الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التنوين ونصب الأول من غيرتنوين. ورفع الثاني معه والعكس.
وقول الشيخ وصلى الله على سيدنا محمد الصلاة من الله عز وجل رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء والإجماع أن الصلاة عليه واجبة على الجملة. واختلف في الصلاة على غيره صلى الله عليه وسلم فقال عياض في الشفاء وجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك أنه لا يجوز أن يصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم وهذا غير معروف من مذهبه. وقد قال في المبسوط ليحي بن اسحاق أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدى غير ما أمر به.
وقال يحيى بن يحيى لست آخذا بقوله ولا بأس بالصلاة عل الأنبياء كلهم وعلى غيرهم واحتج بحديث ابن عمرو وما جاء من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم عليه وفيه وعلى أزواجه وعلى آله. ووجدت معلقا عن أبي عمران الفاسي روي عن ابن عباس كراهة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم قال وبه نقول قال ولم يكن يستعمل فيما مضى وسمي نبينا بمحمد صلى الله عليه وسلم لكثرة خصاله المحمودة وجمهور العلماء على جواز إضافة أل إلى المضمر كما فعله الشيخ في قوله وآله وأنكره الكسائي والنحاس والزبيدي وقالوا لا تصح إضافته إلى المضمر وإنما يضاف إلى الظاهر فيقال على آل محمد، وفي حقيقة الآل مذاهب فقال الشافعي: بنو هاشم وبنو المطلب وقيل: عشيرته وأهل بيته وقيل: جميع الأمة واختاره الأزهري وغيره من المحققين والسلام التحية.
باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره
الباب هو الطريق للشيء الموصل إليه وهو حقيقة في الأجسام كباب المسجد مجاز في المعاني كباب ما تنطق به الألسنة وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب بيان ما تنطق به الألسنة وما في قوله ماتنطق بمعنى الذي ومن من قوله من واجب أمور الديانات للتبعيض لأن واجب أمورالديانات أعم من أن يكون نطقا أو اعتقادا ويجوز أن تكون لبيان الجنس فيكون مراده ما يجب اعتقادا ونطقا ومتعلقا بهما.
(من ذلك الإيمان إلى آخره):
الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقا سواء كان بالقلب أو باللسان أو بهما. وفي الشرع هو التصديق بالقلب بوجود الحق سبحانه وتعالى وصفات كماله وجلاله وصحة الرسالة وما جاءت به الرسل من عنده مع الجزم بذلك كله. وهل يشترط الإقرار باللسان به أم لا، فقيل يشترط وهو مذهب الجمهور، فمن آمن بقلبه، ولم ينطق بلسانه
ومات فإنه كافر وقيل ليس بشرط قاله القاضي أبو بكر الباقلاني.
وبه قال ابن رشد وهو ظاهر المدونة، لو أجمع على الإسلام بقلبه فاغتسل له أجزأه وإن لم ينو الجنابة لأنه نوى الظهر ولما كان ظاهرها كما قلنا مخالفا للجمهور نسبه ابن الحاجب للمدونة فقال: وفيه لو أجمع على الإسلام واغتسل له أجزأه وإن لم ينو الجنابة لأنه نوى الطهر وأردفها بقوله وهو مشكل. وقال بعض شيوخنا لعله يجمع بين القولين فيحمل الأول على غير العازم على النطق والثاني على العازم أو يحمل الأول على الآبي والثاني على غير الآبي.
واختلف هل يكفي إيمان المقلد أم لا فجمهورهم على أنه كا غير أنه عاص بإهمال النظر المؤدي إلى العلم بالله وما يجب له، وقيده الغزالي يقيد أن يكون لذلك أهلا. قيل لا يكفي قاله القاضي أبو بكر وغيره. ومذهب أهل السنة أنه لا يشترط العمل بالجوارح خلافا للمعتزلة، والواحدة قال أبو المعالي: معناه المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل معناه الذي لا مثل له. وقال القشيري الواحد: الذي لا قسيم له ولا يستثنى منه.
قال الشافعي وغيره: واسم الجلالة ليس بمشتق. وقال غير واحد بل هو مشتق فإن قلت من جعل اسم الله مشتقا غير مرتجل يلزمه كون القديم مسبوقا بغيره ضرورة لأن المشتق منه سابق على المشتق فالجواب أن المشتق اللفظ لا مدلوله، أو نقول ليس المراد هنا الاشتقاق الذي هو إنشاء فرع عن أصل بل مجاوز وهو تقارب الألفاظ والمعاني صح من تعليق البسيلي رحمه الله.
وقال صاحب الأسرار: والصحيح أنه كان مشتقا ثم صار علما جمعا بين القولين واختلف في اشتقاقه فقيل من لاه إذا علا يقال لاهت الشمس إذا علت إلى غير ذلك من الأقوال. وقول الشيخ لا إله غيره تأكيد ومبالغة في ثبوت الوحدانية ونفي إله آخر لأن صيغة النفي والإثبات أبلغفي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة.
وقد اختلف العلماء هل الأفضل للمكلف عند التلفظ بلا إله إلا الله مد الألف من لا النافية أو القصر فمنهم من اختار القصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكر الله تعالى ومنهم من اختار المد لما فيه من الاستغراق في نفي الألوهية، وفرق الفخر الرازي بين أن يكون أول كلمة فتقصر أو لا فتمد.
(ولا شبيه له إلى آخره):
أي لا شبيه له في ذاته ولا نظير له في صفاته، هكذا فسره بعض الشيوخ وتردد بعضهم في ذلك هل الأمر كما تقدم أو هما لفظان مترادفان، والولد لغة يقع على الذكر والأنثى والوالد يقع على الأب الأدنى والأعلى وهو الجد لكنه حقيقة في الأدنى مجاز في الأعلى.
(ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء):
قال الفاكهاني: يريد أن الله تعالى يجب أن يكون قديما باقيا ويستحيل عدم ذلك عليه سبحانه وتعالى ولا تناقض في كلام المؤلف كما توهمه بعض الناس حيث قال أضاف الأولية والآخرية ثم نفاهما عنه كأنه قال له أولوية لا أولوية له، له آخرية لا آخرية له وليس كما توهم لما قيل إن الأول هو السابق للأشياء والآخر هو الباقي بعد فناء الخلق وليس معنى الآخر ما له انتهاء قاله الخطابي. واعلم أن كل ما له أول له آخر إلا الجنة والنار وينبغي أن يزاد على ذلك أهلهما والله أعلم.
(لا يبلغ كنه صفته الواصفون)
قصد الشيخ بقوله ليس لأوليته ابتداء وبقوله هنا لا يبلغ كنه إلخ إلى تفسير قوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)[الحديد:3]
فمعنى قوله الظاهر بآياته الباطن عن أن تكيفه العقول والأوهام فلا يبلغ كنهه أي حقيقة صفته وصف واصف لأن كنه عظمه الله لا ينتهي إليها. قال بعض الشيوخ ويفهم من كلام المصنف أن مذهبه نفى العلم بالحقيقة واختاره جماعة من المتقدمين، وأطلق الشيخ أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه القول بأنه لا يعرف الله إلا الله، واختاره أكثر المتأخرين وهو مذهب الأستاذ الضرير رحمه الله تعالى وكان من المحققين وأنكر الأستاذ أبو بكر هذا القول ورده وتبعه عليه الإمام أبو المعالي مع طائفة.
وقال الباري تعلى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به فلو تعلق العلم به على خلاف ما هو به لكان العلم جهلا، وقد اجتمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى، ولو كانت مستحيلة لما اجتمعت عليه الأمة وقد قال صلى الله عليه وسلم "ومن عرف نفسه فقد عرف ربه" أي من عرف نفسه بالافتقار والذل والصغار ونفى عنها العز الاقتدار
عرف ربه موصوفا بالكمال منفردا بالعز والجلال منزها عن لحوق التغير والزوال متعاليا عن الأين والكيف والمثال. قال بعضهم: وخلاف الأئمة عندي في هذه المسألة خلاف في حال، فمن نفى العلم بالحقيقة فإنه مقر بأن الله تعلى لا يحاط بهوبأن جلالته وعظمته وكبرياءه لا يلحقها وهم ولا يقدرها فهم، وأن العقول قاصرة عاجزة عن إدراك ذلك الجلال ومن أثبت العلم بالحقيقة فإنه مقر بأنه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات وتحققوا اتصافه تعلى بواجب الصفات وتيقنوا تنزيهه عن التشبيه بالمحدثات تقديسه عن الحدود والكيفيات وعلموا بأنه المستبد بابداع الكائنات فهو تعالى الملك المطاع الذي عزه لا يرام وسلطانه لا يضام.
(ولا يحيط بأمره المتفكرون):
يقال حاط وأحاط بمعنيين فمعنى حاطه كلأه ورعاه وأحاط به علما وهو من الواوي لظهورها في المضارع الثلاثي نحو يحوط وتنقلب ياء في المضارع الرباعي والتفكر التأمل.
(يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في مائية ذاته):
آيات الله تعالى عقلية وشرعية، فالعقلية أدلة مخلوقاته وعجائب مصنوعاته.
وفي كل شيء له أية = تدل على أنه واحد
والشرعية آيات كتابه وأدل خطابه وجملة أسراره ومعانيه، والماهية والمائية بمعنى الحقيقة وقد أخذ على الشيخ في إطلاق لفظ المائية على الباري سبحانه وتعالى. قال ابن رشد رد على الشيخ في قوله مائية ذات والصحيح أنه لا مائية لذاته فيقع التفكر. قال عبدالوهاب والمائية لا تكون إلا لذي الجنس والنوع وما له مثالا إلا أن يريد بالمائية ضربا في المجاز والاتساع.
وقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" [البقرة:255]
: أي بشيء من معلوماته، دل على صحة ذلك الاستثناء والبعضية وإطلاق العلم على المعلوم كثير، وقد ورد عن الصحابة رضي الله عنهم اللهم اغفر لنا علمك فينا. وفي قضية الخضر على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلخ يريد من معلوم الله تعالى وهذا لا خفاء به. قيل المعلومات كلها خمسة أقسام: قسم لا يعلمه أحد سواه كعلمه بذاته وصفاته وقسم علمه اللوح والقلم وهو معرفة ما جرى به القلم في اللوح وقسم علمه الملائكة وقسم علمه الأنبياء والخامس علمه الأولياء
فسبحانه من لا يخفى عليه شيء.
(وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم):
الكرسي مخلوق عظيم من مخلوقاته سبحانه وتعالى والعرش أعظم منه والسموات والأرض في جنبه كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض وهو بالنسبة إلى العرش أيضا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، كما ثبت في الصحيح. وقيل كرسيه علمه الكرسي العلم في اللغة ومعنى وسع أنه لم يضق عن السموات والأرض لسعته فما ظنك بسعة علم خالقه ومعنى لا يؤوده حفظهما أي لا يشغله وهذه مناسبة ظاهرة لأن النفوس أبدا تجد من التعظيم والهيبة عند سماع الأشياء المحسوسة الدالة على الكبرياء ما لا تجده عند عدم ذلك والمراد بذكر الكرسي والعرش الذي هو أعظم منه استشعار النفوس عند سماع ذلك من عظمة الله وعزة اقتداره لا أنهما محلان للاستقرار، تنزه الخالق عن التحيز والافتقار إلى المحل ولهذا ختم الآية الكريمة بقوله (وهو العلي العظيم) [البقرة: 255]
اسمان من أسمائه تعالي يدلان صريحا على تنزيه الحق وتقديسه عن المكان والجهة وعلى ثبوت العلو والعظمة.
(العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير):
قال القشيري رحمه الله تعالي: اعلم أن العالم من أسمائه سبحانه وتعالي ورد به نص القرآن وهو عالم وعليم وعلام وأعلم والتوقيف في أسمائه سبحانه وتعالى معتبر والإذن في جواز إطلاقها منكر إلا ما ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع الأمة ولهذا لا يسمى عارفا ولا فطنا ولا داريا ولا عاقلا وإن كان الجميع بمعنى واحد وعلمه تعالى نعت من نعوته.
قال غيره والخبير بمعنى العليم، وقد يراد بالخبير المختبر والمدبر. قال الجوهري والتدبير في الأمر أن ينظر إلى ما تؤول إليه عاقبته والتدبر التفكر فيه. وقال غيره هو النظر في أدبار الأمور، وعواقبها ليوقع على الوجه الأصلح والأكمل وهذا من صفات البشر، وأما بالنسبة إلى الخالق سبحانه وتعالى فمعناه انبرام الأمر وتنفيذ عبر عنه بذلك تقريبا للأفهام وتصويرا لأن الله سبحانه وتعالى عالم بعواقب الأمور كلها من غير نظر ولا فكر يعلم ما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون.
