الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب جامع في الصلاة
قال التادلي: جرت عادة الشيوخ فيما تباعدت أوصافه وتباينت أطرافه وكانت معانيه لا ترتبط ومقاصده لا تنضبط بأن يرسم له باب جامع لذلك، وأول من اخترعه مالك بن أنس في موطئه إذ هو للتأليف أول سالك، قلت: ويعترض على الشيخ لكونه ذكر في الباب مسائل ليست من الصلاة كقوله: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، وكقوله: وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لأنه لا يجد من يناوله إياه تيمم ويجاب بأن أكثر ما ذكره في الصلاة.
(وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها وهو القميص والخمار الحصيف ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد)
انظر لأي شيء كرر هذا الكلام مع سبقيته في باب طهارة الماء والثوب والبقعة، وقد قدمنا أن ستر العورة في الصلاة اختلف فيه على ثلاثة أقوال فقيل: فرض شرط، وقيل لا تعلق للصلاة به، وقيل سنة حسبما تقدم بسط ذلك وقد قدمنا أيضًا في المرأة
إذا صلت عريانة الأطراف هل تعيد أبدا أم في الوقت أم لا إعادة، أنها إذا صلت عريانة العورة فالمنصوص أنها تعيد أبدا وخرج اللخمي من قول أشهب في الرجل يعيد في الوقت أن تكون هي كذلك ورد بأن تعريها أشنع.
وأجيب عنه بأن شناعة إنما هي بالنسبة إلى عيون الناظرين أما بالنسبة إلى الصلاة فلا فرق بينها وبين الرجل والله أعلم.
(ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه أو يكفت شعره):
يعني على طريق الكراهة وذلك عام في الرجل والمرأة، أما تغطية الأنف بالنسبة إلى الرجل فللكبر، وأما بالنسبة إلى المرأة فلما في ذلك من التعميق في الدين، وأما تغطية الوجه فيهما فإنه يكره للتعمق في الدين والله أعلم.
وأما من جرت عادته بالتنقب ولم يقصد بذلك الكبر فإن ذلك جائز، ونص عليه ابن رشد في مرابطي الأندلس قائلا لأنه زيهم وبه عرفوا ويستحب تركه في الصلاة، قلت: وخرج بعض من لقيناه جوازه في الصلاة من قول المدونة ومن صلى محتزما أو جمع شعره، أو شمر كميه فإن كان ذلك لباسه أو كان في عمل فلا بأس به.
وكان بعض أشياخي يحصل قول المدونة أو كان في عمل إذا كان يعود إليه ثانيا أما إذا كان لا يعود إليه فإنه يكره له ذلك، وحمل بعضهم المدونة على عمومها، والأول أقرب إلى المعنى وظاهر كلام الشيخ أن التلثم جائز وهو كذلك.
وقيل إنه مكروه كالتنقيب والقولان عن مالك حكاهما صاحب الطراز.
(وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لها ويسلم منهما):
هذا عموم أريد به الخصوص لأن من دعا مثلا في ركوعه فلا يسجد لأنه إنما تكلم بذكر، ويعني أيضًا ما لم تكثر الزيادة أما إن كثرت فهي مبطلة كمن تكلم ساهيا وأطال أو زاد في صلاته مثلها.
واختلف في الحكم السجود البعدي فقيل إنه سنة قاله عبد الوهاب وغيره، وقيل إنه واجب قاله صاحب الطراز، واعترض ابن رشد وابن هارون وخليل قول ابن الحاجب، وللسهو سجدتان.
وفي وجوبها قولان بقولهم لا خلاف في السجود البعدي أنه غير واجب، ومثله لابن عبد السلام وقواه بقولهم إذا ذكر السجود البعدي في صلاة فإنها لا تقطع بل يأتي
به بعدها، قلت هذا منهم قصور إذ هو قول سند كما قلناه وترد التقوية بأنه لا يلزم من كونه واجبا أن تقطع له الصلاة، إما مراعاة للخلاف وإما لكونه ضعيفا لذاته لكونه في الأصل يوقع خارج الصلاة ولا خلاف به يتشهد لهما ويسلم منهما، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يحرم للسجود البعدي وهو نقل الأكثر وقيل إنه يحرم له وقيل إن سها وطال أحرم وإلا فلا.
واختلف قول مالك هل يجهر بالسلام البعدي أو يسر على قولين.
