المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الأيمان والنذور - شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة - جـ ١

[ابن ناجي التنوخي]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة مختصرة للمصنف

- ‌باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره

- ‌باب ما يجب منه الوضو والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية

- ‌باب في زكاة الماشية

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

الفصل: ‌باب في الأيمان والنذور

قال لبعض أصحاب سحنون: وقل له: يعطي الخيل لمن يقتل عليها فالعلم أولي به.

‌باب في الأيمان والنذور

قال ابن العربي اليمين ربط العقد بالامتناع والترك أو الإقدام على فعل بمعني معظم حقيقة أو اعتقادًا واعترضه بعض شيوخنا بأن قوله بالامتناع يغني عن قوله والترك فهو حشو وبأنه يخرج عنهما الغموس واللغو والتعليق وقول ابن عبد السلام لا يحتاج إلى تعريف بحد ولا رسم لاشتراك الخاصة والعامة في معرفته ضعيف.

قال بعض شيوخنا: وأما النذر الأعم الجائز فهو إيجاب امرئ على نفسه لله أمرًا الحديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وإطلاق الفقهاء على المحرم نذرا والأخص المأمور بطاعته التزام طاعة بنية قربة قال: وقول بعضهم هو التزام طاعة غير مطرد وقول ابن شاس هو التزام وإيجاب واضح تضعيفه.

ص: 407

(ومن كان حالفا فليحلف بالله ليصمت):

قال التادلي: وظاهر كلامه أن اليمين بالله مباحة لأن الأمر أقل مراتبه الإباحة. قلت: بل ظاهره أنه مرجوح لقوله: "ومن " وبه قال بعض الشيوخ لسماع أشهب وابن نافع كان عيسى عليه السلام يقول لبني إسرائيل كان موسي ينهاكم أن لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين.

وقال ابن رشد: قول عيسى بخلاف شرعنا لأنه صدر منه صلى الله عليه وسلم كثيرًا وأمره الله به فلا وجه لكراهته لأنه تعظيم لله تعالى يحتمل أن يكون كراهية عيسى عليه السلام خوف الكثرة فيؤول إلى الحلف بالكذب أو التقصير في الكفارة ولا خلاف أن اليمين بما دل على ذاته العلية جائز، وأما الحلف في جوازه بصفاته الحقيقية كعلمه وقدرته وجلاله ففيه طريقتان الأكثر على أن ذلك جائز باتفاق، وقال اللخمي: اختلف في جواه بصفاته كعزته وقدرته فالمشهور جوازه وروى محمد وابن حبيب لا يعجبني بلعمر الله وأكرهه بأمانة الله وضعفه بعض شيوخنا لقول ابن رشد في الكفارة: في لعمر الله نظر لأن العمر على الله محال وباشتراك أمانة الله قال: فإذا كره اليمين بهما فلا يلزم ذلك في غيرهما وأما الحلف بما هو مخلوق فقيل: ممنوع قاله اللخمي ونحوه قال ابن بشير: إنه حرام وقيل: مكروه قاله ابن رشد وحملهما ابن الحاجب على الخلاف قال: واليمين بغير ذلك مكروه، وقيل حرام وصرح الفاكهاني بأن المشهور الكراهة ولم يعزها.

وقال ابن عبد السلام: ويحتمل أن ترجع الكراهة للتحريم وأما الحلف بما عبد كاللات فإن اعتقد تعظيمها فكفر وإلا فحرام يلزمه أن يتوب وقال ابن بشير وإلا فعاص ويستحب أن يستغفر واعترضه التادلي بأن قوله فعاص ينافي استحبابه.

(ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه):

قال التادلي: ظاهر كلامه أن اليمين بالطلاق والعتاق حرام لأنه أثبت فيهما الأدب ولا يلزم الأدب إلا في ارتكاب المحظور ونص مطرف وابن الماجشون على ذلك إذا تعدد الحلف بهما وهي جرحة في الشهادة والأمانة، قال ابن القاسم ويضرب من لا امرأة له ومن ليس عنده ما يعتق أكثر لإضافته إلى النهي الكذب.

قلت: يرد قوله بأن التأديب لا يلزم إلا في ارتكاب المحظور بأن تأديبه قد يكون باستخفافه بالسنة كقول ابن خويزمنداد: إن من استدام ترك السنة فسق وإن تمادي عليه أهل بلد حوربوا بأحد القولين إنه يجب تغيير المنكر فيما طريقته الندب، وبهذين

ص: 408

رد على اللخمي في أخذه من قول أصبغ يؤدب تارك الوتر أنه واجب الأول للمازري والثاني لابن بشير.

(ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسماء الله وصفاته):

ما ذكر هو المشهور وقال ابن عبد البر، وروى العدول الثقاة عن ابن القاسم أنه أفتى لابنه عبد الصمد وكان حلف بالمشي إلى مكة بكفارة يمين، وقال أفتيتك بقول الليث فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك ولم يذكر أن ذلك كان منه على وجه اللجاج والغضب.

وقال بعض شيوخنا عن أبي عمر بن عبد البر: فتوى ابن القاسم هذه بذلك قولة بعيدة لأنه أفتى له بغير مذهب إمامه، ونقل ابن بشير عن الشيوخ أنهم وقفوا على قوله لابن القاسم أن ما في هذا القبيل على سبيل اللجاج والغضب يكفي فيه كفارة يمين وهو أحد أقوال الشافعي، قال: وكان من لقيناه من الشيوخ يميل إلى هذا المذهب ويعدونه من نذر المعصية فلا يلزمه الوفاء به.

قال ابن عبد السلام: فظاهره أنهم أسقطوا عنه الكفارة فإن كان مراده هذا هو قول خارج المذهب تحصل في المذهب ثلاثة أقوال في نادر اللجاج.

قلت: ويتخرج على القول بالكفارة صحة الاستثناء كاليمين بالله تعالى ولا خصوصية لقول الشيخ ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله بل وكذلك النذر الذي لا مخرج له، وذكره الشيخ بعد وظاهر كلام الشيخ أن الثنيا لا ينعقد في الطلاق المعلق كما إذا قال: أنت طالق إذا دخلت الدار إن شاء الله ولو رده إلى الفعل وهو كذلك عند ابن القاسم.

وقال ابن الماجشون: إن رده إلى الفعل فلا شيء عليه وصوبه ابن رشد؛ لأنه جار على مذهب أهل السنة.

(ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال: إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت وإلا لم ينفعه ذلك):

ظاهر كلام الشيخ أن الاستثناء يدفع الكفارة فقط وليس هو حل لليمين وهو قول ابن القاسم وأحد الأقوال الثلاثة، وقيل إنه حل لليمين من أصله قاله ابن الماجشون وقيلك لا حل له ولا رفع حكاه خليل.

قال الفاكهاني: ولم يظهر لي الآن أين تظهر فائدة الخلاف؟ وقال ابن عبد السلام: لا يكاد يظهر لهذا الخلاف في اليمين بالله فائدة إلا بالتكلف، فلذلك أضربنا عنها.

قلت: ورده بعض شيوخنا بأنها تظهر بلا تكلف فيما إذا حلف بالله تعالى أن لا

ص: 409

يطأ زوجته إن شاء الله فاختلف مالك والغير هل يكون موليا أم لا، والقولان في المدونة وخلافهما مبني على ذلك.

وقال الشيخ أبو القاسم السلمي تظهر فائدته أيضًا فيما إذا حلف واستثنى ثم حلف أنه ما حلف فعلي أنه حل لا يحنث، وعلى أنه رفع للكفارة يحنث وقبله غير واحد من أشياخي وذكر الشيخ ثلاثة قيود:

الأول: أن يقصد بذلك الاستثناء احترازًا من أن يجري ذلك على لسانه أو يأتي به تبركا كقوله تعالى: (ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله) [الكهف: 23، 24].

والقيد الثاني: أن ينطق بالاستثناء احترازا من أن ينوي ذلك فقط لا يفيد.

ورأى اللخمي أن ذلك يفيد إذا انعقدت اليمين بالنية عند من يرى ذلك، ورده بعض شيوخنا بأن العقد أيسر من الاستثناء لأنه كابتداء حكم والاستثناء كنسخه ونحوه لابن محرز.

القيد الثالث: أن يكون ذلك متصلاً بيمينه ويريد ما لم يضطر كتنفسه لسعال.

وقال عياض أثر نقله عن الشافعي سكتة التنفس والسعال لغو وكذلك التفكر وهي كالوصال تأوله بعضهم عن مالك قال: والذي يمكن أن يوافق عليه مالك أن مثل هذا لا يقطع كلامه إذا كان عازما على الاستثناء ناويا له وإليه أشار ابن القصار.

قلت: وقال بعض شيوخنا ظاهر قول أهل المذهب أن سكتة التذكر مانعة من التعول عليه مطلقًا.

وظاهر كلام الشيخ إذا طرأت له نية الاستثناء بعد تمام يمينه ووصله به أنه ينفعه وهو كذلك، وقال ابن المواز: من شرط الاستثناء أن يكون منويا قبل تمام الحلف ولو بحرف ونحوه للقاضي إسماعيل.