واعلم أن المدبر لم يرد في الأسماء الحسنة وورد في القرآن في قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)[السجدة: 5]
واختلف فيما ورد من أسمائه تعالى
بخبر الآحاد فمنعه الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله وحجته قوله تعالى: (أتقولون على الله ما لا تعلمون)[الأعراف: 28]
وخبر الواحد لا يحصل علما وأجازه الجمهور. قالوا لأنه من باب العمل والعمل يكفي فيه خبر الواحد.
والقدير مبالغة في القدرة لأن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات دليل على ظهور الأفعال المتقنة، والسميع البصير سواء وهما من أبنية المبالغة من سامع ومبصر والسماع حقيقة في إدراك المسموعات مجاز فيما عداها كإطلاق معنى العلم والإبصار حقيقة في رؤية الموجودات وقد يستعمل بمعنى العلم مجازا.
وقد أثبت تعالى لنفسه السمع والبصر في غير ما موضع من القرآن الكريم ولا خلاف في ذلك بين الأئمة إلا عند البلخي ومن تابعه من معتزلة البغداديين والمراد بالعلي الكبير مكانة ورفعة وشرفا لاستحالة الجسمية والمكان عليه سبحانه.
(وأنه فوق عرشه المجيد بذاته):
روي المجيد بالرفع على أنه خبر مبتدأ وروي بالخفض على النعت للعرش وهذا مما انتقد على الشيخ رحمه الله في قوله بذاته فإنها زيادة على النص فمن مخطئ ومن معتذر، قال الفاكهاني: وسمعت شيخنا أبا علي البجائي يقول أن هذه لفظة دست على المؤلف رضي الله عنه فإن صح هذا فلا اعتراض على الشيخ. وقال الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن سلامة الأنصاري من متأخري التونسيين: الفقيه إذا فهم ما ذكر فليس بمنتقد أي ما ذكر اعلم أولا أن هذا الكلام وهو الإطلاق ليس من إطلاق الشيخ المؤلف رحمه الله وإنما هو من إطلاق السلف الصالح والصدر الأول نص، على ذلك الإمام أبو عبدالله بن مجاهد في رسالته قال فيها ما نصه ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه يريد إطلاقا شرعيا ولم يرد في الشرع أنه في الأرض.
فلهذا قال دون أضه وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى فليس هذا عندهم مشكلا لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في العبارة، ونقل هذا الكلام بعينه الشيخ أبو محمد في مختصره وغير لفظه هنا قصدا للتقريب على المبتدئ، فإذا تقرر هذا فالناس عالة للصدر الأول، وإذا ثبت على إطلاقهم هذا فيتعين علينا تفهمه بالتمثيل والبسط إذا غلبت العجمة على القلوب حتى ظنت أن هذا الإطلاق يلزمه منه إثبات الجهة في حق المنزه عنها تعالى وتقدس، فأما لفظ الفوقية فمشترك بين الحس والمعنى
والقرينة تخصص المراد منهما، ويكون من باب الحقيقة والمجاز فهو حقيقة في الأجرام مجاز في المعنى وكم من مجاز يرجح على الحقيقة.
وأما العرش فهو اسم لكل ما علا وارتفع والمراد به هنا مخلوق عظيم وهو سقف الجنة قال الله تعالى: (والله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)[النمل: 26]
، وأما المجد فهو الشرف والرفعة. فإذا تقرر هذا فحمل الفوق على الحس معلوم بالاستحالة بالدليل اليقيني لتقديسه سبحانه على الجواهر والأجسام ومعلوم ذلك من سياق كلام المؤلف رحمه الله بحيث لا يوهم على ربه أنه أراد الحس فهو تعالى فوق العرش فوقيه معنى وجلال وعظمة.
ثم الفوقية المعنوية من حيث هي فوقية إما أن تكون واجبة بالذات أو مستفادة من حكم الغير لا ترجع لمعنى في الذات وإنما ذلك بحكم الله وتشريفه فهو تعالى وصف العرش بالمجد والعظم وجعله أعظم المخلوقات وعلو الله تعالى ومجده ليس كعلو غيره بل هو مخالف لكل المخلوقات مخالفة مطلقة، فمجده تعالى وعظمته وعلياؤه حكم واجب له لذاته لا يشارك فيه وسواء على هذا قلنا إن المجيد نعت للعرش أم لا فأراد المصنف رحمه الله تعالى أن يبين أن ذلك العلو والمجد والجلال الذاتي ليس إلا لله تعالى رب العالمين فكأنه يقول هو العلي المجيد بذاته ليس مستفادا من غيره.
قلت وفي أجوبة عز الدين بن عبد السلام لما سئل عن قول الشيخ وأنه فوق عرشه المجيد بذاته هل يفهم منه القول بالجهة أم لا وهل يكفر معتقدها أم لا؟ فأجاب بأن ظاهر ما ذكره القول بالجهة وأن الأصح أن معتقد الجهة لا يكفر.
(وهو في كل مكان بعلمه):
قال القاضي أبو الوليد بن رشد إنما يقال علمه محيط بكل شيء ولكنه أراد أن يبين قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم)[المجادلة:7]
والمقصود أن الله تعالى عالم بكل شيء. قال الفاكهاني: روى ابن عباس صلى الله عليه وسلم ما من عام إلا وهو مخصوص إلا أربع آيات، الأولى قوله تعالى:(كل نفس ذائقة الموت)[آل عمران: 185]
الثانية قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)[هود:6].
الثالثة: قوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم)[الحديد:3].
الرابعة: قوله تعالى: (وهو على كل شيء قدير)[المائدة: 120].
وكان يغلط من يقول إن القدرة لا تتعلق بالمستحيلات لأن الشيء الممكن المعدوم لا يطلق عليه شيء عندنا يريد حقيقة فما ظنك بالمستحيل.
(خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد):
خلق يكون بمعنى أوجد ويكون بمعنى التقدير وظاهره هنا الإيجاد والإنسان هنا المراد به الجنس ويحتمل أن يراد به آدم عليه السلام وضعفه بعضهم وقال هو عام في غير الأنبياء عليهم السلام لأجل ذكر وسوسة النفس لأنهم معصومون من ذلك والوسوسة ما يختلج في النفس واستعمالها في الغالب في غير الخير فلهذا أضيفت إلى النفس، قال الله تعالى (إن النفس لأمارة بالسوء) [يوسف: 53]
إلى غير ذلك. قال عز الدين في مختصر الرعاية اختلف في أخذ الحذر من الشيطان فقالت طائفة يجوز التحرز منه ليعمل على طاعة الله تعالى ويجعلها بدلا منه.
وقالت طائفة أخذ الحذر مناف للتوكل إذ لا قدرة على الإغواء إلا بمشيئة الله تعالى والفرقتان غالطتان ومخالفتان للإجماع ونصوص القرآن على وجوب الحذر من الكفار الذين نراهم فالحذر من عدو يرانا ولا نراه أولى.
والوريد عرق في العنق وإضافة الحبل إليه من إضافة الجنس إلى نوعه نحو قولهم لا يجوز حي الطير بلحمه وقرب الحق تعالى من الإنسان قرب إحاطة لا قرب مسافة أي أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء من أمور عبيده.
(ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين):
هذا تنبيه على تعلق علمه تعالى بالخفيات والورقة قيل أي ورقة كانت في جميع أقطار الأرض وقيل المراد بها ورقة شجرة تشبه الرمان تحت ساق العرش فيها أوراق على عدد أرواح الخلائق مكتوب في كل ورقة اسم صاحبها وملك الموت ينظر إليها
فإذا اصفرت منها ورقة علم قرب أجل صاحبها فيوجه أعوانه فإذا سقطت قبض روحه.
وفي بعض طرق هذا الأثر أن سقوطها على ظهرها علامة على حسن العاقبة وسقوطها على بطنها علامة على سوء العاقبة، والعياذ بالله، والمراد هنا بالحبة أقل قليل عبر عنه بالحبة تقريبا للأفهام. والرطب واليابس قيل على ظاهرهما. وقيل الرطب قلب المؤمن واليابس قلب الكافر. وقيل الرطب المدائن واليابس البادية.
والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ أخبر تعالى عنه أنه فيه علم كل شيء تقريبا للأفهام فإن الشيء المكتوب لا ينسى فيما يعتاده الخلائق وإلا فعلمه تعالى متعلق بجميع المعلومات على التفصيل. قال تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام قال: (علمها عند ربي في كتاب)[طه: 52]
ثم نفى ما يستحيل من ذلك من توقع نسيان وضلال فقال: (لا يضل ربي ولا ينسى)[طه: 52].
(على العرش استوى وعلى الملك احتوى):
وقال ابن عطية قالت فرقة هو بمعنى استولى وقال أبو المعالي وغيره هو بمعنى القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري فعل فعلا في العرش سماه استوى. وقال الشعبي وغيره هذا من متشابه القرآن ولا يتعرض لمعناه. قال مالك بن أنس لرجل سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني. زاد غيره والإيمان به واجب فأدبر الرجل وهو يقول يا أبا عبدالله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق أحد فيها توفيقك.
قال القاضي أبو الوليد بن رشد وقول من قال: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة. وقال غيره الاستواء هنا بمعنى الارتفاع وأبطل لكونه يشعر بالانتقال من سفل، ومعنى على الملك احتوى أي كل شيء هو مملوك لله تعالى في قهره وقبصته فيلزم من ذلك استغناؤه تعالى عن كل شيء الغنى المطلق إذ هو منتهى الحاجة وكل ما سواه فقد أحاطت به قدرته ونفذت فيه مشيئته.
(له الأسماء الحسنى والصفات العلي لم يزل بجميع صفاته وأسمائه تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة):
الأسماء جمع اسم وهو مأخوذ من السمو دليله الجمع والتصغير. وقالت المعتزلة
ومن السمة وهو باطل والحسنى أي المستحسنة والحسن ما حسنه الشرع فلا أثر للاشتقاق فلهذا يجوز عالم ولا يجوز عارف فأسماؤه تعالى توقيفية، فالاسم يطلق ويراد به المسمى ويطلق ويراد به التسمية. واختلف هل هو حقيقة في المسمى مجاز في التسمية أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل بذلك فقال الجمهور، وقيل بالعكس قاله المعتزلة، وقيل: هو حقيقة فيهما قاله الأستاذ أبو منصور من أئمتنا ومما يدل على المراد أن الاسم يراد به المسمى قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى)[الأعلى:1].
وقوله تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم)[يوسف: 40]
مما يدل على أن الاسم يراد به التسمية قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى)[الأعراف:180]
وقوله صلى الله عليه وسلم (إن لله تسعة وتسعين اسما) واستشكل بعض الشيوخ هذا الخلاف لأنه لو أخر الإنسان تسمية ولده شهرا مثلا فجسمه قبل التسمية موجود وإنما طرأ بعد ذلك قال وينبغي أن يحمل اختلافهم على مثل قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى)[الأعلى:1]
و (فسبح باسم ربك العظيم)[الحاقة: 52]
هل المراد عظم هذا الاسم فلا ينطق به إلا بالتعظيم والتوقير أو عظم هذا المسمى بتنزيه الله تعالى عن الأضداد والأنداد والشركاء والأولاد والله تعالى أعلم.
وقال غيره سببه الخلاف بيننا وبينهم أنا نقول بإثبات الكلام القديم وهم يقولون بنفيه وكذلك سائر الصفات فلم يثبتوا لله تعالى اسما في أزليته ولا صفات وقد شهدت قضايا العقول ودلائل الشرع المنقول بوجوب اتصاف الخالق سبحانه بصفات، الكمال باستحالة النقص وكل ما ينافي الجلال ولهذا أكد المصنف رحمه الله هذا الفصل بقوله تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة أي أن صفاته تعالى يجب أن تكون قديمة لاستحالة قيام الحوادث به وكذلك أسماؤه لأنها ثابتة في الأزل بكلامه القديم.
(كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله):
قال بعض الشيوخ هذا الكلام يتضمن مسائل: الأولى: الكلام على الحقيقة كله لله عز وجل وإضافته لغيره مجاز لأنه إن كان
قديما فهو صفته وإن كان حادثا فهو فعله.
الثانية: الكلام في اللغة ينطلق على ما بين حقيقة ومجاز فيستعمل مجازا في اللفظ المهمل والكتابة والإشارة ودلالة الحال، ويستعمل عند النحاة في الجملة المفيدة فيكون حقيقة عرفية خاصة، ويستعمل في اللفظ الموضوع للمعنى وعلى المعنى القائم بالنفس فقيل حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقيل بالعكس وهو مذهب المعتزلة لأنهم ينكرون كلام النفس فالكلام عندهم لا يكون حقيقة إلا في اللفظ.
