المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب في الصيام - شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة - جـ ١

[ابن ناجي التنوخي]

فهرس الكتاب

- ‌ترجمة مختصرة للمصنف

- ‌باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره

- ‌باب ما يجب منه الوضو والغسل

- ‌باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة

- ‌باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار

- ‌باب في الغسل

- ‌باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم

- ‌باب في المسح على الخفين

- ‌باب أوقات الصلاة وأسمائها

- ‌باب الأذان والإقامة

- ‌باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن

- ‌باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم

- ‌باب جامع في الصلاة

- ‌باب في سجود القرآن

- ‌باب في صلاة السفر

- ‌باب في صلاة الجمعة

- ‌باب في صلاة الخوف

- ‌باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى

- ‌باب في صلاة الخسوف

- ‌باب في صلاة الاستسقاء

- ‌باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه

- ‌باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت

- ‌باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله

- ‌باب في الصيام

- ‌باب في الاعتكاف

- ‌باب في زكاة العين والحرث والماشية

- ‌باب في زكاة الماشية

- ‌باب في زكاة الفطر

- ‌باب في الحج والعمرة

- ‌باب في الضحايا والذبائح والعقيقة والصيد والختان

- ‌باب في الجهاد

- ‌باب في الأيمان والنذور

الفصل: ‌باب في الصيام

مثلها لا يشتهى جاز.

وقال ابن أبي زيد يختلف فيها ما لم تشته، وقال اللخمي يجوز غسلها مجردة والستر أفضل فعلى هذا يجيء فيها ثلاثة أقوال: المنع مطلقا لابن القاسم، والجواز لأشهب ما لم تشته، والتفصيل لمالك فيجوز في الصغيرة جدًا ويمنع فيمن كانت فوق ذلك، وهذه المسألة لو ذكرها الشيخ في باب ما يفعل بالمحتضر لكان أنسب للترتيب والله أعلم.

‌باب في الصيام

الصوم في اللغة: الإمساك مطلقا.

وفي الشرع: قال ابن رشد: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية، واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع لقول المدونة بمن صب في حلقه ماء وبمن جومعت نائمة وبمن أغمي عليه أكثر نهار أو أمنى أو أمذى يقظة، قلت ويعترض أيضًا بغبار الطريق إذا دخل اختيارا فإنه يفطر وبفلقة الحبة بين أسنانه تبلع فإنه لا يقضي بسببها على المشهور.

(وصوم شهر رمضان فريضة):

الدليل عل أنه فريضة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (شهر

ص: 271

رمضان) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)[البقرة: 185]

وقول (كتب عليكم الصيام)[البقرة: 183]

، وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام:"بني الإسلام على خمس" فذكر فيها "صوم رمضان".

وأما الإجماع فأجمع المسلمون على أنه واجب فيمن تركه غير مقر بفريضته فهو كافر بإجماع فإن أقر بوجوبه ولم يصمه قتل حدا على المشهور.

وقال ابن حبيب كفرا، وفرض رمضان في شعبان قال الخوارزمي في ليلتين خلتا منه، وفي النصف منه حولت القبلة وفيه فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر قال غيره وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.

(يصام لرؤية الهلال ويفطر لرؤيته كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما):

ظاهر كلام سواء كانت الرؤية مستفيضة أو بشاهدين فقط مع الغيم أو بشاهدين مع الصحو، وهو كذلك إلا أن الأولين متفق عليهما وأما الثالث فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها العمل بذلك وهو المشهور، وقال سحنون بعكسه. وقيل إن نظر الشاهد أن الجهة التي نظر الناس إليها لم تقبل شهادتهما وإلا قبلت حكاه ابن الجلاب، ومال التونسي إلى التوفيق القولين بذلك وكل هذا الخلاف إنما هو في المصر الكبير، وأما الصغير فالاتفاق على الأول.

ونص ابن الحاجب على قبول الشاهدين في الصحو في المصر الكبير ثالثها إن نظروا إلى صوب واحد ردت وقال الشيخ خليل لم أر من صرح بالثالث، ولم يذكره ابن بشير على أنه خلاف بل قال بعد القولين، وهو خلاف في حال إن نظر الكل إلى صوب واحد ردت وإن انفرد بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما فلا ينبغي عده ثالثا، قلت: ذكره اللخمي إلا أن كلامه يقتضي أنه متفق عليه وعده بعض شيوخنا ثالثا، ويشترط في الشاهدين الحرية والذكورية والعدالة.

وذهب محمد بن مسلمة إلى قبول شهادة رجل وامرأتين، وقال أشهب في المبسوط تقبل شهادة رجل وامرأة ذكره خليل، وأما الشاهد الواحد فكالعدم قال سحنون ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز، ونقل ابن حارث الاتفاق على ذلك، وقال ابن ميسر إذا أخبرك عدل أن الهلال ثبت عند الإمام في بلد آخر وأنه أمر بالصوم لزم العمل بقوله قال أبو محمد كما يخبر الرجل أهله وابنته البكر فيلزم الصوم بقوله فيخرج من قوله قبول شهادة الواحد، وضعف، ولو حكم القاضي بالصوم بشهادة واحدة لم

ص: 272

يسع أحد مخالفته لأن حكمه وافق الاجتهاد قاله ابن راشد.

قال الشيخ خليل ولم يذكر ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا بل تردد فيه وقال سند لو حكم الحاكم بالصوم بالواحد لم يخالف قال وفيه نظر لأنه فتوى لا حكم، ونص القرافي في فروقه في الفرق الرابع والعشرين والمائتين على أنه لا يلزم المالكي الصوم في هذا، قال لأن ذلك فتوى وليس بحكم وقال: وكذلك إذا قال الحاكم ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة، وبنى ذلك على قاعدة وهي أن العبادات كلها لا يدخلها حكم بل الفتوى فقط، وليس للحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة باطلة أو صحيحة وإنما يدخل الحكم في مصالح الدنيا، وظاهر كلام الشيخ أن سائر البلاد يلزمهم الصوم إذا ثبتت الرؤية وهو كذلك على المشهور بالإطلاق.

وقال ابن الماجشون كذلك إن كانت الرؤية بالاستفاضة وإن كانت بالشهادة عند الحاكم لم يلزم من خرج من ولايته إلا أن يكون أمير المؤمنين.

(فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في القطر):

ظاهر كلامه أنه لا يلتفت إلى كلام المنجمين وهو كذلك قال ابن بشير وركن بعض البغداديين إليه في الغيم، وهو باطل ومثله قول ابن الحاجب. ولا يلتفت إلى حساب المنجمين اتفاقا، وإن ركن إليه بعض البغداديين واعترض ابن هارون ذكره الاتفاق على ذلك لابن رشد حكى العمل على ذلك من مطرف ونحوه للشافعي، قلت ليس هو مطرف المالكي إنما هو مطرف بن عبد الله بن الشخير الشافعي حسبما صرح به غير واحد.

ولقد قال ابن العربي: كنت أنكر على الباجي نقله عن الشافعي لتصريح أئمتهم بلغوه حتى رأيته لابن شريح وقاله بعض التابعين فعلى هذا لا اعتراض على ابن الحاجب لأن الاتفاق عنده مقصور على المذهب بخلاف الإجماع، وقال ابن بزيزة روي عن مالك رواية شاذة رواها بعض البغداديين عنه، والعمل بذلك ويحمل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام "فاقدروا له" من التقدير والحساب والتنجيم قال الشيخ خليل وهذه تنقض الاتفاق المذكور قال ونفل بعضهم مثلها على الداودي.

ص: 273

(ويبيت الصيام في أوله وليس عليه البيات في بقيته):

المشهور من المذهب أن رمضان يفتقر إلى النية وذهب ابن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل إلى أنه لا يفتقر إلى النية، وعلى الأول فتكفي النية في أول ليلة منه كما قال الشيخ، وقال أبو بكر الأبهري: القياس خلافه لجواز الفطر له بخلاف رمضان ومثله من نذر كل خميس يأتي مثلا فقيه القولان أيضا، وظاهر كلام الشيخ أيضًا أنه يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك قاله أشهب وغيره والمشهور تجديدها وقيل يجدد غير الحائض.

قال التادلي: واختلف هل يلزم تعيين السنة لرمضان أم لا كالخلاف في تعيين اليوم للصلاة قلت: هذا لا أعرفه نصا ولا إجراء لغيره نعم نعم يتخرج على الصلاة والله أعلم، قال صاحب الحلل والصواب أن يقول الشيخ ليس عليه المبيت لأن البيات إنما يستعمل في طلب غرة العدو. وقوله ويتم الصيام إلى الليل قال الباجي وجوب الإمساك إلى الليل يقتضي وجوبه إلى أول جزء منه غير أنه لا بد من إمساك جزء منه لتيقن إمساك النهار.

وقال التادلي: اختلف في إمساك آخر جزء من الليل عند الإفطار، وعند السحور قلت: والخلاف في الثاني شهير، قال عبد الوهاب وابن القصار بوجوبه، وقال اللخمي لا يجب ولا أعرفه في الأول غير ما تقدم للباجي، قال عياض في الإكمال اختلف العلماء في الإمساك بعد الغروب، فقال بعضهم يحرم كما يحرم يوم الفطر والأضحى، وقال بعضهم هو جائز وله أجر الصائم ونهيه عليه الصلاة والسلام إنما هو تخفيف في طريق مسلم نهاهم عن الوصال رحمة بهم.

(ومن السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور):

في مسلم عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ""فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور" قال عياض: الروية بضم الهمزة ومعناه اللقمة الواحدة وصوابه فتحها ومعناه الأكل مرة واحدة وهو الأشبه، قال التادلي: وفيما قاله

ص: 274

نظر والأشبه ما في الرواية لما فيه من التنبيه على قلة الأكل باللقمة الواحدة بخلاف الأكل مرة واحدة فإنه قد يكون فيها الطعام الكثير والشبع المذموم.

قال الباجي: وتعجيل الفطر هو أن لا يؤخر بعد غروب الشمس على وجه التشديد والمبالغة واعتقاد أنه لا يجوز الفطر عن الغروب على حسب ما تفعله اليهود، وأما من أخره لأمر عارض أو اختيارا مع اعتقاد أن صومه قد كمل بغروب الشمس فلا يكره له ذلك رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة. قال عياض، واختلف إذا حضرت الصلاة والطعام فذهب الشافعي إلى تقديم الطعام، وذكر نحوه ابن حبيب، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه يبتدئ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفا، قال ابن العربي في القبس: ووقعت في بغداد نازلة في رجل حلف بطلاق امرأته وهو صائم أن لا يفطر على حار ولا با رد فأفتى أبو نصر بن الصباغ إمام الشافعية بالجانب الغربي أنه يحنث إذ لابد من الفطر على أحد هذين، وأفتى أبو إسحاق الشيرازي بالمدرسة بعدم حنثه قائلا إنه يفطر على غيرهما وهو دخول الليل لقوله عليه السلام:"إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقط أفطر الصائم" وفتوى ابن الصباغ أشهب بمذهب مالك لأنه يعتبر المقاصد، وفتوى أبي اسحاق صريح مذهب الشافعي الذي يعتبر الألفاظ.

(وإن شك في الفجر فلا يأكل):

صرح في المدونة بالكراهة قال فيها: كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر فحملها اللخمي على بابها، وحملها أبو عمران على التحريم. قال الشيخ خليل هو مقتضى فهم البرادعي لأنه اختصرها على النهي فقال ومن شك في الفجر فلا يأكل ونحوه في الرسالة قلت والأقرب أن كلامها يحتمل الكراهة والتحريم، واختلف في المسألة على أربعة أقوال: هذان القولان والمشهور التحريم وقيل إنه مباح قاله ابن حبيب واختار اللخمي وجوب الإمساك مع الغيم واستحبابه مع الصحو، ولو شك في الغروب حرم الأكل باتفاق والفرق بينهما ظاهر وهو استصحاب الفطر والصوم، فإن أكل في شك الغروب ولم يتبين أنه أكل بعد الغروب، فقال القاضيان ابن القصار وعبد الوهاب لا كفارة عليه كأكله في شك الفجر.

وذهب بعض الأندلسيين إلى إيجاب الكفارة والفرق بينهما عنده ما تقدم، والمنصوص إذا طلع الفجر وهو آكل أو شارب وألقى أنه لا يقضي وخرج القضاء على إمساك جزء من الليل، وإذا طلع عليه الفجر وهو بجامع ففي القضاء قولان ولا كفارة

ص: 275

على المشهور، وبه قال عبد الملك بن الماجشون قائلا لأنه لم ينتهك حرمة الصوم، ويقضي لأن نزعه فرجه جماع بعد الفجر، قلت وهذا الذي قال عبد الملك يناقض قوله إن وطئ في نهار رمضان ناسيا أن الكفارة تلزمه، ولا يجاب بأن هذا الأصل إباحة الاستمتاع، ولا كذلك في المسألة المعار ض بها لا سيما والناسي معه ضرب من التفريط لأنه علل بعدم الانتهاك وذلك حاصل في الصورتين، ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها وما استكرهوا عليه".

(ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان):

يحتمل قول الشيخ الكراهة والتحريم، وفي المدونة لا ينبغي صيام يوم الشيك وذلك ظاهر في الكراهة، وصرح بالكراهة ابن الجلاب قال يكره صوم يوم الشك، وقال ابن عطاء الله الكافة مجمعون على كراهة صومه احتياطا، وقال ابن الحاجب: المنصوص النهي عن صيامه احتياطا.

قال ابن عبد السلام: لم يتبين من حكمه سوى النهي وظاهره أنه على التحريم لقوله عثمان رضي الله عنه "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم" ونحوه للشيخ خليل قائلا وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك لأنه قال ومنعه مالك، وفي المدونة ولا ينبغي صيام يوم الشك وحملها أبو إسحاق على المنع، وخرج اللخمي أنه يؤمر بصيامه على الوجوب والاستحسان من مسألتين إحداهما من شك في الفجر، فاختلف هل يباح له الأكل أو يحرم أو يكره، والجامع أن كل واحد من الزمانين مشكوك فيه، والثانية الحائض يجاوز دمها عادتها، ولم يبلغ خمسة عشر يوما فقد قيل إنها تحتاط فيجب أن يكون الحكم كذلك في يوم الشك، ورد ابن بشير الأولى الموافقة لأهل البدع في صوم يوم الشك والثاني للموافقة للمنجمين. وقال ابن الحاجب: تخريجه غلط لثبوت النهي، وقال ابن عبد السلام: هو قول عثمان السابق.

(ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان):

ما ذكر من أنه لا يجزئه هو كذلك قال أشهب في مدونته كمن صلى شاكا في الوقت ثم يتبين له الوجوب أنه يجزئه ونقل عنه ابن الحاجب ما تقدم إلى قوله ثم تبين الوجوب، وقال بإثره وفيها قولان بإثره وفيها قولان، فكلامه يوهم أنه من كلام اللخمي وليس كذلك

ص: 276

وإنما هو إخبار منه، وقال بأثره والصواب مع أشهب، قال ابن هارون يريد أن تنظيره أحسن لثبوت النهي عن صيام يوم الشك وعن الصلاة مع الشك في الوقت، بخلاف الشاك في الحدث فإنه مأمور بالوضوء إما وجوبا أو ندبا، ولهذه المسألة نظائر منها من التبست عليه الشهور فصام مع الشك شهرا تحريا عن رمضان فصادفه قال ابن القاسم في العتبية لا يحزئه كمن صلى يوم الشك.

وقال سحنون يجزئه والقولان حكاهما عياض ومنهما من سلم على الشك هل أكمل أم لا ثم تبين أنه قد أكمل ففي صحتها قولان حكاهما ابن رشد وصحح البطلان.

(ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل):

ظاهر كلامه سواء من شأنه أن يسرد الصوم أم لا وهو كذلك قاله مالك وعبد الملك، وعن ابن مسلمة أنه يكره بالإطلاق ونقله عن ابن عطاء الله، ونقل اللخمي عنه أنه قال إن شاء صامه وإن شاء أفطر كقول الشيخ، وله قول آخر فرق فيه بين أن يكون شأنه أن يسرد الصوم أم لا والأول يجوز والثاني يكره نقله الباجي، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ولا خلاف أن من عليه قضاء يوم من رمضان أنه يصوم.

وكذلك يصام نذرا، وقال ابن عبد السلام: ومعنى ذلك إذا وافق أياما نذرها، ولو نذر يوم الشك من حيث هو يوم الشك سقط لأنه نذر معصية، ورد بعض شيوخنا كونه معصية بأن المشهور عدم كراهة صومه تطوعا.

(ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه وليمسك عن الأكل في بقية يومه ويقضيه):

إنما لم يجزه لفقد النية فقوله بعد ويقضيه تأكيد وإذا كان لا يجزئه مع كونه لم يأكل ولم يشرب فأحرى ولو فعل أحدهما وإنما أمره بالإمساك لحرمة الشهر، وتقدم قول ابن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل أنه يجزئه لأن معين فلا يفتقر إلى نية، وكذلك الخلاف في عاشوراء، قال التادلي: عبادتان يجب التمادي في فسادهما كما يجب في صحيحهما وهما الصوم والنسك بخلاف الصلاة وغيرها من العبادات، والفرق أن غالب فساد الصوم بإحدى شهوتي الفرج والفم، والحج بشهوة الفرج لقلة من يملك إربه فيها أو شدة ميل النفوس إليهما لموافقتهما الطباع بخلاف الصلاة وغيرها؛ فإن غالب فسادها لترك ركن أو شرط وليس ذلك مما تميل النفوس إليه فأراد الشارع في غالب فسادها لترك ركن أو شرط وليس ذلك مما تميل النفوس إليه فأراد الشارع في الأولين الزجر فغلظ بإيجاب التمادي والقضاء مع الكفارة، وفرق ثان وهو أن الصوم

ص: 277

والنسك لا يفعلان إلا مرة فلا مشقة فيهما بخلاف الصلاة فإنها تتكرر ولو حكم التمادي لفسادها لشق ذلك.

(وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما):

لا خصوصية للمسافر والحائض بل وكذلك الصبي يبلغ والمجنون والمغمى عليه يفيقان والمريض يقوى والمرضع يموت ولدها، وبالجملة كل من أبيح له الفطر مع علمه برمضان جاز له الأ: ل بقية لايوم، ولما ذكر اللخمي عن ابن حبيب أن المجنون والمغمى عليه كغيرهما، قال الذي يقتضيه المذهب لزوم الإمساك لأنه صوم يختلف فيه بالإجزاء وعدمه ولا خصوصية لقول الشيخ فلهما الأكل بقية يومهما، بل وكذلك لا يجوز للمسافر أن يطأ زوجته المسلمة إذا وجدها قد طهرت من الحيض واختلف في الكتابية إذا وجدها قد طهرت من الحيض فظاهر المذهب الجواز خلافا لابن شعبان قال الشيخ خليل، وقال بعض أصحابنا يطؤها إذا كانت كما طهرت كما لو كانت مسلمة ولا يطؤها إذا كانت طاهرا قبل قدومه، واستشكل قول ابن شعبان أنه لا يجوز وطؤها ولو وجدها بعد الطهر لأنها لو أسلمت يومئذ لجاز له وطؤها فلا أثر لكفرها، قال وكان ابن شعبان لاحظ كون فطرها للكفر لا للحيض فمنعه أن يعينها عليه، واختلف في الكافر إذا أسلم فقال مالك في الموطأ يمسك بقية يومه.

