الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أشهب أنها تصلي في الوقت ولا أعرف له نصا بل بالتخريج كما تقدم وفي المدونة، ومن تؤمر بالصلاة كالبالغة في الستر وروى اللخمي بنت إحدى عشرة سنة كالبالغة وبنت ثمان أخف إن صلت بغير قناع أعادت في الوقت وكذلك الصبي يصلي عريانا فإن صليا بغير وضوء أعادا أبدا قاله أشهب.
وقال سحنون يعيدان فيما قرب كاليومين والثلاثة، قلت وقول أشهب بعيد لأنه قلب النفل فرضا للاتفاق على أن من لم يبلغ إنما يؤمر بالصلاة تمرينا فكيف يعيدها بعد بلوغه على ظاهر قوله يعيد أبدا أرأيت إن كان لا يصلي أيقول يعيد أبدا فتأمله.
باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار
الاستنجاء: غسل موض الخبث بالماء، والاستجمار: إزالة ما على المخرجين من الأذى بكل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة ولا بذي سرف ولا يتعلق به حق، لذي حق وسمي ذلك استجمارا من الجمار وهي الحجارة الصغار وقيل من الاستجمار بالبخور والحجر يطيب المحل مثل ما يطيب البخور، وقد يطلق الاستنجاء على الاستجمار أيضا.
(وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في سنن الوضوء ولا في فرائضه وهو من باب إيجاب زوال النجاسة أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده ويجزئ فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس):
الضمير المجرور بحرف الجر وهو قوله به عائد على الماء لانجرار ذكره في الباب السابق ولو لم يجر له ذكر فللعلم به، ويقوم من كلام الشيخ أن من حلف ليتوضأ فغسل أعضاء الوضوء ولم يستنج أنه لا يحنث وهو واضح بناء على اعتبار الألفاظ، وأما على اعتبار المقاصد فأكثر العوام أو كلهم يعتقدون أن الاستنجاء من الوضوء فيجب أن يسألوا عن قصدهم.
وقوله يجزئ فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس قال ابن القصار: الإجماع على أن النجاسة لا تفتقر إلى نية، قلت وحكى القرافي عن التلخيص أنها تفتقر إلى النية، ورأى ابن عبد السلام أن قولهم تفتقر إلى نية يدل على أنها معقولة المعنى وقولهم لا تزال إلا بالماء المطلق عند أكثر العلماء يدل على أنها عبادة فهو تناقض، وما ذكر صحيح لا شك فيه وأوردته في كثير من دروس أشياخي فلم يقع عليه جواب إلا
بما لا يصلح.
(وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد غسل يديه فيغسل مخرج البول ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها ثم يستنجي بالماء يواصل صبه):
ما ذكر الشيخ من أنه يغسل يديه جميعا هو خلاف قول ابن الحاجب ويغسل اليسرى ثم محل البول ثم الآخر قال ابن عبد السلام: وهو أولى من قول الشيخ أبي محمد إذا لا موجب لغسل اليمنى لأن حكم الغسل إنما هو لتقليل الرائحة وذلك يحصل ببلها دون غسلها، وما ذكر الشيخ أنه يستنجي عند قضاء الحاجة صحيح إن كان يعلم فاعل ذلك أن مزاجه يقطع البول وإن لم يعلم فاعل ذلك أن مزاجه لا يقطع البول فلا بد من التربص حتى يتحقق قطعه، ومهما علقت رائحته بيده وعسر زوالها فذلك معفو عنه.
(ويسترخى قليلا):
إنما ذكر الشيخ ذلك ليكون أقرب لزوال النجاسة التي في غضون المحل وذلك أن المحل ذو غضون تنقبض عند مس الماء على ما تعلق به من الأذى فإذا استرخى تمكن من الإنقاء، وقيل ليتمكن بذلك من تقطير البول وغيره والوجهان حكاهما أبو عمران الحوراني، قلت: ولم أزل أسمع من غير واحد أن الشيخ لم يسبقه أحد إلى التنبيه على الاسترخاء.
(وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين):
يريد ولا له ذلك لوجهين اثنين وهما: التعمق في الدين وخشية الضرر في جسده
قال التادلي: والصواب إفراد المخرجين إذ مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله.
(ولا يستنجي من ريح):
ظاهر كلامه النهي عن ذلك وهو كذلك وخرج بعض من لقيناه قولا بأنه يستحب الاستنجاء منه من قول مالك يستحب غسل يديه من نتف إبطيه وكنت أرد عليه بوجهين:
أحدهما: أن هذا التخريج فاسد الوضع لقوله صلى الله عليه وسلم: "ليس منا من استنجى من ريح" قيل معناه ليس بهدينا ولا متبع لسنتنا.
الثاني: أن الجاعل يده تحت إبطيه لا يضطر إلى ذلك إلا عند زوال ما هنالك من الشعر، ولا يتكرر ذلك وخروج الريح أمر يتكرر لم يكن له جواب عن الأول ولأن هذا الحديث لم ينقله أهل الصحيح.
(ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه):
ظاهر كلامه أن من استجمر بدون الثلاثة وأنقى أنه لا يجزئه وبه قال ابن شعبان والمشهور الإجزاء، وعلى الأول ففي كون حجر ذي ثلاث شعب قولان، وفي إمرار كل حجر من الثلاثة على جميع المحل أول لكل جهة واحدة والثالث للوسط قولان وظاهر كلام الشيخ أن غير الحجر كالمدر لا يجزئ وهو قول موجود في المذهب، وتمسك قائله بقول النبي صلى الله عليه وسلم:"أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار" فرأى أن هذه رخصة لا يقاس عليها غيرها والمشهور أنه كالحجر وظاهر كلامه الأحجار تجزئ وإن كان الماء موجودا، وهو كذلك خلاف لابن حبيب القائل أنها تجزئ إلا عند عدم الماء ولا شك أن الاستجمار يكفي في المعتاد كالبول، وكذلك رأى أبو عمر بن عبد البر حكم غير المعتاد من السبيلين.
وقال صاحب الطراز: جوز القاضي عبد الوهاب الاستجمار من القيح والدم وشبهه ويحتمل المنع، ونص القرافي على أنه لا يجزئ المرأة الاستجمار من البول
لتعدية محله لجهة المقعدة وكذلك الحصى، واختلف في المذي هل يكفي فيه الاستجمار أم لا؟ والمشهور لا يكفي.
(والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء):
يعني أن الاقتصار على الماء أحسن في الإجزاء من الاقتصار على الأحجار لأن الماء يزيل الأثر والعين، وليس مراده التكلم على أن الجمع بين الماء والأحجار أولى من الاقتصار على أحدهما لأنه سبق له ذلك قبل في قوله: وصفة الاستنجاء أن يبدأ إلى آخره ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلابد من غسل يديه قبل دخولهما في الإناء.
اختلف العلماء في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء على ثلاثة أقوال: فقيل سنة وهو المشهور وهو الذي أراد الشيخ بقوله فلا بد، وقيل إن ذلك مستحب حكاه ابن رشد وحكى ابن حارث عن ابن غافق التونسي أن من أدخل يديه في ماء قبل غسلهما وهما طاهرتان فقد أفسد الماء وهو يدل على الوجوب. وقال ابن عبد السلام: اتفق المذهب فيما علمت أن غسل اليدين سنة ولذلك تأول ما ذكره الشيخ ابن الجلاب من الاستحباب بأنه عبارة العراقيين الذين يطلقون على السنة الاستحباب، قلت ويرد نقله بما تقدم من الخلاف وما ذكره من التأويل خلال ما ذكره أبو الطاهر بن بشير في شرحه على ابن الجلاب.
قال: حكي عن مالك الاستحباب وذكر القاضي عبد الوهاب أن ذلك سن واختلف هل غسلهما عبادة أو للنظافة؟ على قولين لابن القاسم وأشهب قال المازري: وأجرى عليهما الأصحاب إذا أحدث قرب غسلهما، قلت وهو قصور لاختلاف قول مالك في ذلك وأخذ ابن القاسم بالغسل وأشهب بعدمه نص على ذلك أبو الوليد الباجي ونبه عليه بعض شيوخنا، ونقل ابن رزقو عن مالك أنه يغسلهما مفترقتين وعن ابن القاسم مجتمعتين، قلت الجاري على أصل ابن القاسم أن غسلهما عبادة أن يغسلهما مفترقتين فهو تناقض منه وشاع في المذكرات أن أشهب يقول بقول مالك يغسلهما مفترقتين وأنه ناقض أصله ولم يقف المازري على النص السابق بل أجرى ذلك على ما سبق هل غسلهما للعبادة أو للنظافة؟
(ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وباقيه فريضة):
لما قال فلا بد من غسل يديه خاف أن يتوهم عنه أنه أراد الفريضة فنبه بما قاله
وما ذكر أن المضمضة والاستنشاق سنتنان هو المعروف من المذهب، وذكر الشيخ أبو الطاهر بن بشير في شرحه على ابن الجلاب قولا بأنهما فضيلتان ثم وقفت على مثله وفي عد الاستثنار سنة مستقلة خلاف.
قال التادلي: ومعنى قوله وباقيه فريضة أي باقي أفعال الهيئة، قال ولا يعترض برد اليدين لأنه زائد على الإيعاب الواجب قلت: أراد بقوله أفعال الهيئة أي ما يفعل من الأعضاء على طريق الاستقلال فالرد تبع لأن المسح قد حصل وكذلك وتجديد الماء للأذنين والترتيب فليسا بعضوين، فكأنه يقول وباقي الأعضاء فريضة واختلف في الترتيب على أربعة أقوال: فقيل سنة وهو المشهور وقيل فضيلة وقبل واجب وقيل فرض مع الذكرة والقدرة ساقط مع العجز والنسيان وكل هذا فيما بين الفرائض أنفسها، وأما فيما بين السنن والفرائض فإن ذلك مستحب وقيل سنة وأما تقديم الميامن قبل المياسر فلا خلاف أن ذلك فضيلة.
(فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره فقد قال بعض العلماء يبدأ فيسمي الله ولم يره بعضهم من الأمر المعروف):
اختلف في حكم التسمية على ثلاثة أقوال: فقيل فضيلة وهو المشهور وبه قال ابن حبيب، وقيل منكر وهو الذي أراد الشيخ بقوله ولم يره بعضهم من الأمر المعروف يعني بل ذلك من الأمر المنكر، وقيل إن ذلك مباح وكل هذه الأقوال عن مالك. ويظهر من كلام الشيخ أنه لم يقف على القولين اللذين ذكرا عن مالك لكونه عزا كل قول من قوليه لبعض وذلك يدل على التبري والله أعلم، وهذا المحل هو أحد الأمكنة التي التسمية فيها مطلوبة.
وكذلك الغسل والتيمم وذبح النسك وقراءة والقرآن والأكل والشرب والجماع قال القرافي: بعد ذكر ما قلنا وتارة تكره التسمية كعند الأذان والحج والعمرة والأذكار والدعاء وتارة تحرم التسمية وذلك عند فعل المحرمات.
(وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله):
صرح ابن رشد أن كون الإناء على اليمين فضيلة والمراد إذا كان واسعا، وأما الضيق فكونه على اليسار أمكن له قاله عياض عن اختيار أهل العلم، قلت وكان بعض من لقيناه يحمل على الشيخ أنه لم يرد الفضيلة وإنما جعله من باب الإمكان. ومن الفضائل أن يبدأ بمقدم رأسه وأن يبدأ باليمين والسواك وتكرار المغسول ثلاثا في قول
الشيخ عبدالسلام بن غالب المسراتي في وجيزه وأن لا يتكلم حالة الوضوء. (ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن كان قد بال أن تغوط غسل ذلك منه ثم توضأ):
لم يزل أشياخنا بأجمعهم ينبهون على أن غسل اليدين الذي هو سنة إنما هو بعد الاستنجاء لا قبله نص عليه المتيوي، وهو واضح لأن الاستنجاء ليس من الوضوء بوجه كما تقدم، فإذا عرفت هذا فقول الشيخ فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه جملة اعتراضية والله أعلم.
(ثم يدخل يده في الإناء فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء أو من ثلاث غرفات):
حقيقة المضمضة غسل باطن الفم بنية، وما ذكر أنه بالخيار بين أن يمضمض ثلاثا من غرفة واحدة أو يفعل ذلك من ثلاث غرفات. وذكر بعد ذلك أن له جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة وهو كذلك.
واختلف أيهما أولى فقيل يفعل المضمضة والاستنشاق بغرفة ثم يفعلهما من غرفة ثانية ثم يفعلهما من غرفة ثالثة، وقيل الأولى لكل واحدة ثلاثا، وكلا القولين حكاه الباجي عن الأصحاب فيما فهم من قول مالك في الموطأ. وقال ابن الحاجب: الاستنشاق بغرفة ثلاثا كالمضمضة أو كلاهما بغرفة قال ابن عبد السلام: في صحة اختيار الصورة الثانية نظر والمعروف جوازها، وأما اختيارها فليس بصحيح وإنما صرحوا باختيار النهاية والله أعلم.
(وإن استاك بإصبعه فحسن):
حكم السواك مندوب إليه بمعنى الفضيلة واختار بعض شيوخنا أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته صلى الله عليه وسلم والأمر به وإظهاره، وقال أحمد بن حنبل وغيره إنه فرض وقال الفخر في معالمه الإجماع على أنه مندوب إليه واعترضه ابن هارون بما سبق لأحمد بن حنبل مع غيره، وروى ابن العربي يكون بقضيب الشجر وأفضله الأراك وكرهه بعضهم بذي صبغ لأجل التشبه بالنساء وضعفه ابن العربي بجواز الاكتحال وفيه التشبيه بهن، ورده بعض شيوخنا لكراهة مالك الاكتحال لذلك أيضا وفي إجزاء المضمضة بغسول قولان لابن العربي وغيره، وفي سماع ابن القاسم من لم يجد سواكا فإصبعه يكفي قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام الشيخ أبي محمد أن الإصبع كغيره ولو
قيل إنه عنده الأصل ما بعد قلت قيد كلامه التادلي بأنه أراد مع فقد غيره وكلام الشيخ قابل للتقييد فحمله على ما قال التادلي أولى من حمله على العموم. وفي الإصبع عشر لغات تحريك الباء بثلاث حركات مع فتح الهمزة وبالثلاثة مع ضمها وبالثلاثة مع كسرها والعاشرة أصبوع والعوام عندما بإفريقية يقولون صبع وهو لم ينقل عن أهل اللغة.
(ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن):
قال عياض في الإكمال والحكمة في تقديم المضمضمة والاستنشاق على الوجه اختبار رائحة الماء وطعمه لكونه مشاهدا بالعين فجعل هذا أول الوضوء لئلا يبتدئ بما لا يجوز، وقال ابن الحاجب: الاستنشاق أن يجذب الماء بأنفه ويستنثره بنفسه وإصبعه واعترضه ابن عبد السلام بأن حقيقته إنما هي في جذبه خاصة ولذلك ما عد غير واحد الاستنثار سنة أخرى قلت كلامه عندي معترض من وجهين:
أحدهما: إن قوله ولذلك ما عد غير واحد الاستثنار سنة أخرى ينافي ما ذكره في حقيقته إلا أن تحمل ما من قوله ما عد زائدة الثاني: إن حكم الاستنثار مختلف فيه وقد علمت أن مثل هذا لا يعترض به وإنما يعترض بمسألة متفق عليها، واختلف إذا ترك المضمضة والاستنشاق وصلى على أربعة أقوال: فقيل يعيد في الوقت ساهيا كان أو عامدا وهو اختيار اللخمي وقيل لا إعادة مطلقا حكاه غير واحد. وقيل يعيد العامد في الوقت والناسي لا يعيد.
قال ابن القاسم في سماع يحيى وقيل يعيد العامد في الوقت أبدا خرجه ابن رشد على من ترك سنة عامدا وزعم الاتفاق على أن الناسي لا يعيد مطلقا قلت ويرد تخريجه بأن سنة الصلاة أقوى لأنها المقصود والوضوء وسيلة.
(ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا إلى آخره):
ظاهر كلام الشيخ أن نقل الماء باليد شرط وهو ظاهر كلام ابن حبيب وعزاه ابن رشد لابن الماجشون وسحنون، وقيل إنه لا يشترط بل إنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب وهذا القول هو المشهور، وأخذ من قول ابن القاسم من مسألة خائض النهر ولم يحفظ ابن عبد السلام غير الثاني.
واختلف إذ ألقى رأسه إلى رش ماء ومسحه بيده، فقال ابن عبد السلام:
المنصوص أنه لا يكفيه وغلط فيه بعض المتأخرين، قلت واعترضه بعض شيوخنا بقول ابن رشد يجزئ عند ابن القاسم وأجمعوا على إجزاء انغماس الجنب في الماء ودلكه فيه وناقل الإجماع المذكور ابن رشد، وانظر هل هو مما يرجح المشهور أم لا وظاهر كلام المصنف أن التدلك واجب وهو المشهور. وقيل لا يجب وقيل يجب لإيصال الماء إلى العضو لا لذاته.
قال ابن عبدالسلام: وأضرب ابن الحاجب عن الثالث ورأى أنه يرجع إلى الثاني وعده غيره ثالثا، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يأخذ شيئا من شعر الرأس وهو كذلك لأنه أراد منابت الشعر المعتاد وهو أحد نقلي شيوخنا وهما جاريان على اختلاف الأصوليين فيما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أم لا؟ ومنه اختلاف أهل المذهب هل يجب إمساك جزء من الليل أم لا بالنسبة على الصوم، واختلف المذهب في ما بين العذار والأذن هل يجب غسله أم لا؟ على أربعة أقوال والمشهور وجوبه وقيل لا يجب وقيل يجب فيمن لا شعر له وقيل سنة، قاله عبد الوهاب واعترضه ابن هارون بأنه صلى الله عليه وسلم كان يغسله وهو عندي ضعيف لأن فعله أعم من كونه واجبا أو سنة وقد علمت أن الوجه مأخوذ من المواجهة وما بين العذار إلى الأذن لا يواجه.
(ويمر يديه إلى آخره):
ما ذكره أنه يمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه صحيح وكذلك يجب عليه أن يمد يديه على ظاهر شفتيه ونص عليه اللخمي.
(وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك):
قال المغربي: ظاهر كلام الشيخ أنه يستحب له التخليل لأنه إنما نفى الوجوب وهو خلاف ظاهر المدونة قال فيها ويمر يديه عليها من غير تخليل فظاهرها كراهة التخليل، قلت الأقرب أن الشيخ إنما أراد كراهة ذلك لأن الاستحباب لم يقل به مالك فيما قد علمت وإنما هو قول ابن حبيب حسبما يأتي إن شاء الله.
واختلف في تخليلها في الوضوء على ثلاثة أقوال: فقيل: إن ذلك مكروه وهو ظاهر المدونة والعتبية وبه قال ربيعة.
وقيل مستحب قاله ابن حبيب في واضحته، وقيل تخليلها واجب قال مالك في روايتي ابن وهب وابن نافع وبه قال ابن عبد الحكم، وكل هذا الخلا في اللحية الكثيفة وأما الخفيفة التي لا تستر البشرة فإنه يجب إيصال الماء إليها وإذا قلنا بوجوب التخليل فقيل إلى داخل الشعر فقط رواه ابن وهب وبه قال بعض شيوخ المازري.
