المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان - شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة - جـ ١

[ابن ناجي التنوخي]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة مختصرة للمصنف

- ‌باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره

- ‌باب ما يجب منه الوضو والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية

- ‌باب في زكاة الماشية

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

الفصل: ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

صيام يوم كامل لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كالإيمان في القسامة، وأما إن اختار الإطعام فإنه يطعم في ذلك الكسر ولا يلزمه تكميله، قال القاضي أبو محمد ولا يجوز إخراج شيء من جزاء الصيد لغير المحرم إلا الصيام، وحكى القاضي أبو إسحاق أنه يطعم حيث شاء ثم قال وقيل أنه يطعم في موضع قتله الصيد.

(والعمرة سنة مؤكدة في العمر):

ما ذكر أنها سنة هو المشهور من المذهب وقال ابن الجهم إنها واجبة وقد قدمنا الخلاف هل يكره تكريرها في العام أم لا؟ على قولين في المذهب.

(ويستحب لمن انصرف من مكة وحج أو عمرة أن يقول آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده):

إنما استحب هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوله إذا انصرف من غزو أو حج أو عمرة، ومعنى آيبون أي راجعون بالموت، تائبون أي من كل مخالفة، عابدون لله أي بما افترض علينا مما كلفنا به، لربنا حامدون ولله عز وجل على ذلك فإن الحمد حقيقة لا يكون إلا لله عز وجل ولذلك قدم المجرور المؤذن بالحصر، وصدق الله وعده لنبيه صلى الله عليه وسلم بالنصر ونصر عبده عليه السلام، وهزم الأحزاب وحده لا شريك له ولا معين ولا معاضد ولا وزير يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.

‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

وما يحرم من الأطعمة والأشربة

قال بعض شيوخنا: الأضحية اسم ما تقرب بذكاته من جذع ضأن أو ثني سائر

ص: 357

النعم سالمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار عاشر ذي الحجة وتالييه بعد صلاة الإمام عيد الأضحية وقدر زمن ذبحه لغيره ولو تحريا لغير حاضره والذبائح لقب لما يحرم بعض أفراد من الحيوان لعدم ذكاته أو سببها عنه وما يباح بها مقدورا عليه. والعقيقة ما تقرب بذكائه من جذع ضأن أو ثني سائر النعم سالمين من بين عيب مشروطا بكونه في نهار سابع ولادة آدمي حي عنهن وقال ابن الحاجب: العقيقة ذبح الولادة فأبطل طرده بذبح غير النعم وبالذبح بعد موت الولد به لولادة غير آدمي إلى غير ذلك، والصيد أخذ مباح أكله غير مقدور عليه من وحش طير أو حيوان بحر يقصد واسمًا ما أخذ إلى آخره.

(والأضحية سنة واجبة على من استطاعها):

يريد أنها سنة مؤكدة وفي حكمها ثلاثة أقوال: فقيل ما ذكر الشيخ وهو قول الأكثر كالتلقين والمعلم والمقدمات وقيل إنها واجبة وأخذه ابن يونس والباجي وغيرهما من قول ابن القاسم في المدونة من كانت له أضحية فأخرها حتى انقضت أيام النحر أثم، ورد بحمله على أنها كان أوجبها.

وقال ابن عبد السلام: يمكن أخذ الوجوب من قول المدونة الضحية واجبة على من استطاعها ورده بعض شيوخنا بأنه اغترار بلفظ التهذيب ولفظ المدونة قلت الناس عليهم كلهم الأضحية إلا الحاج قال نعم، وهو في لفظ السائل دون لفظ وجوبه، وقيل إن الأضحية مستحبة وأخذه ابن الحاجب من قوله المدونة يستحب لمن قدر أن يضحي ويرد بأن لفظها أحب إلى ولذلك قال بعض المغاربة يحتمل الوجوب والاستحباب.

وفي سماع أشهب وابن نافع روى معن: من وافق يوم عقيقة ولده يوم الأضحى ولا يملك إلا شاة واحدة عق بها، ابن رشد إن رجا الأضحية في تالييه وإلا فالأضحية لأنها آكد فقيل إنها سنة واجبة ولم يقل في العقيقة وما ذكره سبقه به اللخمي، وهل الأضحية أفضل من الصدقة بثمنها أم لا؟ فقيل بذلك وقيل بالعكس وكلاهما عن مالك حكاهما ابن رشد، والصواب أنها أفضل لأنه يلزم على القول الآخر أن تكون الأضحية نافلة ولا قائل به ولقد أحسن ابن حبيب في قوله هي أفضل من العتق وما ذكرناه من

ص: 358

الإلزام نبه عليه بعض شيوخنا، ويريد الشيخ بقوله على من استطاعها من لا يجحف به شراؤها كما صرح به ابن بشير وروى أشهب في يتيم له ثلاثون دينارا أيضحى عنه بنصف دينار ويلزم من بيده مال اليتيم أن يضحي عنه كنفقته قاله ابن حبيب.

(وأقل ما يجزئ فيها من الأسنان الجذع من الضأن وهو ابن سنة وقيل ابن ثمانية أشهر، وقيل ابن عشرة أشهر والثني من المعز وهو ما أوفى سنة ودخل في الثانية ولايجزئ في الضحايا من المعز والبقر والإبل إلا الثني والثني من البقر ما دخل في السنة الرابعة والثني من الإبل ابن ست سنين):

ظاهر كلام الشيخ أن الوحش لا يجزئ وهو كذلك بالاتفاق، واختلف إذا ضربت إناث النعم في الوحش فنقل ابن شعبان عن المذهب عدم الإجزاء واختار الإجزاء لقوله عليه السلام " كل ذات رحم فولدها بمنزلتها" ولو كانت الذكور من النعم فنقل ابن شعبان عن المذهب عدم الإجزاء، قلت والأقرب أنه يتخرج فيها الخلاف كالأولى قياسًا على أخذ الزكاة منها حسبما قدمنا أن الخلاف فيها.

وتردد خليل هل يتخرج أم لا ضعيف والقول الأول في سن الجذع قول أشهب وابن نافع وابن حبيب، والقول باعتبار ستة أشهر قاله على بن زياد وما ذكر في سن الثني هو المشهور، وقال ابن حبيب وهو ابن سنتين، وقال عيسى بن دينار هو ابن سنة حكاه ابن عات وقال عيسى عنده يرجع كما قال الشيخ لأن بنفس فراغ السنة يدخل الثانية إلا أن يريد دخولا معتبرا.

(وفحول الضأن في الضحايا أفضل من خصيانها وخصيانها أفضل من إناثها وإناثها أفضل من ذكور المعز ومن إناثها وفحول المعز أفضل من إناثها وإناث المعز أفضل من الإبل والبقر في الضحايا):

ما ذكر من أن الفحل أفضل من الخصي هو المشهور وقيل بعكسه لطيب لحم الخصي حكاه ابن بزيزة، وقيل إنهما سيان لا مزية لأحدهما على الآخر، ويريد الشيخ ما لم يكن الفحل هزيلا فإن كان فالخصي أفضل قاله ابن حبيب ولم يحك الباجي غيره، وما ذكر من أن الذكر أفضل من الأنثى من صنفه هو قول مالك في المختصر، وعنه في المبسوط أنهما سواء والقولان حكاهما اللخمي، وصرح المازري بأن المشهور الأول ولم يحك الباجي غيره ولم يتعرض الشيخ هل البقر أفضل من الإبل أو العكس واختلف في ذلك فالمشهور أن البقر أفضل وقال ابن شعبان بالعكس.

ص: 359

وقال أشهب: الأضحية لمن كان بمنى فالإبل والبقر أحب إلى من الغنم قائلاً: وإن كانت لا أرى على من بمنى أضحية وسمع أشهب وابن نافع أكره التغالي فيها أن يجد بعشرة دراهم فيشتري بمائة، قال ابن رشد لأنه يؤدي للمباهاة، وقد قال أبو أيوب كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن بيته ثم صارت مباهاة، وذلك في زمانه فكيف الآن، وقال اللخمي يستحب أن تكون من أعلى المكاسب لقوله تعالى:(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)[آل عمران: 92]

ولقوله (وفدينه بذبح عظيم)[الصافات: 107]

، وبالقياس على قوله صلى الله عليه وسلم " أفضل الرقاب أغلاها ثمنا" فرأى بعض شيوخنا أنه خلاف ما تقدم لابن رشد قائلاً إلا أن يحمل التغالي لمجرد المباهاة.

واختلف هل يجوز تسمين الضحية أم لا. فقيل إن ذلك جائز قاله الجمهور، وقال ابن شعبان إنه مكروه لمشابهة اليهود والقولان حكاهما عياض، وقال أبو محمد رواية ابن نافعالمستحب كونها بكبش عظيم سمين فحل أقرن ينظر في سواد، ويمشي فيه ويأكل فيه زاد ابن يونس عنه أملح وهو ما كان بياضه أكثر من سواده.

(وأما في الهدايا فالإبل أفضل ثم البقر ثم الضأن ثم المعز):

ما ذكره هو مذهبنا، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن الضحايا كالهدايا، وقال بعض أهل المذهب ويرد عليهما من طريق النقل والمعنى.

أما النقل فلما روي عن النبي عليه السلام " أنه كان يضحي بكبشين أقرنين" ومثل هذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما يواظب عليه، ومعلوم أنه عليه السلام إنما يواظب على الأفضل.

أما المعنى فلأنه لا خلاف أنه لا يضحي بجذع إلا من الضأن وهذا يقتضي أن لها مزية على غيرها في الضحية.

(ولا يجزئ في شيء من ذلك عوراء ولا مريضة ولا العرجاء البين ظلعها ولا العجفاء التي لا شحم فيها):

ما ذكر أنه لا يجزئ من الأربعة التي ذكرها هو كذلك باتفاق لما في الموطأ عن البراء بن عازب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عما يتقى في الضحايا فأشار بيده، وقال أربع فكان البراء يشير بيده ويقول يدي أقصر من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم العرجاء البين ظلعها والعوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعجفاء التي لا تنقي" ولا خلاف أن ما هو أشد من الأربع أنها لا تجزئ معه، واختلف في المساوي لها كقطع الأذن

ص: 360

والذنب فقيل إن عدم الإجزاء مختص بالأربع فتجزئ معه قاله جميع البغداديين منهم ابن القصار وابن الجلاب.

وذهب العراقيون أجمع وغيرهم إلى عدم الاختصاص بالأربع، وهو ظاهر المدونة، وسبب الخلاف هل يقدم العدد على القياس أم العكس قال ابن حارث واختلف إذا كان البياض على بعض الناظر فقال مالك لا تجزئ، وقال أشهب إن كان على أقله أجزأ، وقال ابن عبد السلام: ظاهر قول أشهب، إن نقص نظرها لم تجز ومرض بعض شيوخنا ما نقله عن أشهب بأنه لم يقف عليه لنقل غيره مع أنه خلاف ما تقدم لابن حارث عنه، وفي المدونة لا تجزئ التخمة، وهي البشمة لأنه مرض، وقال الباجي لا نص في المجنونة ورآه كالمرض.

