المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الحج والعمرة - شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة - جـ ١

[ابن ناجي التنوخي]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة مختصرة للمصنف

- ‌باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره

- ‌باب ما يجب منه الوضو والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية

- ‌باب في زكاة الماشية

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

الفصل: ‌باب في الحج والعمرة

(ويستحب في العيدين أن يمضي من طريق ويرجع من أخرى):

قد ذكر المؤلف هذه المسألة في العيدين فانظر لأي شيء كرر ههنا، وقد قدمنا هنالك أقوالا كثيرة في علة رجوعه عليه الصلاة والسلام من طريق أخرى فانظره.

‌باب في الحج والعمرة

الحج في اللغة القصد وقيل بقيد التكرار قال ابن عبد السلام: رسمه عسير ولذلك تركه ابن الحاجب وقال ابن هارون لا يحد لأنه ضروري للحكم بوجوبه ضرورة وتصور المحكوم عليه ضروري، قلت ولما كان ابن هارون حج أثبت ما قال ولما لم يحج ابن عبد السلام حن منه أن يقول بعسره.

(وحج بيت الله الحرام الذي بمكة فريضة على كل من استطاع إلى ذلك سبيلا من المسلمين الأحرار البالغين مرة في عمره):

أما كونه فريضة فهو معلوم من الدين ضرورة، واختلف هل هو على الفور أم على التراخي فقيل إنه على الفور قاله العراقيون، وقيل له على التراخي قاله المغاربة وأخذه اللخمي من قول مالك لا تخرج له من المعتدة من وفاة، ومن رواية ابن نافع يؤخر لإذن الأبوين عامين وأخذه غيره من سماع أشهب لا يعجل بحنث حالف لا تخرج زوجته لخروجها له ولعله يؤخر سنة، ورد بعض شيوخنا الأخذ من المعتدة لوجوب العدة فورًا إجماعا ورد ابن بشير الأخذ الثاني بوجوب طاعة الأبوين فمراعاته كتعارض واجبين، وأجابه بعض شيوخنا بقول المدونة إذا بلغ الغلام فله أن يذهب حيث شاء وسماع أشهب وابن نافع سفر الابن البالغ بزوجته ولوالي العراق وترك أبيه شيخا كبيرا عاجزا عن نزع الشوكة من رجليه جائزة فقبله ابن رشد وحمله ابن محرز في البر لا في البحر ضعيف وعلى الأول فاختلف إذا أخره عامًا مستطيعا ثم أتى به فقيل يكون قاضيا قاله ابن القصار وقيل مؤديا قاله غيره، وإنما قال الشيخ الذي ببكة لأن كثيرًا من العتاة بنودا بيوتا وأمروا الناس بالحج إليها كبعض من كان بالمهدية أبعده الله.

ص: 332

وذكر الشيخ أن الشروط وجوبه أربعة: الاستطاعة والإسلام والحرية والبلوغ وهو كذلك عند غيره. قال ابن عبد السلام: وقد كثر استدلال الأصوليين على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة بظاهر قوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)[ال عمران: 97]

واستدلالهم ظاهر وعلى هذا إنما يكون شرطا في الصحة لا في الوجوب، وما ذكر الشيخ أنه فرض مرة في العمر هو كذلك بإجماع إلا ما حكاه ابن العربي عن بعضهم ممن لا يلتفت إليه.

(والسبيل الطريق السابلة والزاد المبلغ إلى مكة والقوة على الوصول إلى مكة إما راجلا وإما راكبًا مع صحة البدن):

اعلم أنه إذا كانت الطريق غير سابلة فإن كان يخاف على نفسه يسقط اتفاقًا وإن كان إنما يخشى على بعض ماله فإن كان مما يجحف به سقط وإلا فقولان هكذا قال غير واحد، وقال ابن عبد السلام: الأقرب أن الخلاف عموما سواء أجحف به أم لا لاختلاف ابن القاسم وغيره فيما إذا لم يكن له إلا مقدار ما يكفيه لحجه خاصة ولا يبقى له ما يعيش به بعد ذلك، ولا يترك لولده شيئًا فقال ابن القاسم يجب وقال غيره يسقط لأن هذا من الحرج والمعتبر في الاستطاعة الإمكان من غير تحديد على المشهور وكأنه ظاهر كلام الشيخ، وقال سحنون وابن حبيب باعتبار الزاد والراحلة وهو قول ابن أبي مسلمة، ومذهب الأكثرين خارج المذهب واحتجوا بما رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، واللفظ هنا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا وذلك أن الله عز وجل يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً) وأجابه أصحاب القول الأول بوجهين أحدهما أن هذا الحديث مطعون في صحته.

قال الترمذي هو غريب في اسناده وكذلك حديث ابن عمر في إسناده من تكلم فيه من قبل حفظه وكذلك الأحاديث التي خرجها الدارقطني في هذا المعنى، قال عبد الحق ليس فيها إسناد صحيح. الثاني أنه معارض لظاهر الآية لأنه قد توجد الاستطاعة بدون الراحلة كما في حق الصحيح القريب المسافة ويوجد الزاد والراحلة والاستطاعة، كما في حق الهرم وإذا ثبت ذلك وجب الاعتماد على ظاهر الآية وهذا الوجه الأخير

ص: 333

أشار إليه مالك في كتاب ابن المواز وقاله غيره، واشترط بعض العلماء في الاستطاعة وجود الماء في كل منهل وصوبه عبد الحق، واختلف في السائل الذي يغلب على الظن أنه يجد من يعطيه فروى ابن وهب ما يقتضي الوجوب وروى ابن القاسم أنه يسقط.

(وإنما يؤمر أن يحرم من الميقات):

يعني وكونه من أول الميقات أفضل لأن فيه المبادرة إلى فعل الخير مع الأمن من مجاوزة الميقات ونص العراقيون على أنه يكره تقديم الإحرام، وقيل لا يكره وعزاهما اللخمي لمالك قيل إن قرب كره وإن بعد جاز رواه الشيخ أبو محمد.

