المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أ - الإعداد للثورة - سلسلة جهاد شعب الجزائر - جـ ٩

[بسام العسلي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة الكتاب

- ‌اللهُ أَكْبَرُ - وَانْطَلَقَتِ الثَّوْرَةُ

- ‌الفصل الأول

- ‌ الوضع العام في الجزائر عشية الثورة

- ‌أ - اغتصاب الأرض:

- ‌ب - الموقف السكاني - الديموغرافي

- ‌ج - النهب الاستعماري

- ‌د - البترول والغاز الطبيعي

- ‌هـ - الموقف التعليمي (الثقافي)

- ‌ التعليم الابتدائي:

- ‌ التعليم الثانوي:

- ‌ جامعة الجزائر:

- ‌ الموقع الجيواسراتيجي والطبوغراي

- ‌آ - 1 - إقليم الشواطىء:

- ‌آ - 2 - إقليم الأطلس التلي:

- ‌آ - سهل وهران:

- ‌ب- سهل متيجة (متوجة)

- ‌ج - سهل عنابة:

- ‌آ - سهل تلمسان:

- ‌ب - سهل بلعباس:

- ‌ج - سهل تيارت (أو السرسو):

- ‌د - سهل عين بسام:

- ‌هـ - سهل قسنطينة:

- ‌آ - 3 إقليم النجود:

- ‌آ -4 - الأطلس الصحراوي:

- ‌ جبال العين الصفراء

- ‌ جبال عمور

- ‌ جبال أولاد نايل:

- ‌ إقليم الصحراء:

- ‌ب - وديان الجزائر

- ‌ب -1 - الأودية الشمالية:

- ‌ وادي تفنة (أو تافنه)

- ‌ وادي السيق والحمام

- ‌ وادي الشلف:

- ‌ وادي الشفة:

- ‌ وادي يسر:

- ‌ وادي الصومام:

- ‌ الوادي الكبير

- ‌ وادي الصفصاف:

- ‌ وادي السيبوس:

- ‌ وادي مجردة:

- ‌ب - 2 - أودية النجود:

- ‌ب - 3 - الأودية الصحراوية:

- ‌ج - النطاقات المناخية:

- ‌ مناخ البحر الأبيض المتوسط:

- ‌ مناخ الاستبس

- ‌ مناخ الصحراء:

- ‌د - الغطاء النباتي:

- ‌د - 1 - إقليم البحر الأبيض المتوسط:

- ‌د - 2 - إقليم الاستبس:

- ‌د - 3 - الإقليم الصحراوي:

- ‌الفصل الثاني

- ‌ في فلسفة الثورة

- ‌ البيان الأول للثورة:(بيان فاتح نوفمبر 1954)

- ‌الهدف:

- ‌الأهداف الداخلية:

- ‌الأهداف الخارجية

- ‌وسائل الكفاح

- ‌وفي المقابل

- ‌بيان من جيش التحرير الوطني في الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - 1954

- ‌ مكتب جبهة التحرير في القارة، يصدر بيانه عن الثورة

- ‌ بدايات العمل الثوري

- ‌ انطلاقة الثورة في كتابة قائد فرنسي

- ‌ عقبات على طريق الثورة

- ‌ الثورة في وثائق ثوارها

- ‌أ - الإعداد للثورة

- ‌ب - الله أكبر - خالد - عقبة

- ‌ج - لهيب الثورة في أريس

- ‌د - فجر يوم الثورة المسلحة

- ‌هـ - اندلاع الثورة في متيجة (متوجة)

