الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب في زكاة العين والحرث والماشية
(وما يخرج من المعدن وذكر الجزية وما يؤخذ من تجار أهل الذمة والحربيين)
الزكاة في اللغة: لها معنيان: أحدهما النمو لقوله زكا الزرع وغيره يزكوا إذا نما.
الثاني: التطهير لقوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم)[التوبة: 103]
، وحقيقتها في الشرع: قال بعض شيوخنا: الزكاة اسم لجزء من المال شرط وجوبه لمستحقه بلوغ المال نصاباً ومصدراً إخراج لجزء إلى آخره.
واعلم أن الزكاة وردت في الشرع بألفاظ مختلفة فمنها الصدقة قال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة)[التوبة: 103]
ومنها الإنفاق (ولا ينفقون إلا وهم كارهون)[التوبة: 54]
ومنها العفو قال تعالى: (خذ العفو)[الأعراف: 199]
ومنها الماعون قال تعالى: (ويمنعون الماعون)[الماعون:7].
(زكاة العين والحرث والماشية فريضة):
الزكاة واجبة بالكتاب والسنة والإجماع، أما بالكتاب فقوله تعالى:(وأقيموا الصلاة وأتوا الزكاة)[البقرة: 43]
، (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) [التوبة: 34]
والكنز في الآية هو المال الذي لم تؤد زكاته وإن لم يدفن، وأما السنة فقوله عليه السلام "بني الإسلام على خمس" فذكر منها "الزكاة" وأجمعت الأمة على ذلك فمن كذب بذلك فقد كفر ومن امتنع من أدائها وأقر بوجوبها أخذت منه كرها وأبعد قول ابن حبيب تاركها كافر، واختلف هل تفتقر إلى نية أم لا؟ فالأكثر على أنها تفتقر، وقيل إنها لا تفتقر وأخذ ذلك من القول الشاذ أن الفقراء شركاء لأن وصول الشرط إلى حقه مما بيد شريكه لا يشترط فيه لا نية القابض ولا نية الدافع، ومن قول أهل المذهب: الممتنع من أداء الزكاة تؤخذ منه كرها وتجزئه مع ظهور المنافاة بين الإكراه بين التقريب ورده ابن القصار بأنه يعلم فنحصل النية، وألزم إذا لم يعلم، وقال ابن العربي في الزكاة المأخوذة كرها أنها تجزيه ولا يحصل الثواب.
(فأما زكاة الحرث فيوم حصاده والعين والماشية ففي كل حول مرة):
المشهور من المذهب أن الزكاة تجب بالطيب المبيح للبيع، وقال المغيرة تجب بالخرص، وقال ابن مسلمة تجب بالجداد والحصاد وهو مذهب الشيخ، وحكى اللخمي قولاً إنها تجب باليبس، وقال ابن بشير سمعناه في المذكرات، وفائدة هذا الخلاف تظهر فيمن باع او ماتت او عتق فيما بين ذلك.
(ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق وذلك ستة اقفزة وربع قفيز والوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وهو أربعة أمداد يمده صلى الله عليه وسلم:
المشهور من المذهب أن الزكاة تجب في كل مقتات متخذ للعيش غالباً وقيل تجب في كل ما يخبز من الحبوب فتخرج القطاني على هذا القول، وقال ابن الماجشون بالقول الأول مع كونها تجب في كل ذي أصل من الثمار كالرمان والتفاح، وقول الشيخ وذلك ستة أقفزة وربع قفيز يعني بأفريقية في زمانه، وصرح بذلك سحنون.
أيضاً، وقال ابن الحاجب والصاع خمسة أرطال وثلث والرطل مائة وثمانية وعشرون درهماً، والدرهم سبعة أعشار المثقال، والمثقال اثنان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من الشعر المطلق، قال ابن عبدالسلام: تبع في نقله هذا ابن شاس وابن شاس تبع في ذلك عبدالحق صاحب الأحكام على خلل في نقل ابن شاس وأظنه كان في نسخته، ونقله عبدالحق المذكور عن كلام ابن حزم، وقد انفرد بشئ شذ فيه على عادته بل خالف الإجماع على ما نقله ابن القطان وغيره وذلك انه جعل وزن الدينار اثنين وثمانين حبة وثلاثة أعشار حبة من الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشاره وكون الدرهم سبعة أعشاره، وهذا المثقال الذي ذكره متفق عليه، وأما وزن الدينار فهو الذي خالف فيه الناس، بل قال جميعهم أن وزن الدينار اثنان وسبعون حبة، والدرهم سبعة أعشاره وهو خمسون حبة وخمساً حبة من الشعير المطلق.
(ويجمع القمح والشعير في الزكاة وكذلك السلت فإذا اجتمع من جميعها خمسة أوسق فليزك ذلك):
ما ذكره في القمح والشعير هو كذلك على منصوص الذهب قاله ابن بشير يعني ويتخرج من خلال ابن القاسم السيوري وتلميذه عبدالحميد الصائغ ان الشعير جنس آخر بالنسبة الى القمح في باب الربا، ورده بعض شيوخنا بتفريق الموطأ بين الزكاة والربا في الذهب والفضة واختلف في العلس فالأكثر على تعلق الزكاة به وحكي ابن عبدالبر عن ابن عبدالحكم أنها لا تتعلق به، وحكي ابن زرقون عن مطرف عن مالك، وعلى الأول فقيل يلحق بما ذكر الشيخ قال الشيخ قاله ابن كنانة وغيره، وقيل أنها لا تلحق قاله ابن وهب وغيره.
(وكذلك تجمع أصناف القطنية وكذلك تجمع أصناف التمر وكذلك أصناف الزبيب):
اعلم أن قول مالك اختلف في القطاني في البيوع فقال: مرة هي جنس واحد يحرم التفاضل بين أنواعها ومرة أجازه بناء على أنها أجناس قال ابن بشير واختلف المتأخرون هل يجري هذه الخلاف في الزكاة أم لا؟ فرأي القاضي عبدالوهاب جريانة، وقال الباجي: الصواب أنه لا يجري وعول على ما ذكره مالك في الموطأ في أن الدنانير والدراهم جنسان في الربا ويضاف بعضها إلى بعض في الزكاة بلا خلاف قلت، ونقله اللخمي عن القاضي قي إنها أجناس كالبيوع وتبعه ابن الحاجب فقال، وفي القطاني.