(وميقات أهل الشام ومصر وأهل المغرب الجحفة فإن مروا بالمدينة فالأفضل لهم أن يحرموا من ميقات أهلها من ذي الحليف، وميقات أهل العراق ذات عرق، وأهل اليمن يلملم، وأهل نجد من قرن، ومن مر من هؤلاء بالمدينة فواجب عليه أن يحرم من ذي الحليفة):

ص: 334

ما ذكره من التحديد هو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ذات عرق فعند البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي حده، وعند النسائي أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عائشة رضي الله عنها هو الذي حده وعند النسائي وميقات المحاذي ما يحاذي به وإن كان يحاذي ميقاتين فقال ابن عبد السلام: الذي يظهر لي على أصل المذهب أنه يحرم من أولهما محاذاة إلا في الشامي والمصري وإن كان لا يمر بذي الحليفة والجحفة وإنما يحاذيهما فإنه يكون حكمه حكم ما لو مر بهما قال: وإن كان في البحر، فالمنصوص أنه يحرم إذا حاذى الميقات، وذكر لي بعض أشياخي أن المذهب قولاً آخر أنه يؤخر الإحرام إلى البر، وفي المدونة يستحب الإحرام وعلى الأول فروى أشهب من داخل المسجد، وروى ابن حبيب من بابه، وكلاهما حكاه الباجي، قال ابن عبد السلام: وأكثر النصوص استحباب المسجد ولم يحك لزومه غير ابن بشير واعترض بعض شيوخنا بنقل ابن رشد إياه بلفظ الوجوب.

(ويحرم الحاج أو المعتمر بإثر صلاة فريضة أو نافلة):

قال الشيخ تقي الدين: الإحرام هو الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما قال وقد كان شيخنا العلامة ابن عبد السلام رحمه الله يستشكل معرفة حقيقة الإحرام جدا ويبحث فيه، فإذا قيل أنه النية اعترض عليه بأن النية شرط في الحج الذي الإحرام ركنه وشرط الشيء غيره ويعترض على أنه التلبية بأنها ليست بركن والإحرام ركن أو

ص: 335

قريب منه وكان يحرم على تعيين فعل تتعلق به النية والتلبية في الابتداء، قلت واعترض ابن عبد السلام ما ذكره تقي الدين بأن ما يدخل به النية والتوجه لغير المكي والأولان للملكي والواجب منهما النية فقط ويغر الواجب لا يكون جزء الواجب وأجابه بعض شيوخنا بوجوب التوجه لتوقف سائر الأركان عليه، قال ابن عبد السلام: وظاهر الرسالة وابن الحاجب أنه لا رجحان في إحرامه عقب النفل على الفرض وهو قول في المذهب واستحب في المدونة أن يكون بإثر النافلة.

(يقول لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك):

اعلم أن حكم التلبية السنة وفي الجلاب التلبية مسنونة غير مفروضة قال الباجي معناه أي ليست ركنا وإلا فهي واجبة، وما ذكر الشيخ من لفظ التلبية هي تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن زاد على ذلك ما زاده عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلا بأس ومن لم يلب وكبر وتوجه ناسيا حتى طال لزمه هدي، واختلف إذا لبى حين أحرم وتركه على ثلاثة أقوال: فقيل عليه هدي، وقيل لا قاله في كتاب محمد، وقيل بالأول إن لم يعوضها بتكبير وبالثاني إن كبر قاله اللخمي، ومعنى لبيك إجابة بعد إجابة عند من رأى هذا اللفظ مثنى لفظا ومعنى أو لفظا خاصة ومنهم من رآه مفردا وانقلاب ألفه لاتصاله بالضمير كما انقلبت ألف على ولدي ومعنى سعديك في تلبية ابن عمر ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة، ويقع ضبط إن مكسورة ومفتوحة من قوله إن طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة، ويقع ضبط إن مكسورة ومفتوحة من قوله إن الحمد وزعم غير واحد من الأئمة إن كسرها أبلغ لما يعطيه الفتح من التعليل فكان موجب الإجابة هو أن الحمد لله والنعمة وعلى الكسر يكون إنشاء ثناء عاريا من التعليل.

وقال الزمخشري وغيره إن مكسورة ومفتوحة دالة على التعليل وقال آخرون أن المفتوحة وأصرح في التعليل والرغباء يضبط بفتح الراء وبفتحها وبالقصر وبضمها والقصر ومعناه هنا الطلب والمسألة أي الرغبة إلى من بيده الخير وهو المقصود بالعمل والحقيق بالعبادة.

(أو ينوي ما أراد من حج أو عمرة):

دليله قوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)[البينة:5]

وقوله عليه السلام " إنما الأعمال بالنيات".

ص: 336

(ويؤمر أن يغتسل عند الإحرام قبل أن يحرم ويتجرد من مخيط الثياب ويستحب له أن يغتسل لدخول مكة):

الأصل في ذلك فعله صلى الله عليه وسلم والأكثر على أن الغسل للإحرام سنة معلل بالنظافة ولذلك تفعله الحائض ووقع لمالك إطلاق الاستحباب عليه.

(ولا يزال يلبي دبر الصلوات وعند كل شرف وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها):

الشرف هو الجبل والمكان العالي والرفاق جمع رفقة بضم الراء وقد تكسر قال الأزهري وهي الجماعة يترافقون للنزول والتحمل ويرتفق بعضهم بمؤنة بعض وما ذكر الشيخ أنه يقطع إذا دخل مكة هو أحد الأقوال الأربعة، وقيل يقطع بنفس دخوله الحرم لمن أحرم من ميقاته، وقيل إذا دخل المسجد وقيل إذا ابتدأ الطواف وما ذكر أنه إذا عاودها يقطعها إذا راح إلى المصلى هو أحد الأقوال الثلاثة وكلها في المدونة قال فيها إذا فرغ من سعيه وعاد إلى التلبية فلا يقطعها حتى يروح يوم عرفة إلى المسجد، قال ابن القاسم يريد إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة قطع التلبية.