وقال اللخمي إن كان لازما تجز معه وإن كان يجيء المرة بعد المرة ثم ذهب فهو خفيف.

قلت: فهم بعض أشياخي أنهما قولان وليس كذلك بل المرض على قسمين: خفيف فتجزئ وكثير فلا تجزئ فما صرح به اللخمي هو مراد الباجي والله أعلم، وما ذكر الشيخ من أن العجفاء هي التي لا شحم فيها هو أحد الأقوال الثلاثة، وبه قال ابن حبيب، وقال غيره التي لا مخ فيها، وقال ابن الجلاب لا شحم لها ولا مخ في عظامها لشدة هزالها وأما التي أقعدها الشحم فإنها لا تجزئ معه نقله أبو محمد عن سحنون.

(ويتقى فيها العيب كله):

يعني بذلك كالخرقاء والشرقاء والمقابلة والمدابرة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، قال اللخمي: الخرقاء مثقوبة الأذن والشرقاء مشقوقتها والمقابلة مقطوعة الأذن من قبل وجهها والمدابرة من قبل قفاها، وحمل ابن القصار نهيه عليه السلام على الاستحباب واعترضه الباجي قائلاً هذا مطلق والمذهب فيه تفصيل فكثير القطع يمنع الإجزاء بخلاف يسيره كالسمة، وقال ابن بشير حمل ابن القصار النهي على الاستحباب وهو قوله المتقدم بقصر الحديث على العيوب الأربعة فيتحصل من هذا أن المذهب على خلاف قول ابن القصار عن الباجي وابن بشير ولذلك اعترض ابن هارون قول ابن الحاجب، والنهي عنها بيان للإكمال على الأشهر ولو زالت سن واحدة من أسنانها فروى ابن المواز لا بأس بذلك.

وروى إسماعيل لا يضحى بها فحمله الباجي على ظاهره، وقال اللخمي محله

ص: 361

على الاستحباب لخفته، وحكي ابن بشير القولين في السن والسنين ونقل أبو محمد عن ابن حبيب إن طرحت ثنيتها ورباعيتها دون إثغار لم تجز وفهم عنه غير واحد عدم لحوق ما لا يساويها في الجمال فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال والأشهر في عدم الكل والجل عدم الإجراء.

(ولا المشقوقة الأذن أن يكون يسيرا وكذلك القطع):

هذا معطوف على قوله ولا يجزئ وأخبر في كلامه على أنه إذا كان الشق أو القطع يسيرا فإنها تجزئ وإلا فلا ولم يبين مقدارهما، وقال اللخمي قطع ما دون الثلث يسير وما فوقه كثيرا، وفي الثلث قولان فقال ابن حبيب هو كثير ومفهوم قول أبي محمد أنه يسير قال، وأما الشق فهو أيسر من القطع وشق النصف يسير، وقال المازري: رواية المتأخرين تشير إلى أن القطع والشق باعتبار الكثرة سيان ورأى بعض المتأخرين أن الشق أيسر من القطع والتفصيل المذكور الأذن هو بعينه في الذنب عند ابن رشد وقال الباجي الصحيح أن الثلث من الأذن يسير ومن الذنب كثير لأنه لحم وعصب والأذن طرف جلد ونحوه للمازري.

(ومكسورة القران إن كان يدمي فلا تجوز وإن لم يدم فذلك جائز):

ما ذكر الشيخ مثله فى المدونة وقال أشهب تجزئه وإن كانت تدمي قال بعضهم يعني إذا كان مرضها به خفيفا وقال ابن حبيب إنما هذا إذا انكسر القرن الخارج دون الداخل وتسمي العضباء، وأما إن انكسر الداخل والخارج فلا تجوز الأضحية به وإن لم يدم وتسمى العضباء والذكر أعضب، وقد " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يضحى بأعضب القرن والأذن".

(وليل الرجل ذبح أضحيته بيده بعد ذبح الإمام أو نحره يوم النحر ضحوة ومن ذبح قبل أن يذبح الإمام أو ينحر أعاد أضحيته):

ص: 362

يريد أن ذلك على طريق الاستحباب لفعله عليه السلام ذلك قال ابن المواز وليذبح له غيره من ضرورة أو ضعف ومثله لابن حبيب، فإن استناب مسلما دون عذر فإنه يجزئه وبئس ما صنع قاله ابن المواز، وفي مختصر ابن عبد السلام لا يجزئه نقله خليل وقال ابن حبيب إن وجد سعة أحب إلى أن يعيدها بنفسه.

وظاهر كلام الشيخ أن الصبي والمرأة لا يذبحان بأنفسهما بل يستنيبان غيرهما، وهو كذلك في الصبي باتفاق وفي المرأة عند ابن رشد قائلاً: الأظهر منع ذبحها إلا من ضرورة لنحره صلى الله عليه وسلم في الحج عن أزواجه، وروى ابن المواز واختار أن تلي المرأة ذبح أضحيتها بيدها وكان أبو موسى يأمر بناته بذلك.

واختلف إذا استناب كتابيا فقيل لا تجزئه قاله في المدونة وقيل تجزئه قاله أشهب، ولو استناب من يضيع الصلاة فقيل تجزئه وقيل لا تجزئه وهما جاريان على فسقه أو كفره إن مات، واستحب اللخمي أن تعاد على الخلاف واختلف إذا نواها المأمور عن نفسه على ثلاثة أقوال: فقيل تجزئ بها قال أشهب وابن نافع وقيل تجزئ الذابح قاله أصبغ قائلاً ويضمن قيمتها وقيل: لا تجزئ واحداً منهما قاله فضل وصوب ابن رشد الأول بأن المعتبر نية ربها كالموضيء لأن نية الذابح كالماضئ ورده ابن عبد السلام بأن شرط النائب في الذكاة صحت ذكاته بدليل منع كونه مجوسيا فنيته إذا مطلوبة فإذا نواها لنفسه لم تجز ربها والموضىء لا تطلب منه نية دليل صحة كونه جنبا، وأجيب بأن الكلام في نية التقرب لا نية الذكاة.

ص: 364

(ومن لا إمام لهم فليتحروا صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه ومن ضحي بليل أو أهدى لم يجزه):

وما ذكر مثله في المدونة وظاهرها كان الإمام الذي يليهم قدمه الخلفية أم لا فإذا عرفت هذا فأعلم أنه أخذ منها أن المعتبر إمام الصلاة وبه قال ابن رشد، وقال اللخمي: المعتبر الخليفة ومن يقوم مقامه، وقال البوني: الإمام المعتبر ذبحه الذي يقيم الحدود والجمعة والأعياد فظاهره أنه ثالث وكذلك فهمه خليل على ظاهر كلامه، وأشار اللخمي إلى أن المتغلبين لا يعتبرون، وقال ابن عبد السلام: فيما قال نظر لنصوص أهل المذهب بتنفيذ أحكامهم وأحكام قضاتهم، ورآه بعض شيوخنا للضرورة إذ لا يمكن غير ذلك ولا ضرورة هنا لأنه يمكن تحري وقت الإمام غير المتغلب فإن تحروا فأخطئوا، فقيل لا تجزئهم قاله مالك من رواية أشهب، وقيل تجزئهم قال في المدونة، وهو المشهور ولا يعارض قوله هنا بقولها من تحرى الفجر فإذا هو صلى قبل الفجر أعاد وبقوله من أخطأ القبلة أعاد في الوقت لمشقة إعادة الأضحية ويسر إعادة الصلاة ولا يقال الفرق بين الأضحية والفجر هو أنه في الأضحية مأمور بالتحري على ظاهر قول الشيخ فليتحروا صلاته بخلاف الفجر فإن المصلي مأمور بالتربص حتى لا يشك لأن ذلك ينتقض بمن أخطأ القبلة مع أنه غير مأمور بالتربص.

(وأيام النحر ثلاثة يذبح فيها أو ينحر إلى غروب الشمس من آخرها وأفضل أيام النحر أولها):

ما ذكر هو مذهبنا وقال الشافعي أيام النحر أربعة وبه قال عمر بن عبد العزيز والحسن وحكي عن الحسن أيضًا أنه كان يقول الشهر كله إلى غير ذلك من الأقوال.

(ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى الزوال فقد قال بعض أهل العلم يستحب أن يصير إلى ضحى اليوم الثاني):

يريد وكذلك إذا فاته الذبح في اليوم الثاني فإنه يستحب تربصه إلى ضحى اليوم الثالث وهذا القول رواه ابن حبيب عن مالك وفي كتاب ابن المواز عن مالك أن اليوم الأول كله أفضل من الثاني والثاني كله أفضل من الثالث، وأنكر الشيخ أبو الحسن القابسي رواية ابن حبيب قائلاً الذي عند ابن المواز أحسن منه وهو المعروف، وقال ابن الحاجب: وفي أفضلية ما بعد الزوال على أولية ما بعده قولان، واعترض بأن كلامه موهم بأن القول الثاني بالمواساة وموهم أيضًا بأن الخلاف إنما هو في اليوم الثاني لا في

ص: 365

اليومين معًا ولا قائل به.

قال الفاكهاني: وقول الشيخ ومن فاته الذبح في اليوم الأول إلى آخره ظاهره أن الخلاف خارج المذهب لأن هذه العبارة في الغالب والاصطلاح لا تكون إلا خارج المذهب كقوله في كتاب الجنائز وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، وكذلك قولهم أن النافلة في قول بعض العلماء أربع نحو ذلك، وليس الأمر هنا كذلك بل القولان منقولان في المذهب ذكرهما ابن رشد وابن بشير وغيرهما فليت شعري لم آتي بهذه العبارة الموهمة مع إمكان غيرها على جري عادته في جزالة لفظه وفصيح عبارته.

قلت: ليس في كلامه إيهام لأنه إذا عبر ببعض العلماء أراد به ابن حبيب حيثما وقع له حسبما قاله التادلي عند قول الشيخ، وأرخص بعض العلماء في القراءة، وكذلك هو قول ابن حبيب هنا عزاه اللخمي له، والقول الآخر لابن المواز لا لروايتهما.

واختلف هل يراعى النهار في اليومين أم لا؟ فقيل بمراعاته وهو المشهور وروى عن مالك إن ذبح ليلا أنه يجزئه حكاه ابن القصار وبه قال أشهب في احد قوليه وعلى الأول فهل يراعى قدر الصلاة فيهما أم لا؟ فقال ابن المواز لا يراعي ذلك، ولكن إذا ارتفعت الشمس وحانت الصلاة ولو فعل ذلك بعد الفجر أجرأه كذا نقله ابن يونس وحكاه الباجي من رواية ابن حبيب عن مالك، ونقله اللخمي عن أصبغ، وقال ابن بشير: المشهور مراعاة الصلاة، والشاذ يجزئ من ذبح بعد الفجر، واعترضه بعض شيوخنا بأن ظاهره عدم الإجزاء على المشهور وهو خلاف نص الروايات.