- ‌و- الولاية الأولى في معركة التحرير

- ‌ز - الثورة في ولاية وهران

- ‌المراجع

- ‌الفهرس

الفصل: ‌أ - الإعداد للثورة

7 -

‌ الثورة في وثائق ثوارها

‌أ - الإعداد للثورة

(لقد بدأ تاريخنا بتفجير الثورة في خنشلة) هذا ما قاله أحد الأبطال ممن عايشوا مرحلة مخاض الثورة، وشاركوا في تفجيرها (1) ولكن الوصول الى هذه البداية، بداية الثورة - يتطلب العودة لاسقراء ملامح تلك المراحل المختلفة للأنشطة الوطنية التي قامت بها مجموعة من الطلاب الشباب الذين أخذوا على عاتقهم مسؤولية إيقاط الوعي الوطني، بعد ما أدركوه من الأعباء المرهقة التي تلقي بكل ثقلها على الحياة اليومية للشعب الجزائري، والمواطن الجزائري، وقد بدأت مسيرة الأحداث بالتحرك، عندما قامت خلية من الطلاب المجاهدين فأمسكت زمام المبادأة، وأخذت في توجيه الأحداث من خلال الإمساك بقيادة الحزب، لا سيما بعد أن تمت إقالة عدد من المسؤولين فيه. ومن ثم اتخاذ الموقف الحيادي، وانتهاج سياسة استقلالية بعد تمزق (الهيئة الثورية للوحدة والعمل) تحت ضربات الاستعماريين.

(1)

REF: RECITS DE FEU (SNED ALGER) P.P. 1 29

وكاتب البحث هو (سالم بوباكور) وهو من قدامى المجاهدين في حركة انتصار الحريات الديموقراطية، ثم في التنظيم السري (للحركة الثورية للوحدة والعمل) وقد اشترك الباحث في مرحلة الإعداد للثورة وفي تنفيذ عملياتها، وهو هنا يعرض تفجير الثورة في (خنشلة) بصورتها الواقعية.

ص: 130

وأخيرا، مرحلة الإعداد لثورة الفاتح من نوفمبر - تشرين الثاني - 1954. والعمل على تفجيرها. وقد تم ذلك في (خنشلة) على الرغم من كل العوائق التي لم يكن أقلها - على سبيل المثال - عدم توافر أكثر من سبع قطع أسلحة في أيدي المنفذين، بينما كان من المقرر وفقا للمخطط الأساسي الذي أشرف على وضعه (مصطفى بن بولعيد) تأمين ما لا يقل عن أربعين قطعة سلاح وإشراكها في المعركة.

لقد بدأت القصة على كل حال - إلى عام 1950 - حيث تم الاتصال بالوطنيين في خنشلة، وكان هؤلاء يثقون ثقة مطلقة بضرورة وجود - حزب وطني ثوري منظم - يتولى قيادة الصراع المسلح من أجل استقلال الجزائر. وكان مناخ هؤلاء الشبيبة كافيا لإثارة الحماسة في أوساط الطلاب وتنظيمهم وإعدادهم للعمل الذي سيفجر في الليلة التاريخية. وكان يتم ضم المتطوع بصفة (مجاهد عادي) حتى إذا ما برهن على كفاءته، أصبح مسؤولا عن إحدى الخلايا. وكانت الخلية تضم المجاهدين من مختلف الفئات الاجتماعية للشعب، وأولهم بدهيا فئة الفقراء البائسين. وكان المبدأ الثابت هو:(أن خدمة الوطن ليست حكرا لأحد). وتعرف المجاهدون الشباب من خلال تنظيمهم على تاريخ الجزائر. وجهاد الشعب الجزانري ضد الاستعماريين، وهو الجهاد الذي لا بد من استمراره حتى يستعيد الوطن حريته، وحتى يتم له استقلاله. وكان هؤلاء الطلاب الشبيبة يترجمون عقيدة الحزب بالحماسة للقضية الوطنية، وبالإرادة الطوعية للعمل، وكذلك بالانضباط الذاتي واحترام التوجيهات العامة للقيادة. وقد ساعد التكون السياسي للحزب على تغيير مفاهيم هؤلاء الشباب ومواقفهم تغييرا تاما. وظهر هذا التغيير في علاقات الشبيبة