وثبت مالك على هذا وعلمنا أنه رأيه لأنه قال لا يلبي الإمام يوم عرفة على المنبر ويكبر بين ظهراني خطبته ولم يوقت في تكبيره وقتا، وقال مالك قبل ذلك يقطع التلبية إذا خرج إلى الموقف وكان يقول يقطع إذا زاغت الشمس ثم رجع فثبت على ما ذكرناه، واختلف الشيوخ ما المختار واختار ابن القاسم الأول واختار أشهب الثاني، واختار ابن المواز الثالث، وذهب ابن خالد إلى أن جميع ما في الكتب يرجع لقول واحد وذهب غيره إلى أنها راجعة لقولين وقدر كل واحد منهما قوله بما فيه تكلف وقول ابن القاسم وثبت مالك على هذا يضعها معًا فلا يتشاغل بكيفية جملها.

(ويستحب أن يدخل مكة من كدا الثنية بأعلى مكة وإذا خرج خرج من كدى وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج):

كداء الأول قال خليل يفتح الكاف والدال غير مصروف وهو في حديث ابن عمر بالصرف وفي حديث الهيثم بضم الكاف مقصورة وللقابس فإذا عرفت هذا فقول الفاكهاني لا أعرف إلا منونا ولا يبعد فيه منع الصرف إذا حمل على البقعة إذ هو علم على المكان المخصوص المعروف به قصور، قال ابن المواز وهي المنازل بأعلى مكة

ص: 337

يهبط منها على الأبطح والمقبرة تحتها من يسار المنازل وكدى الثانية بضم الكاف قال خليل وشد الدال قال غيره بل والقصر ابن المواز وهي الوسطى بإشعار وأما من عكس فلا حرج.

(فإذا دخل مكة فليدخل المسجد ومستحسن أن يدخل من باب بني شيبة فيستلم الحجر الأسود بفيه إن قدر وإلا وضع يده عليه ثم وضعها على فيه من غير تقبيل):

ص: 338

أما دخول المسجد فقال عبد الوهاب لأن المستحب المبادرة إلى البيت للطواف وحيازة الثواب، بذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم فإنه روي " أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل مكة لم يلهه أمر عن المسجد" وأما استحباب دخوله من باب بني شيبة فلفعله صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه وكذلك استلام الحجر الأسود. وفي الصحيحين " أن عمر رضي الله عنه جاء إلى الحجر الأسود فقبله، وقال أني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك" فهو من سنن الطواف، وما ذكر أنه لا يقبل مع العجز هو المشهور وفي كتاب محمد تقبيله جائز وفي المدونة كره مالك وضع الخدين على الحجر الأسود وهو بدعة.

وروى محمد بن جعفر قال رأيت ابن عباس قبل الركن ثم سجد عليه فعل ذلك ثلاثا، ومثله عن طاوس وذكره ابن حبيب عن ابن عمر، وقال من فعله في خاصته

ص: 339

فذلك له وتأول كراهة مالك خيفة أن يرى ذلك واجبًا قال بعض الشيوخ وقول ابن حبيب خلاف لقول مالك.

(ثم يطوف والبيت على يساره سبعة أطواف ثلاثة خببا ثم أربعة مشيا ويستلم الحجر كلما مر به كما ذكرناه ويكبر):

ما ذكر الشيخ من طوافه والبيت عن يساره ذلك من واجبات الطواف فلو جعله على يمينه فسد طوافه ورجع إليه ولو بلده قال اللخمي وعزاه غيره لأشهب، وكذلك ينبغي أن يحتاط فيقف قبل الركن بقليل بحيث يكون الحجر عن يمين موقفه ليستوعب جملته بذلك، وقيل إنه يجزئه إذا رجع إلى بلده حكاه ابن بشير قائلاً للخلاف ويشترط أن يطوف بجميع البيت فلذلك لا يطوف على شاذر وأنات البيت وهي ما أسقط من أساس البيت ولم يرفع على الاستقامة ولا يطوف داخل الحجر ولو تصور أن يطوف من طرف الحجر لأجزأه لأن طوافه ليس من البيت وليس بحسن أن يفعل ذلك.

واختلف إذا طاف من وراء زمزم فقال ابن القاسم يجزئه مع العذر وقال أشهب لا يجزئه قال سحنون ولا يمكن أن ينتهي الزحام إلى السقائف واختلف الشيوخ إذا فعل ذلك لغير عذر فقال ابن أبي زيد لا يرجع من بلده. وقال ابن شبلون يرجع قال ابن عبد السلام: قال الباجي وقول ابن أبي زيد أقيس ولا دم عليه، واعترضه بعض شيوخنا بكونه لم يجده للباجي في المنتقي بحال بل تممه ابن يونس وعليه الدم قال في المدونة ومن جهل أو نسي فترك الرمل في الأشواط الثلاثة بالبيت والسعي بين الصفا والمروة فهذا خفيف، وكان مالك يقول عليه الدم ثم رجع فقال لا دم عليه وكان يقول في تارك الرمل إن قرب أعاد الطواف والسعي وإن بعد فلا شيء عليه ثم خففه وإن لم ير أن يعيده.

قال الباجي: واختلاف القول في ذلك مبني على أصل هو من الهيئات التي يسوغ فعلها وتركها كاستلام الحجر بل استلام الحجر آكد منه لأنه يؤتي به في كل طواف وهي عبادة منفردة بنفسها وهي من الأمور الملازمة للطواف كركعتي الطواف.