الضم على المشهور بخلاف الربا، واختلف في الكرسنة فقيل هي من القطاني وقيل لا فتسقط الزكاة فيها قاله يحيي بن عمر ومالك وصوبه بعض الشيوخ لأنها علف لا طعام وهي البسيلة قاله الباجي.
(والأرز والدخن والذرة كل واحد صنف لا يضم إلى الآخر في الزكاة):
ما ذكر الشيخ هو المشهور وهو ظاهر لتباين مقاصدها واختلاف صورها في الحلقة، وقيل هي جنس واحد، والمعروف لأنها لا تضاف إلى القمح والشعير والسلت في الزكاة وقال الليث هي معها جنس واحد، وقال اللخمي وهي أقيس لاتفاق المذهب على أن أجناس جميع هذه الستة صنف يحرم التفاضل فيه والغالب من هذه الحبوب أنها تستعمل خبزاً فقد استوت فيما هو مقصود منها.
(وإذا كان في الحائط أصناف من التمر أدي الزكاة عن الجميع من وسطه):
ظاهر كلامه ولو كان صنفاً واحداً كجعرور وغيره فإنه يؤخذ منه بحسابه وهو كذلك قال مالك في المدونة، وقيل إنه يؤخذ منه وإن كان مختلفاً وهو قول مالك في كتاب محمد واختاره اللخمي، وقيل يؤخذ من الوسط وإن كان كله جيداً أو رديئاً كلف الوسط قاله مالك في المجموعة وقاله ابن حبيب وابن نافع، وأما الحب فيؤخذ منه كيف كان باتفاق قاله ابن الحاجب قال ابن عبدالسلام: وما ذكره من الاتفاق ذكره بعضهم وفيه نظر.
وقد ألزم ابن القاسم القائل في أنواع التمر إذا كثرت أن يخرج من وسطها أن يقول في الذهب والفضة إذا اختلف أجناسه بالجودة والرداءة كذلك، وبالجملة لا فرق بين الذهب والورق والحب والتمر فإما أن يؤخذ منه إن كان نوعاً واحداً على أي حال من جودة ورداءة وإما أن يكلف بالوسط ولا يلزم مثل هذا في الماشية لأنها إذا أثقلت لا تحمل ولا يستطاع حمله رديئاً فكلف صاحب الردئ بالوسط فكان من العدل ان يكلف مثل ذلك إذا كان ماله جيداً كله وما عدا الماشية من الأموال يستوي فيها الردئ وغيره.
(ويزكي الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته):
ما ذكر من أن الزيتون يزكي هو المعروف: وحكى ابن زرقون عن ابن وهب كمذهب الشافعي أنه لا تجب فيه زكاة قال ابن عبدالسلام: وهو الصحيح على أصل المذهب لأنه ليس بمقتات ولا يتعرض بجريان الربا فيه لأن الربا أصل آخر، ألا ترى أن
الشافعي نص على جريانه في الملح، قال اللخمي، وكذلك الجلجلان بالمغرب لا تجب فيه زكاة لأنه لا يستعمل فيه إلا للدواء، وإذا فرعنا على المعروف من المذهب فاختلف فيما لا يخرج منه زيت فقيل بوجوب الزكاة فيه، وقيل لا، وما ذكر الشيخ من أن النصاب خمسة أو سق هو كذلك كغيره، والوسق بالزيتون سواء أخرجت الخمسة أوسق من الزيت كثيراً او يسيراً على ظاهر كلام الشيخ، قال اللخمي إن أخرجت الخمسة الأوسق قدر النصف ونحوه مما جرت به العادة في كل عام في ذلك الموضع لقحط السماء لم تجب فيه زكاة لأنه ليس يغني، ولو نقصت يسيراً وجبت الزكاة فيها، وان وجد في الحائط فوق خمسة أوسق لكنه يخرج من الزيت قدر ما يخرجه الخمسة لقحط السماء وجبت عليه الزكاة، وما ذكر أنه يخرج من زيته هو المشهور حتى أنه لو أخرج من الحب فإنه لا يجزئ، وقال محمد بن عبدالحكم ونحوه لابن مسلمة الواجب الحب وليس على ربه عصره قال وصوبه اللخمي لقوله تعالى:(وآتوا حقه يوم حصاده) وقيل كيفما أخرج أجزأه إما من الحب وإما من الزيت.
(ويخرج من الجلجلات وحب الفجل من زيت):
قال ابن يونس: اختلف قول مالك في زريعة حب القرطم وزريعة الكتان فقال مرة لا زكاة فيهما وبه أخذ سحنون وقال مرة فيهما الزكاة وبه أخذ أصبع، وروى عنه ابن القاسم تجب الزكاة في حب القرطم وتسقط في بذر الكتان وزريته، وقال ابن بشير اختلف في زريعة الفجل وحب العصفر والكتان على ثلاثة أقوال: ثالثها إن كثر خروج الزيت منه وجبت وإلا فلا، وحب العصفر هو حب القرطم.
(فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شال الله تعالى، الأظهر أن الإشارة بذلك راجعة للزيتون وما بعده وهذا القول مروي عن مالك قال يخرج عشر الثمن كالزيتون والرطب والعنب مما يعتصر ويثمر ويزبب أم لا).
قال عبدالوهاب وأخذ بعض الأشياخ منه قولاً بأنه يجوز إخراج القيم في الزكاة، والمشهور من المذهب أن الزيتون الذي له زيت إنما يخرج عنه الزيت فقط وما لا زيت له يخرج من ثمنه، واختلف إذا أعدم البائع فقال ابن القاسم يرجع الفقراء على المشترى ويتبع هو ذمة البائع، وقال أشهب لا رجوع لهم عليه لأن بيعه كان جائزاً وصوبه سحنون والتونسي، وقال اللخمي هذا إن باع ليخرج الزكاة، وإن كان لا.
يخرجها فالأول وسبب الخلاف بين القولين الأولين هو هل الفقراء شركاء أم لا؟
وعكس ابن الجلاب نسبة القولين ونسب في ذلك الى الوهم، وقال ابن هارون ويجب على أن الفقراء شركاء لأرباب الأموال أن يفسخ البيع في جزء الزكاة إلا أن يقال أنهم لم يكونوا معينين ضعف حقهم في ذلك ولذلك جاز لرب الحائط بيع جميعه.