وقيل لابد من وصوله إلى البشرة نقله المازري عن الحذاق وقول الشيخ في قول مالك إشارة لعدم ارتضائه لذلك كقول ابن الحاجب، والمذهب وظاهر كلام الشيخ أنه يخلل في الغسل وبه الفتوى عندنا لعدم المشقة بخلاف الوضوء لتكرره.
(ويجري عليها يديه إلى آخره)
ظاهر كلام الشيخ ولو طالت، وهو كذلك وعزه ابن رشد لمعلوم المذهب وقيل لا يجب فيما طال منها، قاله مالك في رواية ابن القاسم وبه قال الأبهري. واختلف هل يجب غسل محل اللحية إذا سقطت أم لا؟ على قولين ومن هذا المعنى إذا حلق رأسه أو قلم أظفاره فقال في المدونة هو لغو وقال عبدالعزيز وابن الماجشون يعيد المسح واختار اللخمي أن وضوءه ينتقض، حكاه عياض وابن يونس عن عبدالعزيز أيضًا، وأسقط البرادعي من المدونة تقليم الأظفار ونقله ابن يونس عنها وكذلك سلم ابن عبد السلام وغيره قول ابن الحاجب، وفيها لو حلق رأسه وقلم أظفاره لم يعد ونص
اللخمي على أن من قطعت بضعة من لحمه فإنه يغسلها أو يمسحها إن عجز ورأى بعض الشيوخ أن قول المدونة في حلق الرأس خلافه.
(ثم يغسل يده اليمنى إلى آخره): انظر لأي شيء خير في غسل يديه مرتين أو ثلاثا ولم يخير في الوجه والرجلين والبداءة بالميامن قبل المياسر لا خلاف أنها مستحبة لأنهما كالعضو الواحد، ولذلك لما استدل مالك على من قال بوجوب الترتيب بقوله وقد قال علي وابن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا ولم يرتضه كل من لقيناه لأنه لم يمس المحل إذ لم يقل أحد بوجود ذلك إذ هما كالعضو الواحد.
(ويخلل أصابع يديه إلى آخره):
واختلف في تخليل أصابع اليدين على ثلاثة أقوال: فقيل إن ذلك واجب قاله مالك وابن حبيب وقيل مستحب قاله ابن شعبان، وقيل إن ذلك منكر قاله مالك أيضًا.
قال ابن الحارث عن ابن وهب رجع ابن مالك من إنكاره إلى وجوبه لما أخبرت بحديث ابن لهيعة، قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخلل أصابعه في الوضوء". قلت: رجوع مالك إلى الوجوب لتخليله صلى الله عليه وسلم فيه نظر، إذ تخليله أعم عن الوجوب والندب، ورجوع مالك إلى ما قال ابن وهب إشارة إلى مكانته في الحديث وهو كذلك وقد قرأ رضي الله عنه على أربعمائة عالم ومع ذلك كان يقول لولا مالك والليث لضللت.
واختلف في إجالة الخاتم على ثلاثة أقوال: فقيل يجال وقيل لا يجال وقيل بالأول في الضيق وقال ابن عبد الحكم: ينزع فقيل إنه خلاف قول مالك وأصحابه، وقال ابن بشير يحتمل الوجوب والاستحباب، قلت: وكان بعض من لقيناه يقول كل هذا الخلاف إنما هو إذا لم يقصد بلباسه المعصية. وأما لو قصد ذلك فالاتفاق على النزع وما ذكره لا أعرفه وأصول المذهب تدل على الخلاف عموما، ألا ترى أن المسافر العاصي اختلف فيه هل يجوز له أن يقصر أم لا؟ وهل يمسح على خفيه أم لا؟ وهل يباح له أكل الميتة أم لا؟.
(ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله وقد قيل إليهما حد الغسل فليس بواجب ادخالهما فيها وادخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد):
القول الأول بدخول المرفقين وجوبا هو المشهور والقول بعدم ادخالهما رواه
ابن نافع من مالك وهو قول أبي الفرج أيضًا. وقول الشيخ: وإدخالهما فيه أحوط أراد به قولا ثالثا بالاستحباب ومثله للقاضي عبد الوهاب وغيره، ولو نبت ذراع في ذراع لوجب غسلهما ولو نبت في العضو ولم يمتد إلى الذراع الأصلية لم يجب، وإن امتد إليه وجب غسلهما نقله عبد الحميد الصائغ عن بعض الأئمة.
قال عبدالحميد: وفيه نظر، وذكر في السليمانية أن من خلقت كفه بمنكبه بلا عضد ولا ساعد أنه غسل ذلك الكف وأن من خلق بلا يدين ولا رجلين ولا ذكر ولا دبر ويتغوط ويبول من سرته أنه يغسل مكان الأذى ويفعل من فرائض الوضوء وسنته ما يتعلق بوجهه ورأسه خاصة.