(ولا يباع شيء من الأضحية جلد ولا غيره):

ظاهر كلام الشيخ ولو كان المبيع صوفا أو شعرا وهو كذلك قاله في المدونة، وظاهر كلامه وإن كان تصدق بذلك على مساكين أو وهبه لرجل فإنه لا يجوز بيعه للمسكين ولموهوب له كالمضحي وكالوارث قاله مالك في كتاب ابن المواز، وقيل يجوز كالصدقة على الفقير، وكالزكاة إذا بلغت محلها، وهو قول أصبغ في كتاب ابن حبيب وإليه مال ابن رشد، واعترض عن سماع ابن القاسم إذا وهب رجل جلد أضحيته لخادمه أنه لا يباع لوجهين وهما قدرته على الانتزاع والحجر عليها فكأنه هو المتولي بيعه، واضطرب من كان معارضا لابن عبد السلام فيها حتى ألف بعضهم على بعض، واختلف الشيوخ من التونسيين المتأخرين أيضًا هل يعطى منها القابلة والفران والكواش

ص: 366

فمنعه بعضهم وأجازه بعضهم، والصواب عندي أن يكون خلافهم خلافًا في حال، ويقوم من كلام الشيخ أن الحرارة البونية لا يجوز بيعها إذا وجدت في الأضحية لعدم نهيه عن البيع.

وبه أفتى غير واحد من التونسيين كالشيخ أبي القاسم الغبريني رحمه الله، وظاهر كلام الشيخ أنه لو عمل شيء من صوف الأضحية مع غيره ونسج فإنه لا يباع ولو كان صوف الأضحية قليلاً وقال التادلي: إذا كان تبعًا فإنه يباع ولم يحك غيره مستدلاً بالسيف المحلى.

قلت: ويراد استدلاله بأن بيع الأضحية ممنوع لذاته بدليل أن يبعه منفردا لا يجوز، وبيع المحلي إنما هو لعارض بدليل جواز حالة الانفراد فلا يلزم من جوازه في السيف جوازه في الأضحية والله أعلم.

والجاري على المذهب هنا الأول وقد روى ابن القاسم كراهة دهن الخراز النعال بشحم أضحيته قال ابن رشد لأن للشحم حصة من ثمن النعال فتعليله يقتضي أنه حمل الكراهة على التحريم، وقد علمت أنه لا يصير له من الثمن إلا شيء يسير.

قاله ابن شاس وإجارة الجلد كالبيع فلا يجوز خلافًا السحنون قلت وفيما قاله نظر إذ لم يحك أبو محمد في نوادره ولا الباجي ولا ابن يونس غير ما قاله بعض شيوخنا واختلف إذا وقع بيع شيء من الأضحية وفات على ثلاثة أقوال، فقال ابن القاسم وابن حبيب يتصدق الثمن، وقال سحنون يجعل ثمن الجلد في ماعون أو طعام وثمن اللحم في طعام، وقال محمد بن عبد الحكم يصنع به ما شاء، قال الباجي يحتمل أن يكون كمذهب أبي حنيفة القائل بجواز بيع الأضحية بما سوى الدراهم قال والأظهر أنه يمنع البيع ابتداء ولكن إذا فات يصنع به ما شاء.

(وتوجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة):

المطلوب أن توجه الذبيحة عند الذبح إلى القبلة كما قال ويستحب أن يضجعها على الجنب الأيسر ولا يضرب بها الأرض ويوضح محل الذبح ولو كان أعسر فإنه يضجعها على شقها الأيمن لضرورة رواه ابن القاسم، وقال ابن حبيب يكره له أن يذبح فإن ذبح واستكمن أكلت وكره مالك ذبح الطير وهو قائم فإن فعل أكل إن أصاب وجه الذبح، قال ابن المواز ولا يجعل رجله على عنقها قال ابن عبد السلام، وفيه نظر لما صحيح مسلم عن أنس قال " ضحي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين

ص: 367

أقرنين ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحيهما.

واختلف هل يستخف ذبح شاة وأخرى تنظر أم لا فقيل إنه لخفيف قاله مالك واحتج بنحر البدن مصطفة وقال ابن حبيب إنه مكروه قائلاً: بأنه في البدن سنة.

والقولان حكاهما ابن رشد، والمطلوب في الإبل أن تنحر قائمة معقولة ولا خلاف أن من ترك الاستقبال ساهيا أو جاهلا أنها تؤكل واختلف إذا فعل ذلك عامدا على ثلاثة أقوال: فقيل تؤكل وبئس ما صنع قاله في المدونة وقيل: لا تؤكل قاله ابن حبيب وقيل: يستحب ترك أكلها قاله ابن المواز.

(وليقل الذابح باسم الله والله أكبر، وإن زاد في الأضحية ربنا تقبل منا فلا بأس بذلك):

ما ذكر الشيخ مثله في المدونة لا يقال يحتمل أن يكون باسم الله من قول الشيخ وفي المدونة والمراد أن يقول بسم الله الرحمن الرحيم بل المراد أنه يقتصر على ذلك فقط وعليه حمل الفاكهاني المذهب معبرا عنه، بقوله: قالوا: لا يقل بسم الرحمن الرحيم، قال التادلي: وإليه ذهب صاحب الحلل محتجا بأنه لو عمل بمقتضى قوله الرحمن الرحيم لتركها ولم يذبحها، قال ومثله لابن العربي وزاد أن أعرابيا سمع صبيا يقرأ آية

ص: 368

السرقة فقال: نكالا من الله والله غفور رحيم فقال قل والله عزيز حكيم، قال ولقائل أن يقول أنه يصرف معنى الرحمة إلى نفسه لكونه جعله ذابحًا لغيره، واعلم أنه لا خصوصية لهذا اللفظ بل إذا قال غيره من سائر الأذكار فإنه يجزئه نص على ذلك ابن حبيب، وقال: إن قال: باسم الله، والله أكبر ولا إله إلا الله وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه يكفيه عن التسمية، ولكن ما مضي عليه العمل أحسن وهو باسم الله والله أكبر زاد في الدونة على ما قال الشيخ وليس بموضع صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر لا إله إلا الله، وأنكر مالك قولهم اللهم منك وإليك قاله هذه بدعة.

وقال ابن شعبان: حسن أن يقول على ما يتقرب به من هدي أو نسك أو أضحية أو عقيقة: ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ولا بأس بقوله اللهم منك العطاء وإليك النسك وإليك تقربت وسمع ابن القاسم كراهة قوله صلى الله على محمد رسول الله ونحوه ما تقدم للمدونة، وأجازه ابن حبيب وصوبه ابن رشد.

(ومن نسي التسمية في ذبح أضحية أو غيرها فإنها تؤكل وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد ولا يباع من الأضحية والعقيقة والنسك لحم ولا جلد ولا ودك ولا عصب ولا غير ذلك):

ما ذكر من أن من ترك التسمية سهوًا أنها تؤكل هو كذلك باتفاق قاله ابن حارث وغيره، وما ذكر من أنها لا تؤكل في العمد، وظاهره التحريم وهي رواية ابن مزين عن عيسى وأصبغ، وقال مالك: لا تؤكل فحمله بعض الشيوخ على التحريم، وحمله ابن الجهم والأبهري وغيرهما على الكراهة، وقيل إن أكلها جائز قاله أشهب، قال عياض في الإكمال: وحكاها الخطابي عن مالك فيتحصل في أكلها مع العمد ثلاثة أقوال: وكل هذا في غير المتهاون وأما المتهاون فلا خلاف أنها لا تؤكل تحريما قاله ابن الحارث وابن بشير وقال ابن الحاجب: فإن تركها عامدا متهاونا أو غير متهاون ولم تؤكل على المعروف فظاهرة أن الخلاف فيه كغيره.

ويظهر من كلام غير واحد أن القول بالكراهة فيه موجود كغير المتهاون، قال بعض شيوخنا: والمتهاون هو الذي يتكرر ذلك منه كثيرًا، قال ابن بشير: وحكم التسمية قيل: هي سنة والخلاف على ترك السنة عمدًا، وقيل: واجبة مع الذكر ساقطة مع العجز والنسيان، قلت: والقول الأخير هو الذي يعرج عليه شيوخنا في درسهم ويذكرون لها نظائر كالنجاسة والموالاة والترتيب ووجوب الكفارة على المفطر في رمضان وترتيب الحاضرتين.

ص: 369

(ويأكل الرجل من أضحيته ويتصدق منها أفضل له وليس بواجب عليه، ولا يأكل من فدية الأذى وجزاء الصيد ونذر المساكين وما عطب من هدي تطوع قبل محله ويأكل مما سوى ذلك إن شاء):

ظاهر كلام الشيخ أن الجميع بين الأكل والصدقة أفضل من الصدقة بها جملة فأحرى أكلها وهو كذلك عند ابن حبيب وعزاه عياض لروايته لا لقوله، وقال ابن المواز: الصدقة بجميعها أفضل للأجر، واختلف هل يطعم منها النصراني والنصرانية، قال ابن القاسم كان مالك يجيزه ثم رجع عنه وما يعجبني أن يطعم منهم إلا من كان في عياله فأما أن يهدي لهم فلا يعجبني وما ذكر الشيخ أن الصدقة ليست بواجبة هو كذلك اتفاقًا وإنما هي مستحبة.

واختلف في مقدارها على أربعة أقوال: فقال ابن حبيب: ليس في ذلك حد، وقال ابن الجلاب: لو قيل إنه يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لكان حسنا وقيل محدودة بالثلث، وقيل: بالنصف كلاهما حكاه ابن الحاجب، ونصه في تحديد الصدقة استحبابًا ثلاثة الثلث والنصف والمشهور نفي التحديد وقبلهما ابن عبد السلام وقال ابن هارون: ما علمت من نقلهما غيره، وقال خليل: تصور كلامهم ظاهر فالعجب منه حيث لم يذكر كلام ابن هارون والقول بالنصف حكاه عياض في الإكمال ونصه لا حد له عند مالك وأكثرهم بل يتصدق بما شاء ويأكل ما شاء ويطعم ما شاء، واستحب الشافعي الصدقة بالثلث، واختار بعض شيوخنا وغيرهم الصدقة بالأكثر، وأكل الثلث فأقل واستحب آخرون الصدقة بالنصف ففهم بعض من لقيناه أنه مذهبى لقرينة القول الذي قبله يليه.