(ولا زكاة في الفواكه والخضر ولا وزكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا فإذا بلغت عشرين ديناراً فقيها نصف دينار ربع العشر):
ما ذكر أن نصاب الذهب عشرون ديناراً هو مذهبنا باتفاق وذهب الحسن والثوري إلى أن النصاب أربعون ديناراً، وقال بعضهم النصاب من الذهب ما قيمته مائتا درهم كان أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، واحتج أصحابنا بقوله عليه الصلاة والسلام في عشرين ديناراً نصف دينار وتلقته الأئمة بالقبول ويريد الشيخ أن المعتبر الوزن الأول وهو ذلك.
وقال ابن حبيب إن كثر نقص الدنانير وصارت كوازنة بالبلد زكيت، فحمله الباجي وابن رشد على أن المعتبر عنده عدد النصاب بوزن كل بلد فنسباه لحرق الاجماع، وألزمه الباجي أن يقول بوجوب الزكاة على من بيده عشرون ديناراً من رباع صقلية لأنها كالدنانير عندهم، وأجابه ابن رشد بأنهم لا يتعاملون بها على أنها دنانير بل على أنها أجزاء من دنانير، ورده المازري بأن مراده ما جاز كوازنه بالوزن الأول على المعروف، فإن كانت الدنانير ناقصة فإن كان نقصها لا يحطها عن سعر الوازنة فاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: احدها وجوب الزكاة قال ابن المواز، ولو كان ينقص كل دينار ثلث حبة، وقيل إنها لا تجب قال ابن لبابة وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقيل إن كان النقص يسيراً وجبت الزكاة وإلا فلا قاله ابن القاسم في العتيبة.
قال ابن هارون وهو المشهور وجعل ابن الحاجب المشهور الأول وليس كما قال، واختلف في حق اليسير فقال عبدالوهاب وهو كالحبة والحبتين وان اتفقت الموازين عليه، وقال ابن القصار والأبهري إنما يكون ذلك إذا اختلفت الموازين في النقص وأما إن اتفقت عليه فهو كالكثير، وأما إن حطها النقص عن سعر الناس ولم تجز بجواز الوازنة فإن كان النقص كثيراً فلا زكاة باتفاق وإن كان يسيراً فقيل كذلك، وقيل بوجوب الزكاة ولو كان النقص بصفة فإن كان لا يحطها كالمرابطية فكالخالصة.
وإن حطها فالمشهور بحسب الخالص، وقال ابن الفخار إن كان الخالص الأكثر اعتبر الجميع وإلا اعتبر الخالص.
(فما زاد فيحاسب ذلك وإن قل):
ما ذكر الشيخ هو مذهبنا وقال أبو حنيفة لا شئ في الزائد على النصاب حتى يبلغ أربعة دنانير في الذهب وأربعين درهما في الورق فإذا بلغ زكاة ثم كذلك يبقى الوقص فيهما، واحتج بقوله عليه الصلاة والسلام "فأتوا الى ربع عشر ما عندكم من كل أربعين درهما" وهذا يقتضي بأن ما دون الأربعين وقص مثل قوله عليه الصلاة والسلام في زكاة الغنم" فما زاد ففي كل مائة شاة" وقول الشيخ وإن قل ظاهره، وإن لم يكن الإخراج من عينه فإنه يشتري به طعام أو غيره مما يمكن قسمه على أربعين جزءاً وفي التلقين فما زاد فبحسابه به في كل ممكن، قال ابن عبدالسلام: فكان بعض اشياخي يجعله خلافاً للأول ويري أن الإمكان المراد به انقسام الزائد على النصاب الى جزء الزكاة ويأتي ذلك فيه، قال ويحتمل ان يقال الإمكان المأخوذ من هذا القول هو الذي أوجبه في القول الآخر لأنه ربما زاد النصاب زيادة محسوسة، لا يمكن أن يشتري بها ما ينقسم أربعين جزءاً، قلت وقطع بعض شيوخنا بأن قول التلقين خلاف قائلاً ونقله المازري قال ومن رأي أن الأصل إنما وجب وتعذر بذاته وأمكن تغيره وحب الغير له كجزء من الرأي في غسل الوجه وجزء من الليل في الصوم، وما ذكر شيخنا ضعيف لأنه ذلك مختلف فيه عند أهل الأصول وعند أهل المذهب حسبما قدمناه في محله.
(ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم وذلك خمس أواق ذلك والأوقية أربعون درهماً من وزن سبعة أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم فإذا بلغت هذه الدراهم مائة درهم ففيها ربع عشرها خمسة دراهم فما زاد فبحساب ذلك):
والأوقية بضم الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وأواق بحذفها، ودرهم الكيل وزنه خمسون وخمساتً حبة وسمي درهم الكيل لأنه بتكييل عند الملك بن مروان أي بتقديره وتحقيقه، وذلك أن الدراهم التي كان يتعامل بها الناص قديماً نوعان: نوع عليه نقش فارق والآخر عليه نقش الروم، فكان الناس يتعاملون بها.
مجموعة على النصف من هذه والنصف من هذه عند اطلاق وكذلك كانوا يؤدون الزكاة في أول الإسلام باعتبار مائة من هذه ومائة من هذه في النصاب، ذكر ذلك ابو عبيدة وغيره الى زمان عبدالملك بن مروان رحمه الله تعالى.
(ويجمع الذهب والفضة في الزكاة):
ما ذكر الشيخ أنه يجمع الذهب الى الفضة في الزكاة هو المشهور من المذهب، وقال ابن لبابة كالشافعي بعدم الضم لأنهما جنسان مختلفان كالبقر والغنم حكاه ابن رشد، والمعتبر في الجمع الوزن لا القيمة باتفاق خلافاً لأبي حنيفة، وقال ابن الحاجب: ويكمل أحد النقدين بالآخر بالجزء لا بالقيمة اتفاقاً فقال ابن عبدالسلام الاتفاق راجع إلى القسمين وهما الضم بالجزء وبقي القيمة وخالف الشافعي في الأول وهو الظاهر كما لا يضم أجزاء سائر النصب وخالف ابو حنيفة في الثاني.
