الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للشعب الجزائري، يعيشون في بؤس مدقع أو في بطالة مستمرة أو استغلال مجحف. وتعد هذه الطبقة حوالي (800) ألف عائلة - أي حوالي أربعة ملايين مواطن جزائري. وكانت الجزائر- حتى الثورة -تصدر في كل سنة (86) بالمائة من إنتاجها الزراعي إلى الخارج، في حين كان معظم السكان الريفيين يعيشون على تغذية ناقصة مستديمة. وقد لا تكون هناك حاجة لاستقراء ملامح (القوانين الاستعمارية) والمبادىء التي تم وضعها طوال فترة الاستعمار؛ والتي أدت إلى هذه النتيجة المأساة.
ويكفي التذكير بذلك القانون الذي أقرته الحكومة الافرنسية خلال مناقشاتها من 3 - 10 تشرين الثاني - نوفمبر - 1856. وتم على أساسه تحديد الشروط التي تتشكل بموجبها - أملاك الدولة الافرنسية في الجزائر - وكان نص القانون بحرفيته - كالتالي: (إن سكان البلاد الأصليين الذين لا يقدمون البرهان على جدارتهم بملكية الأرض، يعتبرون أمام القانون مشتثمرين أو مستأجرين تستطيع السلطات تهجيرهم لتصبح أراضيهم ملكا للمستوطنين). وليس من الصعب بعدها على الإدارة الافرنسية التي تمتلك القوة، أن تحدد (من هم غير الجديرين بملكية الأرض من الوطنيين الجزائريين وتعمل على تهجيرهم نحو الصحراء المقفرة).
ب - الموقف السكاني - الديموغرافي
لقد تداخلت مجموعة من العوامل لتشكل في الجزائر موقفا سكانيا -ديموغرافيا - شاذا وغريبا. ومن أبرز هذه العوامل: 1 - اغتصاب
الأرض الجزائرية الخصبة من أصحابها الشرعيين. 2 - فتح باب الهجرة أمام الأوروبيين ومنحهم امتيازات كبيرة على حساب المواطنين الجزائريين.3 - عدم توافر مجالات العمل الزراعي أو الصناعي، واضطرار أبناء الريف (الجزائريين المسلمين) للزحف نحو المدن، أو حتى الهجرة من البلاد. 4 - التفجر السكاني في الجزائر، والذي يعتبر استجابة طبيعية ومضادة لمحاولات القضاء على العنصر المسلم (عربي وبربري). ويشير الاحصاء الرسمي الأول الذي جرى في الجزائر في تشرين الثاني - نوفمبر - 1948، وهو الأول من نوعه الذي جرى في الجزائر بعد الحرب العالمية الثانية، إلى أن عدد سكان البلاد بلغ (8،682،000) نسمة، منهم (7،708،000) من الجزائريين و (974) ألفا من الأوروبيين. وأشارت إحصاءات عام 1954 الرسمية إلى أن عدد السكان بلغ (9،528،000) منهم (8،486،000) من الجرائريين و (1،042،000) من الأوروبيين.
ولكن المفهوم أن عدد السكان الجزائريين قد خفض في هذا الاحصاء لأسباب سياسية. ويحتشد معظم السكان في المنطقة الساحلية الخصبة التي تؤلف نحوا من عشر مساحة البلاد فحسب .. وكانت أعلى نسبة في كثافة السكان في مقاطعة الجزائر الوسطى، بينما أخفضها في مقاطعة وهران الغربية ولا تتجاوز نسبة كثافة السكان في مناطق الصحراء الجنوبية الشاسعة شخصا
واحدا لكل ميل مربع. وتبلغ نسبة الجزاريين للأورويين في منطقة قسنطينة الشرقية أعلى النسب إذا ما أمكن مقارنتها بالمقاطعات الأخرى، إذ تباغ نسبة- الجزائرية الجبلية، وإذا ما وضع بالحسبان أيضا تقاليد أصالة الثورة في قسنطينة (من أيام
أحمد باي قسنطينة وحتى الشيخ عبد الحميد بن باديس) فسيظهر بوضوح سبب اختيار الجزائر الشرقية لتكون القاعدة الأولى للثورة، أما في منطقة وهران التي ظلت هادئة عدة أشهر بعد نشوب الثورة؛ فتبلغ نسبة الجزائريين إلى الأوروبيين نسبة الخمسة إلى الواحد. وعلى كل حال، فقد يكون من المناسب ملاحظة تطور الانفجار السكاني قبل مرحلة الثورة، وهو الانفجار الذي كان عاملا مساعدا في انفجار الثورة، وتطورها، وإمدادها بالقدرة القتالية:
السنة ..... عدد السكان ..... السنة ..... عدد السكان ..... ملاحظات
1856 .
......... ..... 2،307،049 ..... 1911 ..... 4،711،276 ..... 1 - المرجع: جغرافية الجزائر-
1861 .
.... 2،732،851 ..... 1921 ..... 4،890،756 ..... حليمي عبد القادر علي -
1866 .
