المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ١٤

[بسام العسلي]

الفصل: ‌ ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة

5 -

‌ ديكتاتورية ديغول في الجمهورية الخامسة

تولى الجنرال (ديغول) السلطة على أمل (إنقاذ فرنسا)، وعلى هذا الأساس طلب إلى (الجمعية الوطنية الفرنسية) منحه سلطات استثنائية، ووافقت الجمعية الوطنية على طلبات (ديغول) بأغلبية ساحقة، ومضى ديغول لتحقيق المعجزة، على ما كان يعتقده، مستثمرا (هيبته الشخصية)، لكن هيبة الرجل الأبيض، وتفوق القائد العسكري، كانت قد انمحت من أذهان الثوار الجزائريين. ومضت الأيام متلاحقة والشعب الفرنسي يتململ ويتذمر تحت أعباء الحرب، وينتظر في (لهفة) حدوث المعجزة. لكن هذه لم تحدث، فديغول لم يوقف الحرب، وإنما على النقيض من ذلك فقد أسهم في زيادة تأججها، وشباب فرنسا الذي يقضي إجازته على رمال الجزائر الحارة الملتهبة لا زال هناك، وصار حجم القوات الفرنسية في الجزائر يناهز المليون. واستمرت السفن الفرنسية في حركتها ما بين فرنسا والجزائر وهي تنقل كل يوم المزيد من القوى ووسائط القتال، وتعود حاملة معها دفعات جديدة من القتلى والجرحى الذين أصبحوا - نهائيا - خارج القتال. وظل المشهد الحزين يتكرر في موانىء فرنسا في عهد الرئيس (ديغول) مع فارق بسيط، وهو أن

ص: 189

عدد المنتظرين قد زاد كثيرا عما كان عليه في العهود السابقة. كان مشهد الأرامل، والأمهات الثكالى، والأطفال الأيتام، وحاملي النعوش وباقات الورود، كانوا كلهم ينتظرون جثث الضحايا الذين قتلتهم سياسة (ديغول) فوق أرض الجزائر، في سبيل قضية ليست هي قضية الشعب الفرنسي، وإنما هي قضية المائتي عائلة التي استوطنت في الجزائر واستثمرتها. وهكذا مضت سياسة ديغول: إبادة للمسلمين في الجزائر، ومأتم مقابل في فرنسا، وكل الصور التي شهدها الشعب الفرنسي في عهود (غي موليه) و (مونوري) و (غايار) عاد مرة أخرى ليشهدها في عهد (ديغول) ولكن على نطاق أوسع وعلى شكل أضخم.

وبصرف النظر عن كل شيء، فقد كان الحال في عهد (غي موليه) وخلفه، أحسن مما أصبح عليه الحال في عهد (ديغول) من وجهة نظر الفرنسي على الأقل. فقد كان هذا الشعب المنكوب بعقلية الاستعمار، والمصاب بعقدة (العظمة) يستطيع في الأيام الخوالي أن يعبر عن أزمته، وأن يفرج عن كربته بالمظاهرات والاضطرابات والاحتجاجات، وكان يجد عزاءه في صخب النواب بالجمعية الوطنية، وفي ضجيح الأقلام على أوراق الصحافة، كما كان يجد سلواه في إسقاط حكومة ورفع غيرها مع ما يرافق ذلك من أمل في الوصول الى حل منشود، ولكن في عهد (ديغول) لا عزاء، ولا سلوى، ولا أمل

لقد وضع الرئيس ديغول الشعب الفرنسي في سجن كبير حتى يصبح عاجزا عن مقاومة مخططاته ومشاريعه، وذلك عن طريق مجموعة من القوانين التي أصدرها لمجابهة الموقف المتدهور يوما بعد يوم. وكان من أول القوانين، وأكثرها خطورة (قانون الدفاع

ص: 190

المدني) الذي ينص على اعتبار فرنسا في حالة حرب دائمة، ولا فرق في هذا بين حالة الحرب العدوانية والحرب الدفاعية، وبات من حق - ديغول - وفقا لهذا القانون؛ أن يمارس جميع السلطات وأن يستخدم جميع الصلاحيات التي تمنحه إياها حالة الحرب، وأول تلك الصلاحيات هي حق الاعتقال والمصادرة وقمع المعارضة. ثم أصدر - ديغول - (قانون الصحافة) فأخضعها لرقابة السلطة الجديدة - سلطة الحرب - وبذلك قضى على حريتها التي اشتهرت بها، وتبع ذلك إصدار (قانون الاصلاح القضائي أو العدلي) الذي منع بموجبه المحاكم من النظر في القضايا المتعلقة بممارسة الحكومة لصلاحياتها وسلطاتها الاستثنائية، فحد بذلك من رقابة (السلطة القضائية)، وحرم الشعب الفرنسي بذلك من الملجأ الأخير له ضد تعسف السلطة الجائرة التي فرضها - ديغول - عليه. ليس هذا فحسب، بل إنه عمل على تمديد أجل الخدمة الإلزامية