(وكل سهو بنقص فليسجد له قبل السلام إذا تم تشهده ثم يتشهد ويسلم وقيل لا يعيد التشهد):
هذا كلام عام أريد به الخصوص أيضًا لأن من نقص فضيلة كالتأمين فإنه لا يسجد بل إن سجد بطلت صلاته، وكذلك التكبيرة الواحدة وشبهها حسبما يقوله الشيخ بعد، وما ذكر من السجود قبل السلام في النقص هو المشهور وفي المجموعة هو بالخيار إما قبل وإما بعد.
واختلف في حكم السجود القبلي على ثلاثة أقوال: فقيل سنة، وقيل واجب وقيل إن ترتب على ثلاث سنن فواجب وعن سنتين فسنة والقولان اللذان ذكر الشيخ في التشهد كلاهما عن مالك واستمر العمل عندنا على التشهد.
(ومن نقص وزاد سجد قبل السلام):
ما ذكر من أنه يسجد قبل السلام في الزيادة والنقصان هو نقل الأكثر، وقيل إنه يسجد بعد، قاله في العتبية وأخذه ابن لبابة من قول ابن القاسم يسجد مصلي النافلة خمسا سهوا بعد السلام لنقص السلام وزيادة الركعة، وروي عن مالك أنه مخير وقال عبد العزيز بن الماجشون يسجد قبل وبعد ونفسي ليه أميل وليس في ذلك مشقة إذ اجتماع الزيادة والنقصان ليس بأكثر بخلاف أحدهما.
(ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكر وإن طال ذلك مثل ما ذكر الشيخ في المدونة بزيادة ولو بعد شهر وفي غيرها ولو بعد سنة):
والمراد أبدا ووجهه أن البعدي ترغيم للشيطان فناسب أن يسجده وإن بعد وظاهر كلام الشيخ والمدونة وغيرهما ولو كان ذكره في الوقت المنهي عنه، وقيل لا يسجد في ذلك الوقت حكاه غير واحد كابن عبد السلام واعتذر رحمه الله عن الظاهر المذكور بأنه قد يقال إنما المراد عدم سقوطه البتة لقرينة قوله ولو بعد شهر.
وقال عبد الحق عن بعض شيوخه: إن ترتب عن فرض أتى به حيث الذكر ولو كان في وقت نهي كالصلاة المنسية وإن ترتب عن نفل فلا يسجد إلا في الأوقات المباحة، وقول الشيخ فليسجد متى ما ذكر عام أريد به الخصوص كما تقدم أن من ذكره في صلاته فلا تقطع قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أنه إن ترتب من صلاة الجمعة فإنه لا يرجع إلى الجامع ثم نقل عن المذهب أنه يرجع وأما القبلي فإنه يرجع.
(وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا وإن بعد ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن أو تكبيرتين أوالتشهدين وشبه ذلك فلا شيء عليه):
قيد التادلي قول الشيخ في السورة بكونه وقف لها قائلا إنها ثلاث سنن فعلى تفسيره يكون الذي دل عليه قول المؤلف إن ترك سنتين صحت، وإن كان أكثر بطلت والأقرب عندي أن الشيخ أراد أن السورة بجملتها لا تبطل لأن الجهر والإسرار صفة للقراءة فهي سنة تابعة، وهذا هو الفارق بينها وبين الجلوس الوسط.
ولهذا قال في المدونة: ومن ترك السورة عمدا فلا شيء عليه ومن ترك ثلاث تكبيرات بطلت صلاته، واختلف المذهب إذا لم يسجد للنقص المأمور بالسجود له على خمسة أقوال: فقيل تبطل وقيل تصح، وقيل تبطل إن كان عن نقص فعل لا قول، وقيل تبطل إن كان عن الجلوس والفاتحة، وقيل تبطل إن كان عن تكبرتين أو سمع الله لمن حمده مرتين وظاهر كلام الشيخ في قوله لا شيء عليه لا بطلان ولا سجود وهو كذلك، وفي الجلاب يسجد.
(ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منه وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح):
أما الركعة والسجدة فالإجماع على ذلك وبالجملة كل ركن من أركان الصلاة فمتفق عليه، وأما ترك القراءة في الصلاة كلها فالأمر كما قال الشيخ عند الأكثر.
وروى الوافدي عن مالك: أن صلاته مجزئة قال الباجي وهو شذوذ من القول وروى علي بن زياد أحب إلى أن يعيد، وظاهره الاستحباب وأما ترك القراءة من ركعتين أو ثلاث فإنه مؤثر في البطلان أيضا، وقيل لا شيء عليه إن قرأ أم القرآن في ركعة لقوله
عليه الصلاة والسلام "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وأجاب ابن عبد السلام بأن الحديث يتقيد بالحال والسياق، وأن محل أم القرآن من الصلاة كالقيام فيها كما لو قيل كل صلاة لم يركع فيها لم يسجد فيها، واشتهر الخلاف هل القراءة تجب في كل ركعة أم في ركعة كما سبق أو في النصف أو في الجل.
(واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام وقيل يلغيها ويأتي بركعة وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطيا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى):
ما ذكر من الأقوال الثلاثة كلها عن مالك، واختلف الشيوخ ما الذي اختار ابن القاسم منها فقيل إنه اختار القول الثاني بالإلغاء قاله بعضهم، وقال آخرون إنما اختار القول الثالث من أقوال الشيخ وهو الإعادة مع السجود وكلاهما تأول على قول ابن القاسم في المدونة.
وبقي في المسألة قول بالإعادة أبدا مفرع على القول بالسجود واعترض بأنه يقتضي عدم صحة الصلاة، والجبر بالسجود يقتضي صحتها فيتناقضان وأجاب ابن هارون بأن الصلاة في هذا القول غير صحيحة وإنما جبرها بالسجود مراعاة لقول من يصححها.
(ومن سها عن تكبيرة أو عن سمع الله لمن حمده مرة أو القنوت فلا سجود عليه):
ما ذكر من أنه لا سجود في التكبيرة الواحدة هو المشهور ووقع لابن القاسم أنه يسجد، وأخذ في المدونة من قولها إذا أبدل الله أكبر بسمع الله لمن حمده أو العكس على رواية أو عارض ابن الحاجب قولهم هنا بعدم السجود للتكبيرة الواحدة بقوله يسجد لترك السورة ونصه وإن كان قولا قليلا كالتكبيرة فيغتفر، وقيل يسجد لترك السورة ونصه وإن كان قولا قليلا كالتكبيرة وإن كان أكثر فثالثها يسجد بعدها وجاء في السورة يسجد وأشار إلى ما ذكرناه بقوله، وأجاب ابن عبد السلام بأن محافظة السلف على الزيادة على أم القرآن أكثر من محافظتهم على التكبيرة الواحدة، وذلك يدل على أنهم بينوا أن الزيادة على أم القرآن آكد من التكبيرة الواحدة.
قلت: والصواب عندي أنه لا معارضة بينهما كما تقدم من أن السورة إما ثلاث
سنن أو سنتان وصفة القراءة تابعة على أنه يمكن وهو الأقرب أن يكون إنما قصد بمعارضة ذلك لما يليه وهو أن المذهب اختلف في ترك أكثر من تكبيرة واحدة، هل يسجد قبل أو بعد أولا يسجد كما ذكر ولم يختلف أنه في السورة يسجد قبل السلام على ظاهر نقله، وهذا يفتقر إلى مزيد نظر ومحله غير هذا التصنيف وإنما قصدنا إلى تمرين المبتدئ على بعض مناقضات له لتعلق فكرته والأعمال بالنيات.
وأما من ترك القنوت فقد تقدم أن المشهور السجود عليه خلافا لابن سحنون، وعلي بن زياد ولا يقال يقوم من كلام الشيخ أن القنوت سنة لقرينة ذكره مع ما هو سنة لأن ذلك وصف طردي، ألا ترى إلى قوله في المدونة ولا يصلي في الكعبة فريضة ولا الوتر ولا ركعتي الفجر فقد ساوى بين الوتر وركعتي الفجر في أنهما لا يصليان في الكعبة، ولا أعلم أحدا من أهل المذهب أخذ منها أن الفجر سنة كالوتر.
(من انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك فيكبر تكبيرة يحرم بها ثم يصلي ما بقي عليه وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته):
ظاهر كلام الشيخ أنه لا يرجع بإحرام إن كان قريبا جدا لقوله ثم وهو كذلك لنقل الباجي عن ابن القاسم عن مالك أن كل من جاز له أن يبني بالقرب فليرجع بإحرام.
وزعم ابن بشير الاتفاق فيه على عدم الإحرام وتبعه ابن الحاجب، وأما إذا كان القرب متوسطا ففي الإحرام قولان حكاهما غير واحد، فيتحصل في الإحرام ثلاثة أقوال: ثالثها إن قرب جدا فلا إحرام، وحيث يرجع بإحرام وذكر قائما فهل يكبر ثم يجلس ثم يقوم أو يجلس إذ ذاك يكبر ثم يقوم أو يكبر ويتمادى ولا يرجع في ذلك ثلاثة أقوال لابن القاسم وابن شبلون وابن نافع، وهل يرجع إلى مصلاه أو إلى حيث شاء في ذلك قولان حكاهما الباجي.