(والأيمان بالله أربعة فيمينان يكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت أو يحلف ليفعلن ويمينان لا يكفران أحدهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم والآخر الحالف متعمدًا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله سبحانه):

ما فسر الشيخ به لغو اليمين هو المشهور وقيل لغو اليمين ما سبق إليه اللسان

ص: 410

من غير عقد قاله القاضي إسماعيل والأبهري واللخمي وبه قال الشافعي.

قال ابن عبد السلام: وهو الأقرب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن)[المائدة: 89]

وبقوله جل وعلا: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)[البقرة: 225]

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت في قول الرجل لا والله وبلي والله.

وقد تقرر في علم الحديث أن قول الصحابي نزلت هذه الآية بسبب كذا يجري مجرى المسند ولما ذكر ابن الحاجب القولين كما سبق قال: وعن عائشة القولان.

قال ابن رشد: إن كان ذلك مرويا عنها حمل لفظه على ظاهره وإلا حمل على أن فيه إضمارًا أو عن الأشياخ في تفسير قول عائشة رضي الله عنها القولان، وقال ابن عبد السلام: لم يوجد لها إلا كقول مالك بعد البحث عنه وأجاب خليل بأن ابن بشير حكاهما عنها نصًا وكذلك ابن بطال حكي عنها في باب الأيمان ما حكاه المصنف.

قلت: وحكي ابن يونس عنها القولين نصًا أيضًا وقول الشيخ يظنه في يقينه لم يرتضه ابن عبد السلام وكذلك قول المدونة لغو اليمين أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يثبين له خلافه.

قال: عبارة المؤلف في قوله وهو اليمين عن ما يعتقده فيتبين خلافه خير من عبارة من عبر عن هذا المعني باليقين أو من جمع بينه وبين الظن فقال يظنه في يقينه فإن الاعتقاد قد يتبدل أو يظهر خلاف المعتقد فيكون جهلاً، وأما اليقين فلا يتبدل وألحق باليمين بالله في اللغو النذر الذي لا مخرج له والحلف بالمشي إلى مكة والصدقة وما أشبه ذلك على القول بأن كفارته كاليمين بالله تعالى وما ذكر الشيخ في الغموس كذلك يقوله أكثر المذهب وسكتوا عن الظن، وقاله ابن الحاجب.

قلت: والظاهر أن الظن كذلك، قال ابن عبد السلام: وهو قد سبق بذلك، وقال الشيخ أبو محمد في ثاني ترجمة من كتاب النذور من النوادر عن ابن المواز بعد أن حكى كلامًا في الغموس عن ابن حبيب.

قال: وقال ابن المواز: وكذلك الحلف على شك أو على ظن فإن صادف ذلك كما حلف فلا شيء عليه وقد خاطر فعطفه الظن على الشك دليل على أنه أراد به الحقيقية العرفية.

وقول الشيخ فهو آثم ظاهره وإن وافق ما حلف عليه وهو خلاف ما تقدم لمحمد وظاهر المدونة كقول محمد ونصها في التهذيب ومن قال: والله ما لقيت فلانا أمس وهو لا يدري ألقيه أم لا؟ ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف بر وإن كان على خلاف

ص: 411

ذلك أثم، وكان كمتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وحملها غير واحد على أنه وافق البر في الظاهر لأن أثم جرأته بالإقدام على الحلف شاكا يسقط عنه، وأقام بعض من لقيناه من قولهم هنا بإسقاط الكفارة في الغموس من أن إثمها أعظم من أن تكفر سقوط قضاء الصلاة إذا تركت عمدًا، ويرد بأنه تخريج في محل النص قال صلى الله عليه وسلم:"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإن ذلك وقت لها فإذا وجب القضاء فيما نسيه فأحرى العامد والله أعلم.

(والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدًا لكل مسكين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك بقدر ما يكون وسط عيشهم في غلاء أو رخص ومن أخرج مدا على كل أجزأه):

ما ذكر الشيخ من اشتراط المسكنة في أخذ الكفارة هو بنص التنزيل وأما اشتراط الإسلام فذلك بالقياس على الزكاة، وأما اعتبار الحرية فلأن العبد غني بسيده ومن فيه عقد حرية كأم الولد كأن كان السيد فقيرا أو لا يمكنه بيعها لكن السيد قادر على أن يعتقهم إن عجز عن نفقتهم فهم كالأغنياء، وأما اعتبار المد فقال ابن القاسم: حيثما أخرج مدًا أجزأه كما هو ظاهر كلام الشيخ.

وقال مالك بعد أن ذكر المد في المدينة: فأما سائر الأمصار فإن لهم عيشا غير عيشنا، وأفتى أشهب بمد وثلث بمصر وأفتى ابن وهب بمد ونصف وكلاهما ليس بخلاف لمالك والخلاف بينهما في قدر المزيد خلاف في حال قاله ابن عبد السلام.