وقال ابن هارون يرجع الى قوله بالجزء لا إلى التكميل بخلاف ابن لبابة قلت ظاهر اللفظ ما فسر به ابن هارون ولم يحفظ ابن عبدالسلام قول ابن لبابة فلذلك ذكر ما تقدم عنه، وقال ابن عبد البر عدم الضم صحيح لتباينها بالتفاضل فيهما.
(فمن كان له مائة درهم وعشرة دنانير فليخرج من كل مال ربع عشر):
اختلف المذهب هل يجوز إخراج الذهب عن الورق والعكس على ثلاثة أقوال: فقيل أنه جائز قال في المدونة، وقيل أنه ممنوع لأنه من إخراج القيم في الزكاة وقيل يخرج الورق عن الذهب بخلاف العكس، قاله ابن كنانه قائلاً: إن خالف ذلك أجزأه، ونحوه لابن القاسم وهو الذي ذكرناه من الخلاف بالمنع والجواز هو ظاهر كلام ابن الحاجب وتصريح كلام ابن هارون ونصف ابن هارون ونص ابن الحاجب وفي إخراج أحدهما عن الآخر، ثالثها يخرج الورق عن الذهب.
وانتقده ابن عبدالسلام بأن الخلاف إنما هو بالكراهة والجواز ومثله قول ابن راشد: لم أقف على المنع في المذهب، قلت وهذا منهما قصور لنقل ابن بشير إياه نصاً، وإذا قلنا بالجواز فقيل يعتبر صرف الوقت ما لم ينقص عن الصرف الأول، قاله ابن حبيب، وقيل باعتباره صرف الوقت مطلقاً قاله ابن المواز وهو ظاهر المدونة، وقيل باعتبار الصرف الأول مطلقاً حكاه الأبهري عن بعض أصحابنا وجعل ابن الحاجب المشهور قول ابن حبيب، قال ابن عبدالسلام: وليس كذلك بل المشهور اعتبار صرف الوقت مطلقاً ونحوه لابن هارون وما ذكراه من المشهور وصرح به المازري.
(ولا زكاة في العروض حتى تكون للتجارة فإذا بعتها بعد حول فأكثر من يوم أخذت ثمنها أو زكيته ففي ثمنها الزكاة لحول واحد أقامت قبل البيع حولا أو أكثر):
أعلم أن أكثر أهل المذهب قالوا بزكاة العروض وذهب أهل الظاهر إلى سقوط الزكاة فيها، وعلى الأول فمذهبنا يفرق فيها بين حكم الإدارة وحكم الاحتكار، وقال أكثر الفقهاء لا يفرق بل إذا حال الحول قومها بغالب نقد بلده مطلقاً، وبدأ الشيخ بزكاة المحتكر وذكر فيها أربعة شروط.
الأول: أن تكون بنية التجارة ونبه على هذه بقوله حتى تكون للتجارة احترازاً من عدم النية أو نية مضادة لنية التجارة، كالقنية أو في حكم المضادة كنية الإجارة فإنها لا تزكي في جميع ذلك، وقيل تزكي في الأخير إذا باع.
الثاني: أن يملكه بمعاوضة ونبه عليه الشيخ بقوله من يوم أخذت ثمنه أو زكيته احترازاً من ملكها بالميراث والهبة ونحوهما فإنه لا زكاة فيها إلا بعد حول من يوم قبض ثمنها، وتلحق بالعين المشتراة بع بعرض تجارة احترازًا من عرض القنية فإن كان كذلك ففيه قولان.
الثالث: أن يرصد السوق إلى أن يجد فيها ربحاً معتبراً عادة وأشار إليه بقوله: فإذا بعتها بعد حول احترازاً من المدبر فإنه يكتفي بما أمكنه من الربح وربما باع بغير ربح وبأقل من رأس المال.
الرابع: أن يبيع بعين وأشار إليه بقوله ففي ثمنها الزكاة احترازاً من أن يبيع بعرض فإنه لا يزكي.
(إلا أن تكون مدبراً لا يستقر بيدك عين ولا عرض فإنك تقوم عوضك كل عام وتزكي ذلك مع ما بيدك من العين):
اختلف المذهب في علة كونه يزكي كل عام بالتقويم فقيل لاختلاط الأحوال عليه وعدم انضباطها بكثرة البيع بالعين، وقيل لأنه لما كثرت الإدارة في العروض صارت في حقه كالعين، وعلى هذا الخلاف انبنى من بيع العروض بالعروض هل يقوم أم لا؟ فعلى الأول لا يقوم وهو قول ابن القاسم وأشهب وابن نافع، وعلى الثاني يقوم وهو قول مالك من رواية مطرف وابن الماجشون، وعليه فقيل يخرج عرضه ويقومه ويجزئه وقيل يكلف بإخراج العين وهو ضعيف لأننا بنينا أن العروض في حقه كالعين ولا سيما إذا قلنا إن الفقراء شركاء، وعلى الأول أنه إذا كان يبيع العروض بالمعروض فلا يزكي فهل يشترط أن يكون الناض نصاباً أم لا؟ فاشترطه أشهب وابن نافع.
ومذهب المدونة أن نصوص الدرهم كاف ولا يبالي في أي أجزاء الحول حصل النصوص عند الأكثر، وقيل لابد من أن ينص في آخره.
(وحول ربح المال حول أصله وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات):
ما ذكر من أن ربح المال مضموم إلى أصله وظاهره كان الأصل نصاباً أم لا هو المعروف من المذهب، وروى أشهب وابن عبد الحكم أنه يستقبل به حولا وإن كان الأصل نصاباً كالفوائد. ولا أنكر أبو عبيد القول الأول وقال لا نعلم أحدا قاله قبل مالك ولا فرق بين ربح المال والفوائد ولم يتابعه عليه أحد غير أصحابه، وقال أبو عمر بن عبد البر قال بقول مالك هذا الأوزاعي وأبو ثور وطائفة من السلف إلا أن هؤلاء راعوا أن يكون أصله نصاباً، فإذا كان دون النصاب استقبل به حولا إذا كمل به النصاب ولا خلاف في المذهب فيما قد علمت أن أولاد الماشية مضمومة إلى أمهاتها، وفيها خلاف خارج المذهب والفرق بينها وبين الأرباح على القول الثاني هو أن الماشية إذا بقيت تناسلت بأنفسها والنفقة عليها إنما هي لحفظها في أنفسها لا للتناسل ولا تحصل الأرباح في الأموال بالحركة فيها.