(والذكاة قطع الحلقوم والأوداج ولا يجزئ أقل من ذلك):

ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وتمام الذبح فري الأوداج والحلقوم، وظاهر كلامه لو بقي يسير من الأوداج فإنها لا تؤكل كذلك قاله سحنون وابن شعبان، وقال ابن محرز: لا تحرم بذلك واختلف إذا ترك أحد الودجين على قولين لمالك حكاهما عياض ونص في المدونة على أنه إذا ترك الحلقوم لا تؤكل وخرج اللخمي رحمه الله قولاً بأكلها من قول المدونة إن أدرك الصيد منفوذ المقاتل استحب أن تفرى أوداجه فإن أفراها الجارح فقد فرغ من ذكائه ومن رواية المبسوط لا بأس بذبيحة سقطت بماء بعد قطع ودجيها من القول يأكل المغلصمة، وأجيب عن الأول بأن المراد من الذكاة هي

ص: 370

ذكاة الصيد ويكفي منها إنفاذ المقاتل وقطع الودجين أحد المقاتل فيكفي إلا أن يقال قطعه ما فوق الجوزة يتنزل منزلة القطع في الحلقوم لاتصاله بالحلقوم فلا يلزم عليه الاكتفاء بالودجين خاصة قاله ابن عبد السلام، وهذا هو الجواب عن رواية المبسوط وأما الثالث فلا يلزم وأيضًا فمن البعيد أن يفري الكلب أو السهم مجموع الودجين مع سلامة الحلقوم فلعله إنما اكتفى بقطعها لاستلزامه قطع الحلقوم، وعلى المنصوص فاختلف إذا قطع نصف الحلقوم أو الثلثان فقيل: إنه كقطع الكل قاله ابن القاسم في الدجاج والعصفور والحمام.

وقال سحنون: لا يؤكل، وقال ابن عبد السلام: خصص بعض من لقيته قول ابن القاسم بالطير لصعوبته قلت: ورده بعض شيوخنا بنقل أبي محمد عبد ابن حبيب مطلقًا، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط قطع المريء وهو كذلك على المشهور وقيل: إنه يشترط عزاه اللخمي لرواية أبي تمام وعزاه ابن زرقون لقوله وعزاه عياض لرواية البغداديين، وقول الباجي لا أعلم من اعتبره غيره الشافعي قصور، وظاهر كلام الشيخ أن النحر يشترط فيه قطع الودجين معًا لقوله الذكاة قطع الحلقوم والأوداج.

وقال ابن عبد السلام: ظاهر كلام اللخمي أنه شرط في أول كلامه قطع ودج واحد وفي آخره قطع الودجين معًا فأشار إلى أنه اختلاف من قوله قلت، وقال ابن رشد: النحر لا يشترط فيه قطع شيء من الحلقوم ولا من الودجين لأن محله اللبة وهو محل تصل منه الآلة إلى القلب فتموت بسرعة.

(وإن رفع يده بعد قطع بعض ذلك ثم أعاد يده فأجهز فلا تؤكل):

ظاهر كلامه سواء طال أم لا وهو كذلك إذا طال باتفاق واختلف إذا كان قريبا على خمسة أقوال: فقيل تؤكل قاله ابن حبيب وقيل: تكره نقله ابن وضاح عن سحنون وقيل لا تؤكل تحريما على ظاهر كلام الشيخ، وقال سحنون أيضًا: وتأول ابن وضاح عليه إن رفع يده كالمختبر أكلت وإن كان يعتقد التمام فلا تؤكل وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: لو عكس هذا الجواب لكان أصوب لقولهم فيمن سلم من اثنتين معتقدا التمام أنه لا يضر ذلك، ويتم باقي صلاته ولو سلم على شك أبطل صلاته قال: وعرضت هذا على الشيخ أبي الحسن القابسي فصوبه. وكل هذا إذا بلغت مبلغا لا تعيش معه.

قال التونسي: وانظر لو غلبته قبل تمام الذكاة فقامت ثم أضجعها وأتم الذكاة وكان أمدا قريبًا هل تؤكل على ما مر أم لا؟ فقال أبو حفص العطار تؤكل لأنه معذور

ص: 371

ولم يقيد بالقرب ولا بالبعد، ونزلت بتونس أيام قضاء ابن قداح في ثور فحكم بأكله وبيان بائعه ذلك، وكانت مسافة هروبه نحوا من ثلاثمائة باع، واختلف في أكل المغلصمة على أربعة أقوال:

فقيل: يحرم أكلها قاله ابن القاسم وأشهب وغيرها وبه كان بعض من لقيناه من القرويين يفتي وهو شيخنا أبو محمد الشبيبي رحمه الله، قال التلمساني: وهو المشهور وقيل: أكلها جائز قاله ابن وهب وابن عبد الحكم وغيرهما وبه الفتوى عندنا بتونس منذ مائه عام مع البيان في البيع، وقيل يكره أكلها حكاه ابن بشير ولم يسم قائله وقيل يأكلها الفقير دون الغني قاله بعض القرويين وأفتى به ابن عبد السلام وليس بسديد.

ولو استؤجر جزار على ذبح شاة فغلصمها فحكي ابن يونس عن بعض شيوخه أنه يضمنها على القول الأول ولا يضمنها على القول الثاني، قلت: وهو مشكل من وجهين.

أحدهما: أن القاعدة عندنا أن كل من فعل مأذونا له فيه فإنه لا يضمن إلا أن يفرط كثاقب اللؤلؤ، ومن استؤجر على نقل جرار، الثاني على تسليم ما قال فالمناسب أن يلزمه قيمة العيب على القول الثاني: لأنه عيبها عليه للخلاف في أكلها.

(وإن تمادى حتى قطع الرأس فقد أساء ولتؤكل):

يعني بقوله تمادى عامدا يدل عليه قوله فقد أساء وإن كانت تؤكل مع العمد فأحرى مع النسيان وغلبة السكين، وما ذكره هو قول ابن القاسم وأصبغ، ولو تعمد ذلك ابتداء وهو أحد التأولين عن مالك، فقيل بمقابله: لا تؤكل مطلقًا قاله ابن نافع، وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إن تعمد ذلك ابتداء فإنها لا تؤكل لأنه كالعابث بالذكاة حين ترك سنة الذبح، فإن ترامت يده بعد الذكاة فإنها تؤكل وتأول على قول مالك في المدونة فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال ذكرها ابن عبد السلام قائلاً: والأخير منها هو أقرب إلى الصواب واعلم أن لهذه المسألة نظائر منها من غسل رأسه في الوضوء بدلا من مسحه، ومنها من بجبهته قروح تمنعه من السجود فسجد على أنفه ولم يقتصر على الإيماء، وليست منها من وجبت عليه شاة فأخرج عنها بعيرا لعدم المجانسة وإن كان فيها خلاف.

ص: 372

(ومن ذبح من القفا لم تؤكل):

لا خصوصية لقوله من القفا بل وكذلك إذا ذبح من صفحة العنق ولا أعلم فيه خلافًا في المذهب قالوا لأنه نخعها قبل تمام الذبح، قلت ويتخرج على القول بأن منفوذة المقاتل تعمل فيها الذكاة أن تؤكل إذا تحققت حياتها بعد نخعها ولذلك قال كثير من أهل العلم أنها تؤكل، ولو قطع الحلقوم وعسر مرور السكين على الودجين لعدم حد السكين فقلبها وقطع الأوداج من داخل لم تؤكل قاله سحنون وهو المذهب، وتردد بعض شيوخنا في أكلها إذا كانت السكين حادة قائلاً الأحواط عدم أكلها، وأفتى الشيخ أبو القاسم الغبريني رحمه الله في مسألة سحنون في زمان شدة بالأكل قائلاً مراعاة لقول من قال من العلماء بأكلها إذا ذبحت من القفا.

(والبقر تذبح فإن نحرت أكلت):

يعني أن المستحب في البقر الذبح ويجوز نحرها ابتداء على أن الظاهر كلامه لا يفي بذلك لأنه إنما تكلم على ذبحها بعد الوقوع ولكن مراده ما قلناه لأن الذبح جاء بالقرآن قال الله تعالى (أن تذبحوا بقرة)[البقرة: 67]

والنحر بالسنة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نحرها عن نسائه فاستحب الذبح لأنه الذكاة المذكورة في القرآن كترجيح اسم العشاء على العتمة وما ذكرناه هو نص المدونة وروى إسماعيل بن أبي أويس من نحر البقرة بئس ما صنع، قال الباجي والخليل في الذكاة كالبقر يريد وكذلك البغال على القول بأن أكلها مكروه والحمير على القول بذلك، أو بالإباحة والقول بالإباحة فيها حكاه النووي عن مالك فذكر عن ثلاث روايات ولا أعرفه لغيره.

(والإبل تنحر فإن ذبحت لم تؤكل وقد اختلف في أكلها):

ولا خلاف أن المطلوب في الإبل النحر فقط قال الشيخ أبو بكر الأبهري: وكذلك الفيل ينحر إذا أريد الانتفاع بجلده وعظمه، قال الباجي وإنما خصصه مع قصر عنقه لأنه لا يمكن ذبحه لغلظ موضع الذبح واتصاله بجسمه وله منحر فوجب أن تكون ذكاته فيه، واختلف المذهب إذا ذبحت الإبل على قولين فقيل: لا تؤكل قاله في المدونة، وقيل: تؤكل قاله أشهب وابن مسلمة وعلى الأول فحمله ابن حبيب على التحريم وحمله غيره على الكراهة فإن كانت ضرورة فلا خلاف في أكلها.

واختلف في الضرورة ما هي فظاهر قول الأكثر وقوعه فيما هو آت فقط، وقال ابن رشد عدم آلة النحر ضرورة تبيح ذبحه وكذلك العكس وقيل الجهل في ذلك

ص: 373

ضرورة، واختلف إذا وقع في مهواة ولم يمكن نحره ولا ذبحه ففي المدونة: لا يؤكل بالطعن وهو المشهور، وقال ابن حبيب: يجوز أكله وهو قول أهل العراق، وربما أفتى به بعض من لقيناه.

(والغنم تذبح فإن نحرت لم تؤكل وقد اختلف أيضًا في ذلك):

لا خصوصية لقوله والغنم تذبح بل وكذلك غير الإبل والبقر والخلاف في أكلها إذا نحرت كما سبق.

(وذكاة ما في البطن ذكاة أمه إذا تم خلقه ونبت شعره):

يريد بتمام خلقته أنه كمل خلقه ولو خلق ناقص يد أو رجل فإنه لا يمنع نقصه من تمامه نص على ذلك الابجي وهذا الشرط اختلف فيه، ونقل ابن العربي فقال في القبس قال مالك: إذا لم تتم خلقته فهو كعضو منها ولا يزكي العضو مرتين، ونقل في العارضة عن مالك مثل نقل الجماعة واختار هو لنفسه ما تقدم وعدول الشيخ عن أن يقول وكمل شعره إلى قوله، ونبت شعره يدل على أنه لا يشترط في الإنبات بعض الشعر، وهو كذلك نعم اختلف هل يؤكل بنبات أشفار عينيه أم لا؟ فقال بعض شيوخنا ظاهر الروايات وأقوال الشيوخ أنه لا يؤكل بذلك وإنما المعتبر شعر جسده، وذهب بعض أهل العصر إلى جواز أكله بذلك واختلف في أكل مشيمته على ثلاثة أقوال، فقيل إنها تؤكل نقله ابن رشد عن سماع عيسى من كتاب الصلاة قال السلا هو

ص: 374

وعاء الولد وهو كلحم الناقة المذكرة وقيل: لا يؤكل به.