الثالثة: اتفقوا على أن الله سبحانه متكلم واختلفوا في وجه كونه متكلما فأهل الحق يقولون هو متكلم بكلام قائم به ويعبرون عنه بكلام النفس، وحده بعضهم بأنه قول قائم بالنفس يعبرون عنه بالعبارات والاصطلاح عليه من العلامات، والمعتزلة يقولون حقيقة المتكلم فاعل الكلام وأنه سبحانه يتكلم بكلام يخلقه في جسم واحد.
الرابعة: الله سبحانه كلم موسى عليه السلام ويدل عليه قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما)[النساء: 164]
(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)[الأعراف: 143]
وقوله: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)[الأعراف: 144]
قال بعضهم اجتمعت الأمة سنيها ومعتزلها على أن الله تعالى كلم موسى في الجملة من غير تفصيل وإنما اختلفوا في الكيفية.
فقال أهل الظاهر نؤمن بالكلام ولا نقول بالكيفية مصيرا منهم إلى أن ذلك من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى واختلف الباقون، فقالت الباطنية خلق الله تعالى لموسى فهما في قلبه وسمعا في أذنيه سمع به كلاما ليس بحرف ولا صوت، وقال بعضهم اتفق أهل الحق على أنه تعالى خلق في موسى إدراكا أدرك به كلامه من غير واسطة وبه اختص سماعه له والله تعالى قادر على مثل ذلك في خلقه وأن موسى علم سماعه كلام الله تعالى إما بوحي وإما بمعجزة نصبها له على ذلك، وخلق فيه علما ضروريا بذلك.
وقالت المعتزلة خلق الله لموسى فهما وصوتا في الشجرة سمعه موسى بإذنه بناء على مذهبهم في إنكار كلام النفس وأن المتكلم حقيقة فاعل الكلام ومذهبهم في ذلك باطل لأنه قد يعلم حقيقة المتكلم من لا يعلم كونه فاعلا ولأنه يلزم أن يكون كل أحد يسمع كلام الله لسماعه الكلام المخلوق لله تعالى فلا يكون بين موسى وغيره ولا بين
الأنبياء وغيرهم فرق ولا خصوصية ولأنه لو جاز أن يكون متكلما بكلام قائم بغيره لجاز أن يكون عالما بعلم قائم بغيره وقادرا بقدرة وإرادة قائمتين بغيره.
(وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد):
قال بعض الشيوخ: القرآن لغة الجمع ومنه قولهم قرأت الماء في الحوض إذا جمعته. وقيل ليس بمشتق من شيء وإنما هو توقيف ويطلق تارة ويراد به الكلام القديم ويطلق تارة ويراد به العبارة عنه التي هي قراءة الخلق ويطلق على المكتوب أيضا لشهرته في الكلام القديم فلا يفهم عند الإطلاق إلا هو، فلهذا امتنع إطلاق القول بالقرآن أنه مخلوق واختلف العلماء إذا كان مقيدا مثل أن يقول كلامي بالقرآن مخلوق أو نطقي به أو ما أشبه ذلك في الصيغ التي ينتفي معها الإيهام. فذهب الإمام أبو عبدالله البخاري وعبدالله بن سعيد الكلاعي إلى جواز ذلك وهو مذهب أكثر المتأخرين وذهب الإمام مالك فلم يسمع عنه في ذلك شيء.
قال بعضهم: والصحيح ما ذهب إليه الإمام البخاري ومن تابعه في ذلك لأن الحكم إذا علل بعلة فإنه ينتفي بانتفائها وأما امتناع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه من ذلك حين امتحن على أن يقول بخلق القرآن فأبى فقيل له فقل لفظي بالقرآن مخلوق فقال ولا أقول ذلك، ولا يسمع من التلفظ بالخلق مع ذكر القرآن مع ما في ذكر اللفظ من معنى المج والطرح فاتقى رضي الله عنه أن يوهم المتبدعة على السامعين القول بخلق القرآن ويتوصلون بذلك إلى غرضهم فامتنع من كل إطلاق يؤدي إلى ذلك حسما للذريعة وصبرا على ما أوذي في الله عز وجل. ثم حدثت فرقة أخرى بعد وفاته رحمه الله وقالوا: إنما امتنع من ذلك لأنه يقول بقدم الحروف فاعتقدوا ذلك ونسبوه إليه وتسموا بالحنابلة وحاشاه منهم والله تعالى حسيبهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق"
وقال السيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمحضر الجمهور من الصحابة رضي الله عنهم أني ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن وسمع ابن عباس رضي الله عنهما رجلا وهو يقول يا رب القرآن فنهاه عن ذلك وقال القرآن غير مربوب وإنما المربوب المخلوق فمن قال القرآن مخلوق يؤدب أشد الأدب.
وروي عن مالك أن رجلا سأله عمن يقول القرآن مخلوق فأمر بقتله وقال هو كافر بالله وقال لسائل وإنما حكيته عن غيري فقال له مالك إنما سمعناه منك قيل وهذا من مالك رحمه الله إنما هو على وجه الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله.
(والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره):
وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه قال بعض الأئمة أجمعوا على أن قدر الله هو عين إرادته لقول العرب قدر الله كذا أي أراده، وما ذكرناه عن بعض الأئمة نقله ابن سلامة، ونقل التادلي عن ناصر الدين عن بعضهم أن القدر غير الإرادة واختلفوا في قضائه فمنهم من رده إلى الإرادة ومنهم من رده إلى الفعل والخير المراد به الطاعة والشر المراد به المعصية والحلو لذة الطاعة والمر مشقة المعصية. وقيل الحلو والخير لفظان مترادفان وكذلك الشر مع المر والإيمان بالقدر واجب لا يصح الإيمان بدونه وقد تبرأ عبدالله بن عمر رضي الله عنهما ممن أنكر القدر وقال لا يتقبل الله منهم وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا آخرهم أنا".
وقال: "القدرية مجوس هذه الأمة" والقدري هو مدعي القدر لنفسه وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لقدري: أتقدر بالله أم دون الله فإن قلت بالله فأنت مؤمن وإلا ضربت عنقك.
(علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به):
هذا راجع إلى ما تقدم وأن الأفعال مخلوقة لله عز وجل خلافا للقدرية المثبتين مع الله خالقين كثيرين تعالى الله عن قولهم وتقدس مع أنا لا نقول بالجبر المحض بل نثبت للإنسان الكسب التهيؤ الذي أثبته له الشرع وقد نطق به القرآن العزيز في آي كثير كقوله تعالى: (إن كنتم لا تعلمون)[النحل: 43]
(بما كنتم تكسبون)[يونس: 52]
ونحو ذلك ولأن كل واحد يفرق بين حركة المرتعش وغير المرتعش فإن
المرتعش لا اختيار له بخلاف غيره والله أعلم.
(ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير):
قيل: ألا مركبة من همزة الاستفهام ولام النفي والاستفهام إذا أدخل على النفي أفاد التحقيق والمعنى ألا يعلم الخالق خلقه أيصدر مخلوق من غير أن يعلمه خالقه فمن في موضع رفع على الفاعلية والمفعول محذوف ولا يصح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم عليه الاعتزال، واللطيف: اسم من اسمائه الحسنى وهو إما يعني ملطف فيكون من أسماء الأفعال أو بمعنى الباطن وهو الذي لا يتصور في الأوهام ولا يتخيل في الضمائر والأفهام فيكون من أسماء الأفعال أو بمعنى التنزيه.
ويحتمل أن يكون بمعنى العليم أي أنه تعالى يعلم الخفيات يعلم السر وأخفى فيكون مبالغة في تعلق العلم فيكون من أسماء الصفات قاله بعضهم وأما الخبير فتقدم معناه.
(يضل من يشاء فيخذله بعدله ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد):
الهداية هي خلق القدر والمقدور موافقا لأمر الله تعالى والضلالة هي خلق القدرة والمقدور مخالفا لأمر الله تعالى وضابط هذا كله أنه لا خالق إلا الله سبحانه فكل مخلوق فعن قدرته حدث وعن إرادته تخصص والهدى والضلال مخلوقان من جنس الكائنات وقد صرح القرآن العزيز بهذا الإطلاق فقال: (يضل من يشاء)[النحل:93]
وغيرها وقال (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا)[الكهف: 17]
وقال: (ومن يهد الله فما له من مضل)[الزمر: 37]
وما ورد من قوله: (بما كنتم تعملون)[المائدة: 105]
بما كنتم تصنعون إلى غير ذلك من الآي التي فيها إضافة الفعل إلى العبيد فالمراد بذلك إضافة مجازية لما لهم من الكسب.
(تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم):
ذكر أنه اجتمع عبد الجبار الهمداني يوما مع الأستاذ أبي الحسن الأشعري فقال عبدالجبار سبحان من تنزه عن الفحشاء ففهم عنه الأستاذ أنه يريد عن خلقها فهي
كلمة حق أريد بها باطل. فقال الأستاذ: سبحان من لم يقع في ملكه إلا ما يشاء فالتفت عبد الجبار وعرف وفهم عنه فقال له: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال له الأستاذ: أفيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردي أحسن إلي أم أساء؟ فقال له الأستاذ إن كان منعك ما هو لك فقد أساء وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء فانصرف الحاضرون وهم يقولون والله ليس عن هذا جواب.
واختلف العلماء هل يجوز إطلاق القول بأن الله سبحانه أراد الكفر والمعصية أم لا فقال عبدالله بن سعيد القلانسي لا يجوز إطلاق ذلك وإن صح في الاعتقاد لأن الإطلاق يلزم فيه الأدب مع الله تعالى ولأن ذلك يوهم أن تكون المعصية حسنة مأمورا بها كما نقول الأفعال كلها الله تعالى ولا نقول الصاحبة لله تعالى.
وقال غيره يجوز ذلك وليس ما مثل به مطابقا لأن الإيهام في هذا المثال قوي والإيهام في الأول ضعيف وهو من باب لزوم الأدب فيمكن أن يمنع. قال ابن العربي قال شيخنا والصحيح جواز ذلك كله حيث لا إيهام ومنعه حيث الإيهام والرب هو المصلح للمربوب القائم بأموره الخالق لمنافعه الرافع عنه مضاره.
والبتاعث اسم من أسمائه ومعناه هنا الباعث الرسل بالأمر والنهي إلى المكلفين من عباده والأمر والنهي يرجعان إلى كلامه عز وجل فيكون الاسم على هذا من أسماء الصفات والرسول هو المبلغ عن الله عز وجل أمره ونهيه بإذن الله تعالى ووحيه.
وأشار بقوله لإقامة الحجة عليهم إلى قوله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)[النساء: 165]
وإلى قوله (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير)[المائدة: 19]
الآية. وقالت المعتزلة انبعاث الرسل عليهم السلام حكم واجب بالعقل بناء منهم على التحسين والتقبيح والصلاح والأصلح وهو باطل. وقالت البراهمة انبعاث الرسل محال ولا فائدة في ذلك والمعتزلة أفرطوا وتحكموا على العزيز وهو تعالى حليم لا يعجل والبراهمة فرطوا فجهلوا أمر ربهم.
(ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه صلى الله عليه وسلم فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) الختم لغة الطبع والتغطية على الشيء بحيث لا يدخله شيء الخاتم الطابع وفيه أربع لغات خاتم بفتح التاء وكسرها وخاتام وخيتام واعلم أنه يلزم من ختم النبوة ختم الرسالة ولا ينعكس، ولذلك قال الشيخ ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة فلو قال النبوة في صدر كلامه لم يمكنه أن يقول بعدها والرسالة والنذارة
والنبوة ولهذا قال الله تعالى: (ولكن رسول الله وخاتم النبين)[الأحزاب: 40]
قيل وإنما لم يقل والبشارة بعد قوله والنذارة لوجهين أحدهما أن النذارة تستلزم البشارة لأن من أنذرك بالعقوبة على فعل شيء فقد بشرك بالسلامة من ذلك مع الترك الثاني أن يكون مراعاة لقوله صلى الله عليه وسلم "ذهبت النبوة وبقيت البشارة" يريد الرؤيا والله أعلم.
قال القرافي: الرسالة أفضل من النبوة لأن الرسالة ثمرتها هداية الأمة والنبوة قاصرة على النبي صلى الله عليه وسلم فنسبتها إليه كنسبة العالم إلى العابد. وكان عز الدين يذهب إلى تفضيل النبوة لشرف المتعلق لأن المخاطب بها الأنبياء والمخاطب بالرسالة الأمة وهو ضعيف لأن الرسول مندرج في خطاب التبليغ وورد في حديث أبي ذر رضي الله عنه أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا فالمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر.