وقال أشهب في المجموعة لا يمسك واختلف إذا أفطر لعطش ونحوه فأزاله فقال سحنون في كتاب ابنه له أن يتمادى عل الأكل ويطأ وبه قال جمهور أهل العلم، وقال ابن حبيب لا يفعل فإن فعل متعمدا فلا كفارة عليه، قال التادلي: وقول الشيخ أو طهرت الحائض يريد وكذلك إذا حاضت فلها الأكل إلا أن هذه يجب عليها الفطر بقية يومها.

(ومن أفطر تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء):

قال التادلي: حقه أن يقول بعد قوله عامدا حراما كما زاده ابن الحاجب في قوله ويجب في النفل بالعمد الحرام خاصة وأراد بذلك إخراج ما كان عمدا بسبب كجبر الولد ولده وجبر السيد عبده إذا تطوعا، الشيخ بغير إذنه، وما ذكر أنه يقضي في العمد هو المذهب، وهل يجب عليه الكف في بقية اليوم الذي أفسده أم لا في ذلك قولان.

حكاهما ابن الحاجب وكلام الشيخ يدل على أنه لا يجوز القدوم على ذلك ابتداء وهو كذلك.

ص: 278

قال مطرف: يحنث الحالف بالله مطلقا وبالطلاق والعتق والمشي إلى مكة إلا أن يكون لذلك الواجب كطاعة مثل أبويه إن عزما على فطره ولو بغير يمين زاد ابن رشد عنه إن كان رأفه عليه لإدامة صومه، قلت: وظاهر المذهب أن شيخه الذي تعلم عليه العلم لا يتنزل منزلة الأب وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كالأب.

وقال الشافعي وغيره ويجوز الفطر اختيارا في التطوع، قال ابن عبد السلام: قولهم أظهر للآثار الواردة في ذلك، قلت ونحا إليه عيسى بن مسكين في قوله لصديقه لما أمره بالأكل معه وقال إني صائم ثوابك في سرور أخيك المسلم بفطرك عنده أفضل من صومك ولم يأمره بقضائه قال عياض في مداركه وقضاؤه واجب، وإنما لم يذكره لوضوحه.

قلت: وكان بعض من لقيناه يذهب إلى حمله بعدم القضاء كالمخالف وما ذكر الشيخ أنه إذا سافر فأفطر فإنه يقضي هو قول ابن حبيب، وقال مالك ليس قضاؤها بالواجب قال التادلي، ويقوم من كلام الباجي أنه إذا أفطر متأولا أنه لا يقضي لقوله كل ما يسقط الكفارة في رمضان يسقط القضاء في التطوع.

(وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة):

يريد ويجب عليه التمادي على الصوم لأنه يعتد به واعلم أن هذه إحدى المسائل السبع التي تلزم بالشروع فيها وهي: الصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والائتمان والطواف ونظمها بعضهم فقال رضي الله عنه.

صلاة وصوم ثم حج وعمرة

=

يليها طواف واعتكاف وائتمام

بعيدهم من كان للقطع عامدا

=

لعودهم فرض عليه وإلزام

قال الشيخ خليل بعد أن ذكر ما قلناه وانظر ما ذكر من لزوم الإعادة في الائتمام فإن الظاهر عدم لزومه ذكر الشيخ خليل ما قلناه عند تكلمه على قول ابن الحاجب، ومن قطع نافلة عمدا لزمه اعادتها بخلاف المغلوب، ومعنى قول الشيخ بخلاف الفريضة أي فإنه إذا أفطر ناسيا يقضي، وهذا هو المعروف في المذهب.

وقال عياض: مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا فظاهره أن في المذهب قولا بأنه لا يقضي وهو غريب، واختلف إذا أفطر في الواجب المعين لعذر كمرض على أربعة أقوال: فقيل يقضي وقيل لا يقضي، وقيل يقضي الناسي فقط، وقال ابن الماجشون إن كان لليوم فضيلة كعاشوراء ويوم عرفة فلا يقضي وإلا قضى، ولما

ص: 279

ذكر ابن الحاجب الأربعة الأقوال قال: والمشهور لا يقضي واعترضه ابن هارون بأنه نص في المدونة على أن الناسي يقضي وهو ضعيف لما قد علمت من أن المشهور قد لا يتقيد بالمدونة لاسيما عند ابن الحاجب.

(ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره):

اعلم أن لا بأس هنا لصريح الإباحة، وقال ابن الحاجب: والسواك مباح، وبمثل عبارة الشيخ عبر في المدونة ولا خلاف أنه مباح في أول النهار، وكذلك في آخره على المشهور، وحكى البراقي عن أشهب كراهيته في آخر النهار كمذهب الشافعي، ويريد الشيخ بما لا يتحلل وأما الرطب فمكروه قاله في المدونة، ولا خلاف أنه مباح.

قال الباجي: والكراهة للجاهل والعالم لما يخاف أن يسبق شيء من طعمه إلى حلقه قد علمت أنه يسبق منه شيء إلى حلقه. وقال ابن حبيب إنما يكره للجاهل الذي لا يحسن أن يمج ما يجتمع في فيه، وأما السواك الذي يستعمل من الجوز فيكره للرجال مطلقا لأنه من زينة النساء، قال ابن حبيب إن جهل أن يمج ما يجتمع في فيه فعليه القضاء فقط. وقال الباجي الظاهر لزوم الكفارة وإنما لا يكفر في التأويل والنسيان.

(ولا تكره الحجامة إلا خشية التغرير):

يعني أن الحجامة على ثلاثة أقسام: قسم جائز باتفاق وهو إذا كان يعلم من نفسه السلامة وعكسه عكسه والقسم الثالث إذا كان يجهل حاله فهو مكروه وإلى هذا أشار ابن الحاجب كما أشار إليه الشيخ بقوله: ولا تكره له الحجامة إلا خشية التغرير والله أعلم، وهذا التفصيل هو المشهور وقيل إنها مكروهة، وإن علم من نفسه السلامة قال الباجي وهذا القول رواه ابن نافع عن مالك وقيل لا يحتجم ضعيف، ولا قوي لأنه ربما ضعف القوي ونحوه روى عيسى عن ابن القاسم، وكذلك يكره ذوق الطعام والعلك وشبههما، وأما المضمضة فجائزة للوضوء ولشدة العطش قاله مالك في المجموعة قائلا ويبلتع ريقه قال الباجي، وهذا بعد زوال طعم الماء منه ويخلص طعم ريقه.

(ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه):

يريد لا يستحب له القضاء ولذلك قال ابن الحاجب: والقيء الضروري كالعدم فإن رجع منه إلى جوفه غلبة أو نسيان فروى ابن أبي أويس أنه يقضي في الغلبة وروى ابن شعبان: أنه لا يقضي إن كان ناسيا، فخرج اللخمي قول إحداهما في الآخر وأما إذا

ص: 280

رده مختارا فهو كالأكل، قال ابن الحاجب: وفي الخارج منه من الحلق يسترد قولان كالبلغم فظاهره ولو رده عامدا.

(وإن استقاء فقاء عليه القضاء):

يعني إذا طلب القيء فقاء عليه القضاء وظاهره الوجوب عليه حمل أبو يعقوب في المدونة ولفظه كلفظ الشيخ، وحمله أبو بكر الأبهري على الاستحباب وقيل يقضي في الفرض وهو في التطوع لغو رواه ابن حبيب، وقيل إن كان لغير عذر فكالأول قاله ابن الماجشون.

(وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم وقد قيل تطعم):

القول بأنها لا إطعام عليها هو المشهور، والقول بأنها تطعم رواه ابن وهب، وقيل يستحب الإطعام لها ولا يجب قاله أشهب وهذه الأقوال الثلاثة في المدونة، وقيل إن خافت على ولدها وجب عليها الإطعام وإن خافت على نفسها فقد سقط قاله ابن الماجشون وابن حبيب، وقيل لا تطعم إذا دخلت في السابع وإن كانت قبل وخافت على ولدها فلتطعم قاله أبو مصعب هكذا نقله ابن شاس وغيره، واعترض ابن هارون عبارة ابن الحاجب عن هذا القول بقوله وخامسها تجب إن كان قبل ستة أشهر فلم يقيد الإطعام بالخوف على الولد، فإن كلامه يقتضي أن بنفس دخولها في السادس يسقط الإطعام وليس كذلك لما تقدم، وأنكر أبو عمران وجود القول الثاني في المذهب قائلا إنما نقله سحنون عن موطأ ابن وهب بالتأويل وقول الشيخ أفطرت يعني وجوبا وقول الباجي إن خافت على ولدها أبيح فطرها إنما هو نفي لما يتوهم، وإلا فهو الواجب.

(وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجر له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم):

حال المرضع لا يخلو من ثلاثة أوجه: تارة لا يضر رضاعها أو يضر ويمكن إرضاعه غيرها ولو بأجر وجب عليها الصوم، وتارة لا يمكن إرضاعه غيرها وخيف عليها وعليه فإنه يحرم صومها، وتارة يشق عليها إرضاعه فهي مخيرة وأجر المرضعة يكون من مال الصبي ثم مال الأب إن لم يكن له مال ثم من مال الأم إن لم يحجف بها، وما ذكر الشيخ من الإطعام هو نص المدونة وروى ابن عبد الحكم لا إطعام عليها.

(ويسحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه):

ص: 281

ما ذكره هو قول مالك في الموطأ وبه قال سحنون وهو المشهور من المذهب، وحكى ابن بشير قولا بوجوب الإطعام وقال ابن الحاجب: ولا فدية على المشهور، فظاهره نفي الوجوب والاستحباب قاله ابن عبد السلام والمنقول ما تقدم من القولين لا ما يعطيه ظاهر كلامه، قلت بل هو اختيار اللخمي، وتأوله بعضهم على المدونة نعم يعترض عليه من حيث جعله المشهور وما ذكرناه عن اللخمي كذلك نقله ابن هارون عنه، ولفظ اللخمي ولا شيء عليه من طعام ولا غيره فهو بالإنصاف محتمل لما ذكرناه من الاستحباب، وكذلك لفظ المدونة فلا فدية عليه.

(وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر):

قال التادلي: يريد وكذلك إذا دخلت عليه رمضانات متعددة فليس عليه إلا مد واحد لكل يوم ولا يتعدد بتعدد السنين قاله ابن شاس. واعلم أنه لا يجب قضاء رمضان على الفور باتفاق عند ابن بشير، واستقرأ ابن رشد قولا بأنه على الفور من قوله في الكتاب إذا قدم أو صح شهرا ثم مات وأوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا لأنه إنما يبدأ بالواجب، واختلف إذا مرض أو سافر عند تعيين القضاء، فقيل عليه الفدية وقيل لا، والقولان كلاهما تأولا على المدونة ذكر ذلك عياض وأما إذا تمادي به المرض أو السفر من رمضان إلى رمضان فإنه لا يطعم على المشهور.

وروي عن مالك أن عليه الإطعام وقاله ابن الماجشون، واختلف في وقت الإطعام فقيل عند الأخذ في القضاء أو بعده وهو المشهور، وقيل عند تعدد الصوم قاله أشهب.

(ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية):

إنما نفى رحمه الله الوجوب بقوله لا صيام على .. ، فقوة كلامه تقتضي أنهم يؤمرون به استحبابا، ولهذا ذهب أشهب قال يستحب لهم إذا أطاقوه وفي المدونة لا يؤمر الصبيان بالصيام بخلاف الصلاة، وقال ابن الماجشون ويلزمهم إذا أطاقوه قضاء ما أفطروا بعد إطاقتهم إلا ما كان من علة، وهذه المقالات الثلاثة حكاها ابن يونس وظاهره كما ترى يقتضي أن أشهب يقول ما أفرطوا فيه ألا يقضي، وهو يناقض قوله في الصغيرة إذا وطئها زوجها فصلت دون غسل إنها تعيد وظاهره أبدا وهو ضعيف لأنه قلب النفل فرضا وفرض بين الصلاة والصيام عمل مذهب المدونة بثلاثة فورق:

أحدها: السنة وذلك أن الأصل لا يؤمر الصبي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام

ص: 282

"رفع القلم عن ثلاث" فذكر "الصبي حتى يحتلم" وجاء ما جاء في الصلاة بقوله: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع" وبقي ما سواه على الأصل.

الثاني: إنما يؤمر الصبي بالصلاة لكثرة أحكامها وتفريع مسائلها فكلف قبل البلوغ ليأتي زمان البلوغ وقد أحاط بالذي يحتاج إليه، بخلاف الصوم لقلة أحكامه وكلاهما ذكره ابن يونس.

وذكر غيره فرقا ثالثا وهو كون الصلاة تكرر في كل يوم فأمر بها ليمرن عليها بخلاف الصوم وإنما ذكر الشيخ الاحتلام والحيض لأنهما الأعم الأغلب.

(وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله العظيم (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا)[النور: 59]).

اعلم أن البلوغ يكون بالاحتلام والسن اتفاقا وتزيد الأنثى بالحيض والحمل، هكذا قاله غير واحد كابن الحاجب، وفيه نظر لأن الحمل لا يكون إلا بعد سبقية الإنزال من المرأة فهو يرجع إلى الاحتلام أيضًا والله أعلم.

واختلف في الإنبات هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ على قولين كلاهما في المدونة في كتاب السرقة، قال ابن رشد وهذا فيما يلزمه في الحكم الظاهر من طلاق أو حد وفيما بينه وبين الله تعالى لا يلزمه، واختلف في مقدار السن الذي هو علامة على البلوغ على ثلاثة أقوال، فقيل خمس عشرة سنة قاله ابن وهب وقيل سبع عشرة سنة، وقيل ثمان عشرة سنة، وكلاهما لابن القاسم والأخير منهما هو المشهور قاله المازري ويصدق في الاحتلام ما لم تقم ريبة والإنبات مثله.

وقال ابن العربي: ينظر في المرأة قال ابن الحاجب: وهو غريب أراد به بعيد وكذلك أنكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام قائلا هو كالنظر لعين العورة وكذلك ابن القطان المحدث، ومعنى هذا لخليل لعله أطلق الغرابة على هذا لإنكار ابن القطان له وإن أراد أنه لم يقله غيره، وكثيرا ما يطلق المحدثون على الحديث الغرابة لهذا المعنى ففيه نظر لأن عبد الوهاب حكاه عن بعض شيوخه في كتاب الأحكام له لأنه قال ذلك في عيب المرأة في النكاح قال خليل، ولو قيل يحبس على الثوب كما قاله في العنة ما بعد.

(ومن أصبح جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد

ص: 283

الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم):

اعلم أن قول الشيخ فلم يغتسلا إلا بعد الفجر وهو وصف طردي وكذلك إذا لم يغتسلا، ولا خلاف أعلمه في المذهب أن صوم الجنب صحيح، وأما الحائض فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:

أحدها: أن صومها يجزئ سواء أمكن الغسل قبل طلوع الفجر أم لا، وسواء اغتسلت أم لا، وهو المشهور.

وقيل إنما يصح صومها إذا انقطع الدم عنها يزمان يمكن الغسل فيه قبل طلوع الفجر وإلا لم ينعقد صومها.

وقيل إنما ينعقد صومها إذا اغتسلت قبل طلوع الفجر وإلا فلتقض وكلا هذين القولين لعبد الملك نقل ابن الحاجب عنه الأول.

ونقل الثاني عنه أبو عمر بن عبد البر قال في المدونة: فإن شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده صامت وقضت واستقرئ منها فرعان:

أحدهما: وجوب صوم الشك احتياطا ثم يقضي وهو للخمي، ورده ابن هارون بأن الشك في الحيض في زوال المانع مع تحقق السبب والشك في صوم يوم الشك وجود السبب.

الثاني: أن الحائض لا يجب عليها تجديد نية الصوم وفيه خلاف تقدم.

(ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع لا يجد هديا):

ما ذكر أنه يصومها المتمتع الذي لا يجد هديا هو مذهب المدونة، روي عن مالك أنه لا يصومهما متمتع ولا غيره وبه قال أبو حنيفة والشافعي لثبوت النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق.

(واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك):

اختلف المذهب هل يجوز قضاء رمضان في الأيام المعدودات أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل جائز قاله أشهب، وقيل عكسه قاله في المدونة ونص عليه أشهب أيضًا، وقيل يجوز القضاء في الثالث فقط، وكذلك من أفطر وهذه الأقوال منصوصة في نذرها

ص: 284

(ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض):

ما ذكر من وجوب القضاء هو المعروف وقال عياض مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا، فظاهره أن في المذهب قولا بأنه لا يقضي وهو غر يب وقد قدمنا ذلك، وظاهر كلام الشيخ أنه لا كفارة عليه سواء كان فطره بجماع أو غيره وهو كذلك على المشهور بالإطلاق، وقال ابن الماجشون: تجب الكفارة إذا كان قطره بجماع، وبه قال الشافعي وأحمد ابن حنبل واحتجوا بحديث الأعرابي أنه أتى يضرب صدره، وينتف شعره ويقول هلكت وأهلكت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "وما ذاك"؟ قال جامعت أهلي في رمضان فأمره بالكفارة ولم يستفسره هل وقع ذلك منه سهوا أو

ص: 285

عمدا، وترك الاستفصال في محل السؤال ينزل منزلة العموم في المقال.

وأجاب أصحابنا بأن قرينة الحال من الضرب والنتف تدل على أن الجماع كان عمدا على أنه نقل عن الشافعي أيضًا إن ترك الاستفصال في محل السؤال يكسوه ثوب الإجمال ويسقط به الاستدلال وهو أصل متنازع فيه بين أرباب الأصول.

(ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة وعليه القضاء والصوم أحب إلينا):

قال ابن الحاجب: ويسوغ الفطر سفر القصر بالإجماع وظاهر كلامه سواء دخل عليه رمضان في الحضر ثم سافر أم لا وليس كذلك بل الإجماع من أهل العلم، إنما هو إذا دخل عليه رمضان وهو مسافر وأما إذا سافر بعد دخوله ففيه خلاف بينهم؛ حكاه ابن عبد البر ولقد أحسن أن رشد في قوله لا خلاف بني الأئمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة.

ويريد الشيخ إن كان السفر غير سفر معصية على الصحيح في هذا الأصل وما ذكر أن الصوم أفضل هو قول مالك، وهو المشهور، وقيل الفطر أفضل قاله ابن الماجشون، وقيل هما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر قاله مالك في سماع أشهب وعزاه ابن عطية لجل مذهب مالك وفي عزوه نظر. وقال ابن حبيب الصوم أفضل إلا في الجهاد للتقوي على العدو، كما جاء أن الفطر أفضل للحاج يوم عرفة للتقوي على المناسك وجعله اللخمي كالتفسير للمدونة.