ص: 131

بعضهم ببعض وعلاقتهم مع جماهير الشعب. فبالأمس القريب، كان هؤلاء الشبيبة يعيشون حياة اللامبالاة في عالم غامض مضطرب، يحيط بهم الفراغ السياسي، ويخيفهم غياب القيادة التي ترى الأمور بوضوح تام. وها هم بعد أن انضموا لتنظيم الحزب وهم يعرفون أهدافهم، ولديهم الاستعداد للتضحية بحياتهم من أجل حياة وطنهم، ويعيشون حياة التضامن، ويشعرون بالأخوة الحقيقية لكل إنسان جزائري. ولم يعد الجهاد بالنسبة لهم مجرد شعار يرفعونه. لقد أصبح مضمون الجهاد يفرض عليهم العمل الدؤوب والجهاد، ومناقشة المواقف السياسية بعقلية متحررة، من أجل تحويل النظرية الى ممارسة عملية. وأصبح كل فرد من الطلاب، على الرغم من حداثة سنه وصغر عمره الزمني، وهو يتمتع بقدر كاف من النضج الذي يمكنه من تحمل المسؤولية، واكتشاف الحقائق السياسية والاجتماعية التي تتطلبها بلاده:(لقد أصبح حب الجزائر هو كل شيء في حياة هؤلاء الشبيبة).

انحصرمت أنشطة الشبيبة في الحزب طوال الفترة ما بين العام 1950 والعام 1954 بالأعمال الرتيبة - الروتينية- والتي كانت تمارسها كل الأحزاب السياسية، ومنها: تنظيم الخلايا والاجتماعات، وإجراء المقابلات، وخوض المعارك الخطابية، وبيع الصحف والنشرات التي يضعها الحزب، وجمع الاشتراكات، ووضع البيانات التي تتضمن الشعارات المعادية للاستعمار، وكتابة الشعارات الوطنية على الجدران، والتركيز بصورة خاصة على ما يضمن للناس التعاطف مع أهداف الحزب، من خلال شرح المذكرة الشهيرة التي قدمتها (حركة انتصار الحريات والديموقراطية) إلى

ص: 132

مجلس الأمن، والتي تطالب بإقامة دولة جزائرية تعمل في إطار الحياد الإيجابي بين الدولتين العظميين: الامبريالية والاشتراكية. وأخيرا، البحث عن الوسائل لدعم الروابط مع الكتلة العربية - الإسلامية، وتحقيق اتحاد دول المغرب العربي. الإسلامي (شمال أفريقيا).

ولم يكن باستطاعة الحزب وهو يمارس هذه الفعاليات كلها المحافظة على سرية تنظيمه. وخلال هذه الفترة، وبنتيجة عملية تزوير الانتخابات، أصبحت كل التنظيمات الحزبية مكشوفة، مما جعلها عرضة لضربات الإدارة الافرنسية. ولم يحدث أن بدأت بعض الحركات الوطنية بالتنظيم السري، إلا بعد عمليات الاعتقال الجماعي للمناضلين، في إثر المؤامرة الإفرنسية ضد حركة (انتصار الحريات الديموقراطية) في نيسان - أبريل - سنة 1950، وما أعقب ذلك من عمليات انتقامية ضد مواطني الأوراس ومواطني سيدي علي بونبي ونيدورما وماغنيا. لا سيما وقد أصبح أعضاء الحزب دريئة لسهام السلطة، مما دفع الكثيرين للانسحاب منه، وهكذا أخذ الحزب في الانتقال إلى العمل - نصف السري - مع إعادة تنظيم الخلايا بسبب انسحاب بعض المسؤولين القدامى في الحزب.