قال أبو ذر رضي الله عنه قلت يا رسول الله من كان أولهم قال: "آدم عليه السلام" قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: "نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه" ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث وأخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ونوح وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول الرسل آدم وآخرهم محمد" صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين والحديث طويل جدا خرجه أبو بكر الآجري في أربعينه.
واعلم أن البشارة خاصة بالطائعين كما أن النذارة خاصة بالعاصين والدعوة عامة لجميع المكلفين والبشارة خاصة أيضا للمؤمنين قال الفاكهاني: والمعتبر في البشارة الأول خاصة بخلاف النذارة فإنها معتبرة في الجميع قال الفقهاء فيمن قال من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر فبشره واحد بعد واحد لم يعتق غير الأول وفي النذارة يعتق جميعهم. قال وانظر إذا بشره جماعة دفعة واحدة هل يعتقون أم لا، والظاهر عتقهم والفرق بين البشارة والنذارة في هذا المعنى أن مقصود البشارة حصل بالأول بخلاف النذارة فإنه يتزايد الخوف بتزايد المنذرين.
وأما إذا بشره جماعة معا فبالكل وقعت البشارة قيل وإنما وقع الاختصاص بالتسمية بالسراج المنير دون الشمس والقمر لوجهين أحدهما أن الله تعالى شبهه به فيقتصر على ذلك. الثاني أن نور الشمس والقمر لا يؤخذ منهما نور وإذا غابا غاب نورهما ونور السراج تؤخذ منه الأنوار من غير تكلف ومن غير نقص منه وإذا ذهب نور الأصل بقي نور فرعه ونوره عليه السلام كذلك تؤخذ منه الأنوار من غير تكلف
ولا يذهب بذهابه عليه الصلاة والسلام.
قيل والأشياء المنتفع بها في الدنيا بالنسبة إلى الزيادة والنقصان عند الانتفاع بها ثلاثة أقسام؛ قسم إذا انتفع به زاد وهو العلم تعليما وعملا، وقسم إذا انتفع به نقص بل يذهب وهو المال؛ وقسم إذا انتفع به لا يزيد ولا ينقص وهو السراج ونحوه من الاقتباسات ولا يبعد أن يلحق بذلك النظر في المرآة والاستظلال بالجدران.
(وأنزل عليه كتابه وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط المستقيم):
الكتاب هو القرآن، قال الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) [النساء:113]
ووصفه بالحكيم إما لأنه أحكمت آياته فلا يقع فيها نسخ بعد إحكامها أو لأنه أحكمت فيه علوم الأولين والآخرين أو لأنه أحكم على وجه لا يقع فيه اختلاف كما قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا)[النساء: 82]
فحكيم على هذا بمعنى محكم قال الشيخ أبو اسحاق: القرآن ستة آلاف آية وستمائة وست وستون والمتحدى به منه ثلاث آيات فهو ألفا معجزة ومائتان ونيف وجعله الله تعالى معجزة باقية إلى قيام الساعة بخلاف غيره من المعجزات فإنها تنقضي بانقضاء وقتها تشريفا منه لسيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ودليلا على مكانته وعلو منزلته ومعنى شرح وسع وأفهم والضمير في "به" يعود على النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يعود على الكتاب الحكيم والأول أظهر لأنه لو أراد الكتاب لقال فشح بالفاء.
والدين لفظ مشترك والمراد به هنا الإسلام قال الله عز وجل: "إن الدين عند الله الإسلام"[آل عمران:19]
والقويم المستقيم وهدى أي أرشد والضمير في به مثل الذي قبله والصراط المراد به هنا طريق الجنة.
قال الله عز وجل: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[الأنعام: 153]
قال القاضي أبو بكر بن الطيب رضي الله عنه الصراط صراطان حسي ومعنوي فالمعنوي في الدنيا والحسي في القيامة فمن مشى على المعنوي هنا وفق للحسي يوم القيامة.
(وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون):
مما يجب الإيمان به أن الساعة آتية لا ريب فيها بلا امتراء والساعة هي القيامة
سميت بذلك إما بالنسبة إلى كمال قدرته وجلاله كأنها ساعة وإما بالنسبة إلى تسمية الكل باسم البعض.
والريب هو الشك ومعنى لا ريب فيها وإن كان قد ارتيب فيها أي لا ريب فيها في علم الله تعالى وملائكته ورسله والمؤمنين أو ما حقها أن يرتاب فيها أو أنها ليست سببا للريب فيها ولا مظنة له لوضوح الدلالة عقلا ونقلا على إتيانها إلا أنه لا يعلم وقت إتيانها على الحقيقة إلا الله سبحانه لقوله: (إليه يرد علم الساعة)[فصلت: 47]
إلى غير ذلك لكن لها علامات وشروط ومن جملة ذلك بعثه صلى الله عليه وسلم وظهور أمته.
ومنها أشراط مؤكدة للقرب كالدجال والدخان وطلوع الشمس من المغرب ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم إلى غير ذلك. واختلف في السابق فقيل أولها فساد البلاد وقيل خراب مكة ونقل حجرها إلى البحر وقيل الدجال وقال ابن وهب وابن حبيب أولها الفتن ثم الدجال ثم نزول عيسى عليه السلام ثم يأجوج ومأجوج ثم طلوع الشمس من مغربها ثم كثرة الشر والأشرار ثم الدابة ثم الدخان ثم الريح ثم نار تسوق الناس إلى المحشر.
وفي مسلم أولها طلوع الشمس من المغرب ويغلق عند ذلك باب التوبة على المؤمن والكافر. قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)[الأنعام: 158]
ثم تقوم الساعة فينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم اختلف العلماء فمن قائل بعدم السموات والأرض والعرش والكرسي والجنة والنار، ثم يعيدها محتجا بقوله تعالى:"كل من عليها فان"[الرحمن: 26]
(كل شيء هالك إلا وجهه)[القصص: 88]
وقوله (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا)[الأنبياء: 104]
ومن قائل العرش والكرسي والجنة والنار لا تهلك.
وقال ابن عباس مثله وزيادة القلم واللوح والأرواح قال بعض الشيوخ وأجمع أهل الحق على القول برد الجواهر بأعيانها وإنما اختلفوا في الأعراض، والجمهور على أنها تعاد بأعيانها واختلفوا هل كانت الجواهر عدمت ثم أعيدت يوم القيامة أو كانت متفرقة فجمعها الله تعالى. قال الإمام أبو المعالي رضي الله عنه لم يقم دليل قاطع على تعيين أحد هذين الجائزين والظواهر تقتضي الإعدام بالتفريق فإذا قلنا بالإعدام فترد بأعيانها.
قال الأستاذ أبو الحجاج الضرير رحمه الله تعالى في هذا المعنى:
ورده بعد صريح العدم = إلى الوجوه جائز في الحكم
فخالق الشيء كما ميزه = بالعلم أولا فلن يعجزه
كون الابتداء والإعادة = بالعلم والقدرة والإرادة
وأما إذا قلنا بالتفريق لا بالإعدام فتجتمع الجواهر وتخلق فيها الصفات بأعيانها كما كانت أول مرة وكل ما هو في مادة الإمكانن فالقدرة صالحة لإيقاعه.
(وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات):
أي ضاعف جزاء الحسنات والتضعيف الزيادة والتكثير. قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى والتضعيف خمس مراتب أولها الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى: (ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها)[الأنعام: 160]
الثانية بخمس عشرة في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص "صم يومين ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بخمس عشرة الثالثة بثلاثين في الحديث نفسه "صم يوما ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بثلاثين الرابعة بخمسين في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف خمسون حسنة لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف".
الخامسة بسبعمائة قال الله عز وجل (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة)[البقرة: 261]
فهذه خمس مراتب التضعيف فيها مقدر ومرتبة سادسة غير مقدرة وهو أجر الصابرين. قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب)[الزمر: 10]
وذكر غيره قولا ثانيا أن أجره مقدر قال وليس المراد بالحسنة أجر العبادة فإن الصلاة مثلا مشتملة على أنواع من العبادات كالقراءة والتسبيح والخشوع وغير ذلك. وإنما المراد الصلاة بكمالها هي حسنة فمن أتى ببعض صلاة لم يدخل في هذا أيضا إجماعا فإن صلاها فذا فتضاعف له عشرا بالوعد الأصلي فإن صلاها في جماعة فبمائتين وخمسين فإن كانت في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فبمائتي ألف وخمسين ألف والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
ويظهر أثر هذا التضعيف مع الموازنة، الصفح هو التجاوز والعفو والنظر في التوبة في عشر مسائل:
الأولى: في حقيقتها قال الإمام أبو المعالي رضي الله عنه حقيقتها الندم على المعصية لرعاية حق الله تعالى. وقال بعضهم حقيقتها نفرة النفس عن المعصية بحيث يحصل منه الندم على المعاصي والعزم على ترك في الاستقبال والإقلاع في الحال فيرد المظالم ويتحلل من الأعراض ويسلم نفسه للقصاص إن أمكن ذلك قال ومعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "الندم توبة" أي معظمها الندم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة".
الثانية: إذا وقعت التوبة بشرائطها مكملة فهل يقطع بها أم لا فذهب الإمام أبو بكر الباقلاني إلى أنه لا يقطع بها وذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أنه يقطع بها والإجماع على قبولها قطعا من الكافر لوجود النص المتواتر قال الله تبارك وتعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)[الأنفال: 38]
بخلاف الآثار والأحاديث الواردة بالعموم فإنها تتناول المغفرة تناولا ظاهرا وليست بنص في المسلم إذا تاب كقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)[الزمر: 53]
الآية.
وما ورد من الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: (والتوبة تجب ما قبلها) فليس بمتواتر ولأنه إذا قطع بتوبة الكافر كان ذلك فتحا لباب الإيمان وسوقا إليه وإذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدا لباب العصيان ومنعا منه وهذا والذي قبله ذكره القاضي لما قيل له إن الدلائل مع الشيخ أبي الحسن وقد ذكر الشيخ القاضي ابن عطية أن جمهور أهل السنة على قول القاضي أبي بكر قال: والدليل على ذلك دعاء كل واحد من التائبين في قبول التوبة ولو كانت مقطوعا بها لما كان معنى للدعاء في قبولها ذكره في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا)[التحريم: 8]
ويرد استدلاله بأن ذلك منه على طريق الإشفاق منهم.
الثالثة: هل يجب عليه تجديد الندم إذا ذكر الذنب أم لا في ذلك قولان للقاضي وإمام الحرمين والخلاف في هذه المسألة يشبه ما تقدم والله أعلم.
الرابعة: إذا تاب ثم عاود الذنب فذهب القاضي إلى أنها منقوضة لأن من شرطها الندم ولا يتحقق إلا بالاستمرار واختاره ابن العربي وذهب إمام الحرمين إلى أنها ماضية وهذه معصية أخرى واختاره المتأخرين ولم يذكر ابن عطية غيره مستدلا بأنها كسائر ما يحصل من العبادات إذ هي عبادة.
الخامسة: هل توبة الكافر نفس إيمانه أو لا بد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام وقال غيره بل يكفيه إيمانه لأن كفره ممحق بإيمانه وإقلاعه عنه قال الله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)[الأنفال: 38]
السادسة: إذا لم يرد المظالم إلى أهله مع الإمكان من ذلك فصحح الإمام توبته وهو مذهب الاجمهور وقيل إنها لا تصح.
السابعة: زمانها ما لم يغرغر قال الله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن)[النساء: 18]
وما لم تطلع الشمس من مغربها قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)[الأنعام: 158]
قال العلماء المراد بها طلوع الشمس من مغربها.
الثامنة: مذهب أهل السنة تصح التوبة من بعض الذنوب دون بعض.
التاسعة: قال صاحب الحلل وغيره اختلف في توبة القاتل عمدا فقيل لا توبة له لقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا)[النساء: 93]
الآية وهذا مذهب مالك لأنه قال لا تجوز إمامته قال وليكثر من شرب الماء البارد وقيل تقبل لقوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر)[الفرقان: 68]
الآية.
العاشرة: اختلف هذ يشترط في توبة القاذف تكذيب نفسه أم لا؟ فقال مالك لا يشترط وقال الباجي وغيره يشترط لأنا قضينا بكذبه في الظاهر.