.... 2،652،072 ..... 1926 ..... 5،115،918 ..... ص 127
1872 .
.... 2،462،936 ..... 1931 ..... 5،548،236 ..... 2 - إن التراجع السكاني
1881 .
.... 2،842،497 ..... 1936 ..... 6،160،930 ..... في سنة 1866 قد نجم
1886 .
.... 3،264،879 ..... 1948 ..... 7،611،930 ..... عن الأوبئة.
1891 .
.... 3،55،686 ..... 1954 ..... 8،364،652 ..... 3 - إن التراجع السكاني في سنة
1896 .
.... 3،764،072 ..... 1960 ..... 9،300،000 ..... 1872 قد جاء نتيجة فشل ثورة
1901 .
.... 4،063،060 ..... 1966 ..... 12،101،994 ..... المقرني والحداد، وما حدث من
1906 .
.... 4،447،149 ..... ..... هجرة إجماعية. وأعمالإبادة ضد الجزائريين.
لقد ترافق الانفجار السكاني خلال المرحلة التي سبقت الثورة، بهجرة واسعة النطاق، سواء داخل الجزائر ذاتها- من الريف إلى المدينة، أو من الجزائر إلى فرنسا، وعلى الرغم من بقاء الجزائر بلدا زراعيا بالدرجة الأولى، إلا إن عدد سكان المدن بلغ في عام 1954، أربعة أضعاف ما كان عليه هذا العدد في عام 1886. في حين لم يتزايد
عدد السكان في المناطق الريفية خلال المدة نفسها إلا بنسبة الضعف.
وقد وجد هذا الاتجاه في الانتقال من حياة الأرياف إلى حياة المدن، بين الجزائريين والأوروبيين على حد سواء، لكنه كان أكثر وضوحا بين الأوروبيين الذين أصبح ثمانون بالمائة منهم يعيشون في المدن في عام 1954، بينما كان 64 في المائة منهم يعيشون فيها في عام 1886. وقد اتجه الجزائريون أيضا في القرن الماضي إلى المدن. وكان سبعة في المائة من الجزائريين يعيشون في المدن في عام 1886، بينما ارتفعت هذه النسبة إلى ثمانية عشر في المائة في عام 1954. وليس بالإمكان القول أن جميع هؤلاء الجزائريين يساهمون في حياة المدن مثلهم مثل الأوربيين. فبعضهم أقام له بيوتا من الصفيح هي أشبه بالأكواخ منها بالمنازل الشرعية. وهكذا، فقد كانت الحياة الحضرية في عهد الاستعمار من نصيب الأوروبيين بالجزائر، في حين بقيت الحياة البدوية والريفية من نصيب المواطنين الجزائريين وفقا لما يبرزه الجدول التالي:
السنة ..... المسلمون ..... غير المسلمين ..... المجموع ..... نسبة المسلمين في المدن
1886 .
......... ..... 240،000
…
323،000
…
563،000 ..... 6،9 %
1906 .
......... ..... 342،000
…
441،000
…
783،000 ..... 8،5 %
1926 .
......... .... 508،000
…
592،000 ...... 1،100،000 ...... 11،5 %
1948 .
.........
…
1،129،000 .......... ..... 709،000
…
1،838،000 ..... 16،4 %
1904 .
.........
…
1،624،000 ..........
…
792،000
…
2،416،000 ..... 25 %
1960 .
.........
…
2،072،000 ..... 853،000
…
2،929،000 ...... 30 %
وإذا ما تم الأخذ بنموذج لهذا التطور في المدن، ولتكن مدينة
الجزائر - العاصمة - على سبيل المثال، فيظهر بأن عدد سكانها في سنة 1886 لم يكن يتجاوز (65) ألف نسمة منهم (52) ألف أوروبي والباقون جزائريون. وفي سنة 1906، ارتفع عدد سكان مدينة الجزائر إلى (174) ألفا، منهم (134) ألف أوروبي، ثم وصل هذا العدد في سنة 1954 إلى (570) ألفا منهم (172) ألف أوروبي، ثم إلى المليون بعد الاستقلال، منهم أقل من (50) ألف أوروبي. ولعل تأثير هجرة الجزائريين إلى المدن الرئيسية في بلادهم من الأمور المثيرة.