وانقلاب أعيانها قال ابن عبد السلام: بدليل أن الغاصب يرد الأولاد ولا يرد الأرباح، وقول الشيخ وكذلك حول نسل الأنعام حول الأمهات إنما قصد به الإخبار بالحكم به لا أنه أتى به دليلاً للأول إذ الفارق ما تقدم والله أعلم، قال الفاكهاني رحمة الله تعالى: الأمهات جمع مفرده أمهة إنما تقع في الغالب على من يعقل ومن لا يعقل فكان الأحسن وإلا وجب أن يقول حول لا الأمهات فأعرفه.
(ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقصه عن مقدار الزكاة فلا زكاة عليه):
ما ذكر هو المذهب وقال ابن عبد السلام: ليس لأهل المذهب في سقوط الزكاة عن المديان نص ظاهر والذي ينبغي أن الزكاة تجب عليه لأن المديان المالك لنصاب من أنواع العين والحرث والماشية يتناوله لظاهر المقتضي للوجوب، قلت: ووجه بعض شيوخ المذهب بعدم كمال ملكه إذ هو بصدد الانتزاع ولكونه غير كامل التصرف كالعيد ولما في الموطأ عن عثمان أن الدين يسقط الزكاة وقال صاحب اللباب، وقال ذلك بمحضر الصحابة ولم ينكر عليه أحد. وظاهر كلام الشيخ ولو كان الدين مهر
امرأته التي في عصمته. وهو كذل قاله ابن القاسم.
وقال ابن حبيب لا يسقط الزكاة إذ ليس من شأن النساء القيام به إلا في موت أو فراق، أو إذا تزوج عليها، وقاله أبو القاسم بن محمد وقال أبو محمد وهو خلاف قول مالك، وقال اللخمي هو حسن في الفقه.
قلت: واختلف ما المشهور من القولين فقال ابن شاش: السقوط هو المشهور وقال ابن بزيزة: المشهور أن الدين غير مسقط للزكاة اعتباراً بالفوائد ولكونه عن عوض ليس بمحقق قال ابن بشير، وكذلك الدين الذي جرت العادة بتأخيره وقبله ابن عبد السلام قائلاً: وذلك كدين الزوجة ودين الأب على الولد، وقال ابن هارون هو أضعف من المهر ولعله أراد بذلك ما يكون من سلف المرأة لزوجها أو من ابنتها له تضمنها لمودة فيحتمل أن يجري ذلك مجرى المهر والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ، ولو كان الدين دين زكاة وهو كذلك على المشهور. وقيل إنه لا يسقط الزكاة لضعف أمه إذ ليس له طالب معين ولا يخرج بعد الموت من رأس المال، وأما الدين الكائن بسبب نفقة الولد فإن قضى بها فلا خلاف أنها كغيرها وإن لم يقض بها فقولان، ونفقة الأبوين على العكس ونفقة الزوجة معتبرة مطلقاً لأنها مرتبة عن عوض، قال ابن عبد السلام: والنظر بحسب قواعد المذهب يقتضى أن الغرامة تمنع من إخراج الزكاة وتقدم أن الحكم وصف طردي.
(إلا أن يكون عنده مما لا يزكى من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوانات مقتناة أو عقار أو ربع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من المال فإن لم تف عروضه بدين حسب بقية دينه فيما بيده فإن بقى بعد ما فهي الزكاة زكاة ولا يسقط الدين زكاة حب ولا تمر ولا ماشية):
ما ذكر هو المشهور وقال ابن عبد الحكم: لا يجعل دينه فيما ذكر بل في الناض الذي بيده لأن الحاكم إنا يقضي عليه بدفع الناض الذي عنده وعلى الأول فاختلف هل يشترط في هذا العرض أن يكون مملوكاً من أول الحول قاله ابن القاسم أو لا يشترط إلا كونه مملوكاً في آخر الحول، قاله أشهب وفي ذلك قولان.
ونص في المدونة على أن يجعل دينه في خاتمة وفي كل ما باع عليه الإمام، وخالف أشهب في الختم قائلاً هو لباس مباح فأشيه العمامة فلا يباع عليه، ومما يباع عليه ثوباً يوم الجمعة إن كان لهما قيمة معتبرة وإلا فلا، وكان يتقدم في درس بعض
التونسيين أن العكس أولى فلا يعتبر أن كانت لهما قيمة لأنهما حينئذ لهما خصوصية بالجمعة وإن لم تكن لهما قيمة صارت كثياب سائر الأيام وهي زائدة عليها فتباع، وأجاب بعض شيوخنا بأن الفرض أنهما من ثياب يوم الجمعة وذلك يمنع كونهما من ثياب سائر الأيام فحينئذ إنه كانت لهما قيمة بيعتا لأنهما في حقه سرف، وإلا بقيتا إذ لا سرف فيهما مع كونهما من ثياب الجمعة.
(ولا زكاة عليه في دين حتى يقبضه وإن أقام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قيضه وكذلك العرض حتى يبيعه وإن كان الدين أو العرض من ميراث فليستقبل حولا بما يقبض منه):
ظاهر كلامه وإن كان فارا من الزكاة وهو كذلك، وقال ابن القاسم إن فارا زكي لماضي السنين، قال ابن الحاجب: وخولف قال ابن عبد السلام: فأشار بذلك إلى انفراد ابن القاسم به مع ضعفه وليس بضعيف بل الصحيح مذهب الشافعي وهو إيجاب الزكاة لماضي السنين مطلقاً، وقد وقع في المذهب في غير ما مرة أن الدين إنما لم يزك قل الاقتضاء خشية أن لا يقتضى فينبغي على هذا إذا اقتضى أن يزكى لماضي السنين.
(وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في الحرث والماشية والعين وزكاة الفطر):
أما كون الزكاة لازمة لهم في الحرث والماشية فلا خلاف في المذهب في ذلك، وأما لزوم الزكاة في العين فهو المنصوص، وخرج اللخمي فيه قولاً بسقوط الزكاة حيث لا ينمي ماله من حكم المال المعجوز عن تنميته كالمدفون الذي ضل عنه صاحبه ثم وجده وكمال الموروث الذي لم يعلم به واره إلا بعد حول أو أحوال، ورده ابن بشير بأن العجز في مسألة الصبي من قبل الملك ولا خلاف أن من كان عاجزاً من المكلفين عن تنمية ماله تجب عليه الزكاة، وإنما اختلف إذا كان عدم المال من قبلا لمال وقبله ابن عبد السلام وابن هارون وابن الحاجب، فقال تجب الزكاة في مال الأطفال والمجانين اتفاقاً عينا أو حرثا أو ماشية وتخريج اللخمي النقد المتروك على المعجوز عن إنمائه ضعيف.
وقال بعض شيوخنا تفريق ابن بشير فرق في الصورة نعم يرد التخريج بأن فقد المال يوجب فقد مالكه وعجز الصبي والمجنون لا يوجبه، وعلى المنصوص فقال أبو محمد يؤمر الولي بإخراج الزكاة إذا لم يخف أن يتعقب ففعله كقول مالك في المدونة في كتاب الرهون فيمن مات وفي تركته خمر فليدفعها إلى الإمام لتهراق بأمره، وقال ابن
حبيب: يزكي الولي لليتيم ويشهد فإن لم يشهد وكان مأموناً صدق وقال اللخمي هذا في البلد الذي يقضي فيه بمذهب مالك فإن كان في بلد من يقول فيه بسقوط الزكاة رفع أمره إلى الإمام فإن أمره بإخراجه أخرجها، وإن كان ممن لا يرى ذلك لم يزك إلا أن يكون الولي من أهل الاجتهاد ويرى بقول مالك وخفي عليه إخراجها لجهل معرفة ما وقع بيده فليخرجها.
(ولا زكاة على عبد ولا على من فيه بقية رق في ذلك كله):
يريد ولا على سيده ويريد أيضاً بقوله ولا على من فيه بقية رق كالمكاتب والمدير وأم الولد والمعتق بعضه وإلى أجل، وما ذكر هو المعروف في المذهب وقال ابن هارون وقع لابن كنانة في المدونة ولم ير أحد نقله عن غيرها بل قال ابن بشير لا تجب اتفاقاً ونقله ابن المنذر عن الشافعي والثوري وإسحاق وأحد قولي عمر.
قلت: قال الشيخ ابن راشد كثيراً ما يجري ابن بشير وغيره خلافاً فيمن ملك أن يملك هل يعد مالكاً أم لا؟ ويلزم القائل بأنه يعد مالكاً أن يقول بوجوب الزكاة على السيد هنا وقبله خليل قال الشيخ ابن هارون استشكال قول مالك من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن هذا المال إما أن يكون ملكاً للعبد أو السيد وأيا ما كان فتلزم زكاته لدخولهما تحت الأمر بالزكاة.
الثاني: أن العبد يتسرى والتسري دليل على الملك.
الثالث: أنه إذا أذن له السيد في الكفارة بالإطعام أو بالكسوة كفر فيجب أن يزكي إذا أذن له.
(فإذا اعتق فليأتنف حولا من يومئذ بما يملك من ماله ولا زكاة على أحد في عبده وخادمه وفرسه وداره ولا فيها يتخذ للقنية من الأرباع والعروض):
يريد لأن ماله يتبعه في العتق إلا أن ينزعه السيد فليستقبل به حولا قال ابن راشد، ويمكن أن يجري قول بوجوب الزكاة فيما إذا اعتق من مسألة من عنده مائة لا يملك غيرها وعليه مائة فحال عليها الحول فوهبها له ربها فقد قيل بوجوب الزكاة لأن الغيب كشف أن المانع من زكاتها ليس بمانع وقبله خليل، قال ابن هارون واختلف إذا كان للعبد عروض للتجارة فقيل فإنه يستقبل بثمنها حولا يعد القبض، وقيل إن كان مديرا فإنه يقومها بعد حول من يوم العتق وهذا الخلاف في النصراني يسلم وكذلك
العبد، قلت في كلامه قلق لأن قوله واختلف يقتضي أن الخلاف فيه إنما هو بالنص، وقوله وهذا الخلاف إلى آخه يقتضي أن الخلاف إنما هو بالتخريج فتأمله، وتقدم الخلاف فيما تجب به زكاة الحبوب والثمار والعتق يتبني على ذلك ما تقدم.
(ولا فيما يتخذ للباس من الحلي):
ما ذكره هو المعروف، وقيل إن الزكاة تجب في كل حلي نقله ابن زرقون عن رواية المازري عن مالك وبه قال أبو حنيفة وحكي الطحاوي عن مالك أيضاً أن الزكاة تجب إذا كان الحلي لرجل وتسقط إذا كان لامرأة، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال، ووقف الشافعي عن الجواب في ذلك قائلاً استخبر الله فيه واختلف أصحابه على قولين بالوجوب والسقوط، ويريد الشيخ إذا كان استعماله جائزاً وأما إن كان حاماً فإن الزكاة تجب كالمكاحل والمرايا والمداهن وأما القبقاب للمرأة فقال ابن هارون الأشبه فيه المنع للسرف ولأنه لا يتجمل به دائماً بخلاف الحلي.
قلت: كلامه يقتضي أنه لم يقف على نص فيه، وفيه قولان حكاهما أبو حفص العطار، وظاهر كلام الشيخ أن الحلي لو اتخذ لكراء أن الزكاة تجب فيه، وبه قال ابن مسلمة وابن الماجشون وصوبه اللخمي وقيل إنها تسقط، وهو ظاهر المدونة بل هو نصها، وقيل إن كان لرجل فالزكاة، وإن كان لامرأة فلا، قاله ابن حبيب وكلها لمالك، وكذا اختلف إ‘ذا اتخذ رجل حليا ليتزوج به امرأة ففي وجوب الزكاة فيه قولان لمالك وأشهب، وأجرى عليهما الزكاة من أمسك حليا لابنته الصغيرة لتلبسه إذا كبرت، وكذلك اختلف إذا اتخذه عدة للزمن.