(وغفر الصغائر باجتناب الكبائر):
قال بعضهم في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك وصغيرة لا أصغر منها كحديث النفس وبينها وسائط كل واحدة منها بالإضافة إلى ما فوقها صغيرة وبالإضافة إلى ما دونها كبيرة ومعنى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)[النساء: 31]
الآية أن من عرض له أمران فيهما مأثم واضطر الى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما
وترك الآخر كمن أكره على قتل مسلم أو شرب قدح من خمر فارتكب أصغرهما كفر عنه ما ارتكب واعترض الفاكهاني تمثيله الأول وهو قوله كالشرك والأولى أن يقول وهي الشرك إذ الشرك كبيرة لا مثل لها فلا يحسن التشبيه به قال وكذلك تمثيله مسألة الإكراه فيه نظر لأنه مع الإكراه غير آثم قال عياض في الإكمال وقد اختلفت الآثار وأقوال السلف والعلماء في عدد الكبائر فقال ابن عباس كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وسئل أهي سبع فقال هي إلى السبعين أقرب. وروي إلى سبعمائة أقرب. وقال أيضا الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو يغضب أو لعنة أو عذاب ونحوه عن الحسن وقيل هي ما أوعد الله عليه بنار أو حد في الدنيا وعدوا الإصرار على الصغائر من الكبائر فروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. واختلف في حقيقة الإصرار فقال بعضهم هو التكرار على الذنب كأن يعزم على العودة أم لا، وقال بعضهم إن تكريره من غير عزم لا يكون إصرارا وكلاهما نقله القرافي.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه وجماعة من العلماء: الكبيرة جميع ما نهى الله عنه في أول سورة النساء إلى قوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه)[النساء: 31]
وقال غيره هي في قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) هي الكفر والشرك (نكفر عنكم سيئاتكم)[النساء: 31]
أي ما سواهما وإنما عبر الشيخ عن ترك المؤاخذة بالكبائر بالصفح وعن ترك المؤاخذة بالصغائر بالغفران لما فيه من عظيم الامتنان وسعة الجود والإحسان لأن محو الكبيرة أبلغ في الدلالة على الكرم من سترها ومغفرتها.
واختلف في مغفرة الصغائر باجتناب الكبائر هل ذلك مقطوع به أو مظنون وكلاهما نقله الفاكهاني ونقله ابن سلامة معبرا عنه بقوله نقله بعض شراح هذه العقيدة واعترضه بقوله لم يعز هذا النقل لأحد من أئمة الدين وليس كل ما يوجد منقولا في الأوراق يعتد به حتى يعزي الإمام من أئمة الدين فحينئذ ينظر فيه إما بإبقائه على ظاهره وإما بتأويله والله الهادي إلى سواء السبيل.
قلت: ويرد بقول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية اختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من المحدثين والفقهاء يرون أن من اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعا بظاهر الآية وظاهر الحديث.
وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة ولو قطعنا بتكفير صغائره لكانت لهم في حكم المباح الذي لا تباعة فيه وذلك نقض لعزائم الشريعة.
(وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)[النساء: 48]).
أجمع أهل الحق على جواز المغفرة لعصاة الموحدين وأنه جائز واقع أما قبل دخول النار فالجواز ثابت بالنسبة إلى آحاد الأشخاص لا إلى جميعهم لانعقاد إجماع أهل السنة أنه لابد أن تدخل طائفة من الموحدين النار وأما بعد دخول النار وأخذها منهم فالعفو عنهم واقع ويخرجون بالشفاعة.
وقالت المرجئة هم في الجنة يإيمانهم ولا تضرهم سيئاتهم وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مختصة بالكفار وآيات الوعد كلها عامة بالمؤمنين تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة إذا كان المذنب صاحب كبيرة فهو في النار مخلد ولا بد.
وقالت الخوارج إذا كان صاحب صغيرة أو كبيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له لأنهم يرون أن الذنوب كلها كبائر وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مختصة بالمؤمن المحسن الذي لم يعص قط والمؤمن التائب وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارا أو مؤمنين.
(ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره)[الزلزلة:7]).
قيل إن النار بجملتها سبع أطباق فأعلاها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم وفيها أبو جهل ثم الهاوية وإن في كل طبقة منها بابا فالأبواب على هذا بعضها فوق بعض ذكره ابن عطية. وإنما خصص الشيخ العقاب بالنار وإن كان العقاب يكون بغيرها أيضا لأن العقاب بها هو المعظم كقوله صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة" ولأن النار مشتملة على أنواع العذاب إن كان المراد بالنار الدار نفسها لا نفس النار والباء في قوله بناره يحتمل أن تكون سببية ويحتمل أن تكون للتعدية ورجحه الفاكهاني وأبعد الاحتمالات
أن تكون للاستعانة إذ هي على الله تعالى محال إذ هو المعين للكل والمستغني عنهم.
وقد تقدم قول من قال من دخل النار فلا يخرج منها، واختلف في الذرة فقيل النملة الصغيرة الحمراء وقيل البيضاء وقيل ما يرى من الهباء في شعاع الشمس وقيل غير ذلك. قال الفاكهاني: ولا أعلم للأقوال هنا مستندا ومعنى يره أي جزاءه في الآخرة.
وقال ابن لبابة في خطبه الحمد لله الذي وعد وفا وإذا توعد تجاوز وعفا.
قال عز الدين كلامه يوهم الفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وهو لا يجوز على الله تعالى فإن الوعد والوعيد خبران فإذا أخبر الله تعالى عن ثواب أحد أو عقابه ولم يعذبه أو يثبه كان كذبا والله متعال عن ذلك.
وقال عز الدين أيضا في مختصر الرعاية: الخلائق على ثلاثة أقسام؛ قسم ركب فيه العقل دون الشهوات والملل والكراهة وهم الملائكة فلا ثواب لهم لعدم مجاهدتهم أنفسهم، وقسم ركب فيه الشهوات فقد دون العقل وهم البهائم فلا يعاقبون ولا يثابون، وقسم ركب فيه العقل والشهوة كبني آدم فكلفوا لأجل عقولهم وأثيبوا لأجل طاعتهم ومخالفة أهوائهم وعوقبوا على معاصيهم وحسنات الكفار يخفف عنهم بسببها العذاب.
فقد ورد أن حتما يخفف عنه لكرمه ومعروفه وورد ذلك في حق غيره كأبي طالب هكذا قال بعض من شرحها والحق أن التخفيف عن أبي طالب إنما هو بالشفاعة قال عياض في الإكمال وأما الكافر فإنه يكافأ على حسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجازي بها وذهب بعض الناس إلى أنه يخفف عنه من العذاب بقدرها.
(ويخرج منها بشفاعة محمد نبيه صلى الله عليه وسلم من شفع له من أهل الكبائر من أمته):
أجمع السلف والخلف من أهل السنة والحق على قبول الشفاعة من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ومن سائر الرسل والملائكة والمؤمنين مطلقا وأجلها وأعظمها شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم لأنها أعظم الشفاعات وأتمها، وأنكرها بعض المعتزلة، قال بعض أئمتنا وحقيق لمن أنكرها أن لا ينالها وتمسك بظاهر قوله تعالى:(فما تنفعهم شفاعة الشافعين)[المدثر: 48]
قوله تعالى: (فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم)[الشعراء: 100، 101]
قيل لهم هذا المراد به الكافرون ولهذا قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)[الأنبياء: 28]
فإن قالوا الفاسق ليس بمرتضى قلنا لهم مرتضى على توحيده وإيمانه
وطاعته والشفاعة على ستة أقسام الأولى لأهل الموقف وهي خاصة بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم والثانية شفاعة لقوم يدخلون الجنة بغير حساب وهي خاصة به أيضا، والثالثة الشفاعة في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن شاء الله من خواص عباده، والرابعة الشفاعة فمن دخل النار من المؤمنين فقد جاء في مجموع الاحاديث إخراجهم من النار بشفاعته صلى الله عليه وسلم وبشفاعة غيره من النبيين والملائكة والمؤمنين، والخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات، والسادسة شفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب.
قال بعض التونسيين وفي تسمية هذه السادسة شفاعة نظر قلت لا نظر فيها لأنه نقله من غمرات العذاب إلى ضحضاح كما قال في الحديث.
قال الفاكهاني: ولا تنافي في قول المصنف أخرجه منها بإيمانه مع كونه يخرج بشفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لأن الإيمان سبب للشفاعة لتوقفها عليه وسبب السبب سبب ولأن الشيء يضاف إلى الكل تارة وإلى البعض أخرى فيضاف الإخراج تارة إلى مجموع الإيمان والشفاعة وتارة إلى أحدهما.
(وإن الله تعالى قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه):
ما ذكره الشيخ من أن الجنة قد خلقت هو مذهب أهل السنة لقوله تعالى: (أعدت للمتقين)[آل عمران: 133]
ولقوله (ولقد رءاه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى)[النجم: 13 - 15]. ولقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: "عرضت علي الجنة فتناول منها عنقودا" الحديث وفيهما: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة" واتفق سلف الأمة ومن تبعهم من الخلف على إجراء هذه الآي على ظاهرها من غير تأويل لها. وأجمعوا على أن تأويلها من غير ضرورة إلحاد في الدين.
وقالت المعتزلة بتأويل هذه الآية والأحاديث وزعموا أنه لا فائدة في خلقها وجعلوا ذلك موجبا لتأويلها وقال إمام الحرمين وهذا انسلاخ عن إجماع المؤمنين وأفعال الله تعالى لا تحمل على الأغراض وهو تعالى يفعل ما يشاء. قال بعضهم ويقال لهم لم قلتم إنه لا فائدة في خلقها بل له فوائد منها الحث بها والحض والترغيب في الطاعات الموصلة إليها، ومنها أن أرواح السعداء تتنعم بها في البرزخ وأرواح الشهداء ترزق منها إلى غير ذلك فإن عارضونا بقوله تعالى:(كل شيء هلك إلا وجهه)[القصص: 88]
فلو خلقت لهلكت لكنها لم تخلق فلم تهلك.
قيل لهم ذلك عموم مخصوص والجنة أحد المستثنيات التي خصها الدليل قال الله: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله)[الزمر: 68]
قال ابن عباس الموجودات المحدثة التي لا تفنى سبعة: اللوح والقلم والعرش والكرسي والجنة والنار والأرواح ومن هذه السبعة ما وافقت على بقائه المعتزلة كالعرش والكرسي واللوح والأرواح وما ذكره من النظر إلى وجه الله الكريم فقد أجمع عليه السلف ومن تبعهم من الخلف وذهب المعتزلة ومن تبعهم إلى استحالة رؤية الله ثم اختلفوا في رؤية نفسه فأحال ذلك بعضهم بناء منهم على أن الرؤية إنما تكون بالحاسة وبنية مخصوصة واتصال الأشعة بالمرئ ومنهم من جوز رؤيته لنفسه ورؤيته تلك بغير حاسة ولا إدراك.
وقد أجمع السلف ومن تبعهم على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الآخرة في دار السلام. وأما رؤيته تعالى في عرصات القيامة ففي السنة ما يقتضي وقوعها للمؤمنين وجوزها بعض المتأخرين للكافرين في العرصات وذلك باطل لقوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)[المطففين: 15]
وتمسك بظاهر قوله تعالى:
(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم)[الأنعام: 30]
وأجيب بأن المراد بين يدي ربهم للحساب والتوبيخ وكذلك لا حجة لهم في قوله تعالى: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا)[الملك: 27]
والاحتمال عود الضمير على النبي صلى الله عليه وسلم أو على الحشر أو غير ذلك.
والمراد بالوجه الذات عند الجمهور وذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن الوجه صفة لله تعالى معلومة من الشرع يجب الإيمان بها مع نفي الجارحة المستحيلة وكل ما ينافي الجلال فهو مستحيل، وما ذكر الشيخ من أنها الجنة التي أهبط منها آدم عليه السلام فهو مذهب أهل السنة خلافا لمن زعم أن التي أهبط منها آدم جنة في الأرض بأرض عدن وليست بالجنة التي أعدها الله عز وجل لأوليائه وأنبيائه في الآخرة محتجا على ذلك بأنه تعالى وصف الجنة بالخلد والقرار والإقامة والسلام والجزاء ولا حزن فيها ولا نصب ولا لغو ولا تأثيم ولا كذب ولا حسد ومن دخلها لم يخرج منها لقوله تعالى:(وما هم منها بمخرجين)[الحجر: 48]
وهذه الصفات منتفية عن جنة آدم عليه السلام لأنه أخرج منها وكذب فيها إبليس لعنه الله وأثم وتكبر وحسد وإلى هذا القول ذهب منذر بن سعيد البلوطي حكاه ابن عطية وهي نكتة اعتزالية.
قال بعضهم كان قد رحل إلى المشرق وخالط بعض المعتزلة فدس له ذلك وهو مسبوق بالإجماع ومحجوج به وأيضا فإن صفات الجنة ليست ذاتية لها وإنما هي بفعل الله فجاز وصفها بذلك في وقت دون وقت ويكون وصفها بذلك موقوفا على شرط فلا توصف بها قبل الشرط.
وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته):
وخلق النار فأعدها إلخ هذا خلاف للمعتزلة في خلق النار كقول في خلق الجنة وتقدم الكلام على الرؤية ولو أخرها إلى هنا لكان أولى.
