الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم
لما كان اجتماع الناس على رجل يصلي بهم مطلوبا وذلك من توفرت فيه شروط يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ترجم عليه المؤلف رحمه الله تعالى بالإمامة، واعلم أن المذهب اختلف في صلاة الجماعة على أربعة أقوال: فقيل سنة مؤكدة قاله أكثر شيوخ المذهب وقيل فرض كفاية نقله ابن محرز وغيره من بعض أصحابنا، وقيل مندوب إليها مؤكدة الفضل قاله عبد الوهاب في تلقينه ومثله لابن العربي في عارضته هي مندوبة يحث عليها
وقال ابن رشد مستحبة للرجل في خاصته فرض في الجملة سنة بكل مسجد، واختلف هل تتفاضل بالكثرة أم لا؟ والمشهور أنها لا تتفاضل خلافا لابن حبيب، وحمل بعض الشيوخ المذهب على قول ابن حبيب وجعل المشهور أن الجماعة سواء بالنسبة إلى عدم الإعادة في جماعة نقله ابن عبد السلام، وأقل الجماعة اثنان باتفاق المذهب.
(ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم):
قال ابن الحاجب: وشرط الإمام أن يكون ذكرا مسلما بالغا عاقلا عالما بما لا تصح الصلاة إلا به فقها وقراءة قادرا عليها، واختلف المذهب في إعادة مأموم إمام كافر ظنه مسلما فقيل يعيد أبدا، وقيل تصح فيما جهر فيه إن أسلم، وقيل إن كان إماما وأسلم بعد ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل يقتل، وقيل ينكل ويطال سجنه ثم يرسل وقيل إن كان آمنا قتل وإلا فلا.
قلت: وهذا الخلاف فيه ضعف عندي لقول إسحاق بن راهوية أجمعوا على أن من رأيناه يصلي فإن ذلك دليل على إيمانه، واختلف في إمامة اللحان على أربعة أقوال، فقيل صحيحة وعكسه، وقيل بالأول إن كان في غير الفاتحة، وبالثاني إن كان في الفاتحة، وبهذا القول الفتوى عندنا بإفريقية وهو قول أبي بكر بن اللباد وابن شلبون، وقيل بالأول إن لم يغير المعنى، وبالثاني إن غيره كأنعمت ضما وكسرا.
قال اللخمي: والأحسن المنع إن وجد غيره فإن أم لم يعد مأمومه، وقال المازري: لا أعرف القول بالصحة ممرضا بذلك نقل اللخمي له قلت وأجابه بعض شيوخنا بأن ابن رشد حكاه عن ابن حبيب والقول الثالث الذي به الفتوى هو عندي ضعيف لأنه لا يخلو إما أن يكون اللحان ممن صار بلحنه متكلما بغير القرآن أم لا،
وعلى كل حال فلا فرق، وأجابني بعض من كان يفتي به بأنا نختار قسما ثالثا وهو أن يصير كالتارك وأجبته بأنه يلزم عليه الصحة مطلقا لأنه إذا قل لحنه في أم القرآن فقصارى أمره على ما ذكرتم أن يكون تاركا لبعض آية وذلك لا يضر والله تعالى أعلم.
(ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء):
ما ذكره هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وروى ابن أيمن أنها تؤم النساء وإلا كره قال عياض في الإكمال واختاره بعض شيوخنا، وقال الخمي إن عدم الرجال أمت النساء وإلا كره وصحت، وعلى المشهور فمن أمته أعاد أبدا، لو كانت امرأة على ظاهر قول ابن حبيب من صلى خلفها أعاد أبدا وبه الفتوى، قال أبو إبراهيم الأندلسي من أمت من النساء أعدن في الوقت وحيث تؤم فإنها تقف في الصف قاله ابن هارون.
قلت: وكان بعض من لقيناه يذهب إلى أنها تقف آخرهن وحدها وهن أمامها لقوله عليه السلام "أخروهن حيث أخرهن الله" وكنت أجيبه بأن معنى الحديث إنما هو حيث تكون مأمومة وأما إذا أمت النساء على القول به فتصير كرجل مع رجال والله أعلم.