وحمل بعض الشيوخ قول ابن القاسم على أنه خلاف لقول مالك وعليه حمله اللخمي لقوله قول مالك أبين منه، وخرج اللخمي من الخلاف في الجنس هل المعتبر قوت المكفر أو قوت أهل البلد خلافًا في المقدار هل يعتبر قدر قوته أو قوت أهل البلد واختلف إذا غدى أو عشى فالمعروف الإجزاء، وقال الشافعي: لا يجزئ.

قال ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول يحيي لا أعرف فيها غداء ولا عشاء.

قلت: ما ذكره عن يحيى نقلته لبعض من لقيته من أشياخي ممن يظن به حفظ المذهب من غير مطالعة في كتب غير ما مرة فلم يقبله قائلاً: لا أعرف من نقله. قال غيره: ولا غرابة فيه وهو في المبسوط عنه وزاد بل مدا نبويا وعلى المعروف فهل يجزئ إذا غدى أو عشي قفارا من غير إدام أم لا؟ فقال ابن مزيز يجزئ وقال ابن

ص: 412

حبيب لا يجزئ وكلاهما نقله اللخمي.

وقال ابن عبد السلام: وقول المدونة كقول ابن حبيب بأن الإدام شرط، وقال ابن هارون: مذهب المدونة الإجزاء إلا أن الأفضل عنده أن يكون مأدوما بزيت وشبهه والأمر كما قال ابن عبد السلام: ولولا الإطالة لذكرنا لفظها فانظره.

(وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قيمص وخمار):

ما ذكر الشيخ مثله في المدونة بزيادة وذلك أقل ما يجزئ في الصلاة، فأخذ الأبهري منه أن ستر جميع البدن في الصلاة واجب وتأوله بعضهم على أنه أراد بأقل ما يجزئ على سبيل الأفضل والكمال وقبله ابن هارون.

واختلف هل يشترط وسط كسوة الأهل أم لا؟ على قولين والقول باشتراط ذلك ذهب إليه اللخمي قائلاً كالإطعام واحتج بالعطف.

قال ابن هارون: وجوابه أن العطف إنما يقتضي التشريك في الإعراب وفي صلاحية كل واحد منهما للكفارة لا فيما سوى ذلك من المتعلقات والمجرورات ألا ترى أنك تقول: جاء زيد ضاحكا وعمرو فيقتضي العطف التشريك في الإعراب والمجيء لا في الضحك، وقال ابن بشير: لو قيل: إنه من باب رد المطلق إلى المقيد لكان له وجه.

قال: ويمكن أن يكون لم يراع ذلك لأن المقصود من الكسوة ستر الفقير فيكفي فيه ما يحصل به ذلك.

وقال ابن رشد: القول بمراعاة الوسط لم أقف عليه ذكر ذلك تعقيبًا على ابن الحاجب في نقله له قال: ولعل قائله قاسه على الإطعام وفيه بعد.

قلت: ويجاب بنقل ابن بشير إياه عن اللخمي كما سبق وإن كان ليس في التبصرة.

واختلف في كسوة الصغير على أربعة أقوال: فقيل يعطى الصغير كسوة كبير والصغيرة كسوة كبيرة قاله ابن القاسم، وقال أشهب: تكسي الصغيرة التى لم تبلغ الصلاة الدرع دون الخمار وظاهره الدرع الذي يصلح للباسها قال: فإذا بلغت الصلاة أعطيت الدرع والخمار، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لم يعجبه كسوة الأصاغر وكان يقول: من أمر بالصلاة فله الكسوة قميصا وقيل: يعطي صغار الإناث ما يعطى كبار الرجال قميصًا كبيرًا.

(وأعتق رقبة مؤمنة):

يريد سالمة من العيوب فإن أعتق رقبة وبها عيب فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز بلا خلاف وهو ما يمنع من الكسب ويشينه وعكسه عكسه، والقسم الثالث ما يشين ولا يمنع من الكسب كالأعراج، قال في المدونة: كرهه مرة وأجازه مرة

ص: 413

وآخر قوليه لا يجزئ إلا خفيفة. قال أصبغ: ومن أعتق منفوسا فإنه يجزئ ولو أصابه بعد كبره خرس أو صمم أو جنون قائلاً هذا شيء يحدث بعد ذلك، وكذلك في البيع لا يرد به قال ابن محرز: وأما الشيخ الزمن فلا يجزئ، والفرق أن الصغير يقدر على الكسب في المال بخلاف الكبير، ويجزئ ولد الزنا باتفاق نص عليه ابن رشد رحمه الله تعالى، وفي إجزاء المريض في غير النزع قولان حكاهما اللخمي.