قلت: وهذا لا أعرفه وظاهر المذهب يقتضي أنه يصلي بمكانه فورا فإن لم يفعل وصلى بمكان آخر وكان بعيدا بطلت صلاته والله أعلم؛ فإن ترك الإحرام ورجع بنية فقط فقيل إن صلاته باطلة قاله أبو محمد وابن شبلون وابن أخي هشام، وقال الأصيلي إنها تجزئه، قلت: وهو الأقرب عندي مراعاة للخلاف ويظهر أنه يرفع يديه على القول الأول، وذلك محتمل على القول الثاني والله أعلم.
وما ذكر أنه لا يبني إن بعد هو المشهور، وقال أشهب يبني كما إذا قرب وهي رواية في المبسوط، وظاهر كلام الشيخ أنه إذا خرج من المسجد أنه لا يبني ولو صلى بقرب بابه، وهو ظاهر المدونة لأن عبارتها كما صرح بها إليه وبه كان بعض من لقيناه يفتي من القرويين، ويحمل المذهب عليه وأفتى بعض من لقيناه أيضا بالصحة واعتذر عن قول ابن القاسم وغير بأن الخروج من المسجد مظنة للطول وهو بعيد والله أعلم.
والأقرب هو الأول لأن العطف يقتضيه والله أعلم، ومن حيث المعنى أن المسجد لما كان محلا للصلاة فخروجه منه يتنزل منزلة البعد، إذا بقي فيه والله أعلم.
(وكذلك من نسي السلام):
ما ذكر من أن السلام كسائر الفروض فإن أتى به صحت إن كان قريبا وإن تباعد بطلت هو كذلك، وهل الحدث يقوم مقامه أم لا؟ المعروف من المذهب أنه لا يقوم مقامه، وحكى الباجي عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته أجزأته صلاته، وتقدم رد ابن زرقون على ذلك واختلف إذا سلم على شك ثم ظهر الكمال فقيل إنها باطلة، واختاره ابن رشد وبه الفتوى عندنا وبإفريقية وفي النوادر أنها مجزئة قياسا على من تزوج امرأة لها زوج غائب لا يدري أحي هو أو ميت ثم يتبين أنه قد مات لمثل ما تنقضي فيه عدتها قبل نكاحه إياها أن النكاح ماض.
(ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة وسجد بعد سلامه):
ما ذكر الشيخ أنه يسجد بعد السلام هوالمشهور، ونقل الباجي والمازري عن ابن لبابة أنه يسجد قبل السلام قلت: وبه أقول لنص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك حسبما هو في مسلم ولم يزل الأشياخ حديثا وقديما يستشكلون قول الشيخ، وأتى برابعة إذ قوله وصلى ما شك فيه يغني عنه وأجاب عنه بعض من لقيناه بوجهين.
أحدهما أنه من باب عطف التفسير وهو جائز قال الله تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن)[التوبة: 61].
الثاني: أن قوله وصلى ما شك أراد به العموم في كل مشكوك فيه، وإن قوله وأتى برابعة يرجع إلى المسألة المفروضة.
(ومن تكلم ساهيا سجد بعد السلام):
يعني ما لم يكثر فتبطل صلاته قاله غير واحد وظاهر كلامه لو تكلم عامدا أو
جاهلا بطلت صلاته وهو كذلك في العامد باتفاق وفي الجاهل على المشهور، ولو تكلم عمدا لوجوب ذلك عليه كإنقاذ أعمى وشبهه فهو كغيره صلاته باطلة مطلقا.
وقال اللخمي: إن ضاق الوقت اغتفر كالمقاتلة ولم يرتضه المازري مفرقا بأن المقاتلة في الصلاة أول الوقت مغتفرة بخلاف واجب الكلام في الصلاة في أول الوقت واختلف في المتكلم لإصلاح الصلاة ففي المدونة لا يضر، وقال أكثر أصحاب مالك ومنهم ابن كنانة أنها تبطل.
وقال سحنون إن كان بعد السلام من اثنتين فلا تبطل، وهذا كله إذا تكلم بغير الذكر، وأما إذا تكلم بذكر فإن كان اتفق على ذلك في قراءته كاتفاق:(ادخلوها بسلام ءامنين)[الحجر: 46]
فلا يضر اتفاقا وإن لم يتفق له ذلك بل قرأها لمجرد التفهم ففي البطلان قولان.
