الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 -
انطلاقة الثورة في كتابة قائد فرنسي
الجنرال (بوفر) من الضباط الاستعماريين المعروفين، اشترك في حملة السويس، وكان في سنة 1956 قائدا لمنطقة قسنطينة، وقد انصرف بعد تقاعده للكتابة العسكرية، وقد جاء في كتابه (الحروب الثورية - فصل الحرب الثورية المعاصرة في البلدان الاسلامية - الحرب الجزائرية -) ما يلي:
(تعطي الحرب الجزائرية مثلا هاما بصورة خاصة، لأنها نجمت عن موقف متطرف: ففي بداية الأمر لم يكن الثورويون سوى حفنة من الرجال، ليس بحوزتهم سوى وسائط مضحكة. وجابهوا فرنسا التي كانت تبدو قوتها في تلك الفترة قوة ساحقة. وبالاضافة الى هذا، كان الشعب الجزائري بالرغم من خيبات أمله المتعددة، لم ينضج بعد للثورة (؟) ورغم هذا، فقد قرر الثوار التاريخيون، للجنة الثورية للوحدة والعمل، الذين شجعتهم هزيمة - الافرنسيين - في ديان بيان - فو، والنتائج التي حققها العصيان التونسي (الاستقلال الذاتي الداخلي) بالانتقال الى العمل. وكانت فكرتهم في هذا الوقت هي إيقاظ الجماهير الجزائرية من غفوتها بتظاهرة عنيفة، تثبت إرادة الاستقلال لدى الشعب الجزائري ، وكانت هذه التظاهرة قد صممت
بصورة رائعة، لأنها استهدفت الروعة في إثارة الخيالات والتصورات، وبالإضافة إلى هذا، رسمت اللجنة الثورية للوحدة والعمل، منذ البداية، خطا سياسيا واضحا جدا استهدف في الوقت ذاته الاعتماد على التقاليد الاسلامية - منع شرب الخمر والتدخين -ومارست إرهابا شديدا كمم بسرعة كبيرة أفواه الشعب أمام السلطات الافرنسية (قطع الانف - اغتيال عملاء الادارة الافرنسية من المسلمين - الذبح أمام شهود (1) وتجنبت اللجنة بذكاء حاد كل مجابهة مباشرة مع القطعات الافرنسية - باستثناء اللجوء الى الكمائن والاغتيالات على مختلف أشكالها.
كان من حظ الثوار - التاريخيين - في هذا الوقت أنهم هاجوا عملاقا ذا قدمين من صلصال: فقد كانت الادارة الإفرنسية في الجزائر متكلسة، متصلبة، وغير كافية للاشراف الكامل على البلاد. وبالإضافة الى هذا، شلت مجموعة القوانين الشرعية - التي تعتبر
(1) جدير بالذكر أن قيادة منظمة التحرير، وقيادة جيش التحرير، لم تلبثا أن حرمتا (الذبح أمام شهود) بسبب تناقضه مع الشريعة الاسلامية. أما في موضوع الارهاب -المشار إليه - فقد كان هو الوسيلة الوحيدة لمجابهة الارهاب الاستعماري، وحماية الثورة ورجالها. ويذكر أبناء ثورة الجزائر، أن هذا الارهاب قد وجه بصورة محدودة ضد الخونة المتعاونين مع الادارة الاستعمارية (من المعمرين). وقد حفظت وثائق الثورة الجزائرية نماذج كثيرة وطرائق مختلفة لتنفيذ هذه العمليات في الجزائر - وفي فرنسا ذاتها - ومنها على سبيل المثال: توجيه بطاقات إنذارية تحمل رسوما معينة (جمجمة) مع تحديد وقت التنفيذ. وكاب هذا التنفيد يتم في موعده مهما كانت الظروف. ومن ذلك القصة المعروفة بلجوء أحد العملاء الى الادارة الافرنسية طالبا حمايتها عندما تلقى الانذار بإصدار حكم الثورة عليه بالاعدام. وكان أن أودعته السلطات الافرنسية السجن لحمايته. وتقدم رجل آخر - جزائري - يحمل الشارة ذاتها، فأودعته السلطات الافرنسية السجن الى جوار من سبقه. ومضت فترة الانذار، وفتح باب السجن، وخرج الجزائري المهدد. وتفقدت السلطة الرجل الآخر، فوجدته مقتولا، وعرفت أن المنفذ هو الرجل الآخر.