ووجدبت هيئة الحزب في (قسما) أنها باتت مكونة من خمسة أعضاء يمثلون (حركة انتصار الحريات الديموقراطية)، وأصبح لزاما على هؤلاء عقد اجتماعاتهم الدورية - كل أسبوعين - في مكان سري، وبقي الأمر كذلك حتى شهر آذار - مارس - 1954. حيث تم الانفصال عن حركة انتصار الحريات الديمويراطية. فاتخذت مجموعة (قسما) التابعة لمركز (خنشلة) موقف الحياد الايجابي والمستقل عن الكتلتين الأساسيتين

ص: 133

المتصارعتين على مستوى القمة، واللتين كانت إحداهما رفع شعار (اللجنة المركزية) والثانية ترفع شعار (التكتل - خلف مصالي الحاج). وكان الهدف من اتخاذ موقف الحياد برئاسة (عباس لغرور) وتوجيه (بشير شيحاني) هو محاولة توحيد كل القوى في أوساط الحزب ودعمه وتجديده.

لقد كان هذا الحزب الوطني الجزائري، هو أقرب الأحزاب لتطلعات كتلة الجماهير الشعبية، وهو أملها الوحيد، وقد جاءت هذه الأزمة الداخلية مناسبة لبعض أعضاء الحزب - الذين أتعبهم النضال - فقرروا الإعلان عن انسحابهم من دائرة الصراع، وتخليهم عن النضال المضاد للاستعمار. ورافق ذلك حالة من اليأس - من انتصار القضية - علاوة على ما كان يثيره الغموض في الموقف السياسي، والاتجاه الخاطىء الذي أثاره تحلل الحزب الوطني، وهو الذي بقي طويلا في طليعة الأحزاب الوطنية حماسة واندفاعا في مجال العمل لاسترجاع الحقوق الوطنية. وظهر بأن الآمال كلها قد ضاعت وتمزقت يوم قررت حفنة من المجاهدين متابعة الصراع حتى تحقيق النصر النهائي. ويعني ذلك - انتزاع الاستقلال باللجوء إلى وسيلة الصراع المسلح، واستخدام العنف المباشر، وإحياء لهيب الثورة التي بدأت جذوتها بالخمود في نفس المناضلين - فتم طرح فكرة (الثورة الشاملة) باعتبارها المخرج الوحيد لتحرير الجزائر. وكانت هذه الحفنة من الرجال تمتلك إيمانا راسخا لا يتزعزع، وخلقا كريما، واستعدادا للتضحية بكل شيء من أجل قضية الوطن

.

ص: 134

عقدت جماعة التكتل (خلف مصالي الحاج) مؤتمرا لها في 10 تموز - يوليو- 1954 بمدينة (هورنو) ببلجيكا، ومثل (خنشلة) في هذا الاجتماع - الحاج عبد الله مراد - وفي 15 - آب أغسطس - 1954 عقدت جماعة (اللجة المركزية) مؤتمرا لها في مدينة الجزائر، اشترك فيه عن خنشلة كل من (لغرور وشيحاني) بصفتهما مراقبين، لا يحق لهما الاشتراك في المناقشات، نظرا لما هو معروف من مواقفهما الموصوفة (بالثورة المتطرفة). وكانت فائدة المؤتمرين كبيرة من حيث نتائجهما التي دعمت مبدأ ضرورة الانتقال مباشرة للعمل العسكري، وأصبح هذا الانتقال هو الفكرة المهيمنة على تفكير معظم المجاهدين الذين خابت آمالهم نتيجة انقسام الحزب وتمزقه. والمهم هو أن هذا التمزق بقي محصورا على مستوى القيادات، أما قواعد الحزب فقد بقيت سليمة ومخلصة لفكرة الثورة ومبادئها، ولم تظهر أي نكوص أو تراجع عن خط الثورة. كما لم تظهر أي اهتمام بتلك الصراعات المحتدمة في القمة والتي كانت ذات صفة حزبية أو شخصية، أو من أجل النفوذ والسلطة على المستوى الداخلي للأحزاب.