(ومن لم يدر أسلم أم لم يسلم سلم ولا سجود عليه):
يريد إذا كان قريبا لا متوسطا في القرب وأما إن كان متوسطا في القرب فإنه يسجد، وإن تباعد ابتدأ صلاته قال بعض الشيوخ وإنما كان لا سجود عليه لأنه إن كان سلم فهذا السلام الثاني وقع خارج الصلاة فلا أثر له وإن كان لم يسلم فقد سلم الآن.
(ومن استنكحه الشك في السهو فليله عنه ولا إصلاح عليه ولكن عليه أن يسجد بعد السلام وهو الذي يكثير ذلك منه يشك كثيرا أن يكون سها زاد أو نقص ولا يوقن فليسجد بعد السلام فقط):
إنما لم يؤمر بالإصلاح للمشقة وما ذكر أنه يسجد بعد السلام هو قول ابن القاسم وغيره، وقيل إنه يسجد قبل رواه أبو مصعب وغيره، وقيل لا يسجد لا قبل ولا بعد قاله ابن نافع، وأشار الشيخ بقوله فليله عنه إلى أن الوسواس ليس له دواء إلا الترك وهو كذلك مجرب.
وقد حكى القاضي أبو الفضل عياض في مداركه لما عرف بعبد الله بن المبارك رضي الله عنه أن توضأ يوما فوسوسه الشيطان بأنه لم يمسح رأسه فقال له إنك عدوي فلا أقبل قولك فإن كنت صادقا فأقم على البينة غيرك، فقد أشار ابن المبارك رضي الله عنه إلى هذا الذي قلناه قال الفاكهاني: وقول المصنف فليله عنه رويناه بفتح الهاء ليس إلا وهو القياس في العربية لأن ماضيه لهي يلهى مثل علم يعلم فلما دخل الجازم حذف الألف فبقيت الهاء مفتوحة على حالها، وإنما ذكرت هذا مع ظهوره لأني رأيت من
يقرأه بالضم وهو خطأ.
قلت: وفي كلام الشيخ تكرار وهو قوله آخر فليسجد بعد السلام فقط إذ قوله قبل ولكن عليه أن يسجد بعد السلام يغني عنه وفي كلامه تقديم التصديق على التصور، وقد علمت أنه مجتنب وأكثر ما يجيب عنه بعض شيوخنا بأن حكم المسألة يشعر بصورتها فكأنها مصورة وهو ضعيف لأن الشعور لا يحصل في كثير من المسائل المعترضة بهذا.
(وإذا أيقن بالسهو وسجد بعد إصلاح صلاته):
أخبر في كلامه على أن المستنكح له حالتان حالة يشك وهي الحالة السابقة وحالة يوقن وهي هذه، من هنا تعلم أن قول أهل المذهب الشك في النقصان كتحققه مخصوص بهذه المسألة.
(فإن كثر ذلك منه فهو يعتريه كثير أصلح صلاته ولم يسجد لسهوه):
ما ذكر الشيخ من عدم السجود هي رواية محمد وقال فضل يسجد.
(ومن قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه فإذا فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام):
اعلم أن له ثلاث حالات تارة يذكر قبل مفارقته الأرض بيديه وركبتيه فهذا لا سجود علهي على المشهور، والقولان حكاهما ابن بشير، وتارة يفارق الأرض بذلك ولم يستقل قائما ففي ذلك ثلاثة أقوال: فقيل يتمادى كما قال الشيخ هو مشهور المذهب.
وقال عبد الملك يرجع وقال القاضيان ابن القصار وعبد الوهاب إن كان إلى القيام أقرب تمادى وإلا رجع، وتارة يستقل قائما فيتمادى ولا يرجع من غير خلاف قال ابن بشير قلت: ويتخرج من قول أبي مصعب أن الجلوس فرض أنه يرجع كسائر الفروض، وكان بعض من لقيناه لا يرتضي مني هذا الترجيح لاحتمال أن يراعى الخلاف ويقوم من كلام الشيخ أن من ذكر المضمضة والاستنشاق بعد غسل الوجه أنه يتمادى على وضوئه ويفعلهما بعد فراغه.