للمجندين العاملين في حرب الجزائر، فجعل مدتها (24) شهرا، بموجب (قانون الدفاع المدني). وظن ديغول أنه بهذه الإجراءات سيتمكن من مجابهة ظروف (حرب الجزائر) ومتطلباتها، على نحو أفضل، غير أنه ما لبث أن وجد نفسه أمام موقف معقد، إذ باتت نفقات الحرب شديدة الوطأة حتى أنها وصلت إلى مبلغ ثلاثة ملايين دولار يوميا. وعلاوة على ذلك، فإن زج نصف مليون مجند فرنسي جديد - في حرب الجزائر - قد حرم فرنسا من القدرة الانتاجية لهؤلاء المجندين، وأضعف من قوة (الدخل القومي)، وظهر لفرنسا أن الأزمة هي بالدرجة الأولى (أزمة اقصادية) وبات على ديغول إيجاد مخرج مناسب لها.

لقد انصرف رجال المال والاقتصاد في فرنسا خاصة، وفي

ص: 191

أوروبا عامة، وأجمع رأيهم على حقيقة واحدة وهي أن (حرب الجزائر) هي سبب الأزمة الاقتصادية التي أغرقت فرنسا، وأنه من المحال إجراء أي اصلاح حقيقي إلا بإيقاف الحرب، إذ أن مصير كل محاولة للإصلاح الاقتصادي أو السياسي هو الفشل طالما أن هناك جيش فرنسي يضم نصف مليون جندي، يتابع محاولاته للاحتفاظ بالجزائر جزءا من فرنسا. وتجدر الاشارة هنا إلى ما أوردته صحيفة ألمانية تعرضت لمعالجة الموقف بقولها:(تكلف الحرب الجزائرية مبلغا قدره سبعة مليارات مارك على الأقل في العام، ويشكل ذلك خطرا كبيرا على البرامج الاقتصادية التي تسعى فرنسا لتحقيقها بمساعدة حلفائها، الذين يضيقون الخناق عليها).

وكان لا بد لديغول وهو يحاول إيجاد مخرج للأزمة الاقتصادية من اللجوء إلى الحلفاء الأوروبيين، وكان عليه مقابل ذلك أن يقدم تنازلات لهؤلاء الحلفاء، وأن يتخلى عن كثير من المواقف التقليدية لسياسة فرنسا تجاه أوروبا، وبصورة خاصة تجاه ألمانيا الغربية، حيث كانت فرنسا تقف باستمرار ضد كل محاولة لبعث ألمانيا أو زيادة قدرتها أو توحيدها متأثرة بذلك بالجراح العميقة التي خلفتها المانيا في الجسم الفرنسي في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقد وصف اقتصادي فرنسي، هذا الموقف بقوله:

(

لقد اضطررنا إلى طلب المساعدة الأولية، ومن أجل ذلك دخلنا في مفاوضات وتوسلات طويلة نالت من كرامتنا إلى حد أننا قبلنا الشروط المفروضة، ووعدنا بالامتثال للنصائح المقدمة من طرف الدول التي أقرضتنا، فكانت نتيجة الخضوع لتلك الشروط والنصائح أن انخفض مستوى معيشة الجمهور الفرنسي، وانخفضت قيمة الأجور، لا بالنسبة بمستوى الأجور التي يتقاضاها

ص: 192

العامل، أو الموظف، وإنما بالنسبة للقيمة الشرائية بالمقارنة مع ارتفاع الأسعار. كما انخفضت في الوقت ذاته قدرتنا الانتاجية. وأصبح اقتصادنا متوقفا من جديد على المساعدات الخارجية التي أصبحت من ناحيتها عسيرة جدا. وأمام هذه الاعتبارات لا يسعنا إلا أن نعرب عن مخاوفنا في مواجهة المستقبل الذي ينتظر الجمهورية الخامسة في المجالين الاقتصادي والمالي).