(ولا يستلم الركن اليماني بقيه ولكن بيده ثم يضعها على فيه):

قال في التهذيب: ولا يستلم الركنين اللذين يليان الحجر ولا يكبر إذا حاذاهما، وذكر ابن يونس مثله ونسبه للمدونة واعترض ذلك بعض شيوخنا بكونه لم يجده نصًا

ص: 340

فيها بل هو دليل عدم ذكرهما، وعلل ابن عمر رضي الله عنه عدم تقبيلها بأنهما ليسا على قواعد إبراهيم عليه السلام وقبلوه قال القابسي وغيره لو أدخل الحجر في البيت حتى عاد الركنان على قواعد إبراهيم عليه السلام لقبلا.

(فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين ثم استلم الحجر إن قدر):

اختلف في مقام إبراهيم عليه السلام فقال ابن عباس وقتادة وغيرهما وخرجه البخاري أنه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم عليه السلام حين ضعف عن رفع الحجارة التي كان إسماعيل عليه السلام يناوله إياها في بناء البيت وغرقت قدماه فيه، وقال الربيع بن أنس هو حجر ناولته إياه امرأته فاغتسل عليه وهو راكب جاءت به امرأته من شق إلى شق فغرقت رجلاه فيه حين اعتمد عليه، وقال فريق من العلماء المقام المسجد الحرام، وقال عطاء بن أبي رباح المقام عرفة والمزدلفة والجمار وقال ابن عباس مقامه مواقف الحج كلها وقال مجاهد مقامه الحجر كله.

(ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء ثم يسعى إلى المروة ويخب في بطن المسيل فإذا أتى المروة وقف عليها للدعاء):

الصفا والمروة جبلان بمكة الصفا جمع صفاة وقيل اسم مفرد وجمعه صفي وأصفاء، والمروة واحد المرو وهي الحجارة الصغار التي فيها لين وذكر الصفا قيل لأن آدم عليه السلام وقف عليه وأنث المروة لأن حواء وقفت عليها، وقيل كان من الصفا صنم يسمى إسافا وعلى المروة صنم يسمى نائلة فأطرد ذلك على التذكير والتأنيث قاله ابن عطية وبطن المسيل بطن الصفا والمروة وأهل مكة يقولون له الميل الأخضر والسعي واجب ولا يجبر بالدم خلافا لأبي حنيفة.

(ثم يسعى إلى الصفا يفعل سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعًا على المروة):

قال ابن رشد في مقدماته: أصل السعي بين الصفا والمروة في الحج هو ما جاء في الحديث الصحيح من أن إبراهيم عليه السلام لما ترك ابنه إسماعيل مع أمه بمكة وهو رضيع نفد ماؤها وعطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلون أو قال يتلبط، وانطلقت كراهة أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي لتنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ردائها ثم سمعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة.

ص: 341

فقامت عليها ونظرت فلم تر أحدا سبع مرات.

(ثم يخرج يوم التروية إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع التلبية في هذا كله حتى تزول الشمس يوم عرفه ويروح إلى مصلاها):

قال عبد الوهاب لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل قيل وهذا إذا كان غير مراهق وأما إن كان مراهقا فلابد من أن يصلى فيه الصلوات الخمس ولا بأس للضعيف ومن له حاجة أن يغدو قبل ذلك.

(وليتطهر قبل رواحه فيجمع بين الظهر والعصر مع الغمام ثم يروح معه إلى موقف عرفه فيقف معه إلى غروب الشمس):

سميت عرفة لأن جبريل عليه السلام لما علم إبراهيم عليه السلام المناسك وأراه إياها فلما انتهيا إلى جبل عرفة وهو الموقف قال له عرفت قال عرفت، وقال الفاكهاني: وانظر قول الشيخ رحمه الله فيقف معه إلى غروب الشمس فظاهر أنه لا يأخذ جزءًا من الليل بخلاف من يقول يدفع بعد أن يأخذ من الليل شيئًا قاله عبد الحق.

(ثم يدفع بدفعه بقرب فيصلي معه بمزدلفة المغرب والعشاء والصبح ثم يقف معه بالمشعر يومئذ بها ثم يدفع بقرب طلوع الشمس إلى منى ويحرك دابته ببطن محسر):

الأصل في ذلك فعله عليه الصلاة والسلام كما هو مبين في حديث جابر، وبطن محسر موضع بمنى قال الفاكهاني: انظر سن التحريك ببطن محسر فإني لم أقف على شيء فيه اعتمد عليه.

(فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة سبع حصيات مثل حصى الخذف ويكبر مع كل حصاة):

ص: 342

قيل إنما سميت منى لما يمني فيها من الدم أي يسيل والجمرة مجتمع الحصيات التي ترمى والخذف بالخاء والذال المعجمتين والفاء قال الجوهري والخذف بالحصا المرمي بها بالأصابع قال غير واحد، وهو فوق الفستق ودون البندق، وقال الفاكهاني: وسمعت خطيب الحاج يقوله ثم رأيته لأصحابنا. قال ابن رشد والأصل في رمي الجمار على ما جاء في بعض الآثار أن إبراهيم عليه السلام لما أمر ببناء البيت سارت السكينة بين يديه كأنها قبة فكانت إذا سارت سار وإذا وقفت نزل فلما انتهت إلى موضع البيت استقرت عليه، وانطلق إبراهيم مع جبريل عليه السلام فمر بالعقبة فعرض له الشيطان فمراه ثم مر بالثانية فعرض له فرماه ثم مر بالثالثة فعرض فرماه، فكان ذلك سبب رمي الجمار ثم مشى معه يريه المناسك حتى انتهى إلى عرفات، فقال له عرفت فقال عرفت فسميت عرفه، ثم رجع فبني البيت على موضع السكينة.

وقد روي في سبب رمي الجمار ما ذكرته في كتاب الضحايا من شأن إبراهيم عليه السلام مع الكبش الذي فدى الله به ابنه من الذبح والله اعلم، والسكينة ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان قاله على بن أبي طالب رضي الله عنه، وفيها أقوال كثيرة انظر ابن عطية فيها وما ذكر الشيخ أنه يرمي بمثل حصى الخذف هو قول أكثر الشيوخ واستحب مالك في المدونة أن تكون بأكبر قليلاً، وإنما خالفوه للأحاديث الواردة في ذلك.