(وفيها يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا ذهباً أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه، وذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلاً به وإن قل):
العدن في اللغة الإقامة يقال عدن الرجل بالمكان إذا أقام به ومنه قوله تعالى: (جنات عدن)[التوبة:72]
أي إقامة وما ذكر الشيخ من اعتبا النصاب هو كذلك باتفاق، وظاهر كلامه أنه لا يشترط فيه الحول لقوله يوم خروجه وهو كذلك عندنا، وقال إسحاق والليث وابن ذئب ما يخرج منه يستقبل به حولا وحجتهم أنه عليه السلام جعل المعدن جباراً، وفي الركاز الخمس فلو كان في المعدن شئ لذكره قال ابن هارون والجواب عنه أن ذلك مسكوت عنه وقد بينه فعله عليه السلام فيه.
حديث بلال بأخذه الزكاة من، واختلف المذهب إذا أذن لجماعة فقيل أنه يشترط أن يكون لكل واحد منهم نصاب وهو المشهور، وقيل إنما يعتبر النصاب في حق الجميع قاله ابن الماجشون، وأجرى عليهما لو كان المدفوع له ليس من أهل الزكاة كالعبد والذمي، واختلف إذا استخرج من المعدن عشرة دنانير مثلاً، وكان بيده من غيره عشرة دنانير حال عليها الحول فقال القاضي عبدالوهاب يضم ويزكي ومال اللخمي إلى أنه وفاق للمدونة وقال ابن يونس هو خلاف، واختلف هل يضم الذهب إلى الفضة أم لا؟ فقيل بالضم حكاه ابن الجلاب وقيل بعدمه حكاه الباتجي تخريجاً على ما يخرج من المعدنين في وقت واحد، وقال ابن الحاجب: وفي ضم الذهب إلى الفضة وإن كان المعدن واحداً قولان فظاهره أن الخلاف فيه بالنصب وليس كذلك، ونبه على هذا ابن عبدالسلام.
(فإن انقطع نيله بيده غيره لم يخرج شيئاً حتى يبلغ ما فيه الزكاة):
ما ذكره متفق عليه لأن ذلك كزرع سنين واختلف في تكميل معدن بمعدن في وقته فقيل بعدم الضم قاله مالك، وقيل بالضم قاله ابن مسلمة وصوبه بعض الشيوخ لتشبيههم ما يخرج من المعدن بالزرع، وقد اتفقنا على أن الزرع يضم قال ابن رشد وإذا انقطع النيل ثم عاد لا يخلو إما أن يتلف ما أخذه من النيل الأول قبل أن يظهر النيل الثاني أو بعد أن ظهر أو بعد أن استخرج منه تمام النصاب، ففي الأول لا يضم احدهما إلى الآخر كزرعين حرث الثاني منهما بعد حصاد الأول وعكسه الثالث، وأما الوجه الثاني فيخرج منه قولان: الزكاة ونفيها، من اختلاف قولي ابن القاسم وأشهب فيمن أفاد عشرة دنانير ثم عشرة فتلفت الأولى بعد حولها ثم جاء حول الثانية فإنه لا يخرج زكاته عند ابن القاسم ويزكي عند أشهب.
(وتؤخذ الجزية من رجال أهل الذمة الأحرار البالغين):
قال ابن رشد: الجزية العنوية ما يؤخذ من كافر على تأمينه، واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير مانع إذ قد يدخل في كلامه ما أخذ من مال على مجرد تأمين اللحاق دار الحرب وليس بجزية قال وهي ما لزم الكافر من مال لأمنه باستقراره تحت حكم الإسلام وصونه، والجزية الصلحية لا حد لها إلا ما صالح عليه الإمام من قليل أو كثير قاله ابن حبيب وغيره، قال ابن رشد وهو كلام فيه نظر والصحيح أنه لأحد لأقل ما.
يلزم أهل الجزية الرضا به لأنهم مالكون لأمرهم وأن لأقلها حداً إذا بذلوه لزم لإمام قبوله وحرم عليه قتالهم لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون)[التوبة:29]
ولم أر لأحد من أصحابنا في ذلك حدا والذي يأتي على المذهب عندي أن أقلها ما فرض عمر على أهل العنوة.
فإذا بذل ذلك أهل الحرب في الصلح على أن يؤدوه عن يد وهم صاغرون لزم الإمام قبوله، وحرم عليه قتالهم وله أن يقبل منهم في الصلح أقل من ذلك وهم أغنياء.
قلت: وها بعض شيوخنا بأن قال: هي ما التزم الكافر بعينه أداءه على إبقائه بذلك تحت حكم الإسلام حيث يجري عليه، وحكم الجزية الجواز المعروض للترجيح بالمصلحة وقد يتعين عند الإجابة عليها قبل القدرة، وما ذكر الشيخ أنها تؤخذ من أهل الكتاب هو كذلك بإجماع صرح به غير واحد، ويرد ما لم يكن الذمي راهباً بحيث لا يقتل فإنها لا تضرب عليه، رواه ابن حبيب وقال ابن حارثة اتفاقاً، واختلف إذا ضربت عليه ثم ترهب فقيل إنها تسقط نقله ابن رشد عن ابن القاسم مع ظاهر قول مالك وعزاه ابن حارثة لأشهب فقط، وقيل إنها لا تسقط رواه مطرف وابن ماجشون، قال الفاكهاني: وقول الشيخ البالغين كالمستغني عنه لأن الرجل لا يطلق في اللغة والعرف إلا على البالغ ويقال بلغ الصبي ولا يقال بلغ الرجل، نعم لو قال العقلاء ليتحرز بذلك من المجانين لكان أولى من قوله البالغين، وإن كان يقال ذلك على طريق التوكيد.
(ولا تؤخذ من نسائهم وصبيانهم وعبيدهم).
اختلف هل تضرب على معتق على ثلاثة أقوال: فقيل تضرب قاله ابن حبيب وغيره وعكسه لأشهب ورواه عن مالك، وقيل غنه اعتقه كافر ضربت عليه وإن اعتقه مسلم فلا، قاله في المدونة، وأطلق هذا الخلاف غير واحد، وقال ابن رشد إنما هي فيمن اعتق ببلد الإسلام، وأما في بلاد الحرب فهي عليه بكل حال.