وبه كان يفتي غير واحد من شيوخنا من القرويين كالشيخ الصالح أبي محمد عبد الله الشبيبي رحمه الله تعالى، وأفتى بعضهم بالرجوع لنص مالك في الموطأ بذلك، والأول هو الأقرب الجاري على نظائر هذه المسألة كمن نسي السورة أو تكبيرة العيدين أو الجهر أو الإسرار حتى ركع، وبالجملة كل من نسي سنة فلم يذكرها حتى شرع في الفرض، ونص مالك في الموطأ بالرجوع لا يدل على أنه المذهب إذ ليس كل ما في الموطأ هو المشهور، ورد بعض أصحابنا الثاني بأن السنة في الصلاة ينوب عنها السجود شرعا وتأخير السنة في الوضوء تنكيس من غير ضرورة، فإن رجع عامدا بعد الاستقلال فقال ابن القاسم تصح وقال غيره تبطل وأفتى بعض من لقيناه من القرويين بالأول وبعض التونسيين بالثاني، قلت: والأقرب هو الأول مراعاة لمن يقول خارج المذهب بالرجوع وعلى الصحة ففي محل سجوده قولان قاله ابن بشير في كتاب الأيمان والنذور: من وجب عليه سجود سهو قبل السلام فأعرض عنه وأعاد الصلاة ثانيا لم يجزه والسجود باق في ذمته لأنه أتى بما لم يؤمر به.
(ومن ذكر صلاة صلاها متى ما ذكرها على نحو ما فاتته ثم أعاد ما كان في وقته مما صلى بعدها):
اعلم أن تارك الصلاة لا يخلو إما أن يتركها سهوا أو عمدا، فإن تركها سهوا فالقضاء بلا خلاف وإن تركها عمدا فكذلك على معروف المذهب، وقال عياض سمعت بعض شيوخنا يحكي أنه بلغه عن مالك قولة شاذة بسقوط القضاء ولا يصح عنه ولا من غيره من الأئمة سوى داود وأبي عبدالرحمن الشافعي، وخرجه صاحب الطراز على قول ابن حبيب بتكفيره؛ لأنه مرتد تاب.
قلت: وكان بعض من لقيته يخرج من عدم الكفارة في يمين الغموس أن ذلك أعظم من أن يكفر وكذلك الصلاة وإن كان هذا مصادرة للقياس الحلي في كلام الشارع وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإن الله تعالى يقول (وأقم الصلاة لذكري)[طه: 14]
فإذا كان يقضي فيما ذكر فأحرى مع العمد وظاهر كلام الشيخ أن قضاء الفوائت على الفور ولا يجوز تأخيرها ويريد لا لعذر، وهو كذلك في نقل أكثر المذهب وهو ظاهر الحديث السابق.
وقال ابن رشد في البيان ليس وقت ذكر المنسية بمضيق لا يجوز تأخيرها عنه بحال كغروب الشمس للعصر وطلوعها للصبح لقولهم إذا ذكرها مأموم تمادى، وكذلك الفذ عن ابن حبيب ومثل هذا قال في آخر أجوبته إنما يؤمر بتعجيلها خوف معالجة الموت فيجوز تأخيرها حيث يغلب على ظنه أداؤها، ونقل التادلي أن من قضى يومين في يوم لم يكن مفرطأ وهو أقل القضاء وما ذكره لا أعرفه لغيره، وأفتى ابن رشد بأن من عليه فوائت لا يتنفل سوى الوتر والفجر، ونحوهما قائلا فإن فعل أثيب وأتم لترك القضاء.
وقال ابن العربي يجوز له أن يتنفل ولا يحرم من الفضيلة ورجح التادلي قول ابن رشد لقولهم لا يجوز عتق من أحاط الدين بماله قلت ويرد باتفاق أهل العلم فيما قد علمت على أن دين الآدميين واجب قضاؤه فورا ولا كذلك في الصلاة المنسية على ما تقدم، ومعنى قول الشيخ على نحو ما فاتته إن سفرا فركعتين وإن حضر فأربعا وإن تركها وهو صحيح ثم مرض فإنه يصليها على قدر طاقته، وإن تركها وهو مريض ثم
صح قضاها على أتم وجوهها ولا معارضة لما سبق لأن صلاة السفر قد قيل إنها أصل، ولا كذلك صلاة المريض إذا صح وإنما أمر بقضائها إذا مرض على قدر طاقته لأن القضاء على الفور فصارت كالحاضرة لاسيما إذا قلنا إن القضاء بأمر جديد، والمراد بالوقت الذي ذكر الشيخ قيل القامة في الظهر والقامتان في العصر، وقيل الاصفرار وقيل الغروب وفي الليل الثلث وقيل نصف الليل وقيل طلوع الفجر حكى هذا الخلاف المتيوي.
(وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن وإن فات ما هو في وقته وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته):
ما ذكر من أن اليسير أربع صلوات هو أحد الأقوال الثلاثة، وقيل إن الأربع هو حيز الكثير وهما تأويلان على المدونة ونصها وإن كانت صلوات كثيرة مثل الثلاثة وما قرب في وقت صلاة بدأ بهن فهل قوله وما قرب كالاثنين أو كالأربع فيه خلاف والأكثر على الثاني، وقيل إن الخمس في حيز اليسير حكاه ابن بشير وما ذكره من أن ذلك مقدم على الحاضرة مع خوف خروج وقتها هو المشهور، وقال ابن وهب بتقديم الحاضرة وقال أشهب هو الخيار.
(إن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته):
اختلف في المسألة على ثلاثة أقوال: فقيل يقدمها على الوقتية إن قدر على الإتيان بها في وقتها وإلا قدم الوقتية، قاله ابن القاسم وابن حبيب وقيل يصلي ما قدر عليه فإن ضاق فالوقتية، قاله ابن عبد الحكم وهو عندي ظاهر كلام الشيخ والله أعلم.
وقيل يقدمه وإن خرج وقت الحاضرة إن كان يستوفي ما عليه، قاله ابن مسلمة وكلها حكاها اللخمي، والوقت في ذلك المختار قاله ابن حبيب وقيل الاصفرار نقله يحيى بن عمر عن ابن القاسم.
وقيل الغروب نقله سحنون عن ابن القاسم أيضًا وما ذكرناه من العزو هو لابن رشد، وعن اللخمي الغروب لمالك مع ابن القاسم وعزا القول بالاصفرار لمالك أيضا وعزا قول ابن حبيب له ولأشهب.
(ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه):
لا لخصوصية لقوله ذكر صلاة بل وكذلك حكم الأربع وبالجملة كل ما يقدم
على الحاضرة ولو خاف خروج الوقت فحكمه كالواحدة، وقد علمت الخلاف في قدر ذلك، وظاهر كلام الشيخ أن القطع واجب وهو أحد القولين، وقيل إنه مستحب حكاه غير واحد واستشكله ابن عبد السلام بأن الترتيب عنده لا يخلو إما أن يكون واجبا أو مستحبا فإن كان واجبا لزم القطع وإن كان مستحبا وجب التمادي، وفي المدونة إن ذكرها قبل عقد ركعة قطع وبعدها شفعها فإن عقد الثالثة أتمها.
وقال ابن القاسم بقطع بعد ثلاث أحب إلي وفي بعض الروايات أحب إليه يعني إلى مالك، ثم قال وإن ذكر مكتوبة في نافلة فليقطع إن لم يكن ركع وإن ركع واحدة شفعها، وقد كان مالك يقول يقطع واستحب ابن القاسم أن يشفع، وإنما قال في هذا القول يقطع ليظهر أثر الذكر إذا قطعها، وهو ضعيف لتماديه على الفريضة إذا عقد الثالثة وروى ابن رشد لا فرق بينهما. وفي المسألة أقوال كثيرة ولولا الإطلالة لذكرناها.
وفي كلام الشيخ مناقشة وهي أن ظاهر كلامه أنه لا يتم الفريضة وإن عقد الثلاثة بل يقطعها وجوبا وهو خلاف قول مالك وابن القاسم، لأن ملكا إنما قال أحب إلي فظاهره الاستحباب وظاهر كلام الشيخ أن المأموم يقطع كغيره، وهو قول في المذهب والمشهور ما في المدونة يتمادى، وعليه ففي وجوب الإعادة خلاف، واختلف في الإمام إذا ذكر منسية فقيل يقطع مطلقا وقيل يستخلف وقيل إن لم يركع قطع وإلا استخلف وقيل إن لم يركع قطع وإلا تمادى وأعاد وحده، ونقل المازري عن ابن كنانة إن لم يركع استخلف وإلا أثم وأعاد قائلا نقل عنه ابن حبيب وغيره الاستخلاف مطلقا وإنما في كتابه ما فصلناه.
(ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء):
ظاهر كلام الشيخ وإن كان ضحكه سهوا وهو كذلك خلافا لأشهب وسحنون وأصبغ وابن المواز أنه لا يضره قياسا على الكلام، وكل من لقيته لا يرتضي هذا القول للزوم الضحك عدم الوقار مطلقا، وظاهر كلامه وإن كان ضحكه سرورا لما أعد الله للمؤمنين كما إذا قرأ آية فيها صفة أهل الجنة فضحك سرورا وبه أفتى غير واحد ممن لقيته من القرويين والتونسيين.
وقال صاحب الحلل لا أثر له كالبكاء من عقاب الله عز وجل قال التادلي: لم أره لغيره، قلت وهو الصواب عندي لأنه لم يقصد اللعب والهزل بل هو مأجور في ذلك كالبكاء من عقاب الله كما قال.