وبه أفتى عبد الحميد الصائغ وقيل: تبع للولد بحيث يؤكل وإلا فلا قاله بعض المتأخرين المذكرة من التونسيين وهذا الذي ذكرناه إنما هو إذا خرج ميتا وأما إذا خرج الجنين حيا فإن رجيت له حياه لو بقي، ففي المدونة عن مالك لا يؤكل إلا بذكاة تخصه شرط في أكله قاله عيسى بن دينار في نقله ابن رشد ونقل عبد الباجي أحب إلي أن لا يؤكل إلا بذكاة قال ونحوه روى محمد وابن وهب، وزاد في روايته فإن سبقهم بنفسه كره أكله، وقال ابن عبد الغفور في استفتائه عن ابن كنانة أنه إن استخرج حيا، ومثله لا يعيش لو ترك لم يحل ولو ذكي ونحوه لابن القاسم، قال بعض شيوخنا إن رد بأن حياته إن ألغيت كفت فيه ذكاة أمه وإلا كفت ذكاته أجيب بمنع لزوم كفاية ذكاته كمنفوذ مقتله ضرورة لا يعيش.

(المنخنقة بحبل ونحوه والموقوذة بعصا وشبهها والتردية والنطيحة وأكيلة السبع إن بلغ ذلك منها مبلغا لا تعيش معه تؤكل بذكاة):

ظاهر كلام الشيخ سواء أنفذت المقاتل أم لا فأما إن لم تنفذ ففي ذلك قولان منصوصان، فقيل تؤكل قاله مالك وابن القاسم وقيل لا تؤكل، وكذلك الخلاف إذا شك في حياتها وأما إن أنفذت المقاتل ففي ذلك ثلاثة طرق، وقال الباجي زكاتها لغو اتفافًا.

وقال ابن رشد لا تنفع زكاتها على المنصوص ويتخرج اعتبارها من سماع أبي زيد عن ابن القاسم من أجهز على من أنفذ مقاتله غيره فإنه يقتل به ويعاقب الأول فقط قال: والصواب رواية سحنون وعيسى عنه عكسه ومن الشيوخ من رد تخريج ابن رشد هذا الاحتمال أن يكون قتل الثاني إنما هو من باب حقن الدماء لئلا يتجرأ عليها بخلاف الحيوان البهيمي، وهذا الرد نقله ابن عبد السلام وسلمه وهو عنده ضعيف لأنه لو كان كما قال لزم قتلها معًا والله أعلم.

وقال اللخمي إن كان إنفاذها بموضع الذكاة، وذلك فري الأوداج لم تؤكل وإلا فقولان وفي المدونة لمالك لا تؤكل مقطوعة النخاج ولابن القاسم كل منتثرة الحشوة قال ابن عبد السلام: ومن أهل المذهب من ينسب القول بالتذكية لابن وهب غيره وصوب ابن وهب قول المدونة إن منفوذه المقاتل لا تعمل فيها الذكاة قائلاً لأنها ميتة ألا ترى أن الإنسان لو أصيب بذلك لورث وإن لم تزهق نفسه وإن مات له ابن حينئذ لم يرث منه لأنه ابن الابن قد ورثه، وذكر اللخمي هذا عن ابن القاسم إذا ذبح الأب

ص: 375

قال وإن أنفذت مقاتله ولم يذبح ورث هو ابنه ومثله حكي التونسي عن ابن القاسم.

واعلم أن المقاتل خمسة: انقطاع النخاع وانتثار الدماغ وقطع الأوداج وخرق المصران الأعلى وانتثار الحشوة ونص عبد الحق على أن قطع الودج الواحد مقتل ونص محمد على أن قطع بعض الأوداج كاف، وأفتى ابن زرقون بجواز أكل ثور وجد كرشه بعد ذبحه مثقوبًا وأفتى ابن حمد بعكسه وصوب الأول والكلام في هذا الفصل متسع جدًا ومحله المدونة ولولا الإطالة لذكرناه.

(ولا بأس للمضطر أن يأكل الميتة ويشبع ويزود فإن استغني عنها طرحها):

قال التادلي: يؤخذ منه أن الحرام إذا غلب وتعذر تحصيل الحلال أنه لا يمنع من الأكل منه، واعلم أن القول الشيخ لا بأس نفي لما يتوهم وإلا فالواجب أكله منها إجماعا، وما ذكر من أنه يشبع هو قول سحنون، وأكثر أهل المذهب، وقال ابن حبيب وابن الماجشون وأبوه وحكاه ابن المواز وعبد الوهاب عن مالك لا يأكل منها إلا ما يسد به رمقه خاصة نقله عياض، قلت: وهو الذي تركن النفس إليه ومثل هذا الاختلاف اختلف سحنون وابن حبيب أيضًا فيمن أفطر في رمضان لضرورة هل يباح له الأكل في بقية يومه أم لا، ويقرب منه اختلافهم فيمن يباح له أخذ الزكاة فقيل بجواز إعطاء ما يغنيه نصابًا فأكثر قاله مالك وقيل: يمنع أن يعطي النصاب قاله عبد الملك والقولان حكاهما ابن الجلاب.

ونقل ابن رشد عن المغيرة مثل قول عبد الملك ولم يحك غيره، وقال اللخمي بعد أن ذكر الخلاف في إعطاء النصاب: الصواب أنه يعطي قدر كفايته لوقت خروجها، ويريد الشيخ ما لم تكن ميتة آدمي فإنه لا تؤكل يدل عليه قوله بعد ولا بأس بالانتفاع يجلدها إذ دبغ وإليه ذهب ابن القصار وتبعه عبد الحق وغيره، وظاهر كلامه أنه يأكل الميتة وإن كان ملتبسا بمعصية وهو كذلك، وقال ابن الجلاب لا يأكل حتى يفارقها وروي عن مالك، ومثله لابن العربي قائلاً ما أظن أحدا يقول بإباحة الأكل فإن قاله أحد فهو خطأ قطعا، واختار ابن يونس الأول بعد أن ذكر الثاني لابن حبيب ووجهه بأنه قد توجه عليه فرضان، النزع عن المعصية وإحياء النفس فإن فعلهما فهو المراد وإن أراد أن يفعل أحدهما لم يؤمر بتركه من أجل أنه لم يفعل، الآخر كمن يشرب الخمر ويزني ويرد بأن الشرب والزنا منفكان فحالة تلبسه بالزنا غير ملتبس بالشرب بخلاف أكله الميتة وهو عاص، ولو وجد ميتة وخنزيرا فإنه يأكل ويزكي

ص: 376

المضطر الخنزير استحبابا نقله الفاكهاني عن بعض شيوخه.

وقال النووي في روضته يجوز في الاضطرار قتل الآدمي الذي لا حرمه له وأكله كالمرتد والحربي والزاني المحسن وتاريك الصلاة قال لو أراد المضطر أكل قطعة من لحمه فإن لحقه من الخوف في قطعها ما لحقه من الخوف بالجوع أو أشد منع وإلا جاز على الأصح.

(ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ):

ظاهر كلامه أن الدبغ يفيد في جلد كل ميتة حتى الخنزير وبه قال سحنون وابن عبد الحكم وهو أحد الأقوال الخمسة، وقال ابن وهب مثله إلا الخنزير وقيل إلا الخنزير والدواب وأخذه ابن رشد من المدونة من قولها ولا يصلي على جلد حمار وإن زكي، وقيل لا يطهر بالدبغ إلا المأكول وقيل إلا الأنعام وعزا ابن رشد الأول من هذين القولين لمفهوم سماع أشهب وابن نافع، والثاني لصريح سماعها وظاهر كلام الشيخ أنه لا ينتفع بالجلد قبل أن يدبغ وهو كذلك في المشهور، وحكي ابن رشد عن ابن وهب وظاهر سماع ابن القاسم أنه ينتفع به وزعم ابن حارث الاتفاق على الأول، وظاهر كلامه أيضًا أن طهارته عامة في المائعات وغيره، وهو كذلك عند سحنون وغيره وقيل: إن طهارته مقيده باليابسات والماء وحده من المائعات لأن الماء يدفع عن نفسه.

وهذا القول هو المشهور، وقال ابن حارث اتفقوا على جواز الجلوس والطحن عليه، قلت ما ذكر من الجلوس عليه هو نص المدونة في كتاب الغصب قال فيها وكره مالك بيع جلود الميتة والصلاة فيها أو عليها دبغت أم لا، لكن إذا دبغت جاز الجلوس عليها وتفترش وتمتهن للمنافع ويقوم منها جواز الجلوس على ثوب الحرير وهو قول عبد الملك بن الماجسون والمشهور لا يجوز، وما ذكر في الطحن اتقاه بعض المتأخرين خوف تحلل شيء منه في الدقيق، وكان بعض من لقيته يقتبس جوازه من قول المدونة السابق وهو قولها: وتفرش وتمتهن للمنافع وكنت أجيب بأن الطحن أشد لما ذكر. واعلم أن الدبغ هو ما يزيل شعره وريحه ودسمه، ورطوبته نص عليه الباجي.

(ولا يصلي عليه ولا يباع):

أما ما ذكر من أنه لا يصلى عليه فهو المشهور، وأما ما ذكر من أنه لا يباع فظاهره وإن دبغ وهو كذلك في نقل الأكثر وقيل: يجوز مطلقاً وقيل: إن دبغ جاز وإلا فلا.

ص: 377

(ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها):

ما ذكر من الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت هو كذلك، وبالجملة أن كل مزكي الحكم فيه كذلك على المشهور، وقال في المدونة: ولا يصلى على جلد حمار وإن زكي، فرأي ابن الحاجب أنه مناقض لقولهم في المشهور أن المزكي طاهر وإن لم يدبغ وما ذكر من جواز البيع مثله في المدونة وقيل لا تعمل الزكاة فيه ولا يطهر بالدبغ حسبما تقدم في نقل ابن رشد وعزاه ابن شاس لابن حبيب، وقال ابن حارث: اتفقوا على طهارة جلد السبع المختلف في أكله وبيعه إن زكي لأخذ جلده، واختلف في المتفق على منع أكله على ثلاثة أقوال ثالثها: إن دبغ كره ولم يفسح وإن لم يدبغ فسخ بيعه ورهنه وأدب فاعله إن لم يعذر بجهل وأجاز في المدونة بيع السباع لتذكيتها لجلودها فأخذ منها غير واحد كابن رشد جواز بيع جلود الخرفان على ظهورها لأن لحم السباع لا يؤكل على المشهور، فإذا بيع السبع لأخذ جلده فكان ابيع لا تقع إلا في جلده وحده، وقيل إنه لا يجوز لأنه غرر قاله ابن القاسم في العتبية نقله ابن رشد، وسمع ابن القاسم ما بيع الجلود قبل الذبح بحرام بين وما يعجبني وعسى أن يكون خفيفا وما هو بالمكروه فرأي ابن رشد أن كلامه متناقض، أوله يقتضي التحريم وآخره يقتضي الجواز.