الجزائر فرنسية وتطبق فيها القوانين الافرنسية لزمن السلم - عمليا كل قمع فوري للثوار. وعلى سبيل المثال: فقد كانت القوانين المطبقة في عام 1945 في قسنطينة، مختلفة كل الاختلاف عن القوانين الموجودة في المنطقة ذاتها في سنة 1954. ففي عام 1945، كانت الأحكام العرفية والمحاكم العسكرية العرفية قائمة. وفي عام 1954 كان استخدام القطعات مرتبطا بالسلطة المدنية، وكان على قوات الدرك - الجندرمة - أن تحقق في كل المعارك مع محضر ضبط وشهود. وهكذا جنت فرنسا على نفسها بالقوانين التي وضعتها (1).
وفضلا عن هذا، كانت الوسائط العسكرية الافرنسية في الجزائر مثيرة للضحك (49) ألف رجل أكثر من نصفهم من الجزائريين.
ولهذا السبب، وبسبب وجود رجال في السلطة (مثل ميتران في الداخلية، وليونارد في حكومة عموم الجزائر، والجنرال شيريير. في الفيلق التاسع عشر التابع للجزائر العاصمة، والجنرال سبيلمان في فرقة قسنطينة) كانت عملية القمع الأولية تدعو ال الهزء والسخرية، بالرغم من ضربة ناجحة وجهها العقيد دوكورنو للثوار في الاوراس.
وأضاعت فرنسا فرصة وحيدة كان بالمستطاع استغلالها لتخنق في المهد، تلك الثورة التي قام بها بضع مئات من الرجال، في الوقت
(1) هذه الذرائعية للدفاع عن أسباب فشل خنق الثورة غير صحيحة وغير دقيقة تماما، فلقد برهنت مسيرة، الأحداث على تحرك فرنسا الفوري، واستخدام كل وسائل القوة المتوافرة والتي كانت أكبر بكثير من قدرة الثوار عند انطلاقهم بثورتهم. فلم تكن فرنسا هي الضعيفة في هذا الموقف، وإنما كان الثوار هم الأقوياء. وكذلك الأمر بالنسبة لمقولة بوفر - من أن الشعب الجزائري كان مرتبطا بفرنسا. ولو كان الأمر كذلك؛ لما قامت الثورة أصلا، ولما حققت ما أنجزته من الانتصارات.
الذي كان فيه الشعب الجزائري بكامله مرتبطا الى حد كبير بفرنسا (؟).
ونحصل هنا على أحد أكثر الدروس وضوحا في هذه التجربة: في الوضع الحالي، لا تكون الثورة معرضة للخنق والخطر إلا في مرحلة قيامها. ولكن للإفادة من حساسية الثورة، واحتمال تعرضها للخطر والخنق في بدايتها، ينبغي أن تتمكن قوى الأمن من الحصول فورا على الوسائل المادية والشرعية الضرورية لعملية القمع. ولم يكن هذا هو الحال ضمن إطار التشريع الافرنسي في ذلك الوقت، والذي شل مرارا، بنوايا جديرة بالثناء، ولكنها نوايا ساذجة.
شرع الثوار الجزائريون، بعد أن نجحوا في الظهرر بشكل بارز على المسرح بتوسيع بقعة الزيت التي شكلها مناخ عدم الأمن، وهم يملكون إحساسا صائبا جدا بالاستراتيجية الملائمة لثورتهم، وكان قطبا الاضطراب هما قلعتا البربر: الاوراس ومنطقة القبائل. ومن الاوراس انتقلت الثورة تدريجيا حتى شملت قسنطينة كلها، في حين نشرت القبائل نفوذها على محافظة الجزائر والجزائر العاصمة. وإزاء هذا الموقف الذي كان يتفاقم يوما بعد يوم، قامت حكومة (ادارفرر، بإرسال (سوستيل) الى الجزائر في شباط - فبراير - 1955 كحاكم عام. ويعتبر سوستيل رجلا ليبيراليا كان يأمل أن يستطيع تطبيق سياسة إصلاحية، وفي انتظار قيامه بهذه الاصلاحات طلب نجدات من العاصمة - باريس - فارتفع عدد القوات الافرنسية في الجزائر الى (83) ألف رجل. في غضون ذلك، وفي تموز - يوليو - وجدت منظمة التحرير الوطني نفسها قوية بدرجة كافية لشن عصيان شامل في كل محافظة قسنطينة. وكان هذا العصيان لهيبا من المذابح الشرسة،
نجم عنها إحجام (سوستيل) عن اللجوء الى التسويات التي كان يفكر فيها. فتشددت فرنسا في موقفها، وأرسلت نجدات جديدة من فرنسا والهند الصينية الى الجزائر، واحتلت محافظة قسنطينة بالقوة. غير أن حمى الثورة انتقلت الى وهران، وعم الفساد محافظة الجزائر، واستشرت الفوضى بصورة عامة.