وقيل فيها في امرأة خلقت من سرتها إلى أسفل خلقة امرأة وإلى فوق خلقه امرأتين تغسل محل الأذى وتغسل الوجهين فرضا وسنة وتمسح الرأسين وتغسل الأيدي الأربع والرجلين قبل أفتوطأ هذه المرأة؟ قال: نعم وتعقبه عياض أنهما أختان، قلت ومنع بعض شيوخنا قوله إنهما أختان لوحدة منفعة الوطء لاتحاد محله.
(ثم يأخذ الماء بيده اليمنى إلى آخره):
ما ذكره الشيخ من الصفة هو المشهور في المذهب وقيل يبدأ من ناصيته ذاهبا إلى مقدم رأسه ثم إلى قفاه ثم إلى ناصيته حكاه الباجي عن أحمد بن داود من أصحابنا قلت: وحكاه أبو عمران الفاسي من رواية علي قال ما نصه: رأيت بخط ابن التبان أن علي بن زياد روى عن مالك ما تأول بعض الناس في أن معنى بدأ من مقدم رأسه أنه بدأ من الناصية، قال وما رأيته لغيره ولو كانت الرواية صحيحة لنقلها ابن عبدوس ولقد أرانا الشيخ أبو علي حسان صفتين ذكر أن أبا محمد بن الحجاج وصفهما له، إحداهما ما في رواية علي والأخرى أن يبدأ بمقدم رأسه.
قلت: وصفة ابن الجلاب ثالثة، وخارج المذهب قول بأنه يبدأ من المؤخر مقبلا إلى المقدم ثم يرجع إلى المؤخر، قال ابن عبد السلام: المشهور أنه يبدأ من المقدم وقيل من وسط رأسه وقيل من مؤخره. قلت: ظاهره أنه في المذهب ولا أعرفه والبداءة من مقدم الرأس فضيلة وقيل سنة حكاه ابن رشد وظاهر كلام الشيخ أنه لا يأخذ شيئا من الوجه، والكلام فيه مثل ما تقدم في الوجه ومنتهى الرأس الجمجمة. وقال ابن شعبان
آخر شعر القفا المعتاد وقال اللخمي ليس بحسن.
(وكيفما مسح أجزأه إلى آخره):
ظاهر كلام الشيخ أنه إن ترك بعضه وإن قل فلا يجزئه وهو كذلك عند مالك وقال محمد بن مسلمة يجزئ ثلثاه، وقال أبو الفرج الثلث. وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأه وعنه إن لم يعم رأسه أجزأه. قال ابن عبد السلام: وانظر هل أراد بقوله هذا مثل قول الشافعي في ثلاث شعرات في قول أو بعض شعره في قول لكن قوله إن لم يعمم رأسه ظاهر في أنه لا بد من جزء معتبر، قلت: وكان بعض من لقيته يحكي عن ابن عطية أن هذا الخلاف إنما هو إذا وقع المسح من مقدم الرأس.
وأما إذا وقع من غير ذلك فلا يجزئه اتفاقا ويمرضه أن الاتفاق على البداءة بمقدم الرأس وليست بفرض وإذا كان كذلك فلا فرق في الحقيقة بين البداءة بمقدم الرأس وغيره ويرد بأن قول ابن عطية كل هذا الخلاف إلى آخره يقتضي أنه وقف لهم على النص بذلك فتكون البداءة بمقدم الرأس التي ليست بفرض اتفاقا إنما هي حيث التكملة أما حيث الاقتصار على البعض فلا. قال ابن عبدالسلام: كل هذا الخلاف إنما هو بعد الوقوع وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض الأندلسيين أن الخلاف فيه ابتداء ولم أقف عليه.
(ولو أدخل يديه في الإناء إلى آخره):
يريد وكذلك لو نصبهما على الماء ومسح لأجزأه، واختلف إذا جف بلل اليدين قبل استيعابه فقيل يجدد رواه ابن حبيب في المرأة وسمعه أشهب فيها وفي الرجل، وقيل إنه لا يجدد قاله إسماعيل القاضي وهو ظاهر قول ابن القاسم إن مسحها بإصبع واحدة أجزأه وقيد عبد الحق قول ابن القاسم هذا فقال يريد ويستأنف وأطلقه اللخمي كما قلنا واختلف في غسل رأسه في الوضوء فقال ابن شعبان يجزئه.
قال ابن سابق وأباه غيره وكرهه آخرون فقول ابن شعبان يجزئه إنما هو بعد الوقوع والنزول وليس في المذهب نص بجوازه ابتداء. وقال ابن الحاجب: وغسله ثالثها يكره قال ابن عبدالسلام: فظاهر هذا النقل فيه قولا بالجواز ابتداء، وفي وجوده في المذهب عندي نظر فهو قد أشار إلى أن المنقول في المذهب كما صرحنا به والله أعلم.
(ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه إلى آخره):
قال ابن الحاجب: ظاهرهما بإبهاميه وباطنهما بإصبعيه، قال ابن عبد السلام: لو قال بسبابتيه بدلا من قوله بإصبعيه لكان أحسن كما أشار إليه ابن أبي زيد لأن المسح بالبسابتين أمكن منه بغيرهما، قلت إنما أراد ابن الحاجب بالإصبعين السبابتين نعم لو صرح به لكان أولى. واختلف المذهب في تجديد الماء للأذنين على ثلاثة أقوال: فقيل مستحب قاله مالك وقيل سنة على ظاهر قول ابن الحاجب فتركه كتركهما.
وقال محمد بن مسلمة إن شاء جدد وإن شاء لم يجدد، وقال ابن عبد السلام: تجديد الماء لهما فيه قولان منصوصان قلت لا أعرف من نص على أنه لا يجدد، وأما مسح الأذنين ففيه طريقان: منهم من يعمم الخلاف ويذكر على المشهور أن مسحهما نفل وعن ابن مسلمة والأبهري أن ذلك فرض.
قال عبد الوهاب داخلهما سنة وفي فرض الظاهر قولان وفي كون الظاهر ما يلي الرأس أو ما يواجهه قولان ذهب إلى الأول ابن سابق وغيره، وذهب إلى الثاني بعضهم والطريق الأخرى سلكها ابن الحاجب، وفي وجوب ظاهرهما قولان وظاهرهما ما يلي الرأس وقيل ما يواجه، وإذا تأملت كلامه تجد فيه التناقض لأن أول كلامه يقتضي أن الباطن لا خلاف أنه سنة وتفسيره الظاهر بأنه مما يلي الوجه يقتضي أن فيه قولا بالوجوب والله أعلم، وفي المدونة: والأذنان من الرأس فحملها اللخمي على ظاهرها من الوجوب وهو ظاهر كلام ابن الحاجب وقال ابن يونس يريد في الصفة لا في الحكم.
(ولا تمسح على الوقاية إلخ):
يريد وكذلك الرجل لا يمسح على العمامة وهذا مع الاختيار وأما مع الاضطرار فجائز. قال ابن حنبل يجوز ذلك اختيارا ووافقه على ذلك جماعة من أصحابه بالإطلاق وفرق بعض أصحابه بين أن يكون لها حنائك أم لا، فإن كان لعذر فجائز كالخف واحتج أحمد ابن حنبل بأنه صلى الله عليه وسلم مسح على العمامة وحمله بعض أصحابنا على احتمال أن يكون لعذر، وقول أحمد بن حنبل رضي الله عنه أقرب وهو الذي يميل إليه بعض أصحابنا لأن الأصل عدم الأعذار وكونه صلى الله عليه وسلم دوام على غيره لا يدل على قول أهل المذهب لأن مداومته تدل على أن فعله لذلك مرة واحدة يؤذن بالإباحة.
(ثم يغسل رجليه إلخ): ما ذكر الشيخ أن الرجلين يغسلان هو مذهبنا ومذهب العلماء المفسرين، وما ذكر من غسلهما ثلاثا مثله في الجلاب وهو ظاهر قول ابن الحاجب في الفضائل، وأن يكون المغسول ثلاثا أفضل فظاهره مدخول الرجلين في ذلك والمنصوص لغير من ذكرنا لا تحديد في ذلك، وحمل غير واحد ما ذكرناه على الخلاف والصواب عندي أنهما يرجعان إلى قول واحد وأن معنى قول الشيخ ومن ذكر معه إذا كانتا نقيتين، ومعنى قول غيرهما إذا كانتا وسختين لقول الإمام المازري في شرح الجوزقي إذا كانتا نقيتين فكسائر الأعضاء يطلب فيهما التكرار وإلا فلا تحديد إجماعا.
(وإن شاء .. إلخ):
اختلف في تخليل أصابع الرجلين على خمسة أقوال: الوجوب والندب والإنكار والرابع الإباحة وهو الذي ذكره الشيخ ولم أره لغيره والخامس تخليل ما بين الإبهام والذي يليه خاصة وبه كان شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي يفتي إلى أن مات، ووجهه أنه لا جرح فيه لانفراجه بخلاف بقية الأصابع لأن تخليلها من باب الحرج المسقوط عن هذه الأمة، ويقول شيخنا هذا أقول والقول بالندب ذهب إليه ابن حبيب فهو قائل بالوجوب في اليدين والفرق بينهما من ثلاث أوجه:
إحداهما: ما أشرنا إليه من انفراج أصابع اليدين بخلاف الرجلين.
الثاني: أن اليدين لم يختلف في أن فرضهما المسح أو الغسل أو التخيير.
الثالث: أن الرجلين يسقط فرض غسلهما بالمسح على الخفين ويسقطان في التيمم واليدين بخلاف ذلك لأنهما لا بد من غسلهما في الوضوء ومسحهما في التيمم.