(وما ينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة وأحب إلينا أن يغسل):

ظاهر كلامه ولو من الخنزير والكلب وهو كذلك عند مالك وابن القاسم وقيل شعرهما معًا نجس حكاه ابن الحاجب، وقال ابن هارون ولا أعرفه في المذهب نعم هو قول الشافعي وأبي حنيفة قال، وقال بعض أصحابها إنه جار على من تأول قو لسحنون وابن الماجشون أنهما نجسان، وإنما أراد العين وقال شعر الخنزير نجس فقط قاله أصبغ وما ذكر الشيخ من استحباب غسله هو خلاف قول ابن حبيب بوجوب غسله.

ص: 378

(ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها):

ما ذكر من أنه لا ينتفع بريشها يريد ما يشبه العظم منه هو كذلك وفيه خلاف كما يأتي إن شاء الله، وأما شبه الشعر فطاهر كالشعر وفيما بينهما خلاف أيضًا وما ذكر من أنه لا ينتفع بقرنها وما عطف عليه فظاهره التحريم، وهو المشهور وقال ابن وهب: طاهر، وقيل: الفرق بين طرفها وأصلها وهذه الأقوال الثلاثة حكاها غير واحد، وحكى الباجي في العظم الفرق بين أن يصلق أم لا كأحد الأقوال الأربعة في أنياب الفيل.

(وكره الانتفاع بأنياب الفيل وقد اختلف في ذلك):

الخلاف في ذلك أربعة أقوال كما سبق وحمل بعض من لقيناه قول الشيخ على بابه من الكراهة فجعله خامسًا والأقرب عندي حمله على التحريم، وإذا أطلق فقال مالك: لا يباع وقال ابن وهب: يباع، وقال أصبغ: لا يفسد إن فات ويفسخ إن أطلق وإن فات واستمر العمل عندنا بإفريقية على جواز بيعه.

(وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل):

اعلم أنه اختلف المذهب في الزيت إذا وقعت فيه دابة وماتت هل يقبل التطهير أم لا؟ فقيل: إنه لا يقبل التطهير قاله ابن القاسم وعكسه قاله مالك، وأبو بكر ابن اللباد وقيل بالأول إن قل وبالثاني إن كثر قال أصبغ قال ابن عبد السلام، وما غير واحد من المحققين إلى الأول لأن الماء يتنجس بأول الملاقاة فيكون التطهير بماء نجس قال وأنت قد علمت أن هذا ملغى في الثوب واختلف في اللحم ويؤكل قاله ابن القاسم من رواية موسي، وعكسه قاله أشهب، وقيل: إن وقعت بعد طيبه فالأول وقبله فالثاني، ونقله ابن رشد عن أبي حنيفة واختاره وتبعه ابن زرقون.

ص: 379

قال بعض شيوخنا: وهو قصور لنقلة عبد الحق وابن يونس عن السليمانية وخرج اللخمي والروايتين الأولتين في تطهير الزيتون يملح بماء نجس وحكاهما ابن الحاجب نصا فيه وقال سحنون: إن تنجس زيتون قبل طيبه طرح وبعده غسل وأكل قلت: ويجري على الزيتون إذا تنجس القمح وشبهه.

(ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد وليتحفظ منه وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي):

اختلف في الانتفاع به وبيعه على ثلاثة أقوال: فقيل: ذلك جائز ففيهما قاله مالك وابن وهب وعكسه قاله ابن الماجشون وقيل: يجوز الانتفاع ولا يجوز البيع قاله ابن القاسم وأكثر أصحاب مالك، وحكى هذا الخلاف ابن رشد، وكذلك اختلف هل يعمل منه الصابون أم لا؟ وكذلك اختلف هل يسقى بالماء النجس البقل والزرع على ثلاثة أقوال: فقيل ذلك جائز وعكسه وقيل لا يسقي فيما يسرع إليه القلع كالبقل بخلاف ما بعد قلعه كالزرع وظاهر كلام الشيخ أن ما هو نجس بذاته كشحم الميتة فإن لا ينتفع به أطلا وهو كذلك.

ونقل الشيخ رحمه الله في نوادره عن ابن الجهم والأبري لا بأس أن يوقد بشحم الميتة إذا تحفظ منه قلت في الصحيحين " قيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة أنطلي بها السفن ويدهن بها الجلود؟ قال لا تطلي" الحديث عندهما منسوخ بغيره، قال ابن المواز: لا يحمل الميتة لكلبه بل يأتي به إليه، وفي المدونة إن وقد بعظم الميتة على حجر أو طين فلا بأس بذلك فأخذ منه الشيخ أبو القاسم بن الكاتب خلاف ما تقدم لمحمد، واجيب بأحد أمرين إما أنه تكلم بعد الوقوع وإما أن يحمل على أنه لم يحمل العظم بل أتي بالحجر إليه ووجده عند وهذا الأخير هو الذي كان يعرج عليه بعض من لقيناه.

(قال سحنون إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله):

الاتفاق على أن قول سحنون تفسير لا خلاف.

(ولا بأس بطعام أهل الكتاب وذبائحهم):

يريد بقوله لا بأس صريح الإباحة قال الله تعالى: (وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم)[المائدة:5]

وظاهر كلامه سواء كان الكتابي صغيرا أو كبيرا ذكرًا أم أنثي ذميا أو حربيا وهو كذلك ويشترط في الصغير التمييز كالمسلم،

ص: 380

ويختلف فيه وفي المرأة كما يأتي إن شاء الله تعالى، وهذا الذي قلناه إذا كان ممن لا يستحل الميتة وأما من يستحلها فإن ذبح لك بحضرتك وأصاب وجه الذكاة جاز لك أكلها وأما إن غاب عليها عند الذبح فلا يجوز لك الأكل قاله الباجي، ومثله في الذخيرة.

وقال ابن رشد القياس لا يؤكل مطلقًا على ما قاله الباجي في تعليل ما حرام على أهل الكتاب من أن الذكاة لابد فيها من النية وإذا استحل الميتة فكيف ينوي الذكاة وإن ادعى أنه نواها فكيف يصدق، واختلف المذهب إذا كان ممن يسل عنق الدجاجة، فالمشهور لا تؤكل واختار ابن العربي أكلها ولو رأيناه لأنه من طعامهم، قال ابن عبد السلام: وهو بعيد لأن معني طعامهم في الآية هو ما أبيح لهم في شرعهم فإذا أطبق جمهور شرعهم ومن هو مستمسك بظاهر دينهم على أن هذا مما يدل على من شرعهم وجب أن لا يكون من طعامهم، قلت فيما زعمه من التبديل نظرا بل لفظ ابن العربي في أحكام القرآن لأنها طعامهم وطعام أحبارهم ورهبانهم وإن لم تكن هذه زكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقًا وكل ما يرونه في دينهم فهو حل لنا إلا ما أكذبهم الله تعالى فيه، قال ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطون أولادهم ونساءهم في الصلح ملكا فيحل لنا وطؤهن فكيف لا يحل لنا ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة.

واختلف إذا ذبح الكتابي لمسلم على ثلاثة أقوال: ففي المدونة يجوز إلا في الضحايا فتعاد لأنها قربة وقيل: لا يجوز مطلقًا لأن المباح من ذبائحهم يختص فيما يكون طعامهم لظاهر الآية وهذا لم يقصد به الإباحة لنفسه فلا تؤكل وقيل يجوز حتى في الأضحية كما سبق.

(وكره أكل شحوم اليهود منهم في غير التحريم):

ما ذكر من أنه مكروه هو المشهور، وقيل إنه حرام نص عليه في كتاب محمد، وحكاه ابن القصار عن ابن القاسم، وأشهب، وفي المبسوط أنه جائز قاله ابن نافع وبالجملة أن ما ثبت تحريمه عليهم بشرعنا كذي الظفر ففيه ثلاثة أقوال كما سبق، والمشهور التحريم وأن ما حرموه دون أن يثبت في شرعنا ففيه ثلاثة والمشهور الإباحة وأما ما ذبحوه لعيد أو كنيسة فإنه مكروه قاله في المدونة وقيل إنه حرام قاله ابن لبانة ورد بأن قوله تعالى:(أو فسقا أهل لغير الله به)[الأنعام: 145]

يتناول، وقيل إنه مباح قاله ابن وهب ولم ير أن الآية تتناوله، واحتج مالك على الكراهة بالآية المتقدمة،

ص: 381

واستشكل بأن الآية تقتضي التحريم، وأما ما ذبح للأصنام فإنه حرام باتفاق، قال ابن هارون وكذلك عندي ما ذبح للمسح بخلاف ما سموا عليه اسم المسيح يعني فلا يحرم، واختلف هل هو مكروه أم لا؟ على قولين حكاهما ابن حارث.

(ولا يؤكل ما ذكاه المجوس وما كان مما ليس فيه ذكاة من طعامهم فليس بحرام):

ما ذكر مثله في المدونة وهو متفق عليه ففي المذهب في نقل الأكثر مطلقًا في الوثني وغيره، وخالف جماعة من أهل العلم وقالوا يؤكد ما ذكاه واحتجوا بوجهين:

أحدهما: أنهم كانوا من أهل الكتاب ورفع.

الثاني: أن قوله عليه السلام " سنوا بهم سنة أهل الكتاب" يدل على ذلك.

وأجابوا على الأول بأنه إذا ارتفع الكتاب لم يبقوا من أهله وعن الثاني بأن المراد بالحديث أخذ الجزية منهم لأن الصحابة لما اختلفوا في أخذها منهم روى لهم عبد الرحمن بن عوف الحديث، وهذان الجوابان ذكرهما ابن هارون من رواية على إلا أن الثاني لا يسلم من اعتراض وهو أن الجزية يحتمل أن يكون فهمها الصحابة من عموم الحديث لأن الحديث إنما دل على ذلك والله أعلم.

وقد قال ابن عبد السلام: الاتفاق لاشك فيه في الوثني ومنفي معناه ممن يقال فيه ذلك مجازا، وأما من كان هذا الاسم خاصا به في الزمان الأول كالفرس فالصحيح عندي أنهم يلحقون بأهل الكتاب في جميع أحكامهم ولم يمنع من ذلك إجماع، وهذا مذهب ابن المسيب وأبي ثور في أكل ذبائحهم، وأما الصابئون فقد منع أهل المذهب ذبائحهم وهم قوم بين النصرانية والمجوسية، وأما المرتد فلا تؤكل ذبيحته وإن ارتد إلى دين أهل الكتاب لأنه لا يقر عليه.

وقال اللخمي: ينبغي أن تصح ذكاته حينئذ لأنه صار من أهل الكتاب وإن كان غير معصوم الدم كالحربي، وأما السكران والمجنون فلا تؤكل ذبيحتهما ولو أصاب التذكية لفقدان عقلهما، واختلف في ذبيحة الصبي المميز والمرأة على ثلاثة أقوال: الكراهة لأبي مصعب والجواز لمالك والجواز للضرورة والكراهة لغيرها رواه ابن المواز، وقال ابن الحاجب: وتصح من الصبي المميز والمرأة من غير ضرورة على الأصح، فظاهره أن القول الثاني بتحريم الأكل.