(فإن لم يجد ذلك ولا إطعامًا فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزأه):

قال ابن يونس عن رواية ابن المواز: لا يصوم حتى لا يجد إلا قوته أو كونه في بلد لا يعطف عليه فيه وعزاه اللخمي لمحمد لا لروايته قال: وهذا حرج ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا وقال الباجي: المعتبر في ذلك أن يفضل عن قوت يومه ما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاثة.

قلت: وقال بعض شيوخنا الأقرب عجزه عما يباع في فلسه.

قال ابن عبد السلام: لا يبعد إلزام من قدر على بعض غير المعتق فعليه ذلك، وينتظر مالك تكميله والفرق بينه وبين من وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته ظاهر، ويريد أنه لا يغنيه شيئًا فهو كالعدم وهذا ينبني عليه، وضعفه بعض شيوخنا بأنه يلزم على قوله أن ينتظر إذا عجز عن الكل وهو خلاف الإجماع لأن البعض كالكل في عدم بعض أجزاءه، واختلف فيمن له مال غائب فقيل: يتسلف ولا يجزئ الصوم قاله ابن القاسم، وقيل: إن قرب مجيئه انتظر أو تسلف فإن صام أجزأه وإن وجد من يسلفه.

(وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده وبعد الحنث أحب إلينا):

ما ذكر الشيخ هو مذهب المدونة وهو أحد الأقوال الخمسة وقيل: إن ذلك ممنوع قاله مالك أيضًا، وقيل: إن كان على حنث جاز وإن كان على بر فلا قاله ابن القاسم، وقيل: يجوز تقديمها في اليمين بالله تعالى وما في معناه ولا يجوز في غير ذلك وهذه الأقوال الأربعة حكاها غير واحد كابن بشير، وقال ابن عبد البر في الكافي: قيل: يجوز تقديمها بغير الصوم، وأما بالصوم فلا، وفي التهذيب: وإن كفر معسر بالصوم قبل حنثه ثم أيسر بعد حنثه فلا شيء عليه يجيء سادسًا والله أعلم لتفصيله فانصره لأن عمل البدن لا يقدم، واستشكل اللخمي الفرق بين البر والحنث لاشتراكهما في عدم وجوب الكفارة.

ورده بعض شيوخنا بأن استصحاب حال ذات الحنث توجب الكفارة وذات البر تنفيها والاستصحاب معتبر شرعًا وسبب الخلاف ما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو

ص: 414

خير" وفي بعض الطرق تقديم الحنث واعترضه غير واحد بأن التقديم والتأخير في ذلك سواء لأن الواو لا تقتضي رتبة وإنما سبب الخلاف هل الحنث هو شرط في وجوب الكفارة فتجوز قبله لوجود السبب في الكفارة وهو اليمين أو ركن فلا تجوز؟

قال ابن هارون وفيه نظر لأن المشروط لا يوجد بدون الشرط كما أن الماهية لا توجد بدون ركنها.

(ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه):

احتوى كلام الشيخ على المندوب والواجب والحرام ونفي المباح والمكروه تأتي إشارته أيضًا إلى ذلك.

(ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء):

يريد إلا أن يعلقه كما إذا قال إن اشتريت عبد فلان فإنه يلزمه.

(ومن قال: إن فعلت كذا فعلي نذر كذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا بغير يمين إلى آخره):

ما ذكره هو المشهور وتقدم فتوي ابن القاسم لابنه عبد الصمد في المشي إلى مكة بكفارة يمين قائلاً: أفتيتك بمذهب الليث بن سعد وإن عدت أفتيتك بمذهب مالك، وظاهر كلام الشيخ ولو كان على وجه اللجاج والغضب وتقدم ما نقله ابن بشير في ذلك فانظره، وظاهر كلامه ولو نذر شيئًا لا يبلغه عمره وهو كذلك على ظاهر المدونة قال فيها: من كثر نذر مشيه بما لم يبلغه عمره فليمش ما قدر عليه من الزمان ويتقرب إلى الله عز وجل بما يقدر عليه من الخير وقال التونسي: تقربه بذلك ندب لأن نذر ما لا يقدر عليه ساقط.

(ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله):

ظاهر كلام الشيخ أن نذر المباح والمكروه حرام لأن قوله وليستغفر الله ظاهر في أنه راجع للجميع وقول من تأول عن الشيخ أن الاستغفار يرجع إلى المعصية فقط بعيد والتأويلان ذكرهما التادلي ولكن ما قلناه منهما هو الأقرب وعليه حمله الفاكهاني

ص: 415

إلا أنه ذكر المباح فقط فالمكروه أحرى ولا مانع يمنع منه. أما بالنسبة إلى المعني فهو قد عكس الشريعة لكونه أفرغ المباح والمكروه في قالب الطاعة، وأما بالنسبة إلى المنقول فهو ظاهر الموطأ وفي المقدمات نذر المكروه مكروه ونذر المباح مباح.

(وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر يمينه ولا يفعل ذلك إن تجرأ ففعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه):

قال الشيخ خليل: ما ذكر الشيخ من أنه إذا فعل المعصية بر في يمينه مثل في الجلاب، وذكر ابن الحاجب نحوه في الطلاق فقال وإن كان محرما مثل إن لم أقتل زيدًا تنجز إلا أن يتحقق قبل التنجيز على المشهور وقال: قول ابن عبد السلام: إن نجز أو فعل المعصية فقال أهل المذهب تلزمه كفاره يمين خلاف ما تقدم، فإن قلت: هل يصح حمله على الشاذ من نقل ابن الحاجب قيل قد أنكر هو وجوده. نعم قد يتخرج ما قاله على أحد القولين في أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسا كما قيل فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضا. قلت: ما نقله عن الشيخ ابن عبد السلام وهم لا شك فيه، ولفظ ابن عبد السلام في النسخة التي رأيتها عندنا بتونس: لو تجرأ وفعل تلك المعصية لم يلزمه عد أهل المذهب أن يكفر كفارة اليمين بالله تعالى.

(ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان):

ما ذكر الشيخ من أن الكفارة تلزمه في قوله على عهد الله وميثاقه هو كذلك باتفاق قاله ابن حارث قائلاً اختلفوا إذا قال وعهد الله فذكر عن المدونة اللزوم وعن الدمياطية عدمه، وإن قال عهد الله فلا كفارة عليه.

واختلف إذا قال أعاهد الله وأجري عليه أبايع الله واختلف في حاشا الله ومعاذ الله، واختلف المذهب إذا كرر الحلف بالصفات على ثلاثة أقوال: فقيل بالتعدد وعكسه، وقيل إن كانت الصفة المذكورة ثانيًا هي الأولى في المعنى لم تتعدد وإلا تعددت.

(وليس على من أكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة):

ظاهر كلام الشيخ ولو قصد بالثانية غير الأولى وهو كذلك على المشهور، وقيل إنها تتعدد إذا قصد ذلك ولا خلاف أنه إذا قصد الكفارة أنها تلزمه، ولو نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى أو لم ينو شيئًا لم تتعدد اتفاقًا، ولم يرتض ابن عبد السلام هذا الاتفاق لاختلافهم فيمن قال: والله والله أو والله والله قائلاً: الأقرب عندي تعدد الكفارة فيما إذا قصد التكرار إذ لا فرق بين أن يقصد إلى تعددى الكفارة أو على ما هو مستلزم لتعددها والمذهب أن تكرار الطلاق يحمل على التأسيس ما لم ينو به التأكيد فيقبل، وفرق بين البابين بأن المحلوف به هنا شيء واحد فيستحيل التعدد عليه فوجب

ص: 416

اتحاد الكفارة إلا أن يقصد تعددها كما سبق في باب الالتزام يمكن تعدده فوجب الرجوع فيه إلى الأصل.

وتبرأ ابن عبد السلام من هذا الفرق بقوله: قالوا: وفي العتبية عن مالك فيمن حلف بالله لأفعلن كذا فقيل له: إنك ستحنث فقال: لا والله لا أحنث، أن عليه كفارتين إن حنث وقال ابن القاسم في المبسوط ليس إلا كفارة واحدة واختلف المذهب إذا قال: على أربعة أيمان لا أفعل كذا ففعله هل تتعدد الكفارة أم لا؟

(ومن قال: أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا يلزمه غير الاستغفار):

ما ذكرنا هو مذهبنا وقال أبو حنيفة والثوري: من قال هو يهودي أو نصراني أو كافر بالله وأشركت بالله أو برئت من الله أو الإسلام فهو يمين وعليه الكفارة إن حنث.

(ومن حرم على نفسه شيئًا مما أحل الله فلا شيء عليه إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج):

ما ذكر أنه يلزمه في زوجته الثلاث هو المشهور من المذهب وقيل: تلزمه واحدة رجعية وقيل بائنة وقيل ثلاثة في المدخول بها ولا ينوي وينوي في غير ذلك من الأقوال حسبما أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، واختلف المذهب إذا قال أشد ما أخذه أحد على أحد فقيل: يلزمه كفاره يمين بالله تعالى فقط قاله ابن وهب وقيل: يلزمه جميع الأيمان قاله ابن القاسم في رواية عيسى عنه وفي كتاب ابن المواز أيضًا، ومثله لمالك في المبسوط، وزاد عليه عشرة نذور.