وقد انتهت تلك الصراعات بإكساب المجاهدين المزيد من التصميم والمزيد من التصلب في مواجهة ما كانت تظهره قيادة الكتلتين المتصارعتين من عناد وتصلب، وهما متجاهلتان ما كانت تطرحه العناصر النقية والطاهرة في الحزب من أن (حرب التحرير) قد باتت هي المخرج الوحيد لما أنزلته الكتلتان المتصارعتان بالحزب، فانحدرتا به الى المستنقع. وتابعت العناصر المخلصة طريقها وهي تطالب

ص: 135

بالحاح تكوين حركة ثوروية صلبة، لديها التصميم للانتقال الى العمل العسكري المباشر - طريق الثورة -.

مرت الفترة من شهر آذار - مارس - الى حزيران - يونيو - من العام 1954، وخلايا المجاهدين في (خنشلة) تمارس نشاطها وسط مناخ من الشكوك، وترفض إجراء أي اتصال مع قيادة الكتلتين المتصارعتين. لقد كان عملها مركزا على قواعد الحزب، حيث وجهتها نحو شراء الأسلحة. وأثناء ذلك كان بعض المناضلين في المدن يصدمون بعضهم ببعض، ويتنافسون فيما بينهم، هؤلاء الذين يريدون بيع (صحيفة الجزائر الحرة) الصادرة عن جماعة التكتل، وأولئك الذين يريدون بيع (صحيفة الأمة الجزائرية) الصادرة عن جماعة اللجة المركزية. وكان الصراع بين الكتلتين كثيرا ما يعيق مشاريع (تنظيم خنشلة) خلال مرحلة الإعداد لانطلاقه الثورة، لا سيما في مجال تجنيد الرجال وتنظيم وشراء الأسلحة، إذ أن هذا الصراع كان يزيد من غموض الموقف في تفكير الجماهير، وكان من أهم نتائج الصراع بين الكتلتين، إحباط مخطط للحصول على أسلحة حربية من (نيميشا). وإجهاض محاولة للاتصال بالفرنسان الصبايحية - السباهيين - الجزائريين، الذين كانوا يتمركزون في (خنشلة). وكان المخطط يعتمد على اشتراك هؤلاء الفرسان في اليوم الأول لانطلاقه الثورة (يوم - ي) والقيام بالعمل من داخل الثكنة العسكرية. وعلاوة على ذلك كله، فقد اضطر عدد من المجاهدين - بسبب انقسام الحزب الى كتلتيين متصارعتيين - الى الخروج من دائرة الظل، ومغادرة مواقع العمل السري، لتنظيم

ص: 136

(اللجنة الثورية للوحدة والعمل). وكان هؤلاء من المغمورين الذين لم تتردد أسماؤهم على ألسنة الجماهير. وقد حرصوا على تنظيم حركتهم الجديدة في إطار من السرية المطلقة. وضموا إليهم كل الأنصار المؤمنين بقضية (الصراع المسلح) سواء كان هؤلاء من العناصر القديمة في التنظيم السري (المنظمة الخاصة أو الشرف العسكري) أو كانوا من المجاهدين الحياديين في الكتلتين المتصارعتين. وقرروا الانتقال الى العمل العسكري في أقرب فرصة ممكنة. كما قرروا أن تتبع عملية تفجير الثورة نشر المجموعات المسلحة في كل الأقاليم لتنفيذ الأعمال الثورية. وفي يوم 24 حزيران - يونيو - 1954؛ كان (عباس لغرور) يتصل بالمجاهدين في (خنشلة) واحدا بعد واحد، ليطلعهم على تطورات الموقف. ويذكر المجاهد (سالم بوبكر) ما حدث له في ذلك اليوم بالكلمات التالية:

(

دخلت على عباس لغرور، وكان أول ما أثار انتباهي هو عدم وجود صورة مصالي الحاج في المكان الذي كانت تتصدره. ولاحظ عباس لغرور دهشتي فقال لي مبادرا: لقد حطمتها، ودمرت صاحبها لأنه خان القضية، يجب علينا نسيان الحزب القديم الذي لم يثمر غير الروتين. إن الجزائر لن تصل الى استقلالها بتلك الأساليب البيروقراطية والبرامج الاصلاحية، فكيف لنا خوض الصراع على جبهتين؟ .. هل عن طريق الشرعية - الافرنسية - أم عن طريق لعبة البيانات الخطابية، أم عن طريق العمل السري للثورة؟

إنه أمر من المحال تحقيقه، يجب اللجوء الى خيار وحيد للعمل. لقد أصبح الضعف

ص: 137

في حزبنا واضحا كل الوضوح. وجاءت الأزمة الأخيرة لتمزقه ثمزقا تاما. يجب الخروج من أزمة الانقسام الى العمل المباشر) ثم كشف لي النقاب عن وجود مجموعة ثورية تعالج قضية البدء قريبا بالصراع المسلح في الجزائر. وفي نهاية المقابلة قال لي: ها نحن يا أخي العزيز سنبدأ بالعمل المباشر. وواجبك هو أن تكون في عداد التنظيم الجديد الذي سيوجه ضربته الى العدو. وسيفرض وحدة شعب الجزائر من خلال شعار الاستقلال، وهو ما نعمل لتحقيقه منذ سنوات. ثم طلب إلي (عباس لغرور) أن أقسم على القرآن الكريم بألا أخون الحزب، وأن أخدم أهدافه حتى آخر لحظة من حياتي. وبعد ذلك طلب إلي شراء قميص متين وبنطال وسترة من اللون الخاكي، وزوج من الأحذية المطاطية، ومصباح يدوي، مع الحصول على أكبر كمية ممكنة من أدوات وأدوية الاسعاف، والمواد الطبية والبقاء على اتصال دائم معه.

نظمت (الهيئة الثورية للوحدة والعمل) قيادة (خنشلة) في نهاية شهر حزيران - يونيو - 1954 وضمت هذه القيادة أربعة أعضاء واجبهم الإعداد للهجوم على مواقع الإفرنسيين في مدينة (خنشلة) وألقيت مسؤولية هذا الهجوم على عاتق: (عباس لغرور وغزالي بن عبيس وصلاح أوغيد وسالم بوبكر). ومضت الفترة بين أوائل تموز - يوليو - ويوم 31 تشرين الأول - أكتوبر - في عمل مستمر، وجهد متواصل، لإجراء التدريب، وتطوير مخططات الهجوم على الأهداف الهامة في المدينة. وشراء الأسلحة والذخائر والألبسة العسكرية والتجهيزات الطبية والاجهزة اللاسلكية - الراديوات - وتنظيم وحدات الفدائيين - شبه العسكرية - وانتقاء

ص: 138

عناصر المنفذين من الموثوقين، والتدريب على استخدام المتفجرات، ووضع الصواعق المفجرة، وإلقاء المحاضرات النظرية عن قتال العصابات وأساليب الإغارات والكمائن، مع إعداد مراكز تجمع الثوار والملاجيء وتجهيزها بالمواد التموينية. وكانت الغابات هي المراكز المفضلة للاجتماعات، والتدريب على استخدام الأسلحة ورمي القنابل - حيث كان يتم استخدام الحجارة للتمرين نظرا لعدم توافر كمية من قنابل التمرين أو القنابل الحقيقية - وتم اختيار (النبع الدافىء) على بعد خمسة كيلومترات من (خنشله) في شهر أيلول - سبتمبر - 1954 للاجتماع والتدريب، عوضا عن (عين سيلين) وذلك بسبب وجود غابة كثيفة يغطيها السياج، وتكثر فيها الوهاد والوديان، فكانت بمميزاتها الطبيعية من أفضل الأمكنة للاجتماعات والتدريب وإجراء الرمي.