واعترضه ابن عبد السلام بأن الخلاف إنما هو بالكراهة والجواز، قلت قال ابن بشير في المذهب رواية بعدم الصحة وهي مجهولة على الكراهة فلعل ابن الحاجب

ص: 382

اعتمد على إطلاق الروايات والله أعلم.

(والصيد للهو مكروه والصيد لغير اللهو مباح):

اعلم أن الاصطياد على خمسة أقسام: مباح ومندوب وممنوع وواجب ومكروه.

فالمباح ما كان للمعاش اختيارًا إما للأكل، وإما لينتفع بثمنه.

ص: 383

والمندوب ما إذا كان يصطاد ليسد به خلته، ويكف به وجهه وليوسع به على عياله إذا كانوا في ضيق.

والممنوع إذا كان يقتل الوحش ولا يريد ذكاته لأنه من الفساد في الأرض وإذا كان يؤدي الاشتغال به إلى تضييع الصلاة.

والواجب إذا كان لإحياء نفسه أو غيره ولم يجد إلا الصيد.

واختلف في القسم الخامس وهو الصيد للهو على ثلاثة أقوال مكروه كما قلناه وهو المشهور وقيل إنه جائز قاله محمد بن عبد الحكم قاله غير واحد وإليه ذهب الليث بن سعد لقوله: وما رأيت حقا أشبه بباطل منه، قلت الصواب رده لقول مالك بالكراهة وكأنه سلك به مسلك معني قوله صلى الله عليه وسلم " أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وروى مطرف وابن الماجشون عن مالك أنه استخف الصيد لمن يسكن بالبادية لأنهم من أهله، ولا غني لهم عنه وكرهه لأهل الحاضرة، ورأى إخراجهم إليه من السفه والخفة فإذا عرفت هذا فاعلم أن قول الشيخ والصيد للهو مكروه ولغيره مباح لا يفي بالتقسيم المذكور.

وقال ابن الحاجب: الصيد جائز بإجماع وانتقده ابن هارون بأنه أراد بالجائز المباح فينتقض عليه بصيد اللهو فإنه مكروه وإن أراد بالجائز القدر المشترك بين المباح والمكروه فيعيد لحكاية الإجماع في ذلك قال، ويحتمل أن يريد بذلك ما اتخذ للعيش أو للانتفاع به؛ لأنه المجمع عليه دون ما هو للهو.

قلت: ما ذكره لا يحتاج إليه لأن ابن الحاجب ذكر أن الصيد للهو مكروه في باب القصر وأراد الإخبار عما صرح به هنا من حيث الجملة فلا احتمال كما يقال النكاح مندوب إليه ونصه ولا يترخص للعاصي بسفره كالأبق والعاق بالسفر على الأصح ما لم يتب إلا في تناول الميتة على الأصح وكذلك المكروه كصيد اللهو.

(وكل ما قتله كلبك المعلم أو بازك المعلم فجائز أكله إذا أرسلته عليه وكذلك ما أنفذت الجوارح مقاتله قبل قدرتك على ذكائه وما أدركته قبل إنفاذها لمقاتله لم يؤكل إلا بذكاة):

اختلف في كيفية التعليم على طريقتين إحداهما لابن بشير أنه يرجع في ذلك إلى العاة فما يمكن من التعليم في الطير والكلب اعتبر وما لم يمكن فلا والطريقة الثانية للخمي ذكر أن المذهب اختلف في ذلك على أربعة أقوال، ونقلها ابن الحاجب عنه وانتقد عليه ابن هارون لأنه ذكر خلاف ما في اللخمي في قولين منها، ورأيت حذف هذه الطريقة لطولها خشية السآمة، وظاهر كلام الشيخ أنه إذا أرسله وليس في يده فإنه يؤكل وهو كذلك قاله مالك ثم رجع، وقال لا يؤكل، واختار ابن القاسم الأول

ص: 384

والجميع في المدونة وقال ابن حبيب إن كان قريبا أكل وإن كان بعيدا فلا اختار غير واحد كاللخمي ما اختاره ابن القاسم إذ لا فرق بين أن يكون الجارح في يده أو معه إذا لم ينبعث إلا بأشلائه.

واختلف إذا انشلي من تلقاء نفسه ثم أغراه على ثلاثة أقوال: فقيل: إنه مباح قاله أصبغ وقيل لا يؤكل وهو المشهور وقال ابن الماجشون إن زادهم أشلاؤه قوة انبعاثه أكل وإلا فلا ولو أرسله ثم ظهر ترك ثم انبعث فإن طال فلا يؤكل ما صاده اتفاقًا وإن كان قريبا فالمنصوص كذلك قال اللخمي: والصواب أن الشيء اليسير لا يقطع عن حكم الأول، وفيه قال مالك، وإذا أرسل على جماعة فأخذ اثنين فإنهما يؤكلان فلم ير اشتغاله بالأول قطعا عن الثاني ورده المازري بأنه في المسألة المخرج منها في عمل واحد ولم يقطعه فإنه يلزمه وإن طال على ظاهر كلامه في المسالة المخرج منها، وقد وافق على التحريم في الطول. قلت: وظاهر كلام ابن الحاجب أن اللخمي خرج الخلاف في الطول والقرب وليس كذلك.

(وكل ما صدته بسهمك أو رمحك فكله):

أما إن كان الصائد مسلمًا فالاتفاق على ذلك، وأما إن كان كتابيا فنص في المدونة على أنه لا يؤكل وروى ابن المواز عن مالك كراهته، وروى ابن حبيب عن ابن وهب إباحته، وقال أشهب واختاره اللخمي والباجي وابن يونس وغيرهم واحتج في المدونة على المنع بقوله تعالى:(يأيها الذين ءامنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم)[المائدة: 94]

فخص المؤمنين دون أهل الكتاب واعترض بأن الآية لم تخرج لبيان جنس الصائدين وإنما جاءت لبيان ابتلاء المحرم بالصيد الممنوع منه في حال إحرامه كما ابتلي اليهود بتحريم الصيد في السبت، واحتج غير واحد للإباحة بقوله تعالى:(وطعام الذين أوتوا الكتب حل لكم وطعامكم حل لهم)[المائدة: 5]

ومعلوم أن كل أمة تصيد وتأكل وبأن هذا نوع من الذكاة فتصح من الكتاب كالذبح والنحر.

(فإن أدركت ذكائه فذكه، وإن فات بنفسه فكله إذا قتله سهمك ما لم يبت عنك، وقيل عن ذلك فيما بات عنك مما قتلته الجوارح وأما السهم يوجد في مقاتله فلا بأس بأكمله):

ما ذكر من أنه يذكيه يريد وجوبًا إذا قدر على ذلك متفق عليه لأنه إنما جاز أكله بغير ذلك للضرورة، والمراد ما لم تنفذ الجوارح مقاتله فإن أنفذت ففي المدونة حسن أن يفري أوداجه، قال اللخمي: وكذلك الحلقوم إذا أفرى الجارح أوداجه، وعلل بعض الشيوخ مسألة المدونة بكونه أعلى درجات التذكية، قال ابن عبد السلام: وفيه

ص: 385

نظر لأن أعلى درجات التذكية إنما تطلب في حق من لم تحصل فيه الزكاة البتة فيطلب له أكمل الأنواع، وأما من حصل له نوع منها وهو كاف فزياده فري والأوداج في حقه تعذيب آخر إلا أن يمنع ذلك فيقال إن الإجهاز في حقه إراحة له من العذاب الذي هو فيه فله وجه.

وقد اختلف المذهب في الحيوان الذي لا يؤكل إذا بلغ به المرض الإياس فأجاز ابن القاسم ذبحه راحة مما هو فيه، ومنعه بعضهم وبعضهم وافق ابن القاسم في الإراحة وخالفه في الذبح وقال تعقر عقرا لئلا يكون ذلك تشكيكا للعوام في إباحة أكلها إذا رأوها مذبوحة وما ذكر من أنه إذا فات بنفسه فإنه يؤكل صحيح إذا لم يتراخ في الطلب فإن تراخي لم يؤكل إلا أن يتحقق أنه لو جد في الطلب لوجده منفوذ المقاتل فإنه يؤكل وأحرى إذا مات برمية سهم، وأما الجارح فلا يتأتي هذا فيه.

واعلم أنه يشترط أن يكون للجارح أثر ولو أدماه في أذنيه فإنه كاف، وأما الصدم والعض من غير تدمية فإنه يؤكل إذا مات به عند ابن وهب وأشهب نقل ذلك عنهما ابن شعبان، وقال في المدونة: ولو أخذته الجوارح فقتلته بالعض أو بغيره ولم تنيبه أو تدمه لم يؤكل، قال عياض ظاهر الكتاب أن نيبته ولم تدمه أكل وقال ثانية لا يصح تنبيه إلا بإدماء وإن قل وهو مقتضي قوله في الكتاب إن لم تنبيه لم يؤكل وهذا منه رحمه الله تناقض ونبه عليه بعض شيوخنا.

قال التونسي: ولو مات من الجري انبهارًا فإنه لا يؤكل ولم يذكروا فيه خلافًا وفيه نظر، فأشار إلى أنه يمكن تخريج الخلاف بالأكل من الطالب بسيفه رجلاً فيموت فإن يقتل به في قول، وذلك يدل على أن موته انبهار كالصدم قاله ابن عبد السلام وحكي صاحب الذخيرة جواز الأكل فيه، قال خليل: ولعله أراد إلزامًا من القول في الصدم والعض بالأكل، والقول الأول من قول الشيخ فيما إذا فات هو قول مالك في المدونة قائلاً، وتلك السنة قال ابن الحاجب: وعورض بنقل خلافه وانفراده، والقول الثاني هو قول ابن المواز وأصبغ، وقيل إنه يؤكل مطلقًا وإن رجع عن اتباعه رواه ابن القصار وصوبه بعض الشيوخ وقي بالفرق بين أن تنفذ مقاتله فيؤكل وإلا فلا قاله ابن الماجشون، وفي مدونة أشهب الكراهة وعزاها لمالك فحملها اللخمي على ظاهرها وردها غيره للتحريم كذا نقله ابن عبد السلام، والذي أعرفه لابن بشير أن ذلك محتمل لها وللكراهة فيحصل في المسألة خمسة أقوال.

(ولا تؤكل الإنسية بما يؤكل به الصيد):

ظاهر كلامه ولو ندت بقرا كانت أو غيرها وهو كذلك في البقر على المشهور

ص: 386

وفي غيرها على المنصوص، وقال ابن حبيب: تؤكل البقر إذا ندت بما يؤكل به الوحش لأن لها أصلا في التوحش ترجع إليه يعني لشبهها ببقر الوحش قال ابن عبد السلام: وفيه ضعف لأن مشابهة الصورة لا توجب شيئاً وإلا فيجب طرده في المعز إذا ندت وتوحشت لأن لها شبها بالظباء، وألزمه اللخمي أن يقول كذلك في الإبل والغنم من قوله إذا وقعت في مهواة ولم يوصل إلى نحرها ولا إلى ذبحها أنها تطعن حتى تموت وتؤكل والجامع العجز عن الوصول إلى تذكية كل واحد منها، وفرق المازري في المعلم بأن ما وقع في مهواة محقق التلف إذا تركه فلعل ابن حبيب إنما أباح في هذا النوع من التذكية صيانة للأموال، وأما البعير إذا ند فغير محقق ذلك فيه لاحتمال التحليل على تحصيله مع رجاء تأنيسه، وبهذا فرق ابن بشير.