ص: 347

قال ابن عبد السلام: وأظن أن الإمام رحمه الله لم تبلغه الأحاديث لأنه في الموطأ إنما حكي في ذلك بعض أهل العلم أعني كونه مثل حصى الخذف وعقبه بأن قال وأكبر من ذلك قليلاً أعجب إلى وأقرب ما قيل في الاعتذار عنه أن حصى الخذف لا تنضبط لأن فيه الصغير والكبير واستحب الأكبر لأن فيه القدر المشروع وزيادة وفيه نظر. ويشترط كونه حجرا فلا يجزئ المدر عنه مالك.

وتردد الشيخ أبو على حسان بن مكي من طبقة الإمام المازري هل تجزئ الأحجار النفيسة والخاتم أم لا؟ قال بعض شيوخنا ويرد توقفه برواية ابن رشد إنما يجزئ بالحصي لا المدر ولا الطين اليابس، وما رمي به المشهور لا يرمي به، وروي ابن وهب من سقطت له حصاة أخذ من موضعه حصاة رمي بها، وروى ابن القاسم يكره رميه بما رمي به فإن فعل فأرجو خفته، وقال أشهب إن نفدت حصاه فأخذ من الجمرة حصاة ورمي بها لم تجزه، وقول الباجي الذي يظهر لي أنها كالوضوء بالماء المستعمل سبقه به ابن شعبان شيوخنا قال اللخمي عنه لا تجزئ لأنه تعبد به كما لو توضأ به ونبه على هذا بعض شيوخنا قال اللخمي وهذا فيما رمى به غيره، ولو كرر رميه بحصاة واحدة سبعًا لم يجزه قال بعض شيوخنا، وكأنه خلاف ظاهر المدونة من نفدت حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمرة أجزأه، قال أبو عمر بن عبد البر أحسن ما قيل في علة قلة الجمار بمنى، قول أبي سعيد وابن عباس إنها قربان ما تقبل منها رفع ولو كان أعظمهن من ثبير، وقول الشيخ يكبر مع كل حصاة يريد رافعا صوته ابن المواز وفي المدونة إن سبح قال التكبير سنة فإن رمى السبع مرة احتسب منها بواحدة، فإن ترك التكبيرة فلا شيء عليه فقال أبو عمر إجماعا.

(ثم ينحر إن كان معه هدي ثم يحلق ثم يأتي البيت فيفيض فيطوف سبعًا ويركع):

قال عبد الوهاب: ما يفعل بمنى من رمي ونحر وحلق فلا شيء عليه في تقديم بعضه على بعض إلا تقديم الحلاق على الرمي ففيه دم، وقال ابن بشير إن ابتداء بالنحر قبل الرمي فالمذهب سقوط الفدية وإن ابتدأ بالحلق قبل الرمي فقولان، وسقوط الدم وجوبا لمالك وعبد الملك قال غير واحد وإن ابتدأ بالإضافة قبل جمرة العقبة فقال مالك وابن القاسم تجزئه الإفاضة وهو في يوم النحر آكد وكذلك إن أفاض قبل حلقه فقيل إنه لا يجزئه وقيل إنه يجزئه وقيل تستحب الإعادة ولا تجب، قال عياض وعن مالك في الموطأ أحب إلى أن يهدي ومثله لابن عبد السلام ووهمهما بعض شيوخنا

ص: 348

بكون ما ذكراه ليس في الموطأ، وإن أفاض قبل ذبحه فالمنصوص الإجزاء وخرج إعادته.

(ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمي الجمرة التي تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولي والثانية ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف فإذا رمي في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصرف):

اعلم أن للرمي وقت أداء، ووقت انقضاء ووقت فوات.

فأما وقت الأداء ففي يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وتردد أبو الوليد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر على هل هي وقت أداء أو وقت قضاء؟ وكذا نقل ابن بشير عنه، وقال ابن الحاجب: عنه قضاء كل يوم تاليه بالتاء المثناة من فوق ولام بعد ألف اسم فاعل من تلاه وفي بعضها بالثاء المثلثة أولا ونون عوض اللام، وتعقبه ابن عبد السلام بأنه لم يجده في المنتقي وإنما فيه أن وقت القضاء يمتد من غروب الشمس كل يوم إلى آخر أيام التشريق فليس فيه اختصاص بالثاني ولا بالتالي، ولا فيه أيضًا أن الخامس محل قضاء اليوم الرابع كما يعطيه ظاهر كلام المؤلف، والفضيلة من هذا الوقت من بعد طلوع الشمس إلى الزوال وما بعده لا يشاركه في الفضل وإن شاركه في كونه وقت أداء وكذلك ما قبل طلوع الشمس.

ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد زوال إلى مغيب الشمس والفضيلة تتعلق بعقب الزوال من هذه الأيام، ووقت القضاء لكل يوم ما بعده منها ولا قضاء لليوم الرابع، وإن ترك جمرة أتى إلى موضعها إن ذكرها فيه ثم لا شيء عليه إلا أن تكون الأولي والوسطى فيعيد ما بعدها وقيل لا وإن ذكرها بعد مضي يومها أعاد ما كان في وقته خاصة، وقيل لا وإن كان المتروك حصاة وذكرها في موضعها رماها يجبر بها النقص ولم يعد رمي الجمرة.

ويختلف فيما بعدها على ما تقدم وقيل يعيد رمي الجمرة، وقيل يجزئه جبر نقصها إن كان يوم الأداء ويبتدئ رميها إن كان يوم القضاء، وكذلك إن لم يذكر موضعها وقال في الكتاب يرمي عن الأولى بحصاة ثم يعيد ما بعدها، وقال فيه أيضًا يبتدئ رمي الجميع ولا يعتد بشيء، والكلام في هذا الفصل متسع جدًا ومحله المدونة.