قال ابن بشير والخنثى كامرأة ولا خلاف أن الصبي لا يؤم في الفرض فإن أم ففي إعادة من ائتم به ثلاثة أقوال: يعيد أبدا وهو المشهور، وقيل لا يعيد نقله أبو محمد عن أبي مصعب، وقيل إن استخلف لتمامها يعيد في الوقت قال أشهب. وزعم الشيخ أبو القاسم الليبدي أن أبا محمد وهم في نقله قوله أبي مصعب فإنه ليس في كتاب أ [ي مصعب، قال اللبيدي فهم أبو محمد بإصلاحه بعد مطالعته للكتاب المذكور فاختر منه المنية، وفي إمامة الصبي في النافلة روايتان. قلت: والعمل عندنا بإفريقية استمر على جوازه في التراويح.
(ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه):
ما ذكر أنه يقرأ مع الإمام في السرية هو المشهور، وقيل لا يقرأ معه فيها قاله ابن حبيب وغيره، وعلى الأول فحكم ذلك الاستحباب عند الأكثر وقيل إن ذلك سنة؛ حكاه ابن عبد البر عن مالك، وما ذكر الشيخ أنه لا يقرأ معه في الجهرية هو كذلك، وظاهر كلامه: ولو كان لا يسمع صوت الإمام وهو كذلك على المنصوص. وأشار ابن عبد البر إلى أنه يتخرج فيه قول بأنه يقرأ من قول من قال من أصحاب مالك أنه يجوز التكلم لمن لم يسمع خطبة الإمام، وقيل إن كان الإمام يسكت بين التكبير والقراءة فإنه يقرأ حينئذ حكاه الباجي عن رواية ابن نافع.
(ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده):
ما ذكر أنه إذا أدرك ركعة فقد أدرك الجماعة هو كذلك بلا خلاف، وما ذكر أنه يكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال هو المشهور من المذهب وقيل يكون قاضيا مطلقا، وقيل يكون بانيا مطلقا، حكى هذه الأقوال الثلاثة اللخمي وسلم ابن بشير وغيره هذه الأقوال له، ومهما أدرك المصلي ركعتين قام بتكبير وإن أدرك واحدة أو ثلاثا قام بغير تكبير قاله في المدونة. وقيل إنه يقوم بتكبير مطلقا قاله ابن الماجشون قائلا: إنما كبر مع الإمام موافق له وبعد سلامه يبني على حكم نفسه، وإنما كان مدرك ركعة أو ثلاث يقوم بغير تكبير على المشهور؛ لأن تكبيرة القيام جلس بها.
وقال في المدونة في مدرك التشهد الآخر يقوم بتكبير، فرأى كثير من الشيوخ أنه يناقض ما في المدونة كابن رشد، وقال ابن عبد السلام: المناقضة بينة إلا أنه في المدونة لم يجعل التكبير هنا بالمتأكد مثل غيره من التكبير، قالوا لأنه لما لم يدرك من الصلاة ما يعتد به صار كمبتدئ الصلاة فلذلك أمر بتكبير، في أولها وعارضوا قولها في مدرك التشهد الآخر أنه يقوم بتكبير لقول ابن القاسم في صلاة العيدين من المدونة إن
من أدرك مع الإمام منها الجلوس كبر وجلس ثم يقضي بعد سلام الإمام باقي التكبير.
ووجه المعارضة أنه في المسألة المعارض بها اعتد بتكبيرة الجلوس مع الإمام وههنا يأمره بالاعتداد بها وفرق بأن صلاة العيدين الركعة الأولى مشغولة بالتكبير فاستغنى لأجل ذلك عن الإتيان بتكبير يشبه تكبيرة الإحرام، بخلاف غير صلاة العيد لأنه لو لم يأت بتكبير في أول الركعة مع أنها الركعة الأولى صار كمتبدئ الصلاة من غير تكبير وسلم ابن عبد السلام هذا الفرق.
(ومن صلى وحده فله أن يعيد في الجماعة للفضل في ذلك إلا المغرب وحدها):
اعلم أن من صلى وحده فإنه يستحب له أن يعيد في جماعة نص عليه عبد الوهاب في تلقينه وهو الذي أراد الشيخ، وإنما قال فله لنفي ما يتوهم من الوجوب ويدل على ما قلناه قوله للفضل في ذلك، وعبارة المدونة كعبارة الشيخ، ونصها: ومن صلى وحده فله إعادتها في جماعة، وكذلك قول الموطأ لا بأس أن يعيد كل ذلك نفيا لما يتوهم من الوجوب.