وقال ابن عبد السلام: - بعد أن ذكر ما قلناه-: ولا نعلم أحدًا من المتقدمين والمتأخرين بعد البحث عن أقوالهم أوجب في أشد ما أخذه أحد على أحد كفارة ظهار ولا صوم سنة ذكر ذلك تمريضًا، الظاهر قول ابن الحاجب ففي كفارة اليمين أو جميع الأيمان قولان، وأجاب خليل بأن في المفيد عن بعضهم إلزام كفارة ظهار، واختلف إذا قال: الأيمان تلزمه فقيل لا يلزمه فيها إلا الاستغفار قاله الأبهري وابن عبد البر وعنه تلزمه كفارة يمين وكلاهما نقله ابن هشام.

وقيل: إن عليه ثلاثة كفارات قاله الطرطوشي وابن العربي والسهيلي والمشهور من المذهب أنه يلزمه جميع الأيمان فإذا عرفت هذا فقول ابن بشير وابن الحاجب يلزمه جميع الأيمان اتفاقًا قصور، وعلى المشهور اختلف ما الذي يلزمه من الطلاق، على ثلاثة أقوال: فالأكثر على لزوم الثلاث وقيل طلقة واحدة بائنة، وهو المشهور أو طلقه رجعية اهـ. قاله الأشبيلي وأحد بن عبد الملك.

ص: 417

وقيل: بل طلقة رجعية قاله غير واحد، وأما إذا قال الأيمان تلزمه، وامرأته طالق فقال المغربي تلزمه طلقة واحدة وأخذه من ظاهر المدونة وإذا قال: أنت علي حرام كأمي أنه يلزمه الظهار لأنه جعل للحرام مخرجًا.

ورده بعض شيوخنا بوجهين:

أحدهما: أن العطف يقتضي المغايرة بخلاف عدم العطف بالنسق فيه وإرادة البيان ظاهر.

الثاني: أن الطلاق هو أحد أفراد الأيمان تلزمه فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا أو واحدة.

(ومن جعل ماله صدقة أو هديًا أجزأه ثلثه):

ما ذكر الشيخ هو المشهور وعن سحنون يلزمه ما لا يجحف به، وروي عن ابن وهب أنه قال يفتي الناذر في ذلك بإخراج ثلث ماله إن كان مليا على قول مالك وإن كان قليل الدراهم أفتاه بإخراج ربع عشره على قول ربيعة، وإن كان عديما أفتاه بكفارة يمين وقاله ابن حبيب.

وحكي ابن رشد عن ابن وهب أنه يلزمه إخراج جميع ماله، وقيل: يلزمه في الحلف به كفارة يمين نقله أبو عمران عن ابن وضاح عن أبي زيد عن ابن وهب وقيل: يلزمه كفارة يمين أو زكاة ماله قاله ابن وهب أيضًا، وأما الحلف بصدقة ما يفيده أبدًا أو ما يكسبه فهو لغو اتفاقًا.

واختلف إذا كان محصورا بأجل أو ببلد فقيل كذلك وقيل: يلزمه والقولان حكاهما ابن رشد واختلف إذا التزام صدقة معين وهو كل ماله فقيل: يلزمه وهو المشهور وقيل: ثلثه فقط وقيل ما لا يجحف به.

(ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه):

ما ذكر الشيخ من التفصيل بين أن يذكر مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام يريد أو ما في معناه كمكة ومنى فعليه هدي وبين أن لا يذكره فلا شيء عليه وهو المشهور من المذهب وهو أحد الأقوال الأربعة وقيل: لا شيء عليه مطلقًا وهذا والذي قبله لمالك وقيل: إن عليه كفارة يمين مطلقًا وتردد الشيوخ في نسبة هذا القول لمالك فقطع بذلك صاحب التقريب وخالفه غيره، وقيل: يلزمه أن يحج بابنه وينحر هديا قاله الليث بن سعد، قال ابن عبد السلام، ونقله بعضهم عن مالك وعلى الأول فاختلف المذهب إذا نذر نحر جماعة من ولده فقيل يتعدد اليمين قاله ابن القاسم.

ص: 418

وقيل: هدى واحد كاف ولا خصوصية للولد في هذا وإنما ذكره الشيخ لأنها القضية الواقعة في قصة إبراهيم عليه السلام، ولو نذر نحر أجنبي فالمشهور لا شيء عليه مطلقًا وقيل عليه هدي، وجعل الباجي المسألة قريبة من الأولى فنقل في المدونة إن لم يذكر مقامًا ولا هديًا روايتين: لا شيء عليه وكفارة يمين، وما ذكر الشيخ من أن الشاة تجزئه هو كذلك في المدونة عن على وعطاء رضي الله عنهما، وهو مقتضى قول المدونة، ومن نذر ذبح نفسه فليذبح كبشا ونقل أبو محمد عن رواية حبيب الهدي بدنة فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة فإن لم يجدها صام عشرة أيام، وقال مالك: أحب إلى في ابنه هدي بدنتين.

(ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن وركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدي، وقال عطاء: لا يرجع ثانية وإن قدر ويجزئه الهدي وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج):

ص: 419

ظاهر كلامه أنه يلزمه المشي وإن لم تكن له نية وهو قول أشهب خلافًا لما في المدونة، ولو نوي المشي إلى مكة فإنه يلزمه وتقدم ما أفتي به ابن القاسم لابنه عبد الصمد وظاهر نقل ابن عمر سواء كان على وجه اللجاج والغضب أم لا، وألزم أهل المذهب ههنا المشي إلى مكة لأنها قربة كالمشي إلى المساجد والجنائز والعيدين وعورض ذلك بقول مالك أن الركوب في الحج أفضل من المشي وأجابوا بأن التزام المرجوح لا يسقط بوجود ما هو أرجح عليه كما لو نذر الحاج صوم يوم عرفة.

قال ابن عبد السلام: وفي النفس من هذا الفرق شيء ما ذكر الشيخ من أنه يلزمه من حيث حلف فهو كذلك باتفاق إذ نواه وكذلك إن كان غير معلق، واختلف في المعلق على ثلاثة أقوال: فقيل يلزمه من حيث حلف قاله في المدونة وغيرها، وقيل مثله إن كان على حنث وإن كان على بر فمن حيث حنث قاله الشيخ أبو إسحاق التونسي، وقيل: من حيث حنث في البر والحنث ذكره بعض الشيوخ نصًا، وبعضهم تخريجًا، وما ذكر الشيخ أنه مخير في الحج والعمرة معناه إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور.

وقال اللخمي: إن هذا التخيير إنما يحسن في حق من هو ساكن بالمدينة أو ما قرب من مكة وهو الذين جرت عادتهم أن يأتوا مكة لكل واحد من النسكين وأما من بعد من مكة كأهل المغرب فأكثرهم لا يعرف العمرة فضلا عن أن ينويها حين النذر ومن يعرفها منهم لا يقصد إليها بسفر وإنما يسافر بسبب الحج.

(ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبًا إن نوى الصلاة في مسجديهما وإلا فلا شيء عليه، وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ماشيا ولا راكبًا

ص: 421

لصلاة نذرها وليصل بموضعه ومن نذر رباطًا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه):

اعلم رحمك الله أن مسجد المدينة أفضل ثم مكة ثم بيت المقدس على المشهور من المذهب وقيل: إن مسجد مكة أفضل من المدينة، حكاه عياض عن ابن حبيب وابن وهب ووقف الباجي في ذلك، وأكثر العلماء خارج المذهب قالوا بالقول الثاني وهو الذي اختاره ابن عبد السلام فإذا عرفت هذا فاعلم أنه اختلف المذهب إذا كان الناذر ساكنا بأحد المساجد الثلاث ونوى الصلاة بأحد المسجدين الباقين على ثلاثة أقوال، فقيل: يلزمه مطلقًا، وعكسه، وقيل: يلزمه إلا أن يكون الثاني مفضولاً وهو المشهور وهذا الأقوال الثلاثة حكاها ابن الحاجب وقال ابن هارون: القول بأنه لا يلزمه مطلقًا لم أره لغيره فتأمله وأما قول الأول فقال أبو الطاهر: وهو ظاهر المذهب.

وأما الثالث فحكاه اللخمي وكذلك مرض ابن عبد السلام نقله له فقال: لا أعلم الآن من ذهب إليه ولا أذكره إلا من إشارة المؤلف، ونص ابن الحاجب فلو كان في أحدهما والتزم الآخر لزمه على الأصح والمشهور إلا أن يكون الثاني مفضولا ففهم عنه من ذكر أن مقابل الأصح مقابله لاستغنائه بذكر المقابل عن مقابله وقال بعض شيوخنا: بل مقابله إنما هو ما صح به لعدوله عن قوله وثالثها وظاهر كلام الشيخ أيضًا أن مسجد قباء لا يلحق بالمساجد الثلاثة وهو كذلك.

وحكى عياض عن ابن أبي مسلمة أنه يلحق بها وظاهر كلام الشيخ أيضًا أن غير المساجد الثلاثة لا يلزم الذهاب إليها، وإن كان الموضع قريبًا وهو كذلك في أحد القولين، وعلى الثاني فاختلف هل يلزم مع ذلك المشي أم لا؟ في ذلك قولان وبالله التوفيق.

ص: 422