وهكذا، قبلت فرنسا أن تشارك في إحياء العسكرية الألمانية، كما قبلت أن تشترك مع ألمانيا في مجموعة من المحالفات والاتفاقات الأوروبية، مثل (اتفاقية حلف شمال الأطلسي) و (اتفاقية السوق الأوروبية المشتركة) و (اتفاقية اليورانيوم) و (اتفاقية الاتحاد الأوروبي للفحم والصلب) و (اتفاقات باريسر التي تسمح لألمانيا بالتسلح وإنشاء جيش قوي في داخل إطار حلف شمال الأطلسي). وحينما تولى (ديغول) الحكم، توقع جميع المراقبين السياسيين منه تغيير هذه السياسة، وكان يقال: بأن (غي موليه) و (جايار) قد تساهلا كثيرا تجاه ألمانيا، وخضعا لتغلغلها هذا على حساب فرنسا، وتحت ضغط الانهيار الاقتصادي، والحاجة الملحة لقروضها ومساعداتها. وقيل أيضا: إنه إذا ما قبل أسلاف - ديغول - الهيمنة الألمابية، فإن ديغول بالذات لا يمكنه قبول هذا الوضع أو الاستمرار فيه، وهو القائد الذي حارب ألمانيا، وذاق مرارة الاعتقال في السجون الألمانية أيام الحرب العالمية الأولى، على أن (ديغول) لم يكد يتولى الحكم حتى صرح بأنه لا ينوي المساس بالاتفاقات الأوروبية التي باتت فرنسا مرتبطة بها. وذهب ديغول إلى أبعد مما ذهب إليه أسلافه، فقد قام بزيارة رسمية لألمانيا الغربية في أيلول - سبتمبر - 1958، وعقد محادثات رسمية وسرية مع مستشار ألمانيا

ص: 193

في تلك الفترة (أديناور)، وصدر البيان المشترك لهذه المحادثات يوم 14 - أيلول - سبتمبر - وهو يعلن:(أن التعاون الوثيق بين جمهورية ألمانيا الاتحادية وفرنسا يساعد على دعم حلف شمالي الأطلسي وتقويته). وبعد ذلك بأيام قليلة، كتب (الجنرال شاسان) وهو أحد زعماء انقلاب 13 أيار - مايو - ومن أشد أنصار (ديغول) والمقربين إليه - ما يلي: (

يجب أن تمنح ألمانيا حق إنتاج القنبلة الذرية، بل واستخدامها عند الضرورة). ومقابل هذا التنازل الفرنسي، وعدت ألمانيا أن تقف إلى جانب فرنسا بكل ثقلها في حرب الجزائر، وفي مشاريع (استغلال الصحراء الجزائرية)، كما وعدت أن تمد فرنسا بكل ما تطلب من قروض ومساعدات حتى تستطيع متابعة حربها في الجزائر.

وأدى ذلك - بالضرورة - إلى مزيد من الهيمنة الألمانية على فرنسا اقتصاديا وصناعيا وماليا غير أن هذه الهيمنة لم تنقذ فرنسا من الانهيار، ولا أنقذت اقتصادها من الدمار، فلجأ (ديغول) إلى مجموعة من الإجراءات التي زادت من أعباء الحرب الجزائرية على كاهل المواطن الفرنسي، وكان في جملة تلك الاجراءات:

1 -

فرض ضرائب جديدة حصيلتها (250) مليار فرنك سنويا.

2 -

إلغاء الإعانات الاجتماعية التي كانت تمنح للمحاربين القدماء، ولكثير من الفئات والتنظيمات الشعبية.

3 -

رفع أسعار معظم السلع الاستهلاكية، بزيادة الضرائب المباشرة.

4 -

خفض قيمة الفرنك الفرنسي بهدف الاقلال من قوته الشرائية، وتغطية التضخم، ولكن دون القضاء عليه.

ص: 194

5 -

فتح الأسواق الفرنسية أمام التجارة الخارجية - للمرة الأولى-.

ويكفي هنا لإبراز نتائج هذه الإجراءات التوقف عند تعليق (صحيفة لوموند)(1) في حديث لها موجه إلى وزير مالية (ديغول) وهو (المسيو بينيه) حيث ورد في التعليق ما يلي:

(

مهما تكن نية المسيو بينيه، فالإجراءات الاقتصادية التي اتخذها تحمل في مضمونها ما هو مخالف تماما لوجهة نظره المعروفة، وإن التجربة التي خاضها لا يمكن أن تنجح إلا بشرطين ضرورين: أحدهما لأمد قريب جدا، وهو أن تراب الحكومة مراقبة شديدة الأسعار حتى تمنع الباعة من مضاعفة نتائج التخفيض، ونتائج قطع المنح التي يجب أن لا تتسع رقعتها كثيرا. والشرط الثاني: لأمد معقول، وهو أن يخفف العبء الجزائري، حتى يمكن أن يتماشى مع توسع الاقتصاد الفرنسي، فانخفض الفرنك في عهد (ديغول) كانخفاضه في عهد (جايار) إذ أنه ليس نتيجة لخطأ - النظام - وإنما هو ثمن الحرب الدائرة رحاها في الجزائر، وكلما استمرت هذه الحرب، استمر انخفاض الفرنك، وهكذا سيكون انخفاضا ثالثا فرابعا ودواليك، واذا ما أجبر - المسيو بينيه -فرنسا على أن تفتح أبوابها لمنافسة التجارة الدولية، وحظر عليها التقلص والانكماش، للاحتفاط بعظمتها منفردة في برجها العاجي، فإنه بهذه الاصلاحات يتبع سياسة من شأنها أن تقوض أسس تلك الوطنية الاقتصادية التي هي في الحقيقة خطر داهم يتهدد الجمهورية الخامسة). وعلق اقتصادي فرنسي أيضا على تلك الإجراءات بقوله:

(1) سقوط ديغول (كتب سياسية - 142) ص 45 - 52.

ص: 195

(لم تغير كل هذه الجهود شيئا من جوهر اقتصادنا، ولم يؤثر - حتى ديغول، ذاته - على ازدهار أسهمنا وعملتنا في الأسواق العالمية، وكانت المرة الوحيدة التي ارتفعت فيها مكانتنا المالية - النقدية - منذ عودة ديغول إلى الحكم - هي تلك الفترة القصيرة التي ظن فيها رجال الأعمال أن فرنسا ستدخل في التفاوض مع جبهة التحرير الوطني).

لقد اضطر (ديغول) تحت تهديد الدول الموقعة على اتفاقية (السوق الأوروبية المشتركة) وألمانيا بالذات إلى وضع هذه الاتفاقية موضع التنفيذ الفعلي، بعد أن كانت الحكومات السابقة تؤجل تنفيذها عاما بعد عام، وكان هذا يعني:

أولا: أن تخفض فرنسا الرسوم الجمركية المفروضة على السلع المستوردة من دول الاتفاقية بواقع (10) بالمائة ابتداء من أول كانون الثاني - يناير - 1959؛ وكان هذا التخفيض يسبب لها خسارة باهظة تتمثل في مقدار الرسوم التي ستحرم منها نتيجة التخفيض.

ثانيا: أن تضاعف فرنسا من إنتاجها الصناعي بنسبة (20) بالمائة على الأقل، وأن تدخل تحسينات كثيرة على هذا الإنتاج، لكي تستطيع غزو أسواق الدول الست التي تغزو سوقها، لأنه لو عجزت فرنسا عن تصدير صناعاتها إلى هذه الدول ومنافسها في أسواقها الداخلية والخارجية بمقدار ما ستغزو هذه الدول السوق الفرنسية، لو عجزت فرنسا عن ذلك، فإن هذا سيترتب عليه نتائج في منتهى الخطورة بالنسبة للاقتصاد الفرنسي.

لم يلبث (ديغول) أن وقع في مشكلة أخرى مع (انكلترا) التي طالبت بإنشاء (منطقة التبادل التجاري الحر) وكان ذلك يعني مد نطاق السوق الأوروبية ليشمل مجموعة السبعة عشر دولة الداخلة في

ص: 196

إطار (المنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي) حتى تتمتع هذه الدول، ومن بينها (انكلترا) بالإعفاءات الجمركية، وحتى لا تختنق الصناعة البريطانية في داخل نطاق السوق الأوروبية المشتركة، إذا ما هي حرمت من هذه الإعفاءات. وحاولت فرنسا معارضة اقتراح انكلترا، ذلك لأن دخول انكلترا - إلى جانب ألمانيا - وتمتعها بالإعفاء الجمركي، سيترتب عليه القضاء على البقية الباقية من الصناعة الفرنسية والاقتصاد الفرنسي القائم على هذه الصناعة، لا سيما وأن فرنسا لم تكن قادرة على مجابهة إغراق الصناعة الانكليزية مع الألمانية لبلادها، كما أنها لم تكن قادرة على تطوير إنتاجها ومضاعفته وهما شرطا الدخول في ميدان المنافسة، وذلك بسبب اتجاه كل الجهود نحو (ميدان القتال في الجزائر).

ومضت سنتان من حكم - ديغول - (1959 - 1960) ولا زالت فرنسا مستمرة في السير على طريق التدهور، فلا الجهود الحربية نجحت في القضاء على الثورة، ولا الجهود السياسية الملتوية نجحت في خداع الشعب الجزائري، وحكومته المؤقتة، وبدأت الأمور تنذر بالشر المستطير، وظهر بوضوح أنه لا بد في النهاية من وضع حد حاسم للحرب الفرنسية ضد الجزائر.

ص: 197