وهذا كله ما لم تقم الصلاة عليه وهو في المسجد فإن أقيمت عليه فقال ابن الحاجب: الظاهر لزومها أراد والله أعلم أن ثم قول غير ظاهر بعدم لزومها، فإن قلت أحمله على أنه اختار ذلك من نفسه لكونه لم يقف عليه منصوصا لغيره فهو لم يقصد بذلك ذكر الخلاف، قلت: مثل هذا الشيخ لا يليق به ذلك لأن المسألة من المدونة قال فيها: ومن سمع الإقامة وقد صلى وحده فليس بواجب عليه إعادتها إلا أن يشاء، ولو كان في المسجد لدخل مع الإمام إلا في المغرب فإنه يخرج فظاهر كلامه يقتضي اللزوم، ولم يتعرض ابن عبدالسلام إلى ما تعرضنا إليه وإنما نبه على قول كالتي لم يصليها.
قال: تشبيه المؤلف واقع في أصل الحكم لأن الحكم في حق من صلى مأخوذ من الحكم في حق من لم يصل لظهور الفارق، قال ابن هارون كلامه يدل على أن في المسألة قولا بعدم اللزوم، ويحتمل أن يريد الظاهر في النطق ويقتضي أن فيه احتمالا أيضا بعدم اللزوم مقابلا للظاهر، قال وأظن القاضي عياضا حكى في المسألة قولين وظاهر كلام الشيخ أنه لا يعيد مع الواحد وهو المعروف في المذهب.
وحكى ابن الحاجب قولا بأنه يعيد معه ونصه: ويستحب إعادة المنفرد مع اثنين فصاعدا لا مع واحد على الأصح، فكثير من الشيوخ ممن أدركناهم يمرضونه بعدم
وقوفهم عليه وحفظه ابن هارون لصاحب اللباب عن ظاهر المذهب.
قلت: وكان بعض من لقيناه يقول إن نقل صاحب اللباب لا يعول عليه لأنه لم يكن بذاك قال: ويكفي فيما قلناه أنه جعله ظاهر المذهب مع أن الأول هو المذهب وعزوه إياه للقابسي فقط قصور بل قال به أبو عمران وغيره، وظاهر كلام الشيخ أن من صلى بامرأته فإنه لا يعيد وهو كذلك عند أكثر القرويين، وقيل إنه يعيد قاله ابن كنانة والأزهري وابن مغيث وغيرهم، وكذلك عند أكثر القرويين اختلف إذا صلى مع صبي فقيل يعيد قاله أبو بكر بن عبد الرحمن وغيره، وقيل لا يعيد قاله بعض شيوخ عبد الحق.
واختلف بأي نية يعيد على أربعة أقوال فقيل: بنية التفويض، وقيل بنية الفرض وقيل إكمال الفرض وقيل بنية النفل واستبعد ابن عبد السلام الأول بأنها نية مترددة واستبعد الثاني بأن الذمة قد برئت بالصلاة الأولى فعمارتها ثانيا يفتقر إلى دليل ولا وجود له سوى دليل مطلق الإعادة، ولا إشعار له، واستبعد القول بنية النافلة؛ لأن الأمر بالنفل المجرد من غير أن يكمل به الفرض السابق لا معنى له.
وما ذكر الشيخ أن المغرب لا تعاد لم يرد به الحصر بل وكذلك العشاء الآخرة إذا أوتر، ومثل عبارة الشيخ عبر صاحب المدونة وذهب المغيرة إلى إعادة الجميع وفي المسألة قول ثالث حكاه اللخمي فانظره.
(ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة):
ظاهر كلام الشيخ أن المساجد الثلاثة كغيرها فمن صلى في جماعة في غيرها فإنه لا يعيد فيها جماعة، وهو كذلك خلافا لابن حبيب وهذه طريقة ابن بشير ومن تابعه كابن الحاجب وجعل غيرهم المذهب هو قول ابن حبيب، وألزم اللخمي ابن حبيب أن يعيد فيها فذا وتمسك المازري معه بقول المدونة من أتى أحد المساجد الثلاثة، وقد صلى فيها وهو يرجو جماعة في غيره فإنه يصلي فيه فذا، وذلك أفضل من جماعة في غيره، ولما ذكر ابن بشير إلزام اللخمي قال يلزمه ذلك من طريق القياس إلا أن يقال إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد، ورأي بعض شيوخنا أن قول ابن بشير يلزم ابن حبيب ذلك من طريق القياس مع ما بعده تناقض، وتما تمسك به المازري لم يرتضه غير واحد من أشياخي لأنه إذا صلى في جماعة ذلك حكم مضى كما إذا صلى خلف إمام مفضول أو في جماعة صغرى فإنه لا يعيد إلا على أصل ابن حبيب القائل بأن الجماعة تتفاضل بالكثرة
بخلاف إذا كان ذلك ابتداء.
(ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة):
ولو صلى وحده ودخل مع الإمام في الجلوس ظنا منه أنه الجلوس الأول فإنه إذا سلم الإمام سلم وانصرف، قاله في سماع ابن القاسم، وقد قال ولو ركع ركعتين قال ابن رشد: إنما أمره بالانصراف لأنه دخل بنية الفرض لا النفل، وقيل إن نوى رفضها أتمها وإن لم يرفض الأولى لم يلزمه إتمامها قاله مالك من رواية اسماعيل نقله اللخمي، وقيل ينبغي أن يجلس ولا يحرم فإن كانت ثانية أحرم وإلا انصرف، نقله أبو محمد عن مالك من رواية علي بن زياد.
(والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه ويقوم الرجلان فأكثر خلفه فإن كانت امرأة معهما قامت خلفهم فإن كان معهما رجل صلى على يمين الإمام والمرأة خلفهما ومن صلى بزوجته قامت خلفه والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف معه):
ما ذكر الشيخ من الرتبة حكمها الاستحباب فلا تضر مخالفتها قال في المدونة وإن صلت امرأة بين صفوف الرجال أو صلى رجل بين صفوف النساء لضيق المسجد فلا بأس به، ونبه صاحب الطراز على أن قوله لضيق المسجد وصف طردي، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم عن ابن القاسم أنها باطلة كالحنفي ومرضه بعض شيوخنا بقوله لا أعرفه.
وقال لعله وهمه نقل قول ابن زرقون عن ابن القاسم لا يأثم النساء بمن لم ينو إمامتهن كالحنفي، والخنثى يكون بين صفوف الرجال والنساء قال الشيخ القرافي الصف الأول معل بثلاث علل: سماع القراءة وإرشاد الإمام وتوقع الاستخلاف وهذه العلل موجودة في الصف الثاني والثالث مما يلي الإمام؛ فيلزم أن يكون أفضل من طرف الصف الأول.
واعلم أن المصلي بالنسبة إلى الصف الأول والبكور إلى المسجد على أربعة أقسام: رجل أتى أول الوقت وصلى في الصف الأول فهذا أشرفها وعكسه أشرها ورجل أتى آخر الوقت وصلى في الصف الأول وعكسه قيل هما على حد السواء، وقال ابن العربي عندي أن الأول منهما أفضل من الثاني، ومن صلى وبين يديه فرجة اختيارا فلا يضره، وقيل إن صلاته باطلة نقله المازري عن ابن وهب.
(والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة):
ما ذكره هو معروف المذهب، وقال أبو عمر في الكافي يعيد المنفرد ولو كان إماما راتبا، قلت وألزم عليه بعض شيوخنا أن من صلى وحده فإنه لا يعيد معه، وأقام الشيخ أبو القاسم الغبريني رحمه الله من ههنا مسألتين إحداهما: أن الإمام الراتب إذا كان وحده ليلة المطر فإنه يجمع، والثانية: إذا كان وحده أيضًا يقول سمع الله لمن حمده ولا يزيد ربنا ولك الحمد، وسلم له بعض من كان معاصرا له من أشياخنا المسألة الأولى، وخالفه في اثانية ورأى أنه يجمع بينهما والأقرب عندي هو الأول والله أعلم.
(ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين):
ظاهر كلام الشيخ أن الكراهة على بابها وحمله التادلي على التحريم وعبر ابن الحاجب بالكراهة كالشيخ، وعبر ابن بشير بالمنع قائلا من غير خلاف قلت: وأخذ من قول أشهب الجواز، وذلك أنه دخل مسجدا فوجد أهله قد صلوا فقال لأصبغ تباعد عني وائتم بي وأنت تعلم أن هذا فعل عالم، وقد علمت ما فيه، قال ابن العربي في القبس وانفرد مالك من بين سائر الفقهاء بأنه لا يصلي في مسجد واحد مرتين.
وظاهر كلام الشيخ أن الكراهة باقية ولو أذن الإمام وهذا الذي شاهدت غير واحد من شيوخنا يفتون به، ونقله سند عن ظاهر المذهب قائلا لأن من أذن لرجل أن يؤذيه لا يجوز له ذلك ومثله لابن عطاء الله، وقال اللخمي أنه جائز، وظاهر كلامه أنه إذا لم يكن فيه إمام راتب أنه يجوز وهو كذلك، وأما إذا كان إماما راتبا في بعض الصلوات دون بعض فالصلوات التي هو إمام راتب فيها لا تعاد الجماعة فيها، والصلوات الأخر اختلف في كراهية الإعادة فيها واختار ابن عبد السلام الجواز، وهذا كله إذا صلى الإمام في وقته المعلوم، ولو قدم عن وقته فأتت الجماعة فإنهم يعيدون فيه جماعة وكذلك العكس.
(ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحدا):
ما ذكر هو المنصوص وقال ابن بشير قد يلزم من قال إنه يعيد بنية النفل وبصحة الرفض أنه يؤم فيها، هذا إن لم يراع فيها الخلاف، وإذا فرعنا على النصوص وأم، فقيل يعيد مأمومه أبدا، قاله ابن حبيب وقيل ما لم يطل قاله سحنون، وظاهر قول المدونة وأعاد من ائتم به أنهم يعيدون جماعة.
وقال ابن حبيب أفذاذا ولم يحك ابن بشير غيره قاله وهذا لأن الصلاة الأولى
تجزئهم عند الشافعي وغيره وإذا أعادوها جماعة صار عند هؤلاء كمعبد في جماعة بعد أن صلى في جماعة فيراعى في الإعادة مذهب المخالف لا مذهب نفسه، وقال اللخمي إن أعاد بنية الفرض صحت على القول بالرفض، وإن أعاد بنية التفويض صحت إن بطلت الأولى، وإن أعاد بنية النفل صحت على إمامة الصبي ورده المازري بأنه ينوي الفرض، قلت ونية الفرض منه محالة عادة.
(وإذا سها الإمام وسجد لسهوه فليتبعه من لم يسه معه ممن خلفه):
اعلم أن هذه المسألة لا تخلو إما أن يكون سجود الإمام قبل السلام أو بعده، فإن كان قبل السلام وأدرك معه ركعة فإن يسجد معه على المشهور، ونقل ابن عبدوس قولا أنه لا يسجد معه فخرجه ابن رشد على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته، ولم يرتضه بعض شيوخنا بل لزومه حكم الإمام يقتضي تبعيته مطلقا ووجهه باحتمال سهو يحدث عليه فأخر تخفيفا عليه، ويرد بعدم اطراده إذ المنصوص عليه في المقيم يصلي خلف المسافر فإنه يسجد معه للنقص، ويجب بأن المسبوق يقضي ما تدقم من صلاة الإمام فلذلك يؤخر سجوده حتى يستكملها بخلاف المقيم فإنه يتيم لنفسه فيسجد لموافقة الإمام وإن كان لم يدرك معه ركعة، فقال ابن القاسم لا يسجد معه، وهو المشهور وقال ابن عبد السلام: فإن سجد بطلت صلاته هكذا قالوا قال: والظاهر لبادئ الرأي قول سحنون أنه يتبعه.
قلت: وإنما قال الظاهر ما قال لأنه لما أحرم معه انسحب عليه حكم المأمومية بحيث لو تعمد الإمام بطلان صلاته لبطلت عليه، وأظن أن أبا حفص العطار نبه على هذا وإنما تبرأ من قولهم أن من سجد بطلت صلاته؛ لأنه من أصل مذهبنا مراعاة الخلاف، ومراعاة خلاف أهل المذهب أولى وأحرى والله أعلم، ولهذا أفتى بعض المتأخرين فيها بالصحة.
وأما السجود البعدي فلا يتبعه فيه باتفاق فإن سجد معه سهوا فلا يضر وسجد بعد قضائه، وأما إن كان عامدا فسمع عيسى ابن القاسم أن صلاته مجزئة وبه كان بعض من لقيناه من القرويين يفتي مراعاة لقول سفيان أنه يسجد معه، واختار عيسى أنها باطلة، وبه الفتوى بتونس. وانظر إذا كان على الإمام سجود سهو قبل السلام فسها عنه حتى سلم وقصد إلى أن يسجد بعد فهل يسجده الذي حصلت له ركعة معه اعتبارا بأصله أو لا يسجده اعتبارا بما آل الأمر إليه؟ لم أر في ذلك نصا للمتقدمين
والذي ارتضاه بعض من لقيناه أنه إن كان هذا السجود مما تبطل الصلاة بتركه لو لم يسجده الإمام فإنه يسجد معه وإلا فلا.
(ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام ولا يفعل إلا بعد فعله ويفتح بعده ويقوم من اثنتين بعد قيامه ويسلم بعد سلامه، وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه وبعده أحسن):
إنما قال ذلك لقوله عليه السلام "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله وجهه وجه حمار" فلو رفع لاعتقاده أن الإمام رفع فليرجع إليه ما لم يلحقه فيتمادى خلافا لسحنون في قوله لابد من رجوعه ليقع رفعه بعده، وظاهر كلام الشيخ أن المأموم لا يفعل الفعل كالركوع مثلا إلا بعد أن يحصله الإمام أجمع وهو كذلك في قول، وقيل إذا شرع الإمام اتبعه المأموم والقولان لمالك إلا أن في كلام الشيخ تنافيا. وهو قوله وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه إذ هو مناقض لعموم قوله ولا يفعل إلا بعد فعله، ونبه على هذا ابن عبد السلام بقوله وفي لفظ الشيخ ابن أبي زيد في رسالته اضطراب.
قلت: ويجاب بأنه بيان منه أن نهيه أولا ليس على طريق التحريم والله أعلم، والأكثر على أنه إذا أحرم مع إمامه أنه لا يجزئه، وقال ابن القاسم أنه يجزئه. وسئل سحنون عن رجلين ائتم أحدهما بالآخر نسيا قبل إكمال الصلاة من الإمام منهما، فقال إن سبق أحدهما بالسلام أعاد الصلاة وإن سلما معا جرت على اختلاف أصحابنا في المساواة في الإحرام، ولهذا الاختلاف المذكور كان المطلوب أن يخطف الإمام إحرامه وسلامه لئلا يشاركه المأموم فتبطل صلاته، قلت وهذه إحدى المسائل التي يعلم بها فقه الإمام، وثانيها تقصير الجلوس الوسط، وثالثها دخوله المحراب بعد فراغ الإقامة والله أعلم.
(وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام والسلام أو اعتقاد نية الفريضة):
اعلم أنه بقي على الشيخ الجلوس للسلام فإن المأموم لو سلم وهو قائم فإنه لا يحمل ذلك عنه الإمام، والاعتذار عنه بأنه اكتفى بالسلام الضعيف؛ لأنهما منفكان ومثله الرفع من الركوع، والقيام للإحرام وبقي عليه أيضًا ترتيب الأداء فإنه لو سها المأموم فسجد ثم ركع فإنه لا يحمل عنه.
وذكره الركعة لا معنى له لأنه إذا كان لا يحمل السجدة فأحرى الركعة أجمع إذ هي سجدة وزيادة، ولا يقال إنما أراد بذلك ركوع ركعة لأن مجاز وما ذكر أنه لا يحمل عنه تكبيرة الإحرام هو كذلك في القول المشهور، قيل إنه يحملها عنه رواه ابن وهب، وعزاه ابن يونس له والأشهب بزيادة، والأفضل إعادة الصلاة احتياطا وعزاه ابن زرقون لرواية المتيطي.
وقال التادلي: الصواب حذف الاعتقاد والاقتصار على النية لأن الاعتقاد هو العزم على الشيء والتصميم عليه، والنية هي الإرادة للفعل والعزم سابق عليها لأنه يعزم أولا على أن ينوي فإذا حصل العزم عقبته النية.
(وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف إلا أن يكون في محله فذلك واسع):
لا خصوصة لقوله إلا أن يكون في محله بل وكذلك في السفر قال صاحب الحلل، ويلزم من يعلل أصل المسألة بخوف العجب أن ينصرف مطلقا، قلت: إنما يخشى العجب حيث يكون معه غيره أما إذا كان وحده فلا وكذلك في السفر لقلة المصلين خلفه لأنه مظنة للقلة؛ فالغالب نفي ذلك والله أعلم.
قال الشيخ القرافي: كره مالك وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الإمام التقديم وشرف كونه ينصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يديه بالدعاء، فيوشك أن يعظم نفسه ويفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه.
وروي أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يدعو لقومه بدعوات بعد الصلاة فقال له لا لأني أخشى عليك أن تنتفخ حتى تصل إلى الثريا، وهذه الإشارة لما ذكرناه. قال ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. قلت واستمر العمل عندنا بإفريقية على جواز ذلك، وكان بعض من لقيته ينصره بأن الدعاء ورد الحث عليه من حيث الجملة فقال تعالى:(ادعوني استجب لكم)[غافر: 60]
وقال: (قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم)[الفرقان: 77]
وإذا صار شائعا ذائعا فعله كما هو عندنا فالغالب على من نصب نفسه لذلك نفي العجب والله أعلم.