وفي أعقاب التمرين الأول، قام (عباس لغرور) بتقديم الثوار المجاهدين الى (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني) اللذين قدما للتفتيش في منطقة (خنشلة). ووقف (بن بولعيد) ليقول:(ستحمل الجزائر السلاح قريبا لخوض الصراع ضد فرنسا. من أجل انتزاع حقوقها، والتحرر من ربقة الاستعمار). ثم طلب إلى الثوار الحصول على أكبر كمية ممكنة من الأسلحة، لأن الساعة قد اقتربت، كما أصدر أوامره (باتخاذ أقصى أسباب الحذر، ومراعاة قواعد الأمن والسرية ضد عناصر الشرطة والمخبرين ورجال الادارة الاستعمارية، والامتناع عن أي اتصال ما بين المجموعات بصورة

ص: 139

مكشوفة أو بالطرائق العادية، واختيار العناصر الأكفاء الشجعان والعناية بهم)، ثم تولى الحديث بعد ذلك (بشير شيحاني) فشرح الوقائع التي هيمنت على المواقف السياسية للجزائر منذ احتلالها في سنة 1830، الى أن قال:(لم تحقق الوسائل السياسية العادية أي نتيجة إيجابية، وعلى الشعب الجزائري، وبعد أن استنزف كل إمكانات الصراع السياسي أن ينتقل الى العمل المباشر، وذلك بمهاجمة المراكز العسكرية، ومراكز الشرطة، وكل المنشآت العسكرية والادارية التي تتوافر فيها الأسلحة).

لم يحدد (بشير شيحاني) في حديثه الى المجاهدين موعد البدء بالأعمال القتالية، ولم يحدد لهذه الأعمال أهدافها، أو تفاصيل تنفيذها، غير أن ما كان واضحا هو أنه يجب الانتهاء خلال أيام قليلة من وضع مخطط تفصيلي للهجوم على المدينة. وانصرفت الهيئة الثورية في (خنشلة) لوضع مخطط الهجوم وإعداد العناصر لتنفيذه، وجرى نقاش طويل بهذا الشأن، انتهى بالاتفاق على ما يلي:(1 - الإغارة على مركز الشرطة - كوميسير البوليس - 2 - مهاجمة المجمع المشترك - كومون ميكست - 3 - الإغارة على الثكنة العسكرية 4 - الإغارة على مركز الدرك - الجندرمة - 5 - تفجير المحولات الكهربائية التي تغذي المدينة بالطاقة، وتدميرها. 6 - قطع الخطوط الهاتفية التي تصل (خنشلة) بمدينتي (عين البيضاء) و (باتنة) لعزل المدينة عن كل اتصال خارجي) وبعد ذلك تم وضع لائحة تتضمن أسماء عناصر المنفذين الذين بلغ

ص: 140

عددهم 40 - رجلا (1) وصدرت بعد ذلك تعليمات صارمة بشأن طرائق التنفيذ، تضمنت ما يلي:(يجب العمل من اليوم الأول للثورة على احترام الأطفال والنساء والشيوخ من المدنيين، أن لا يكون عملنا ضربا من اليأس أو تعبيرا عنه، بل يجب أن يكون عملا واعيا وعقلانيا ومنظما. فقد تؤدي أقل خطوة خاطئة الى تدمير البناء الثوري الذي تم إنجازه بعد صبر طويل، وبجهود جبارة وتضحيات كبيرة) وقد تم الاعتماد - عند التخطيط - على إعطاء العمل بالدرجة الأولى شكل تظاهرة نفسية واسعة النطاق - قدر المستطاع - بهدف إثارة انتباه الجماهير والرأي العام الداخلي والدولي إلى قضية الجزائر، والتي هي قبل كل شيء قضية سياسية.