ص: 349

(فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف):

يقال طواف الوداع طواف الصدر وهو مشروع بلا خلاف لكنه عندنا مستحب وعند الشافعي مسنون وعند الحنفي واجب وليس بركن، وشرط مشروعيته عندنا أن يكون ذلك بعد أن لا يبقى عليه شيء من أفعال الحج مطلقًا وأن لا يبقى له شغل وقد عزم على الانصراف عن مكة فإذا عرفت هذا فأعلم أن قول الشيخ وإذا خرج من مكة أراد به وإذا أراد الخروج من مكة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أتى الجمعة فليغتسل" وقوله تبارك وتعالى:(فإذا قرأت القرءان فاستعذ باله من الشيطان الرجيم)[النحل: 98]

تأويله عند الأكثر إذا أردت فإذا عرض له بعد ذلك شغل خفيف لم يعده وإلا أعاده ومثل هذا من اغتسل للجمعة ثم تربص ثم صار إلى الجامع يفصل فيه بين القرب والبعد ومن خرج ولم يودع رجع لم يخش فوات ورفقته ولا يجب بتركه دم ولا غيره ولا يودع مكي، ولا قادم أوطان مكة ولا خارج للتنعيم ليعتمر ولا من اعتمر ثم خرج من فوره فإن أقام ثم خرج ودع.

(والعمرة يفعل فيها كما ذكرنا أولا إلى تمام السعي بين الصفا والمروة ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته):

المشهور من المذهب كراهة أن يعتمر في العام الواحد أكثر من مرة وقال مطرف يجوز ذلك وبه قال ابن المواز واختاره اللخمي وهي تشتمل على إحرام وسعي وطواف وحلاق أو تقصير.

(والحلاق أفضل في الحج والعمرة والتقصير يجزئ وليقصر من جميع شعره وسنة المرأة التقصير):

قال اللخمي: الناس في الحلاق والتقصير على ثلاثة أقسام: حلاق وتقصير تخيير، فالحلاق لمن لا شعر له وللأقرع ولمن لبد أو ضفر أو عقص من الرجال، والتقصير للنساء ولا يجوز الحلق لأن ذلك مثله لهن إلا لمن برأسها أذى والحلاق أصلح كذلك لبنت تسع أو عشر والخيار لمن له وفرة من الرجال ولم يلبد ولا عقص ولا ضفر. قال في المدونة وليس تقصير الرجال أن يأخذ من طرف شعره ولكنه يجزه جزًا وليس كالمرأة فإن لم يجزه وأخذ منه فقد أخطأ وأجزأه، وقال الأبهري معناه أن يأخذ

ص: 350

منه ما يقع عليه اسم التقصير وليس ذلك بأن يأخذ اليسير من شعر رأسه.

وقال الباجي وفي هذا نظر لأنه قد منع أن يفعل منه ما تفعله المرأة ما يقع عليه اسم التقصير ولو كان الذي يأخذ من أطراف شعره لا يقع عليه اسم التقصير لم يجزه، وقد قال مالك أنه يجزئه وإنما أراد المبالغة في ذلك على وجه الاستحباب، قال ابن عبد السلام: وهو لعمري أقرب إلى ظاهر الكلام غير أن في المدونة وإن قصر فليأخذ من جميع شعره وما أخذ من ذلك أجزأه فظاهره خلاف ما تقدم وعلى هذا حمله التونسي وهو أيضًا فيه نظر لأن اسم التقصير صادق عليه، واعلم أن أقل ما يكفي من التقصير الأخذ من جميع الشعر قصيره وطويله كذلك نص عليه في المدونة مع ما يصدق عليه اسم التقصير من غير اعتبار بأنملة وأقل أو أكثر.

وروى ابن حبيب يقصر قدر الأنملة وفوقها بيسير أو دونها وروي في الطراز قدر الأنملة فقط، وفي المدونة لابن القاسم فيما إذا وطئ بعد تقصيره بعضا وتركه بعضا عليه الدم قال ابن يونس يريد وقد أفاض، وقال ابن القاسم إن اقتصر على بعضه لم يجزه على المشهور وقال ابن عبد السلام: وغيره لا أعرف مقابله.

(ولا بأس أن يقتل المحرم الفأرة والحية والعقرب وشبهها والكلب المعقور وما يعدو من الذئاب والسباع ونحوها يقتل من الطير ما يتقى أذاه من الغرباء والأحدية فقط):

في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهم الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور" وقال أيضًا " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية والغرب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحدأة" فأسقط في هذا الحديث العقرب وزاد الحية فوجب جمعها معًا لصحة الحديثين وزاد في هذا اللفظ الأبقع، قال ابن عبد السلام: وهل لفظ الغراب مطلق فيكون الأبقع مقيدا له أو عام فيكون هذا على وقفه لا مخصصا في ذلك نظر، والأقرب هو الثاني وقد ذهبت فرقة إلى النهي يقصر على الغراب الأبقع، واختلف المذهب ما المراد بالكلب العقور في الحديث على قولين فالمشهور أنه كل عاد من السباع كالأسد والنمر والشاذ أنه الكلب الأنسي حكاه ابن الحاجب نصا تبع في ذلك ابن شاس.

قال ابن عبد السلام: وأظنهما رأيا ما في تبصرة اللخمي وهو قوله وظاهر قول

ص: 351

أشهب أنه الإنسي لأنه قال يقتل الكلب وإن لم يعقر انتهي كلام اللخمي، وزاد في النوادر وإن كان كلب ماشية وليس في هذا اللفظ ما يدل على ما قاله اللخمي رحمه الله لاحتمال أن يقول أشهب يقتل مع ذلك الأسد والنمر وغيرهما من السباع المؤذية، بل نص أشهب في هذا اللفظ، وهو في النوادر قبل الكلام الذي حكاه اللخمي ومتصل به على أنه يقتل صغار السباع وهو يدل على أنه يقول مثل قول جمهور أهل المذهب.

