على جولة (ديغول) في الجزائر - بما يلي:
(1) سقوط ديغول (كتب سياسية - 142) لدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة. =
(كان أول عمل حكومي قام به - ديغول - هو تبني رأي المتطرفين في إدماج الجزائر بفرنسا، رغم أن هذا الرأي يصطدم بالحقيقة التاريخية، ألا وهي الأماني القومية للشعب الجزائري. إن تصرفات - ديغول - هذه تتعارض مع شعور الفرنسيين الذين حنكتهم التجارب، والذين يريدون الوصول إلى حل سلمي لتسوية النزاع الجزائري - الفرنسي على أساس المفاوضات. وإن الاعتراف بحق الجزائر في نيل استقلالها هو السبيل الوحيد الذي يمهد لمثل هذه المفاوضات، ولإنشاء علاقات جديدة بين فرنسا والجزائر، تقوم على تجاوب المصالح وصداقة الشعبين
…
).
وهاجمت صحيفة (كوريير دي لاسيرا) الايطالية سياسة (الدمج) التي تبناها (ديغول) في مقال لها تضمن ما يلي: (إن أكثر الأشياء بروزا في فرنسا هو خلو صحافتها من أي درس عميق وجدي للمشكلة الجزائرية، ومع ذلك فإن كل فرنسي يعلم أن هذه المشكلة هي السبب في إغراق الجمهورية الرابعة، وأنها بصورة خاصة السبب في المناداة بالجنرال - ديغول -. لقد مضى على فرنسا إثنا عشر عاما وهي تغرق نفسها، وتنزف دماءها من أجل الدفاع عن امبراطورية استعمارية تخجل من تسميتها باسمها الحقيقي، فهي تمدد في عمر مشاكلها لأنها عجزت عن النظر فيها نظرة صريحة إيجابية، وإن المستعمرات لم تكتف باستنفاذ أموال فرنسا، بل أنهكت أعصاب الفرنسيين، وعجلت بقلب نظام الحكم. إننا لسنا في حاجة للدخول في الجزئيات، بل نكتفي بالملاحظة التالية وهي أن فرنسا، في سبيل الدفاع عن مستعمراتها، اندفعت إلى تأسيس
= (17 - يناير - كانون الثاني - 1960) ص 6 - 14.
جيش يفوق بكثير إمكاناتها وقواها البشرية والاقتصادية والمالية، وبعد ذلك، وجدت نفسها سجينة ذلك الجيش، وكلما استمرت الحرب الجزائرية، فإن فرنسا - وليست الجزائر - هي التي ستعيش في أغلال جيشها، وحتى ديغول، فإنه يجب عليه أن يحسب ألف حساب لهذا الجيش، ورغم ذلك فإنه سيعجز عن السيطرة عليه، ثم إن الجنرال (ديغول) الذي اختار اليوم سياسة الإدماج، قد نسي على ما يظهر أنها عرضت على الجزائر منذ سنة 1946 ولكن من غير جدوى، كما نسي الجنرال أن شمال أفريقيا هو موطن الإسلام واللغة العربية وتاريخها وحضارتها. ولقد رفضت الهند الصينية والمغرب وتونس البقاء داخل تلك - الوحدة الفرنسية - التي يقال أنها حرة، والتي كلفت فرنسا نصيبا وافرا من الدماء، والمليارات من الفرنكات، وعلى الرغم من ذلك، فما زال الفرنسيون متشبثين (بإدماج المائة مليون فرنسي) الذين لا يرغبون في الجنسية الفرنسية).
وعلى الرغم من ذلك أيضا فقد مضى ديغول بعناد لتنفيذ مخطط الدمج، فأعلن مشروعه الجديد للدستور، ودعا الفرنسيين والجزائريين وكل سكان المستعمرات الفرنسية في أفريقيا للاستفتاء على هذا الدستور، وقد يكون من المناسب التوقف قليلا عند استعدادات فرنسا لهذا الاستفتاء.
لقد ذكرت (صحيفه فرنسية)(1) ما يلي: (لقد وقع العزم على أن تكون عملية الاستفتاء في أرض الجزائر للاقتراع على الدستور الفرنسي الجديد ممتدة إلى عدة أيام بحيث تتفرغ كل جهة من
(1) صحيفة (لوموند) 2/ 8/ 1958.
الجهات في وقت مخصص لها وتقول السلطات العسكرية الفرنسية إن إجراء الاستفتاء على هذه الطريقة، يسمح بإرسال أكبر عدد من الجند لها قصد عملية الاقتراع وحمايتها).
وهذا نص رسالة رسمية عسكرية صادرة عن أركان الجيش الفرنسي بجنوب الجزائر تحت رقم (1247/ ر - ز - 1/ 5) بتاريخ 27 تموز - يوليو - 1958 - تحمل عنوان (كيف يجب أن تبدأ عملية الاستفتاء)(1) وتضمنت ما يلي:
(نرى من العبث أن نؤكد لكم من جديد مصلحة فرنسا الحيوية في نجاح هذا الاستفتاء. إن إخفاق العملية معناه الفشل النهائي الذريع للسياسة التي أعلنا عنها منذ يوم 13 أيار - مايو - وبناء على هذا فإنه يجب على الجيش الفرنسي الذي يملك الآن بين يديه زمام السلطتين المدنية والعسكرية، يجب عليه أن يقوم بحملة من أجل:
أولا: الإحراز على أغلبية عظيمة جدا حول كلمة - نعم -.