(فإنه جاء الأثر إلخ):
قال ابن الصلاح: الفقهاء يطلقون الأثر على ما جاء عن الصحابي، والخبر على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقول الشيخ معترض على هذا ونبه عليه بعض من شرح كلام الشيخ وهو عندي بمنجاة منه لأن هذا الإطلاق إنما هو عرف المتأخرين، وأما المتقدمون فلا فرق عندهم في ذلك بين الأثر وبين الخبر، ألا ترى إلى قوله في المدونة: وقدا ختلفت الآثار في التوقيت فقد أطلق على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن المحدثين يطلقون الأثر عليهما فلعل الشيخ سلك طريقهم في ذلك والأمر خفيف، قال عياض
والويل كلمة تقال لمن وقع في الهلاك وقيل لمن يستحق الهلاك وقيل الهلاك نفسه وقيل مشقة العذاب وقيل الحزن وقيل واد في جهنم.
(وليس عليه تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه إلخ):
اعلم أنه لا خلاف أن الغرفة الأولى إذا أسبغ بها واختلف في الثانية والثالثة على خمسة أقوال: فقيل فضيلتان وقيل سنتان وقيل الأولى سنة والثانية فضيلة وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض عن شيوخه.
وقيل عكس الثالث نقله شيخنا أبو محمد عبدالله الشبيبي وغيره من متأخري القرويين وبه قال بعض متأخري التونسيين أيضًا. وكان بعض من لقيناه يوجهه بأن فيه الحرص على تحصيل الفضيلة لكون السنة متأخرة فالغالب عدم تركها بخلاف القول الذي قبله، فإذا حصلت السنة بالغرفة الثانية فقد يتهاون بالفضيلة، وحكى الإسفراييني عن مالك وجوب الغرفة الثانية ولا يقتصر على الغرفة الواحدة.
قال المازري: للحض على الفضلة والعامة لا تكاد تستوعبه بالواحدة ولذلك روى ابن زياد إلا من العالم قال وهذه هي التي غرت الإسفرايني في نقله عن مالك وجوب الغرفة الثانية، وأما الرابعة فقال ابن بشير لا تجوز بإجماع قال ابن الحاجب: تكره الزيادة وقال ابن عبدالسلام: وربما فهم من أبحاثهم التحريم.
قلت وظاهر كلامه أنه حمل الكراهة على بابها والصواب حملها على ما قال ابن بشير المراد بذلك التحريم.
وقال ابن الجلاب: والفرض في تطهير الأعضاء مرة مرة والفضل في تكرير مغسولها ثلاثا ثلاثا، وفي كلامه رحمه الله مناقشة لفظية وهي أن كلامه يوهم أن الرابعة فضيلة لقوله والفضل إلخ فهو أمر زائد على الفرض ولم يرد ذلك.
واختلف إذا شك هل هي ثالثة أو رابعة فقيل إنه يفعلها كركعات الصلاة.
وقيل لا لترجيح السلامة من ممنوع على تحصيل الفضيلة، قلت وهذا هو الحق عندي وبه أدركت كل من لقيته يفتي، وخرج المازري على هذين القولين صوم عرفة لمن شك في كونه عاشرا.
قال ابن بشير في شرحه على ابن الجلاب قيل له ما تختار من القولين حفظك الله؟ قال الصوم قيل له بناء على استصحاب الحال؟ قال نعم.
(وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من توضأ" إلخ):
المراد بقوله: "فأحسن الوضوء" تحصيله بفرائضه وسننه وفضائله ورفع الطرف وهو النظر إلى السماء لأنها قبلة الدعاء ولأنها أعظم المخلوقات المرئية لنا في الدنيا فيشغل بصره بها ويعرض بقلبه عن كون الدنيا فيكون ذلك أدعى لحضور قلبه لا لغير ذلك والمراد بتفتيح أبواب الجنة الحقيقة.
وقيل المراد به الطاعات قلت وهو عندي تقريبي والأصل الحقيقة ولا مانع يمنع من ذلك والقولان حكاهما غير واحد كالتادلي، وظاهر الحديث أن هذا الشرف العظيم يحصل بفعل مرة واحدة وهو اللائق بفضل مولانا سبحانه وتعالى ولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة بابا يقال له باب الريان لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخل آخرهم أغلق" لأن التخيير لا يستلزم الدخول منه قال التادلي: بعد أن ذكر الحديث أنه معارض، وفرق آخر وهو أن المتوضئ المحسن يوفق حتى يكون من أهل الصوم قلت والأقرب هو الأول وقد رأيت كثيرًا ممن يحسن الوضوء جدا لا يصوم غير الفرض إلى مماته وكذلك العكس ويعرف الإنسان هذا من نفسه.
(وقد استحب بعض العلماء إلى آخره):
سمعت من بعض من لقيته يذكر أن الشيخ أراد بقوله بعض العلماء ابن حبيب وكذلك مهما ذكره وما ذكره نص عليه التادلي في باب ما يفعل بالمحتضر وفي نفسي منه شيء فتأمله.