وروي عنه قول آخر أنه يمنع أنه يقتل صغارها وعليه الجزاء إن قتلها وهو مؤذن بجواز قتل الكبار، والأشبه أن الخلاف الذي في المذهب هو ما قاله بعض الشيوخ هل يتناول اللفظ السباع والكلاب معًا أو إنما يتناول الكلاب أو السباع الذي تلحق بها معنى من باب الأولى، وحمل بعض الشيوخ على أن مذهب مالك في طائفة أن المراد منها السباع خاصة قال: وليس المراد الكلاب الإنسية لا العادي منها ولا غيره، والحاصل من هذا كله أن المذهب دخول السباع تحت هذا اللفظ، وإنما الخلاف في دخول الكلب وهو عكس ما نقله هؤلاء المتأخرون، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في عتبة بن أبي لهب:" اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فعدا عليه الأسد" فاحتج بذلك جماعة على أن المراد بالكلب العقور هو الأسد وما في معناه، واختلف المذهب في قتل الغرب والحدأة إذا لم يؤذيا وكذلك اختلف في قتل صغارهما وكذلك ما آذى من الطير مما ليس بغراب ولا حدأة.

(ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب والقاء التفث):

أما اجتناب النساء في الإحرام فمتفق عليه أي مجمع عليه لقوله تعالى: (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)[البقرة: 197]

قال ابن عباس وغيره الرفث هنا الجماع فإن وطئ في حجه فلا يخلو إما أن يطأ قبل الوقوف بعرفة فهذا لا خلاف في فساد حجه، وإما أن يطأ بعد الوقوف وقبل رمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة ففيه قولان المشهور فساده، وإما أن يطأ قبل طواف الإفاضة، وبعد رمي جمرة العقبة، فقال ابن القاسم عليه العمرة والهدي كان قد حلق أم لا، وأما عكسه فعليه الهدي فقط ولا عمرة عليه.

وقال ابن المواز هو كتارك رمي جمرة العقبة قاله ابن كنانة، وقال ابن وهب إن وطئ يوم النحر فسد حجه إذا لم يرم وإن أفاض وقاله أشهب، وأما الطيب فتجب

ص: 352

الفدية فيه باستعمال المؤنث منه أو لمسه كالزعفران والورس والكافور والمسك، وقيل لا تجب بمجرد اللمس ويكره له شم غير المؤنث ولا فدية على وجه كان استعمله أو مسه واستخف ما أصابه من خلوق الكعبة إذ لا يكاد ينفك منه ولينزع الكثير منه وهو مخير في نزع اليسير، وأما مخيط الثياب فالأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عما يلبس المحرم من الثياب فقال:" لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات" الحديث. ولا خلاف في تحريم ذلك على الرجال دون النساء قال ابن الماجشون: ولا باس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض ولا بأس أن يرمي ثوبًا على شجرة ويقيل تحتها ولي كالراكب والماشي وهو للنازل كالخباء والفسطاط والبيت المبني وقال اللخمي إن كان في محارة كشف عنها فإن لم يفعل ابتدأ وقد نقل الإمام أبو عبد الله والقاضي أبو بكر أن ابن عمر أنكر على من استظل راكبا، وقال أضح لمن أحرمت له ثم نقلا عن الرماني أنه قال رأيت ابن المعدل الفقيه في يوم شديد الحر وهو ضاح للشمس فقلت يا أبا الفضل هذا أمر اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول:

ضحيت له كي أستظل بظله = إذا الظل أضحي في القيامة قالصا

فيا أسقي إن كان سعيك باطلا = ويا حسرتي إن كان حجك ناقصا

وأما الصيد يعني به صيد البر لقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرمًا)[المائدة: 96]

ولا فرق في صيد البر أن يكون متأنسا أو وحشيا كان مما يؤكل لحمه أم لا كان مملوكا أم لا ويحرم التعرض لأفراخه وبيضه، ويلزم الجزاء بقتله، وأما قتل الدواب فيريد به دواب جسده فلا يقتل القمل ولا يلقيه عن جسده إذ ذاك كقتله بخلاف البرغوث فإنه يجوز إلقاءه لأنه من الأرض، وأما إلقاء التفث فهو كقص الشارب والأظفار ومنهم من فسر كلام الشيخ بأن مراده ما يلقي من الدواب عن جسده وضعف للتكرار.

(ولا يغطي رأسه في الإحرام ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي بصيام ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين مدين لكل مسكين بمد النبي عليه السلام أو ينسك بشاة يذبحها حيث

ص: 353

شاء من البلاد وتلبس المرأة الخفين والثياب في إحرامها وتجتنب ما سوى ذلك مما يجتنب الرجل وإحرام المرأة في وجهها وكفيها وإحرام الرجل في وجهة ورأسه ولا يلبس الرجل الخفين في الإحرام إلا أن لا يجد نعلين فليقطعهما أسفل من الكعبين):

الأصل في ذلك قوله تعالى: (ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله)[البقرة: 196]

قال ابن عطية المعنى حلقه لإزالة الأذى بيديه وهذا هو فحوى الخطاب عند أكثر الأصوليين ونزلت هذه الآية في كعب بن عجرة حين رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه يتناثر قملا فأمره بالحلاق ونزلت الرخصة والصيام عند مالك وأصحابه ثلاثة أيام والصدقة إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، وذلك مدان بمد النبي عليه السلام والنسك شاة بإجماع ومن ذبح أفضل منها فهو أفضل.

وقال الحسن بن أبي الحسن الصيام عشرة أيام والإطعام عشرة مساكين وتعجب الفاكهاني من قوله صلى الله عليه وسلم " فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع" حسبما هو في الصحيحين. وقول الشيخ يذبحها حيث شاء من البلاد يريد ما لم يقلدها أو يشعرها فإن فعل ذلك لم يذبحها إلا بمنى.

(والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران):

اعلم أن هذا النسك يصح أداؤه بالإفراد والتمتع والقران واتفاقًا واختلف هل يفضل بعضها على بعض أم لا؟ فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى عدم التفضيل والأكثرون على التفضيل وعليه فقيل أفضلها الإفراد وهو المشهور وقيل التمتع قاله اللخمي، وقيل الإفراد للمراهق والتمتع حيث يشتد الإحرام لطول أمده والقران لغيرهما رواه أشهب، وعلى الأول فقيل إن القران أفضل من التمتع نقله ابن بشير وقيل بالعكس نقله ابن شاس.

(فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفة وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج يعني من وقت يحرم إلى يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا رجع):

ص: 354

ظاهر كلام الشيخ أن المكي لا هدي عليه في تمتع ولا قران وهو كذلك إلا أنه في التمتع متفق عليه، وفي القران على المشهور خلافًا لابن الماجشون في إيجابه الهدي، واختاره اللخمي لأن موجب الدم في حق غير الحاضر إنما هو سقوط أحد العملين وذلك مشترك بين أهل مكة وغيرهم، ويبعد أن يقال موجبه في حقهم سقوط أحد السفر إذ لا معني لطلب السفر وهو وسيلة لسقوط العمل وهو المقصود بخلاف التمتع ودليل سقوط الهدي عن المكي قوله تعالى:(ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام)[المسجد: 169].

(وصفة التمتع أن يحرم بعمرة ثم يحل منها في أشهر الحج ثم يحج من عامه قبل الرجوع إلى أفقه أو إلى مثل أوقفه في البعد ولهذا أن يحرم من مكة إن كان بها ولا يحرم منها من أراد أن يعتمر حتى يخرج إلى الحل):

اختلف لم سمي متمتعا فقال ابن القاسم لأنه متمتع بكل مالا يجوز لمحرم فعله من وقت حله في العمرة إلى وقت إنشاء الحج، وقال غيره سمي متمتعا لإسقاط أحد السفرين وذلك أن حث العمرة أن تقصد بسفر وحق الحج أن يقصد كذلك فلما تمتع بإسقاط أحدهما لزمه عليه هدي كالقارن الذي يجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد قاله ابن عطية فإذا ثبت هذا فلتعلم أن للتمتع ستة شروط متى أسقط شرطا منهما لم يكن متمتعا.

أحدها: الجمع بين العمرة والحج في عام واحد.

الثاني: في سفر واحد.

الثالث: أن يقدم العمرة على الحج.

الرابع: أن يأتي بها أو ببعضها في أشهر الحج.

الخامس: أن يحرم بعد الإحلال منها بالحج.

السادس: أن يكون المتمتع مقيما بغير مكة.

قاله القاضي عبد الوهاب، قال الفاكهاني: وكلام الشيخ يشتمل عليها إذا أعطي من التأمل حقه.

(وصفة القران أن يحرم بحجة وعمرة معًا ويبدأ العمرة في نيته وإذا أردف الحج على العمرة قبل أن يطوف ويركع فهو قارن وليس على أهل مكة هدي في تمتع ولا قران ومن

ص: 355

حل من عمرته قبل أشهر الحج من عامه فليس بمتمتع):

اختلف المذهب إذا شرع في عمل العمرة فقال أشهب لا يصح قرانه حينئذ وقال ابن القاسم يصح ما لم يكمل الطواف، وقال أيضًا ما لم يركع وذكر عبد الوهاب أنه يصح ويردف الحج ما لم يكمل السعي.

(ومن أصاب صيدا فعليه جزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذو عدل من فقهاء المسلمين ومحله منى إن وقف به بعرفة وإلا فمكة ويدخل به من الحل وله أن يختار ذلك أو كفارة طعام مساكين أن ينظر إلى قيمة الصيد طعامًا فيتصدق به أو عدل ذلك صيامًا أن يصوم عن كل مد يومًا ولكسر المد يومًا كاملاً):

الأصل في هذا قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدًا فجزاء مثل ما قتل من النعم)[المائدة: 95]

الآية فمن قتل صيد لم يجتز بمعرفة نفسه ولابد أن يحكم على نفسه فقيهين من المسلمين كمال قال تعالى: (يحكم به ذوا عدل منكم)[المائدة: 95]

ولذلك دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عبد الرحمن بن عوف ليحكم معه على رجل قتل صيدا وهو محرم فقال له المحكوم عليه أنت أمير المؤمنين، ولا تحكم علي حتى تدعو آخر فقال له عمر أتقرأ سورة المائدة قال لا قال لو قرأتها لأوجعتك ضربًا قال الله تعالى:(يحكم به ذوا عدل منكم)[المائدة: 95]

وهذا عبد الرحمن بن عوف.

ثم إن المحكوم عليه بالخيار إن شاء أن يحكما عليه بالجزاء أو بالإطعام أو بالصيام وهذا فيما له مثل فإن لم يكن له مثل كالأرنب والعصافير كان مخيرا في شيئين: الطعام والصيام، ولو أراد المحكوم عليه الطعام فلما حكما عليه أراد الصيام فلا يحتاج إلى حكمهما بالصيام قاله غير واحد لأن الصوم بدل من الإطعام لان الهدي بدليل قوله تعالى:(أو عدل ذلك صيامًا)[المائدة: 95]

فكان الصوم مقدرا بالطعام بتقدير الشرع فلا حاجة في تقديره إلى الحكمين، واختلف إذا حكما عليه بالنعم لأمره بذلك وأصابا ثم أراد بعد ذلك أن يتنفل إلى الطعام أو الصوم هل له ذلك أو هو حكم قد نفذ؟ فإن أخطأ بينا فحكما بشاة فيما فيه بدنة انتقض حكمهما لأن الحكم بالحيف والجور غير مشروع.

قال الله تعالى: (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)[النساء: 58]

وإنما قال الشيخ ولكسر المد يومًا كاملاً لأن صوم بعض يوم غير مشروع فلم يبق إلا

ص: 356