عقد اجتماع نهائي في الجزائر - العاصمة - يومي 23 و24 تشرين الاول - اكتوبر - 1954، حدد فيه المؤتمرون وبصورة نهائية موعد انطلاقة الثورة (يوم - ي) ليكون في اليوم الأول من تشرين الثاني - نوفمبر - وقسمت البلاد إلى خمس مناطق عسكرية للعمليات، وهي: وهران والجزائر والقبائل وشمال قسنطينة والأوراس. وبقي أمر تنظيم المنطقة السادسة (منطقة الصحراء) مؤجلا الى ما بعد انطلاقة الثورة. غير أنه تم اختيار العضوين

(1) قتل منهم عند التنفيذ 23 مجاهدا وبقي 17 على قيد الحياة، وتجدر الإشارة إلى أن قيادة الثورة في (خنشلة) استعانت ببعض العناصر من غير رجالها، ولكن من المتعاطفين مع الثورة. مثل (السائق مهناوي العياشي) الذي تم تكليفه بنقل وسائط الاتصال والامدادات بسيارته - الاجرة - فتم اعتقاله، ولم تفرج عنه فرنسا الا عندما تم استقلال البلاد، حيث خرج وهو يعاني من الشلل، نتيجة ما تعرض له من التعذيب في سجنه، علاوة على إصابته بأمراض مستعصية. فلم يعش نعمة الاستقلال طويلا بعد أن تم تحريره، وقضى نحبه

.

ص: 141

اللذين سيقع عليهما عبء مسؤولية قيادة المنطقة وتنظيمها، وإدارة الأعمال القتالية فيها، وهذان المسؤولان هما:(عبد القادر المهدي) الذي أحجم في اللحظة الأخيرة عن الاشتراك في الثورة. و (الرقيب سليمان) الذي اختفى من دائرة العمل، منذ الأيام الأولى لاندلاع لهيب الثورة (1) وعند ذلك اتخذ (مصطفى بولعيد) قراره بضم منطقة الصحراء الواسعة الى منطقة الأوراس. وذلك ريثما يتم تنظيمها من جديد، وهو التنظيم الذي لم يظهر إلى الوجود الا في العام 1956، بفضل الجهود المستمرة التي بذلها (سي أحمد بن عبد الرزاق المعروف باسم (الكولونيل هاويس).

وصل (عباس لغرور) الى (باتنه - أو - بطنه) يوم 29 تشرين الأول - اكتوبر - للاشتراك في مؤتمر تقرر عقده برئاسة (مصطفى بن بولعيد وبشير شيحاني). وقد تم عقد هذا المؤتمر في منزل (سالم بو بكر) نظرا لكونه منزلا وبعيدا عن المراقبة - وذلك في الساعة 2100 وبعد افتتاح الجلسة، تمت قراءة نصين كتبا باللغة

(1) قامت قيادة الثورة بالبحث عن هذين العنصرين اللذين انقطعت أخبارهما بصورة مباغتة، وعلى الرغم من التحريات الواسعة التي قام بها - بن بو لعيد وشيحاني - والتي استمرت طوال الشهرين الاخيرين من العام 1954، من أجل إعادة الاتصال بهما، وبعث الثورة في منطقة الصحراء. الا أن الجهود فشلت في العثور على أي أثر لهما. وتبين بعد ذلك أن (عبد القادر المهدي) قد بقي معتزلا في بسكرة. أما (الرقيب سليمان) فقد التحق بفرنسا، ليكون بعد ذلك سببا في اعتقال (رابح بيطاط) في الجزائر، ونظرا لغياب هذين العنصرين، وبعد انتظار طويل، نتح عن غياب المسؤولين والموجهين في (منطقة الصحراء) تم تكليف زمرة من الوطنيين للهجوم على الوادي الصحراوي في شهر كانون الأول - ديسمبر - 1954. وقد توجهت هذه الزمرة الى الصحراء - من قوة الجنوب - بقيادة: الأخضر حماه ومبروك عماره).

ص: 142