(وتؤخذ من المجوس ومن ناصري العرب):
اختلف في آخذ الجزية من غير أهل الكتاب على أربعة أقوال: فقيل تؤخذ وهو مذهب المدونة قال فيها وتؤخذ الجزية ممن دان بغير دين الإسلام، وقيل إنها لا تؤخذ وقيل تؤخذ إلا من مجوس العرب، وقيل تؤخذ إلا من قريش، واختلف في علة ذلك فقيل لمنع إذلالهم بها لمكانهم منه عليه السلام، وقيل لإسلامهم كلهم يوم الفتح فكل كافر من قريش مرتد والى هذا ذهب القرويون وذهب إلى الأول بعضهم.
(والجزئية على أهل الذهب أربعة دنانير وعلى أهل الورق أربعون درهماً):
ظاهر كلام الشيخ إسقاط ما فرضه عمر رضي الله عنه عليهم مع ذلك من إرفاق المسلمين وضيافة ثلاث أيام وهو كذلك رواه ابن المواز عن مالك قائلاً لأنه لم يوف لهم، قال الباجي فهذا يدل على أنها لازمة مع الوفاء، ونقله اللخمي بصيغة لما أحدث عليهم من الجوز قال: ولا أري أن توضع عنهم اليوم بالمغرب لأنهم لا جور عليهم، ومرضه بعض شيوخنا بأنه قل أن يكون وفاء غير عمر كوفائه ونقل أبو محمد عن سحنون أنه لا يؤخذ من أهل الذمة شئ إلا عن طيب أنفسهم إلا الضيافة التي وضعها عمر، وهذا كالنص في إلزامهم الضيافة، قال الباجي وابن رشد لا نص لمالك وأصحابه في زمن وجوبها وظاهر المذهب والمدونة أنها تؤخذ بآخر العام وهو القياس كالزكاة.
(ويخفف عن الفقر):
يريد الشيخ إنها تؤخذ منه على قدر استطاعته ولا تسقط البتة وهو كذلك في قول حكاه بعضهم، قال وظاهر قول ابن القاسم أنه إذا لم يقدر على جميعها أنها تسقط ولو كان يقدر على جميعها فإنه لا يسقط عنه شئ وقال اللخمي: اختلف في أخذها من الفقير فذهب ابن القاسم إلى أخذها منه، وقال ابن الماجشون: لا تؤخذ منه وهو أحسن ووجهه ابن بشير بالقياس على الزكاة، وعلى قول ابن القاسم فلا حد لمقدار ما يحمل، وقيل إن عجز عن دفعها سقطت عنه وكلاهما حكاه ابن القصار، ونقل خلف عن أصبغ أنه يخفف عمن ضعف فإن لم يجد طرحت عنه وان احتاج اتفق عليه قال عمر بن عبدالعزيز، وما نقله من الاتفاق إنما عزاه ابن يونس لعمر فقط زاد ويسلفون من بيت المال، وإن غاب واجتمعت عليه جزية سنين إن كانت غيبته فراراً منها أخذت منه لماضي السنين وإن كانت لعسر لم تؤخذ منه ولم يكن في ذمته ما عجز عنه منها فإذا الفقير لا جزية عليه نقله ابن شاس عن القاضي ابي الوليد، قلت ويتعارض المفهومان فيما إذا كانت غيبته لغير ما ذكر ككونها للتجارة والعمل على مفهوم الثاني فتجب عليه والله أعلم.
(ويؤخذ ممن تجر منهم من أفق إلى أفق عشر ثمن ما يبيعونه وأن اختلفوا في السنة مرارا):
ظاهر كلام الشيخ لو لم يبيع وأراد الرجوع بماله بعينه فإنه لا يؤخذ منه شئ، وهو كذلك وقيل يؤخذ منه والقولان لمالك، وسبب الخلاف اختلاف في عله الأخذ منهم هل هي لأجل الانتفاع او للوصول فقط؟ وعلى الأول لا يحال بينهم وبين رقيقهم في استخدام أو وطء، وعلى الثاني يمنعون إلا بعد الأداء واختلف إذا اشتري بعيدن قدم به سلعاً فقيل يؤخذ منهم عشرها وهو المشهور وقيل عشر قيمتها نقله أبو محمد وقيل عشر ثمنها نقله أبو عمر في الكافي وقبل غير ذلك، ولولا الإطالة لذكرناه، ومقتضي الروايات أن افقه محل أخذ جزيته وعمالاتها وفي المدونة الشام والمدينة أفقان.
(وإن حملوا الطعام خاصة إلى مكة والمدينة خاصة أخذ منهم نصف العشر من ثمنه):
ما ذكر أنه يؤخذ منهم نصف العشر هو المشهور وقيل العشر كاملاً كغيرها رواه ابن نافع، وظاهر كلام الشيخ إن سائر الأطعمة سواء لا يستثني منها شئ وهو ظاهر كلام غيره أيضا، وظاهر كلام مالك أن القطنية لا تلحق بذلك لأنه احتج على ذلك بفعل عمر قال كان يأخذ منهم في القطنية العشر وظاهر كلام الشيخ أن قرى مكة والمدينة ليست كهما وألحقها ابن الجلاب بهما.
(ويؤخذ من تجار الحربيين العشر إلا أن ينزلوا على أكثر من ذلك):
ما ذكر أنه يؤخذ منهم العشر هو كذلك قال مالك، وقيل بحسب ما يرى الإمام من الاجتهاد قاله ابن القاسم، قله أن يأخذ وإن لم يبيعوا على الأول فاختلف إذا قاموا بشئ غير مصنوع ثم استأجروا على حياكته وعلى صناعته أو ضربه مثلاً على ثلاثة أقوال: فقيل لا شئ عليهم قاله أشهب، وقيل يؤخذ منهم عشرة غير مصنوع قاله ابن المواز، وقيل بل عشرة مصنوعا قاله ابن القاسم، ولا يمكنون من بيع خمر لمسلم باتفاق والمشهور تمكينهم لغيره، وذلك إذا حملوا لأهل الذمة الى أمصار المسلمين التي لا ذمة فيها.
(وفي الركاز وهو دفن الجاهلية الخمس على من أصابه).
ظاهر كلامه: وإن كان المدفون غير عين كرصاص ونحاس فإنه يخمس وهو كذلك في أحد قولي مالك في المدونة ونصها قال مالك مرة فيه الخمس، ثم قال لا.