(وإن الله تبارك وتعالى يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها):
معنى تبارك تنزه وتزايد خيره وكثر ومعنى تعالى تعاظم عن صفات المخلوقين وإسناد المجئ إلى الله تعالى المراد به التمثيل لظهور آيات قهره وسلطانه وقيل التقدير
جاء أمره وسلطانه وهو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ومنه حديث النزول ينزل ربنا أي أمره ونهيه على ما تقرر عند أهل السنة فمن تأول فقال: إنه تعالى فعل فعلا سماه مجيئا فكأنه قال وجارء فعل ربك وهذا كالأول ومعنى صفا صفا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس ونب صفا على الحال وقد وهم بعض النحاة حيث جعله من باب التوكيد اللفظي.
وأشار بعض الشيوخ إلى أن الشيخ اشتمل كلامه على الحقيقة والمجاز لأن مجئ الله سبحانه مغاير لمجئ الملائكة في الحقيقة والبحث فيه كالبحث في قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)[الأحزاب: 56]
والعرض قيل الحساب اليسير وفي الحديث: "أتظنون أنه حساب إنما هو عرض ومن نوقش الحساب عذب" والمحاسبة لأهل اليسار وقد قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا)[الانشقاق: 7، 8].
وروي أن في يوم القيامة ثلاث عرصات فأما العرصتان فاعتذر واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها نشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بمينيه والهالك بشماله. قال الفاكهاني: انظر هل تعرض الأمم كلها مؤمنهم وكافرهم حتى السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب حسبما جاء في الحديث الصحيح حتى أبو لهب وأبو جهل وغيرهما من المشركين والمنافقين أو لا يعرض إلا من يحاسب هذا لم أر فيه نقلا، فمن وجده فليضفه إلى هذا الموضع راجيا ثواب الله الجزيل وبالله التوفيق.
(وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون):
أجمع أهل الحق على وجود ميزان حسي له كفتان ولسان فتوزن فيه صحائف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر، واختلف هل هو ميزان واحد أو لكل أمة ميزان أو لكل أحد ميزان على ثلاثة أقوال، والصحيح أنه واحد وحمل قوله تعالى:(فمن ثقلت موازينه)[المؤمنون: 102]
على الموزونات أو على أنه أتى بلفظ الجمع تعظيما لشأنه وتفخيما لأمره وتحذيرا من اكتساب السيئات وتحريضا على اكتساب الطاعات ولو لم يسمع من القرآن إلا هذه الآية لكان للعاقل فيها كفاية لاشتمالها على الوعيد التام لأهل الذنوب والوعد الجميل لأهل الطاعات.
وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا المراد به معادلة الأعمال بالحق فهو وزن معنوي
لتعذر وزن الأعمال حقيقة، قيل لهم توزن صحائف الأعمال فإن قالوا هذا مجاز وليس مجازكم بأولى من مجازنا قيل لهم هذا أولى لأنه استعمال الحقيقة وضم مجاز إليها وما ذكرتموه ترك للحقيقة فكان قولنا أولى، ويؤيد ذلك أنه لما سئل صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال:"توزن صحائف الأعمال" والحمل على ما نص عليه السلام أولى من الحمل على غيره.
وقد أجمع السلف الصالح على ذلك وليست المسألة عقلية إنما مأخذها الخبر فالرجوع في ذلك إليه. واختلف هل توزن للكافر أعمال أم لا والأكثر على ذلك لقوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)[المؤمنون: 102، 103]
فهذا الوزن يعم أهل الإيمان والكفران. وقال بعضهم الكافر لا يوزن له لقوله تعالى: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا)[الكهف: 105]
وجوابه لا نقيم لهم وزنا نافعا جمعا بين الآيتين.
واعلم أنه إذا وقع الوزن فيما بين العباد من المظالم والحقوق ونفدت حسنات الظالم من قبل أن يفرغ ما عليه فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم، نص على ذلك في مسلم ولا معارضة بين هذا وبين قوله تعالى:(ولا تزر وازرة وزر أخرى)[الأنعام: 164]
فإن المراد بالآية شخصان لا حق لواحد منهما عند الآخر وأما ها فبذنبه أخذ وبكسبه عوقب. ومعنى ذلك إذا مات وهو قادر على القضاء وأما إذا مات وهو عاجز عنه فإنه لا يطرح عليه من سيئاته شيء نص على ذلك الشيخ عز الدين بن عبدالسلام، فإن لم يكن للمظلوم سيئة كالأنبياء عليهم السلام ولا للظالم حسنة كالكافر فإنه يعطي المظلوم من الثواب بقدر ما يستحقه على الظالم ويزاد في عقوبة الظالم بقدر ما كان يأخذ من المظلوم أن لو كان ثم ما يأخذ.
واختلف العلماء إذا كان المظلوم ذميا والظالم مسلما فقال بعضهم يسقط حقه كالحربي وقال آخرون صار حقا للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب به لقوله صلى الله عليه وسلم: "من آذى ذميا كنت خصيمه يوم القيامة".
(ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا):
قال الفاكهاني رحمه الله: انظر على من يعود الضمير من يؤتون هل هو راجع لكل الأمم فلا يدخل الإنسان أحد الدارين حتى يؤتى صحيفته أو يكون ذلك في بعض الناس دون بعض، لأنه قد جاء أن قوما يقومون من قبورهم إلى قصورهم والصحف هي الكتب التي كتبت الملائكة فيها أعمالهم عند الأكثر.
وفي الخبر عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: الكتب كلها تحت العرش فإذا كان في الموقف بعث الله عز وجل ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها (اقرأ كتباك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا)[الإسراء: 14]
، وقيل هي صحف يكبتها العبد في قبره كان في الدنيا كاتبا أو لم يكن ذكره الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة له، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت في قبره؟ فقال "يا ابن عباس لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد إلا أنت فأول ما ينادي به ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول له يا عبد الله اكتب عملك فيقول ليس معي قرطاس ولا دواة ولا قلم فيقول له هيهات هيهات فكفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك اصعبك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا ويتذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد ثم يطوي ذلك الملك تلك الرقعة ويعلقها في عنقه" ثم تلا صلى الله عليه وسلم (وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه)[الإسراء: 13]
أي عمله الحديث بطوله.
واعلم أن المؤمن الطائع يأخذ كتابه بيمينه بإجماع وأما العاصي فالأكثر على أنه يأخذه بيمينه ووقف بعضهم في ذلك وقال الله أعلم. وقال الأستاذ أبو الحجاج الضرير في هذا المعنى.
والمذنب الفاسق ذو الإيمان = من آخذي الكتاب بالأيمان
وقيل إن حكمه موقوف = ولم يرد في أمره توقيف
وأما الكافر فقيل تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله خلف ظهره فيأخذ بها كتابه جزاء على نبذه كتاب الله وراء ظهره وقيل تغل يداه وراء ظهره وقيل بل يثقب صدره فتدخل شماله منها فيأخذ بها كتابه من وراء ظهره والعياذ بالله من سخطه.
(وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليهم من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم):
الإيمان بالصراط واجب عند أهل السنة وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف يرده الأولون والآخرون كذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام شهاب الدين القرافي في كتاب الانتقاد في الاعتقاد: لم يصح في الصراط أنه أرق من الشعر وأحد من السيف شيء والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمني ويسرى، فأهل السعادة يسلك يهم ذات اليمين وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم وجهنم بين الخلائق وبين الجنة والجسر على متنها منصوب فلا يدخل أحد الجنة حتى يعبر على جهنم وهو معنى قوله عز وجل على أحد الأقوال (وإن منكم إلا واردها) [مريم: 71]
قلت في قوله لم يصح في الصراط أنه أرق من الشعر وأحد من السيف شيء نظر ففي مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه أرق من الشعر وأحد من السيف، ووجه النظر يظهر بما ذكره الإمام الغزالي قال ما نصه: وأما الصراط فهو جسر يضرب على ظهراني جهنم يمر عليه جميع الناس وقد وردت به الأحاديث الصحيحة واستفاضت وهو محمول على ظاهره وفي رواية أنه أرق من الشعر وأحد من السيف.
وقال البيهقي لم أجده في الرواية الصحيحة وإنما يروي عن بعض الصحابة وأشار بذلك إلى ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري: بلغني أنه أرق من الشعر وأحد من السيف. قال بعضهم ولو ثبت ذلك لوجب تأويله لتوافق الحديث الآخر في قيام الملائكة على جنبيه وكون الكلاليب والحسك فيه وإعطاء المار فيه من النور قدر موضع قدميه وما هو في دقة الشعر لا يحتمل ذلك فيمكن تأويله بأن مراده أرق من الشعر بأن ذلك يضرب مثلا للخفي الغامض، ووجه غموضه أن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعة والمعاصي، وأما تمثيله بحد السيف فلإسراع الملائكة فيه إلى امتثال أمر الله تعالى في إجازة الناس عليه.
واختلف المعتزلة في اثبات الصراط ونفيه وأكثرهم على نفيه وأجازه الجبائي مرة ونفاه أخرى، ومنهم من قال العقل يجوزه ولا يقطع به ومن نفاه تأول ما ورد من الصراط أن المراد به المعنوي لأنه لا يمكن المشي على صفة ما ذكر وهذا من جهلهم أمر ربهم ووقوفهم على معتادهم. وقل سئل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يمشي الكافر على وجهه؟
قال "إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" وقال الشيخ أبو الحجاج الضرير رحمه الله في هذا المعنى:
والرب لا يعجزه أمشاؤهم = عليه إذا لم يعيه إنشاؤهم
تبا لقوم ألحدوا في أمره= ما قدروا الإله حق قدره
(والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير):
قد خرج أحاديث الحوض أهل الصحة البخاري ومسلم وغيرهما وأجمع عليه السلف الصالح وأطبقوا على الابتهال إلى الله تعالى أن يسقيهم منه، أسأل الله البر الرحيم أن يسقينا منه ويجعلنا من الواردين عليه بفضله ورحمته. وذكر الشيخ أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله سبحانه أعطاني نهرا يقال له الكوثر لا يشاء أحد من أمتي أن يسمع خريره إلا سمعه" قلت وكيف يا رسول الله قال: "أدخلي إصبعيك في أذنيك وشدي" قالت ففعلت قال "هذا الذي تسمعين هو خرير الكوثر وجريه".
واختلف هل لكل نبي حوض أم هو حوض خاص بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم؟ واحتج من قال بالعموم بما خرجه أبو عيسى الترمذي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن لكل نبي حوضا وإنهم يتبهون أيهم أكثر واردا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردا" قال أبو عيسى هذا الحديث حسن غريب والله أعلم بصحته.
اختلف أيضا هل هو قبل الصراط أو بعده؟ واستدل كل واحد من الفريقين بظواهر لا تفيد قطعا، وتوقف القاضي أبو الوليد الباجي في ذلك وقال لا أدري، وقال غيره لم يرد في ذلك خبر ولا له فائدة في النظر. قال الفاكهاني: والقصد بذلك مجرد الإيمان به على ما وردت به الأخبار ولا اعتبار بترتيبها والله أعلم.
(وإن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون فيها النقص وبها الزيادة):
قال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي الفقيه الأديب الشافعي
المحقق رحمه الله تعالى في كتابه معالم السنن: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما ابن مزين فقال: الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج بالآية أعني قوله تعالى: (قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)[الحجرات: 14]
الآية. وذهب غيره إلى أن الإيمان والإسلام شيء واحد واحتج بقوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين)[الذاريات: 35، 36]. قال الخطابي وقد تكلم في هذا الباب رجلان من أكابر أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين القولين، ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف فيه كتابا يبلغ عدد أوراقه المائتين، قال الخطابي رحمه الله والصحيح في ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق وذلك أن مسلم قد يكون مؤمنا مسلما في بعض الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، فإذا حملت الأمر على هذا استقام لك معنى الآية واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منه وأصل الإيمان التصديق.
وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون المرء صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وما ذكر الشيخ من أن الإيمان يطلق على عمل الجوارح صحيح، دليله قوله تعالى:" وما كان الله ليضيع إيمانكم) [البقرة: 143]
أجمعوا على أن المراد به صلاتكم، وما ذكر أن يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال هو مذهب السلف رضي الله عنهم والمحدثين وجماعة المتكلمين. وروي عن مالك وقيل عكسه. قال جماعة من المتكلمين لأنه متى قبل الزيادة والنقصان، كان شكا وكفرا وقيل يزيد لا ينقص مراعاة للإطلاق الشرعي في ذلك وهو قوله تعالى:(فزادهم إيمانا)[آل عمران: 173]
ولم يرد نقصهم في الشرع وهو قول مالك أيضا، وظاهر كلام بعضهم أنه المشهور عنه وأراد الأولون كما صرحوا به أن المراد بالزيادة والنقصان باعتبار زيادة ثمرات الإيمان وهي الأعمال ونقصانها لا نفس التصديق وهذا إذا تأملت تجده في المعنى موافقا لعكسه والله أعلم.