وظاهر كلام ابن يونس أنه لا خلاف ولا تعارض بين قولهم هنا في المشهور أن الصوم أفضل وبين قولهم القصر سنة على المشهور، لأن القصر تبرأ به الذمة كالإتمام بخلاف إذا أفطر في السفر فإن الذمة لم تزل عامرة، وتبعه على هذا غير واحد وهو جلي، وفرق ثان وهو أن الإتمام عند أبي حنيفة وجماعة من العلماء لا يجزي، وأجمع العلماء المعتبرون على إجزاء الصوم وهو أولى وهذا الفرق ذكره الفاكهاني وذكر فرقا ثالثا فانظره، ويريد الشيخ أن له الفطر إذا شرع في السفر في زمان انعقاد النية وأما لو سافر بعد طلوع الفجر فإنه لا يجوز له الفطر، وحكى ابن الحاجب قولا بأنه جائز فقال لم يجز إفطاره على الأصح ولم يحفظه ابن عبد السلام قائلا إن أكثر اعتماده في النقل عن ابن بشير والجواهر ولم يذكراه، ونظرت ما أمكنني اليوم من التآليف فلم أجد لهذا القول ذكرا ولا إشارة، ونقل ابن هارون كلام ابن عبد السلام هذا معبر عنه يقال

ص: 286

بعض أصحابنا واعترضه بأن الباجي حكاه عن ابن حبيب، وحكى عن ابن القصار أنه مكروه.

(وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه):

يريد إذا كان تأويله قريبا، وأما التأويل البعيد فتجب فيه الكفارة، وقطع في المدونة بالتأويل القريب في أربع مسائل: ما ذكر الشيخ ومن أكل ناسيا فظن أن الفطر مباح له فأفطر وامرأة طهرت في رمضان ليلا فلم تغتسل حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت، ومسافر قدم إلى أهله ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئ فأفطر، ثم قال ابن القاسم ما رأيت مالكا يرى الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا المفطرة على أنها تحيض، فتفطر ثم تحيض والمفطر على أنه يوم الحمى فيفطر ثم يحم، وجعل الشيخان ابن عبد السلام وابن هارون الاستثناء منقطعا وحملا قوله على أنه أراد به التأويل القريب.

وقال ابن عبد الحكم: هما من التأويل القريب، وكذا إن اختلف فيمن رأى الهلال فلم يقبل فأفطر متأولا، واختلف في المسألة الثانية هل هي من التأويل القريب أم لا، وهو إذا أكل ناسيا فيتمادى متأولا على ثلاثة أقوال: أحدها ما تقدم وقيل تجب الكفارة، وقيل إن كان فطره بجماع وجبت وإلا فلا وكلاهما لعبد الملك وبالأول منهما قول المغيرة.

(وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء):

ظاهر كلامه الحصر لقوله وإنما الكفارة وهو كذلك، وقد تقدم قول ابن الماجشون أن من جامع ناسيا أن الكفارة تلزمه، ولا خلاف أن من أفطر متع مدا أنه يؤدب إذا لم يأت تائبا وأما إن جاء تائبا فالمختار العفو وأجراه اللخمي على الخلاف في شاهد الزور وساعده غيره على هذا التخريج، وفرق بعضهم بأن شهادة الزور من أكبر الكبائر فلعظم المفسدة فيها عوقب فاعلها وإن تاب، بخلاف المفطر عامدا في رمضان قال ابن عبد السلام: وتكليف الفارق بهذا لا يحتاج إليه إنه إن صح الفرقلا إشكال وإلا فالمانع من القياس وجود الحكم منصوصا عليه على خلاف مقتضى القياس، وعبر ابن هارون عن هذا بقوله قال بعض أصحابنا قائلا فيما قاله نظر لاحتمال أن يكون ترك العقوبة في الحديث لجهل الفاعل بالحكم أو لكونه حديث عهد بالإسلام فكان من النظر استئلافه والصفح عنه.

ص: 287

(والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فذلك أحب إلينا وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين):

ما ذكر الشيخ من أن التخيير في الثلاثة العتق والصوم والإطعام أحسن هو قول مالك من رواية مطرف وابن الماجشون وقالا به وهو أحد الأقوال السبع، وقيل التخيير فيها على السوية رواه ابن وهب وابن أبي أويس، وبه قال أشهب. وقيل العتق ثم الصيام ثم الإطعام كالظهار قاله ابن حبيب، وقيل العتق أو الصيام للجماع والإطعام لغيره قاله أبو مصعب وضعفه ابن عبد السلام بأن الحديث الذي هو أصل هذا الباب إنما كانت الكفارة فيه بالإطعام للجماع.

وقيل: أهل اليسار يتعين في حقهم الصوم قاله يحيى بن يحيى أفتى به الأمير عبد الرحمن ذكره غير واحد كعياض في مداركه، وقيل يتعين الإطعام في الشدة والعتق في الرخاء نقله الباجي عن فتوى متأخري أصحابنا. وقيل إن الكفارة مخصوصة بالإطعام فقط ليس فيها عتق ولا صوم وتأول هذا على المدونة في قولها لا يعرف مالك غير الإطعام لا عتقا ولا صوما قال عياض ولا يحل تأويله عليه لأنه خرق للإجماع، ولم يقل به.

قال القاضي عبد الوهاب: ولم يختلف العلماء أن الثلاث كفارة وإنما اختلف هل هي على التخيير أو على الترتيب، قال ابن هارون بعد أن نقل هذا الذي قلناه، فإذا كان هذا القول في الضعف والسقوط بهذه المنزلة لمخالفة الإجماع فكيف ينبغي لابن الحاجب أن يجعله المشهور، فعليه في ذلك درك، وما ذكر الشيخ أن الكفارة تكون بمده عليه السلام هو نص المدونة ولا أعلم فيه خلافا.

(وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة):

ما ذكر لا خلاف فيه وإنما اختلف هل يقضي يوما واحدا أو يومين؟ قال مالك في كتاب الظهار من المدونة يقضي يوما واحدًا، ونحوه عن ابن القاسم في العتبية رواه عنه سحنون. وقال في كتاب الحج منها أن عليه يومين واختلف إذا أفطر في قضاء القضاء، فقيل عليه يومان وقيل يوم واحد، وكلاهما لمالك حكاهما ابن يونس وحكى ابن عات أن عليه ثلاثة أيام.

(ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق وقتها):

ص: 288

اعلم أنه إذا أغمي عليه كل النهار فإنه يقضي مطلقا على المشهور وقيل إن كان بمرض وإلا فلا قاله ابن هارون وهو ظاهر المدونة لقولها وإن أغمي نهاره كله أجزأه وإن كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزه لقيده بالمرض، وأما إذا أغمي بعد انعقاد الصوم وكان يسيرا فلا أثر له وظاهر كلام اللخمي أنه متفق عليه وليس كذلك بل حكى ابن يونس عن عبد الملك أنه يقضي في القليل والكثير، وإما إذا أغمي عليه نصف النهار أو أكثره ففي ذلك أربعة أقوال: فقيل يجزئه، وقيل لا وقيل يجزئه في النصف ولا يجزئه في الأكثر قاله مالك في المدونة، وقال أشهب بأثره هذا استحسان ولو اجتزأ به ما رغب عنه.

(وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه):

ينبغي هنا على الوجوب وإنما خصص الشيخ ذلك برمضان وإن كان غيره كذلك، لأن المعصية تغلظ بالزمان والمكان فمن عصى الله تعالى في الحرم فهو أعظم من الجرأة ممن عصاه خارجا عنه، ومن عصاه بمكة فهو أعظم ممن عصاه خارجا عنها، ومن عصاه بمسجدها فهو أعظم ممن عصاه خارجا عنه، ومن عصاه في الكعبة فهو أعظم مما قبله. وهذا الذي قلناه كان يذهب إليه بعض من لقيناه ممن تولى قضاء الجماعة في تونس، ولقد زاد في حد الخمر عشرين سوطا لرجل أخذ وهو سكران بمقربته من جامع الزيتونة بتونس حرسها الله تعالى لحرمة الجامع، وفي هذا الأخير نظر لأن الحدود لا يزاد عليها لا يقال إنهما أمران لأنه يلزم عليه الزيادة على الحد لمن شرب الخمر بالمدينة ومكة ولا علم أحدا نص على ذلك، وظاهر كلامهم نفيها، نعم الأدب يغلظ بالزمان والمكان.

(ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان ولا يحرم ذلك عليه في ليله ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء):

أما الوطء فالإجماع عليه ولو لم يذكره لكان أحسن لأن كلامه يدل عليه من باب أحرى، واعترض ابن الفخار كلام الشيخ لأن ظاهره يقتضي إباحة القبلة لغير اللذة قائلا: وقد تحدث اللذة وإن لم يقصدها والصواب منعها مطلقا، وقد كان بعض السلف بهجر منزله في نهار رمضان.

وقالت عائشة رضي الله عنها "وأيكم أملك لإربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم". وظاهر كلام الشيخ أن القبلة منهي عنها سواء كان في فرض أو تطوع لشيخ أو شاب وهو

ص: 289

كذلك في المشهور، والمراد بذلك على وجه الكراهة، وقيل إنها مباحة للشيخ وتكره للشاب رواه الخطابي عن مالك، وقيل إنها مباحة في النفل مطلقاً وتمنع في الفرض رواه ابن وهب، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض في الإكمال. وقسم غير واحد القبلة والمباشرة والملاعبة على ثلاثة أقسام: فإن علم من نفسه السلامة لم تحرم وعكسه عكسه وإن شك ففي ذلك قولان: الكراهة والتحريم وقال ابن هارون والذي عني أنه إن شك في خروج المني فالظاهر التحريم وإن شك في المذي فالظاهر الكراهة، وظاهر كلام الشيخ أن الفكرة والنظر ليس منهيا عنهما وجعلهما ابن الحاجب كالقبلة ونحوها وجعل اللخمي النظر المستدام كالقبلة، وقال ابن بشير لا يختلف أنهما لا يحرمان وإنما اختلف في القبلة والمباشرة هل تحرم أم تكره أو يفرق بين الشيخ والشاب وبين الواجب وغيره.

(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء و‘ن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة):

ظاهر كلام الشيخ إن التذ بقبلة فلا شئ عليه، وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ، ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك في قول. والملاعبة والمباشرة مثل ما تقدم إلا أن الكفارة تجب في المني من غير تفصيل بين استدامة وغيرها على المشهور، وأسقط أشهب الكفارة فيه مع عدم الاستدامة نقله الباجي.

(ومن قام رمضان إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب به والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام ومن شاء قام في بيته):

اختلف في قيام رمضان فقيل: فضيلة قال ابن حبيب، وقيل: سنة قاله أبو عمر بن عبد البر. ومعنى قول الشيخ إيمانا أي تصديقا ومعنى احتساباً أي خالصا لله ويريد بالمغفرة الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، ويريد أيضاً فيما بين العبد

ص: 290

وربه وأما ذنوب الخلق فلا ب من التحليل لأربابها.

قال بعض من شرح كلام الشيخ، وهذا الموضوع هو أحد ما تغفر بسببه الذنوب ومثله المصلي للجمعة والمريض والحاج والمجاهد والمفطمة لولدها والكافر يسلم زاعما أن الحديث ورد بذلك، ولا شك أن ما ذكره في الكافر صحيح يل عليه قوله عليه السلام " الإسلام يجب ما قبله " والمجاهد قد علمت ما جاء فيه من الحث وإليك النظر في بقيتها.

(وذلك أحسن لمن قويت نيته):

ما ذكر أن صلاة المنفرد أحسن هو المشهور، وقيل قيامه في المساجد أفضل ولا يبعد أن يكون سبب الخلاف ما تقدم من حكمه هل هو فضيلة أو سنة، وهذا الخلاف عند غير واحد إنما هو ما لم تتعطل المساجد وظاهر كلام بعضهم أن الخلاف عموما، وهذا على سبب الخلاف المتقدم، ونقل أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن الطحاوي أنه قال، أجمعوا على منع تعطيل المساجد منه، قال مالك وختم القرآن فيه ليس بسنة وقال ربيعة إن أمهم فيه بسورة أجزأهم وكلا المقالتين في المدونة قال اللخمي والختم أحسن.

(وإن كان السلف الصالح يقومون فيه في المساج بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر وكل ذلك واسع ويسلم من كل ركعتين):

ويذكر عن ابن شعبان أنه يكره تقسيط القرآن ليوافق الختم ليلة سبع وعشرين ذكره في كتاب البيوع، ونقل ذلك عنه ابن أبي يحيى عند تكلمه على هذا المحل، قال التادلي، وهذا خلاف قول مالك أنه يقام بتسع وثلاثين ركعة، وذكر اللخمي عن مالك أنه قال الذي آخذ به ما جمع عمر عليه الناس إحدى عشرة ركعة، وقال ابن حبيب رجع عمر إلى ثلاث وعشرين ركعة.

(وقالت عائشة رضي الله عنها: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر):

قال بعض الشيوخ: يريد في الأغلب وإلا فقد روي عنها أنه أوتر بخمس عشرة، وروي عن غيرها من أزواجه أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع وليس اختلافا كما ظنه بعضهم، وإنما هو اختلاف في حال فإنه كان عليه الصلاة والسلام أول ما يبدأ به إذا دخل بيته بعد العشاء بتحية البيت، وإذا قام يتهجد يفتتح ورده بركعتين خفيفتين

ص: 291