ثانيا: المبادرة بالقيام بحملة نفسانية - بسيكولوجية - عظيمة، تكون أولى نتائجها تهيئة السكان وإعدادهم للمشاركة لقول كلمة - نعم-.
ويجب من أجل حمل السكان المسلمين على هذا العمل أن نخلق بين جمعهم - خيال - ديغول).
وتضمنت التعليمات الشفهية التي تلقاها الضباط الفرنسيون من قيادة المصلحة السيكولوجية الفرنسية بالجزائر ما يلي -:
(يجب أن تكون نتيجة الاستفتاء في الجزائر وبصفة جماعية:
(1) صحيفة (لوموند) 13/ 8/ 1958.
نعم يا ديغول، والهدف الذي نريده من هذا هو مد النقص الذي سيحصل في فرنسا من الذين يقولون - لا -. أما السكان المسلمون فيجب أن تحملهم عربات عسكرية إلى مكاتب الاستفتاء، ويجب إلقاء القبض بكل سرعة على الذين يمتنعون منهم عن المشاركة في عملية الاقتراع، أما المسلمون الذين يختفون يوم الاستفتاء فمن السهل اعتبارهم قد شاركوا فعلا في الاقتراع. هذا وقد تم تخصيص مبالغ طائلة لإنفاقها في سبيل نجاح الاستفتاء، من ذلك القيام بجولات دعائية واسعة توزع خلالها الأقمشة على النساء والحلوى على الصبيان، على شرط أن يسبق هذه العملية مظاهرة تحية الجيش والجنرال ديغول؟!) (1).
ولم يبق بعد ذلك على سلطات (ديغول) إلا أن تعلن عن النتائج كما تريدها، وقد أعلنتها فعلا فكانت نتائج الاستفتاء هي:(96،5) في المائة أجابوا (نعم) و (3،5) في المائة أجابوا (لا) وهذه النسبة تشير إلى تقسيم الأصوات إلى صالحة، وغير صالحة، ولكنها لا تتحدث عن القصة كلها. فقد تم تسجيل (4،335،009) من الناخبين، اقترع منهم (3،445،060) وكان بينهم (3،416،088) أصوات صالحة، اقترع منهم (3،299،908) بنعم، و (115،791) بلا. وإذا ما تم التدقيق في أرقام التسجيل التي تضم طبعا جميع المستوطنين الصالحين للاقتراع والجنود الفرنسيين، فسيظهر بأن هناك عددا كبيرا من الجزائريين لم يسجلوا في القوائم الانتخابية قد يبلغون المليون، لأنهم تمكنوا من تجنب التسجيل على الرغم من جميع المحاولات التي قام بها الفرنسيون،
(1) صحيفة (اومانيتييه) 19/ 8/ 1958.
وكذلك الجولات التي قام بها الضباط - بصورة شخصية - على القرى - لتسجيل المقترعين، وهؤلاء الذين لم يسجلوا، لم يكوبوا جميعا من أعضاء جيش التحرير الوطني، بل جزائريين يعارضون الحكم الفرنسي وهكذا تظهر هذه الأرقام أيضا أن أكثر من مليون شخص من الذين سجلوا لم يقترعوا أيضا، وجميع هؤلاء طبعا من الذين لو اقترعوا لقالوا (لا) إذ أنهم كلهم من الجزائريين المسلمين، وتكون نتيجة أرقام الفرنسيين أنفسهم، أن أكثر من مليوني جزائري، أي أكثر من نصف عدد الذكور البالغين قد تمكنوا من إظهار معارضتهم للنظام الاستعماري الفرنسي، بشكل أو بآخر. ولم تحاول جبهة التحرير أن تهتم (بلعبة الأرقام) هذه منذ البداية، بل أعلنت استنكارها للاستفتاء على أنه تزييف للنظم الديموقراطية. وكما وقع في معركة الجزائر ذاتها، لم تكن كفتا الميزان في معركة الاستفتاء متعادلتين، ذلك لأن وطأة ضغظ الجيش الفرنسي، وقعت على المدنيين من الجزائريين، وهم أقل قدرة على المقاومة والاحتمال. وكان على الجيش الجزائري أن يختار بين أحد أمرين: أما أن يستخدم القوة لمنع الشعب الجزائري من الاشتراك في الاستفتاء، أو أن يسمح لهم باتخاذ موقف (عمل ما يمكن عمله) ليجنبهم عنف الجيش الفرنسي وإرهابه، وقد ترك الجيش الجزائري اتخاذ القرار النهائي للقادة المحليين، وبالطبع، آثر الكثيرون منهم عدم اتخاذ أي إجراء عسكري فجاءت نتيجة الاستفتاء الظاهرة، بانتصار الفرنسيين شيئا مؤلما (1).
(1) الجزائر الثائرة (جوان غيلسبي) تعريب خيري حمان - دار الطليعة - بيروت - 1961 ص 199 - 200.