قال ابن عبد السلام: وفيه نظر لأن البعير إذا أقوى شبها بالوحش من الساقط في مهواة ورده بعض شيوخنا بأن العلة العجز عن تذكيته لا التوحش، ولذلك ولو حصل الوحش بحيث يقدر عليه صار كالمتأنس اتفاقًا، وفي المسألة فرق ثان وهو أن البقرة إذا ندت فقد رجعت إلى أصلها من التوحش كما ذكرناه فجاز قتلها بالصيد كالمتوحش إذا تأنس ثم توحش بخلاف الإبل والغنم فإنه لا أصل لهما في التوحش ونقل هذا الفرق ابن هارون.

(والعقيقة سنة مستحبة):

ص: 387

يعني أنها سنة ضعيفة وقيل: أنها سنة مستحبة ولم يحك غير واحد كالمازري غيره، ونقل الشيخ أبو محمد عن رواية ابن حبيب أنها سنة واجبة وإن لم تكن واجبة فيستحب العمل بها وهو كقول الشيخ، قال الباجي ومقتضي قول مالك أنها من مال الأب لا من مال الولد، وظاهر قوله يعق عن اليتيم من ماله أنها لا تلزم قريبا غير الأب. وروى أبو محمد أنه لا يعق عبد عن ابنه ولا يضحي إلا بإذن ربه قال في المأذون من المدونة ولو كان مأذونا فإنه لا يعق إلا بإذنه.

(ويعق عن المولود يوم سابعه بشاة مثل ما ذكرنا من سن الأضحية وصفتها):

ما ذكر من أنه يعق عنه يوم سابعه هو كذلك باتفاق، واختلف إذا فات في اليوم

ص: 388

السابع من ولادته على أربعة أقوال: فقال مالك لا يعق عنه وهو ظاهر المدونة، وفي العتبية أنه يعق فيما قرب من السابع وروى ابن وهب أنه يعق في السابع الثاني فإن لم يفعل ففي الثالث.

وفي مختصر الوقار إن فات الأول عق في الثاني، وإن فات فلا عقيقة له واختار اللخمي الأول قال لأن الذي ورد أن يعق عنه يوم سابعه ولم يرد حديث بغير ذلك ولو جاز أن يعق في غير الأسبوع الأول لعق في الخامس والسابع، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يعق بالبقر والإبل وهو وقول مالك في العتبية وبه قال ابن المواز وابن شعبان، وقيل يعق بها كالغنم قاله مالك في كتاب ابن حبيب.

قال ابن رشد في البيان وهو المشهور، ومثله لابن شاس واختاره اللخمي قائلاً: لأن كل هذه الأصناف مما يتقرب بها إلى الله تعالى، وما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من الشاة تخفيف على أمته، وظاهر كلامه أيضًا أن الشاة تكفي سواء كان الولد ذكرا أو أنثى وهو كذلك.

وقال أبو حنيفة والشافعي يعق عن الغلام بشاتين وعن الجارية بشاة ومال إليه ابن حبيب وقال قد ورد ذلك عن عائشة رضي الله عنها وهو حسن لمن فعله ذكر ذلك الباجي.

(ولا يحسب في السبعة الأيام اليوم الذي ولد فيه وتذبح ضحوة ولا يمس الصبي بشيء من دمها):

ما ذكر هو نص المدونة في زكاة الفطر وهو أحد الأقوال الأربعة.

وقيل يستحب ذلك اليوم مطلقًا نقله اللخمي عن عبد الملك وابنه عبد العزيز بن أبي سلمة واختاره ابن الماجشون، واختاره وقيل إن ولد في أول النهار من غدوة إلى نصف النهار أجزأه قاله مالك في ثمانية أبي زيد وقال أصبغ: أحب إلى أن يلغي فإن احتسب به ثم عد إلى مقداره من اليوم السابع أجزأة وقال ابن الحاجب: ولا يعد ما ولد فيه بعد الفجر على المشهور قال ابن عبد السلام: ظاهره أن القول الشاذ يحتسب بيوم الولادة مطلقًا سواء كانت أول النهار أو آخره، وهذا القول إنما يعرف لعبد العزيز وسلمه خليل، قلت ويجاب بأنه كما قلناه لعبد الملك وولده أيضًا وبه قال اللخمي، وذلك إنما نقله وعنهما قال هو حسن من وجهين، أحدهما أن الحديث ورد بذبحها في السابع مطلقًا، وهذا قد ذبح في السابع.

والثاني إن ردها إلى الهدايا أو إلى من ردها إلى الضحايا لأن الضحايا إنما اتبع فيها صلاة الإمام في اليوم الأول، ولهذا أجزنا ذبحها في اليومين الأخيرين إذا طلع الفجر.

وظاهر كلام غير واحد أنه إذا ولد قبل طلوع الفجر أنه يحتسب به اتفاقا وليس كذلك

ص: 389

بل نقل ابن رشد في البيان عن ابن الماجشون أنه لا يحتسب، إلا من غروب الشمس التي بعد الولادة سواء كانت الولادة ليلا أو نهارا وهو خلاف قول ابن الماجشون.

(ويؤكل منها ويتصدق وتكسر عظامها وإن خلق شعر رأس المولود وتصدق بوزنه من ذهب أو فضة فذلك مستحب حسن):

ما ذكر صحيح بلا خلاف من حيث الجملة، واختلف هل يكره أن تعلمها وليمة أم لا؟ فقيل إنه مكروه قاله مالك وابن القاسم خشية الفخر وقيل: إن ذلك جائز لأنه طعام سرور فأشبه الولائم، وهذا القول ذكره ابن بشير، وقبله ابن عبد السلام قائلاً: الذي أجازه هو ابن حبيب في ظاهر كلامه، وقال بعض شيوخنا لا: أعرف هذا القول لا قدم من ابن بشير قال وما ذكره ابن عبد السلام عن ابن حبيب يرد بأن نصه في النوادر حسن أن يوسع بغير شاة العقيقة لإكثار الطعام ودعاء الناس إليه، وروى أن ابن عمر ونافع بن جبير كانا يدعوان إلى طعام الولادة فظاهره أن الدعاء لطعام الولادة لا لطعام العقيقة وهما متغايران.

(وإن خلق رأسه بخلوق بدلاً بخلوق بدلاً من الدم الذي كانت تفعله الجاهلية فلا بأس بذلك):

أراد بالخلوق الطيب عمومًا، قال ابن عبد السلام: ولم يتعرض ابن الحاجب إلى استحباب تلطخ المولود بالزعفران، وقد ذكره الشيخ أبو محمد في الرسالة وذكره غير واحد، قلت ما نسبه للرسالة لا أعرفه نصا فيها إلا دخوله في العموم، وسمع ابن القاسم يسمي الولد يوم سابعه. قال ابن رشد لحديث يذبح عنه يوم سابعه ويخلق ويسمي والمشهور أن السقط لا يسمى خلافًا لابن حبيب.

وقال بعض شيوخنا: ومقتضي القواعد وجوب التسمية، قال عياض وذهب فقهاء الأمصار إلى جواز التشمية والتكنية بأبي القاسم، والنهي عنه منسوخ، قلت: ودخل الشيخ الفقية القاضي أبو القاسم بن زيتون على سلطان بلده أمير إفريقية المستنصر بالله أبي عبد الله ابن الأمير أبي زكريا فقال له لم تسميت بأبي القاسم مع صحة الحديث تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي، فقال " إنما تسميت بكنية بأبي القاسم" صلى الله عليه وسلم، ولم أتكن بها واستحسن هذا الجواب أهل عصره، وقال بعض شيوخنا لو حضر له طالب لقال له هذا لا ينجيك لأن موجب الاشتراك حاصل لأن أبا القاسم مشترك بين الكنية والاسم.

(والختان سنة في الذكور واجبة):

يريد أن حكمها السنة بتأكيد كما صرح به ابن يونس وروى ابن حبيب هو من

ص: 390

الفطرة لا تجوز إمامة تاركه اختيارًا ولا شهادته، قال الباجي لأنها تبطل بترك المروءة، ولو أسلم شيخ كبير يخاف على نفسه إن هو اختتن فقيل إنه يتركه قال ابن عبد الحكم: وقيل يلزمه أن يختتن قاله سحنون قائلاً: رأيت لو وجب قطع يده في سرقة أيترك للخوف على نفسه؟ وهذان القولان حكاهما ابن عبد البر ولم يحك الباجي غير قول سحنون دون هذه المقالة قائلاً مقتضاه بتأكد وجوبه.

قلت: واستشكل بعض شيوخنا قطعة للسرقة مع الخوف على نفسه قائلاً إذا سقط قصاص المأمومة للخوف فأحرى القطع لحديث: " ادرءوا الحدود بالشبهات" ويكون كمن سرق ولايد له يؤدب بما يليق، ويطلق قال أبو عمر بن عبد البر، ولو ولد مختونا فقالت فرقة يجرى عليه الموس فإن كان فيه ما يقطع قطع وأباه آخرون.

قلت: وأجرى ذلك بعض شيوخنا على الأقرع في الحج ويكره أن يختن يوم ولادته أو سابعه لفعل اليهود إلا لعلة يخاف على الصبي فلا بأس ويستحب من سبع سنين إلى عشر وكل هذا رواه ابن حبيب عن مالك وروى اللخمي يختن يوم يطيقه، وقال الباجي اختار مالك وقت الإثغار وقيل عنه من سبع سنين إلى عشرة فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال.

(والخفاض في النساء مكرمة):

ما ذكره هو خلاف رواية الباجي وغيره الخفاض كالختان قال الفاكهاني رحمه الله: هل يختتن الخنثي المشكل أم لا؟ وإذا قلنا يختتن ففي أي الفرجين أو فيهما جميعا لم أر لأصحابنا في ذلك نقلا، واختلف أصحاب الشافعي فقيل يجب ختانه في فرجيه بعد البلوغ وقيل لا يجوز حتى يتبين وهو الأظهر عندهم، قلت: الحق أنه لا يختتن لما علمت من قاعدة تغليب الحظر على الإباحة ومسائله تدل على ذلك، قال ابن حبيب لا ينكح الخنثي ولا ينكح في بعض التعاليق ولا يحج إلا مع ذي محرم لا مع جماعة رجال فقط ولا مع نساء فقط إلى غير ذلك من مسائله.

ثم الجزء الأول من شرح الرسالة لسيدي ابن ناجي ويليه الجزء الثاني أوله باب الجهاد

ص: 391