وعلى الرغم من أن عدد الجزائريين كان متفوقا دائما على الأوروبيين في مدينة قسنطينة، إلا أن هذا التفوق لم يكن يتجاوز الستة آلاف في عام 1886، بينما بلغ في عام 1954 - اثنين وستين ألفا- وفي عنابة، المدينة الرئيسية الثانية في شرق الجزائر وذات الميناء الهام، كان عدد الأوروبيين متفوقا على الجزائريين حتى عام 1948 فقط، ثم تفوق عدد المسلمين الجزائريين. وبقيت وهران هي المدينة الوحيدة التي كان الأوروبيون يتفوقون في عددهم فيها على المسلمين، وإن كان عدد هؤلاء قد ارتفع بنسبة عالية خلال المرحلة التي سبقت الثورة. وهكذا كان عدد الأوروبيين متفوقا على عدد المسلمين في ثلاث أو أربع من المدن الرئيسية في الجزائر عام 1886. ولكن هذا الوضع انعكس تماما في عام 1954. ولم يحتفظ الأوروبيون بتفوقهم العددي إلا في مدينة وهران فقط. ولقد كان لهذه الظاهرة أهميتها الكبرى خلال مرحلة الصراع الحاسمة، وخلال المحاولات التي لجأت إليها فرنسا لتقسيم الجزائر- على نحو ما تم في فلسطين-.
وتبقى الظاهرة الأكثر أهمية في التركيب السكاني - الديموغرافي -
للجزائر، هي في فتوة مجتمعها الشاب. ففي عام 1954، لم تكن نسبة من يزيد عمرهم على الستين، بأكثر من خمسة بالمائة. وكان هذا المجتمع يضم نسبة خمسين بالمائة من الذين تنقص أعمارهم عن العشرين عاما. أما النسبة الباقية وهي خمسة وأربعون بالمائة فتشير إلى من تتراوح أعمارهم بين العشرين والستين. وكانت نسبة الزيادة الطبيعية للسكان عند الأوروبيين واحدا بالمائة في السنة - وهي ناجمة عن زيادة ثابتة نسبيا في معدل المواليد اتخذت هذا الشكل منذ عام 1939، وهبوط ثابت في معدل الوفيات. وبينها يميل تركيب السكان بين الأوربيين في الجزائر إلى الفتوة - إلى حد ما - فإن مسلمي الجزائر يعتبرون من أكثر الشعوب فتوة، وأكثرها تكاثرا في العالم. ففي عام 1954،كان معدل زيادة الجزائريين المسلمين في حدود اثنين ونصف بالمائة.
وقد اعتبر هذا التزايد السريع بعد الحرب العالمية الثانية، في طليعة العوامل الاقتصادية التي سببت أزمة حادة أدت إلى إفقار الفلاح الجزائري إلى حد أكبر مما كان عليه من الفقر في عام 1939. ووجد الفلاح الجزائري المسلم نفسه محصورا بين موارده المحدودة جدا، وكثرة عدد الأفواه التي يجب تأمين الطعام لها. وكان لا بد من أن يتجه القادرون من الشباب نحو باب الهجرة إلى فرنسا بحثا عن المأوى والطعام، وهكذا بلغ عدد الجزائريين المهاجرين إلى فرنسا سنة 1948 نحوا من مائة وستين ألفا. ثم ارتفع هذا الرقم إلى نحو أربعمائة ألف مع بداية الثورة. وقد استطاع هؤلاء المهاجرون الجزائريون - تأمين الطعام لحوالي مليونين من مواطنيهم، بإرسال أجور عملهم إلى أهلهم وذويهم، ولو كان ذلك على حساب حرمانهم
هم أنفسهم من كثير من ضرورات الحياة ومتطلباتها.
كما أن هذا التفجر السكاني قد أدى إلى زيادة عدد العاطلين عن العمل - في الجزائر نفسها، وبالتالي إلى زيادة التذمر، وإلى توافر عدد كبير من الرجال القادرين على الانضمام إلى جيش الثورة ودعمه.
وعندما انفجرت الثورة، أجرت السلطات الافرنسية بحثا إحصائيا، كشف عن وجود أربعة وخمسين ألف عامل عاطل عن العمل. ولكن هذا التقدير لم يكشف عن حقيقة مدى البطالة، أو نصف البطالة بين مسلمي الجزائر. حيث كان عدد العاطلين في القطاع الزراعي يتجاوز ثمانمائة ألف.
كما أن عدد العاطلين وأنصاف العاطلين في جميع القطاعات قد تجاوز تسعمائة ألف من مجموع ثلاثة ملايين ونصف المليون، أي ما يعادل ربع المجموع الإجمالي للقوة العاملة. ولم يكن فقر الغالبية العظمى للجزائريين ناجما عن النسبة العالية للعاطلين عن العمل بصورة دائمة فحسب، بل عن تركيز الأراضي والثروة الصناعية في أيدي المستوطنين أيضا، بالإضافة إلى التوزيع غير العادل في فرض الضرائب. وبالإضافة أيضا إلى الأجور المنخفضة - والمجحفة - التي كانت تقدم لمسلمي الجزائر لقاء أعمالهم.
وعلى سبيل المثال، فقد أجريت دراسة (في حزيران - يونيو- 1955) أبرزت أن معدل الدخل الفردي عند أغلبية الجزائريين المسلمين، لا تزيد على (45) دولارا في السنة. وهناك نسبة ضئيلة من مسلمي الجزائر لا تزيد على الخمسين ألفا يبلغ معدل دخل الفرد منها (502) دولار في السنة. هذا في حين كان متوسط دخل الفرد