قال بعضهم إن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النفر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بخلاف غيرهم كالمؤلفة قلوبهم ومن قاربهم وهذا مما لم يمكن إنكاره ولا يشك أحد في أن نفس تصديق أبي بكر رضي الله عنه لا يساويه تصديق آحاد الناس.
ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة إني أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه وما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل عليهما السلام، واعلم أن قول الشيخ باللسان وبالقلب تأكيد أن القول لا يكون إلا باللسان والإخلاص لا يكون إلا بالقلب ونظيره قوله تعالى:(ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم)[الأنعام: 38]
، وقوله تعالى:(يقولون بألسنتهم من ليس في قلوبهم)[الفتح: 11]
وأما قوله وعمل بالجوارح فتأسيس، لأن العمل قد يكون بالقلب يقال عمل قلبي وعمل بدني وقد يكون بهما معا كالوضوء والصلاة وغير ذلك من العبادات البدنية المفتقرة إلى النية، وخصص بعض المتأخرين من أهل الخلاف الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج القول من ذلك وأبعده بعض الشيوخ. قال النووي في شرح البخاري: اختلف السلف رضي الله عنهم هل يجوز أن يقال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى أم لا؟ فذهبت طائفة إلى تقييده بالمشيئة وحكي عن أكثر المتكلمين وذهبت طائفة أخرى إلى الإطلاق من غير تقييد، وذهب الأوزاعي إلى التخيير.
وفيها قول رابع بالفرق بين الحال والمآل فيجوز التقييد في الحال فإن المؤمن مشفق من التقصير لا أنه شاك في الحق. وقال عياض في مداركه قد فشا اختلاف بعد الثلاثمائة هل يقال أنا مؤمن عند الله أم لا؟ وجرى بين ابن التبان وابن أبي زيد والمسيسي وأبدى ان أبي ميسرة وغيرهم في ذلك وجوها ومطالبات، والصحيح ما ذهب إليه ابن أبي زيد أنه إن كانت سريرته مثل علانيته فهو مؤمن عند الله تعالى.
وأما ابن التبان وغيره فأطلق القول بأنا مؤمن. قال النووي: للشافعية خلاف كبير في الكافر هل يقال هو كافر إن شاء الله أم لا؟ فمنهم من قال بالإطلاق من غير تقييد ومنهم من قال كالمسلم.
(ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة):
هذا كالتصريح بأن التصديق من غير قول لا يكون إيمانا وهو كذلك عند الجمهور خلافا للقاضي أبي بكر بن الطيب، وقد تقدم ذلك. وقول الشيخ بنية من قوله ولا قول ولا عمل إلا بنية أي خالصة لله تعالى، والإجماع على أن الإخلاص في العبادات فرض والإخلاص هو إفراد المعبود بالعبادة وقيل تصفية العمل وقيل هو سر جعله الله في قلب من أحب من عباده وقيل هو سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه
ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده.
وقيل الإخلاص هو ما استوى فيه السر والعلانية فهذا هو الإخلاص، وهذه الألفاظ يقرب بعضها من بعض. وقيل الإخلاص هو أن يكون العمل لله تعالى ويعتقد ذلك في قلبه إلى تمامه ويكتمه بعد فراغه منه فيخلص العمل بهذه الثلاثة شروط فإذا ابتدأ العمل، لغير الله فسد باتفاق. وإذا ابتدأه لله بقلبه وأحب أن يحمد عليه فلا يضره ذلك لقوله تعالى:(ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا)[آل عمران: 188]
فدليل الخطاب إذا أحبوا الحمد بما فعلوا فلا بأس به وإن ابتدأ العمل لله وتمادى على ذلك إلى أثناء العمل. فاطلع عليه فيه فأحب بقلبه أن يحمد على ذلك الفعل ومر عليه ولم يرفعه من قلبه فما بعد ذلك يبطل باتفاق. وما قبل ذلك فقيل يبطل وقيل يصح والمشهور البطلان وأما إن أبى ذلك بقلبه ودفعه فلا يبطل عليه باتفاق.
واختلف في النية مع الإخلاص هل هما بمعنى واحد أو هما شيئان؟ والنية هي القصد، والإخلاص هو إفراد المعبود بالعبودية، فمن نظر إلى أن النية لا تصح إلا بالإخلاص قال هما بمعنى واحد ومن نظر إلى أن النية من الكافر والمرائي تصح قال هما شيئان. فالنية روح العمل والإخلاص روح النية قال الله تعالى:(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين)[البينة: 5]
وقال صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات".
وقال بعضهم: مراده بالنيات الإيمان فكأنه قال ولا نطق باللسان ولا عمل بالجوارح إلا بشرط الإيمان بالقلب. وضعفه بعض التونسيين بأنه يلزم منه أن يسمى التصديق بالقلب من غير نطق إيمانا لأن الشرط يغاير المشروط وقد تقدم أن مذهب الجمهور خلافه.
واعلم أن العبادة المحضة تفتقر إلى النية بإجماع وذلك كالصلاة وعكس ذلك رد الودائع والمغصوبات وشبهه، واختلف فيما فيه شائبتان كالطهارة وقول الشيخ ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة مجمع عليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قالوا: وما الواحدة يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ".
وقال الحسن عمل قليل في سنة خير من عمل كثيل في بدعة. وقال بعضهم: أبواب الخير كلها مسدودة إلا لمن قصدها من باب محمد صلى الله عليه وسلم.
(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة):
قال صاحب الحلل: أهل القبلة عبارة عن أهل الصلاة، وقيل هو اسم لكل مؤمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم صلى أو لم يصل، وما ذكر الشيخ هو قول جماعة أهل السنة سلفا وخلفا. وقالت المعتزلة من مات غير تائب فهو مخلد في النار ولا يطلق عليه اسم كافر ولا مؤمن إنما يسمى فاسقا. وقالت المرجئة: لا يدخل النار من كان في قلبه الإيمان وهذا منهم بناء على التحسين والتقبيح العقليين وهو باطل من وجوه منها: أنه لو سلم ذلك فالعقل لا يوجب إحباط خدمة العبد لسيده مائة سنة بزلة واحدة في الشاهد فكذلك في الغائب. ومنها أن الذنب لو كان الإصرار عليه محبطا للطاعة لوجب أن لا تصح معه طاعة كالخروج عن الملة وذلك خلاف الإجماع، لأن شارب الخمر مثلا تصح صلاته وصومه وحجه ويترحم عليه، ومنها أن الإيمان في اللغة التصديق ومحله القلب وفسقه لا يزيل تصديقه، ومنها أنه لو كان الذنب موجبا للكفر لما نصبت على المعاصي الزواجر والحدود بل كان الواجب القتل كالردة ولا قائل بذلك، وهذا الأخير للفاكهاني وما سبق لغيره.
(وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون):
الشهداء جمع شاهد وشهيد المراد بالشهيد هنا قتيل الكفار. واختلف في أسباب تسميته شهيدا فقيل: إنه مشهود له بالجنة فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل لأن الملائكة تشهده وقيل غير ذلك. ودليل ما ذكر الشيخ قول الله تعالى:(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون)[آل عمران: 169]
الآية.
واختلف العلماء رضي الله عنهم في معنى الحياة المسندة إليهم بعد الإجماع على تزويج نسائهم وإرثهم وتنفيذ وصاياهم، فقيل هي حياة غير مكيفة ولا معقولة للبشر فيجب الإيمان بها بظاهر الشرع ويكف عن كيفيتها إذ لا طريق للعلم بها إلا من الخبر فيجوز أن يجمع الله تعالى جملة من أجزاء الشهيد فيحييها فتتنعم بالأكل والشرب أو على ما أراد الله تعالى من ذلك.
وقيل حياة مجازية بأن فضلهم الله تعالى بدوام حالهم التي كانوا عليه من الرزق وإجراء الثواب عليهم كالأحياء بخلاف أرواح سائل المؤمنين، فلما أشبهوا الأحياء في
ذلك وصفوا بالحياة، قال بعضهم أجمعوا على أن أرواحهم لا تعود إلى أجسادهم على ما كانت عليه في الدنيا إلا إذا كان يوم القيامة، وأجمعوا أن لهم مزية وزيادة على غيرهم من المؤمنين لأنهم خصوا بالرزق والفرح وغير ذلك.
واختلف العلماء هل يتنعمون حالة كونهم في الجنة أم لا فقيل بذلك وهو مذهب الجمهور.
وقيل الشهداء يأكلون من الجنة وليسوا فيها وإنما يدخلون الجنة يوم القيامة، وأنكر هذا القول أبو عمر بن عبد البر ورده الشيخ أبو القاسم السهيلي بما خرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة في قبة خضراء يأتيهم رزقهم فيها بكرة وعشية".
قيل: وقد يمكن الجمع في ذلك بأن تكون أحوالهم مختلفة أو للجميع في أوقات مختلفة والله أعلم.
(وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين):
واختلف في الروح والنفس هل هما لفظان مترادفان أو بمعنيين اختلافا شديدا واختلف في الروح فقيل إنه عرض وهو اسم للحياة القائمة بالجسم، واختاره الأستاذ أبو إسحاق، واختار أبو المعالي أنه جسم لطيف، وبه قال ابن فورك وهو ظاهر كلام الشيخ أبي الحسن، واحتجوا بحجج يطول ذكرها وهي مبسوطة في محلها وأهل السعادة المراد بهم أهل الجنة نسأل الله العظيم رب العرش الكريم ألا يحرمنا إياها، وأهل الشقاوة أهل النار نسأل الله أن يسلمنا منها والدليل على ما ذكر الشيخ ما في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل
الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله".
(وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة):
الافتتان هو الاخبار والواو في قوله ويسألون واو الحال فتكون بمعنى إذ لأن السؤال هو بعينه الاختبار، ولا غرابة في سؤالهم مرة واحدة للجم الغفير في أقاليم مختلفة فيخيل لكل واحد منهم أن المخاطب هو دون من سواه أو يكون الله يحجب سمعه من مخاطبة الموتى لهما.
وخالف الملحدة فأنكروا فتنة القبر واحتجاجهم بالعيان مضادة لبلوغ الأخبار في ذلك مبلغ التواتر. وظاهر كلام الشيخ أن الصبي يفتن في قبره وهو كذلك قاله القرطبي في تذكرته قائلا: ويكمل لهم العقل ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. وقد جاء أن القبر ينضم عليهم كم ينضم على الكبار. قال الفاكهاني: انظر هل يسأل المجانين والبله وأهل الفترة أم لا.
وأما الملائكة فالظاهر عدم سؤالهم وظاهر كلام الشيخ أيضا أن الكافر لا يسأل وهو كذلك نص عليه الشيخ أبو عمر بن عبد البر قائلا الأخبار دلت على ذلك بخلاف المنافق فإنه يسأل لكونه حقن دمه وماله ودخل في حزب المؤمنين فيسأل ليتميز، وأما الكافر فهو متميز بظاهره عنهم والاخبار تدل على أن الفتنة مرة واحدة وعن بعضهم أن المؤمن يفتن سبعا، والمنافق أربعين صباحا.
قال القرطبي: جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين وكذلك في حديث الترمذي وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين ولا تعارض في ذلك والحمد لله بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص قرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حالة واحدة ليكون ذلك السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أعظم وأشد، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام. وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه وآخر يأتيانه كل واحد منهما على الانفراد فيكون ذلك أخف عليه في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال. وقد يحتمل في حديث أبي داود وجها آخر وهو أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان ويكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره لأنه لم يقبل في الحديث لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد، فلو قال هذا صريحا لكان الجواب عنه ما
قدمناه من أحوال الناس والله أعلم. وقد يكون من الناس من يوقي فتنتهما ولا يأتيه واحد منهما والقول الثابت هو لا إله إلا الله في الحياة الدنيا عند الموت وفي الآخرة عند سؤال الملكين، والقبر أول منزل من منازل الآخرة.
(وإن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم): الحفظة جمع حافظة ككاتب وكتبة وسموا حفظة لحفظهم ما يصدر من الإنسان من قول وعمل وعلمهم به.
واختلف هل هما اثنان بالليل واثنان بالنهار أو هما اثنان لا يفارقان الشخص والأكثر هو الأول بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" الحديث. وقال الآخر يحتمل أن يكون المتعاقبون غير الحفظة، وعلى الأول فالملائكة الذين يأتون اليوم غدا وهلم جرا مادام حيا. واستدل قائل هذا بقول الملكين أراحنا الله منه فبئس القرين ولا يقولان ذلك لمن يكونان معه يوما واحدا أو بعض يوم لأن ذلك خلاف لسان العرب.
وقال ابن السكيت: القرين الصاحب وقال الجوهري: قرينة الرجل صاحبته واعلم أن لسانك قلم الحفظة، وريقك مدادهم كذا جاء في الحديث، وظاهر كلام الشيخ أن المباح يكتب ولا يسقط وهو كذلك قاله بعض الشيوخ مستدلا بقوله تعالى:(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)[ق:18]
، فقول نكرة جاءت في سياق النفي فعمت. وقيل إنه لا يكتب وظاهر كلامه أن الحفظة على الكافر كالمؤمن، والصحيح خصوصهم بالمؤمن قال عياض في الإكمال.
واختلف فيما يتعلق بالقلب فقيل يكتبونه وأن الله تعالى يجعل لهم عليه علامة وقيل لا يكتبونه لأنهم لا يطلعون عليه. وفي كتب ما عزم عليم مصمما ولم يفعله، قولان للباقلاني والأكثر واعلم أن على الإنسان ملائكة غير الحفظة قال الله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) [الرعد: 11]
فهؤلاء غير الكاتبين بلا خلاف. وقال الهروي في التفصيل ما نصه.
وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كم من ملك على الإنسان؟ فذكر عشرين ملكا فقال: "ملك عن يمينه على حسناته وهو أمين
على الذي على يساره فإذا عملت حسنة كتبت عشر أو إذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين اكتب فيقول لا لعله يستغفر الله عز وجل ويتوب فإذا لم يتب قال نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله عز وجل وأقل استحياءه لقوله تعالى:(له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وملكان من بين يديك ومن خلفك لقول الله عز وجل: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وملك قائم على ناصيتك فإذا تواضعت لله عز وجل رفعك وإذا تجبرت على الله عز وجل قصمك وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وملك قائم على فيك لا يدع الحية أن تدخله وملكان على عينيك فؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تنزل ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل غير ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس بالنهار وأولاده بالليل".
(وإن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه):
ما ذكره الشيخ هو قول مجاهد وقتادة وغيرهما وقيل ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه يقبضها وعلى الأول فنص قتادة وغيره على أن له أعوانا وأطلق القول بذلك.
وقال الغزالي في كشف أمور الآخرة: إن الميت إذا حان أجله نزل عليه أربعة من الملائكة ملك يجذب نفسه من قدمه اليمنى وملك يجذبها من قدمه اليسرى وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى ثم يطعنه ملك الموت بحربة فيقبض نفسه. ومن الناس من يقبض وهو قائم يصلي أو نائم أو سائر في بعض أشغاله أو منعكف على لهو وهي ميتة البغتة فيقبض نفسه مرة واحدة، ومن الناس من إذا بلغت نفسه الحلقوم كشف له عن أهله السابقين من الموتى وحيئنذ يكون له خوار يسمعه كل شيء إلا الإنس لو سمعه لهلك وصعق.
وظاهر كلام الشيخ أنه يقبض روح غير الآدمي من الحيوانات وهو كذلك وقال بعض المبتدعة أعوانه تتولى قبض أرواح الحيوانات، ونص الشيخ أبو الحسن على أن الموت صفة وجودية وهي ضد الحياة، قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: الموت راجع إلى عدم الحياة وبينهما احتجاج يطول ذكره وهو مبسوط في كتبه.
(وإن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم):
اختلف في مقدار القرن على أحد عشر قولا فقيل عشر سنين، وقيل عشرون وقيل ثلاثون وقيل أربعون وقيل خمسون وقيل ستون وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل مائة وقيل مائة وعشرون، وقيل من عشرة إلى مائة وعشرين، وقال الجوهري القرن من الناس أهل زمان واحد وأنشد:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم = وخلفت في قرن فأنت غريب
والمقصود بهذا اعتبار تفاوت القرن في الفضل، وفسر الشيخ القرن بمن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به ثم من رآهم ثم من رأى من رآهم وبهذا فسره أكثر العلماء.
وقال المغيرة: أفضل القرون الصحابة ثم أبناؤهم ثم أبناء أبنائهم واختلف فيما بعد ذلك من القرون فقيل إنها سواء لا مزية لأحدها على الآخر قاله ابن رشد. وقال المغيرة وغيره لا يزال التفاوت كذلك إلى قيام الساعة ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "ما من يوم إلا الذي بعده شر منه" وروي في كل عام ترذلون وإنما يسرع بخياركم.
(وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الهادون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم:
اختلف في الصحابي من هو فقيل هو اسم لمن رأى النبي صلى الله عليه وسلم واتبعه فيصدق
الاسم على من رآه ولو مرة واحدة بشرط الاتباع، وإلى هذا ذهب البخاري وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر، وقال الآخرون لا يسمى صحابيا من كان صغيرا في زمانه صلى الله عليه وسلم وقال ابن المسيب ولا من كا كبيرا ورآه مرة أو مرتين أو شهرا وإنما لمن كثرت صحبته كالسنة ونحوها.
وقال أبو عمر بن عبد البر يصدق الاسم على من ولد في حياته وإن لم يره وأبعده بعضهم، واختلف في التفضل بين الصحابة، فمنهم من وقف قال مالك أدركت جماعة من أهل بلدنا لا يفضلون من الصحابة أحدا على أحد ويقولون الكل فضلاء وأكثر الناس على القول بالتفضيل، وعليه فأفضل الصحابة أهل الحديبية قال الله تعالى:(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)[الفتح: 18]
قيل نزلت في أهل الحديبية وأهل بدر. خرج مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال اطلع الله على أهل بدر فقال "يا أهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأهل بدر أفضلهم العشرة وأفضل العشرة الخلفاء الأربع ثم هم في الفضل على ترتيبهم في الخلاف وقيل بالوقف عن التفضيل فيما بين عثمان وعلي رضي الله عن جميعهم والقولان لمالك ورجع إلى تفضيل عثمان.
واختلف في التفضيل بين عائشة وفاطمة رضي الله عنهما فتوقف الأشعري في ذلك واحتج لتفضيل فاطمة رضي الله عنها بقوله صلى الله عليه وسلم "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو تكوني سيدة نساء هذه الأمة". واحتج لتفضيل عائشة رضي الله عنها بكونها مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة وفاطمة مع علي وشتان ما بين المنزلتين. واعترض بأن بقية أزواجه يكن معه في الجنة ولا قائل بتفضيلهن على فاطمة. وقال النووي في شرح البخاري أفضل نساء النبي صلى الله عليه وسلم عائشة وخديجة واختلف في أيتهما أفضل.
وظاهر كلام أبي المعالي رضي الله عنه أن التفضيل بينهما ظني وليس بقطعي ولفظه. ولم يقم عندنا دليل قاطع بتفضيل بعض الأئمة على بعض إذ العقل لا يشهد على ذلك والأخبار الواردة في فضائلهم متعارضة ولكن الغالب على الظن أن أبا بكر رضي الله عن أفضل الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثم عمر بعده، وتعارضت الظنون بين عثمان
وعلي رضي الله عنهما. وانعقد إجماع المسلمين على أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والمرسلين وأحب الخلق إلى رب العالمين صلى الله عليه وسلم والصحيح المعروف أن الأنبياء أفضل من الملائكة.
(وأن لا يذكر أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأحسن ذكر):
دليل ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى ومن أذى الله يوشك أن يأخذه".
وقال: "لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، وقال صلى الله عليه وسلم "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقال صلى الله عليه وسلم "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا".
وقال أبو أيوب السختياني من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح وأخاف ألا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما.
(والإمساك: عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب):
الإمساك الكف والسكوت وشجر معناه وقع واختلط ويريد ماوقع بين علي ومعاوية رضي الله الله عنهما. وقال عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: تلك دماء لم يخضب الله فيها أيدينا فلا نخضب بها ألسنتنا.
وروي أن أهل البصرة أرسلوا إلى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يسألونه عن أمر علي ومعاوية فقال رضي الله عنه (تلك أمة قد خلت)[البقرة: 134]
الآية. وقال
بعض العلماء: ضابط هذا أنهم عدول وأعيان اختارهم الله لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولنصرة دينه وأثنى عليهم في كتابه، فكل ما وقع بينهم في ذلك فليس عن هوى ولا لتحصيل دنيا وإنما هو عن اجتهاد ورأي. وقول الشيخ وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج لا يعارضه ما تقدم من وجوب الكف لان هذا خاص بالعلماء الذين يميزون بين الصحيح والسقيم ويفرقون بين الغث والسمين وما تقدم لعوام الناس.
(والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم):
الإمام هو القائم بأمور المسملين والولي هو النائب، والإمامة أعم من الخلافة إذ كل إمام خليفة ولا ينعكس. قال الغزالي: وشرائط الإمام بعد الإسلام والتكليف خمسة: الذكورية والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش وكونه واحدا وغير متغلب. واختلف إذا انعقدت الإمامة لاثنين في وقت واحد في بلدين فقيل إنها للذي عقدت له في بلد الإمام الميت. وقيل يقرع بينهما وقيل إن كان العقد لكل واحد منهما دفعها عن نفسه للآخر.
وقيل إن كان العقد لهما في وقت واحد فسد كزوجين عقد لهما على امرأة واحدة. وزاد صاحب العروة وأن يكون من أفضل القوم في عصره عند الأشعري والقاضي، والصحيح أنه لا يشترط. وتنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد، وقيل تنعقد بواحد إذا كان أهلا لما ذكر، وقيل لابد من اثنين وقيل لابد من أربعة، وقيل خمسة وقيل لابد من بيعة جميع العلماء وحضورهم عند البيعة واتفاقهم على واحد، وشرط أصحابنا اشتهار العقد كالنكاح والأصلي فيما ذكر الشيخ قوله تعالى (يا أيها الذين ءامنوا أطعيوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء: 59]
وعنه صلى الله عليه وسلم "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني فطاعتهم واجبة) إذ بهم تقام الأحكام وتصلح الأحوال وتحفظ الفروج والأموال.
واعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قيل كان الخليفة يقول أطيعوني ما عدلت فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبي حازم عن مسلمة بن عبد الملك أنه قال لهم: ألستم أمرتم بطاعتي في قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)؟ فقالوا له أو ليس يرغب عنكم
إذا خالفتم لقوله تعالى: (فإن تنزاعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول)[النساء: 59].
(واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم إلخ):
السلف الصالح وصف لازم يختص عند الإطلاق بالصحابة ولا يشاركهم غيرهم فيه قاله صاحب الحلل والاقتفاء والاتباع معناهما واحد. واعلم أن العبد الصالح يطلق على النبي والولي قال الله تعالى في اسماعيل وادريس وذا الكفل (كل من الصابرين)[الأنبياء: 85]. وقال تعالى في صفة يحيى (نبيا من الصالحين)[الصافات: 112]
وقال تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين)[النساء: 69]
والاستغفار طلب المغفرة وأصلها من الغفر وهو الستر فمعنى غفر الله ذنوبك أي سترها.
(وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون إلخ):
اعلم أن المراء والجدال لفظان مترادفان وقال الجوهري: المراء هو الجدال وأراد الشيخ كراهية مناظرة أهل الأهواء والمبتدعة ومجادلتهم والندب إلى ترك مكالمتهم وإلا فالمناظرة حسنة، قال عبد الوهاب في المناظرة خمس فوائد: إيضاح الحق وإبطال الشهبة ورد المخطئ إلى الصواب والضال إلى الرشاد والزائغ إلى صحة الاعتقاد مع الذهاب إلى التعليم وطلب التحقيق.
وللمناظرة أحكام وآداب، فمن أحكامها أن يقصد بها وجه الله تعالى وإظهار قول الحق وأن يجتنب فيها الرياء والسمعة والمباهاة واللجاج وغير ذلك مما ينافي تقوي الله تعالى، ومن آدابها أن يكون الكلام مناوبة لا مناهبة وأن يعتدل في رفع صوته ويتحرز من التعنت والتعصب والمداهنة والله الهادي إلى سواء السبيل.
قال القرافي رحمه الله: الأصحاب رضي الله عنهم فيما علمت متفقون على إنكار البدع والحق أنها على خمسة أقسام:
الأول: أنها بدعة واجبة إجماعا وهو تدين قواعد الواجب كتدوين القرآن والشرائع إذ خيف عليها الضياع، فإن تبليغها لمن بعد واجب إجماعا وإهمالها حرام إجماعا.
والثاني: بدعة محرمة إجماعا وهي ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهلاء على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث لمن لا يصلح لها وفي