(وإن كان مع إمام تمادى وأعاد):
ما ذكر هو نص المدونة قال المازري: وظاهر الواضحة القطع قال عبد الوهاب والتمادي هو الواجب والإعادة مستحبة، وقيل بالعكس حكاه التادلي قلت ولا أعرفه ولعله التبس عليه بمن ذكر فائتة وهو مأموم فإن فيه القولين.
(ولا شيء عليه في التبسم)
اختلف في التبسم في الصلاة على ثلاثة أقوال: فقيل لا سجود عليه قاله في سماع عيسى وهو الذي أراد الشيخ وإن كان في كلامهما مسامحة لقولهما عليه فالمراد ولا له، ومثل عبارتهما عبارة التهذيب ونصها: ولا شيء عليه إن تبسم، وسمع أشهب يسجد قبل السلام حكاه ابن رشد وغيره، وقال ابن عبد الحكم: يسجد بعده حكاه ابن يونس وهو قول مالك في مختصر ما ليس في المختصر واختاره سحنون، ونقله التادلي عن رو اية ابن عبد الحكم لا عن قوله، قلت ولا أعرفه من روايته ولعله اغتر بظاهر لفظ ابن الحاجب، وروى ابن القاسم لا يسجد وأشهب قبله وابن عبدالحكم بعده والله أعلم، ثم وقفت على أنه روى ما تقدم عن مالك فنقله خليل عن ابن رشد وغيره على أن ابن رشد لم يذكر أنه روى ما تقدم ونصه وما قاله ابن عبدالحكم قاله مالك في مختصر ما ليس في المختصر، وعلل سماع أشهب بأنه نقص الخشوع قال صاحب الطراز وهو ضعيف؛ لأن الغافل في صلاته لا سجود عليه، وقد نقص الخشوع وأجيب بأن الغفلة ليست مقصودة بل هي غالبة على الناس لا يمكنهم الانفكاك عنها بخلاف التبسم.
(والنفخ في الصلاة كالكلام والعامد لذلك مفسد لصلاته):
لا يقال إن في كلامه الحشو لأن قوله كالكلام يغني عن قوله والعامد لذلك مفسد لصلاته لأنه لم يبين قبل هذا حكم العامد للكلام، نعم هو مفهوم قوله قبل كما قلنا فرأى المؤلف أن بيانه بالنص أولى، وفي إلحاق الجاهل بالعامد أو بالناسي خلاف وما ذكره هو المشهور، وروى علي أنه ليس كالكلام فلا أثر له قلت: وكان بعض أشياخ أشياخي يرد القولين إلى قول واحد وهو أنه ينظر هل تركبت منه حروف أم لا؟ فإن تركبت فالبطلان، فتحمل رواية علي على ما إذا لم تتركب. والتنحنح إن كان لضرورة فلا أثر له اتفاقا وإن كان لغير ضرورة ففي إلحاقه بالكلام روايتان. ونقل
عياض الخلاف في تنحنح المضطر واستغر به بعض شيوخنا.
(ومن أخطأ القبلة أعاد في الوقت):
يعني إذا اجتهد فأخطأ فإنه يعيد في الوقت وما ذكره هو مذهب المدونة وقال ابن سحنون يعيد أبدا، وقيل إن استدبر القبلة يعيد أبدا قاله ابن مسلمة والوقت في ذلك إلى الاصفرارن قال ابن عتاب ويتخرج قول إلى الغروب من المصلي بثوب نجس، وحكاه ابن شاس نصا ويريد الشيخ ما لم تكن قبلة عيان فإن يعيد أبدا ومن صلى بغير اجتهاد لم يجزه، وإن أصاب القبلة قاله ابن رشد، قلت: ولا يتخرج قول بالصحة من نقل أبي محمد في نوادره أن من سلم على شك هل أكمل أم لا ثم تبين له أنه أكمل فإنه يجزئه لأن المصلي بغير اجتهاد أحرم على غير يقين، وكذلك إن سلم والمسلم من الصلاة أحرم عن يقين فصادف أن سلم على ما أحرم عليه، وانظر هل يتخرج من الرجل إذا تزوج امرأة لها زوج غائب لا يدري أحي أم ميت، ثم تبين أنه قد مات لمثل ما تنقضي فيه عدتها قبل إنكاحه إياها أن النكاح ماض أم لا.
وأما من صلى إلى غير القبلة ناسيا فإنه يعيد أبدا وقيل في الوقت وكذلك في الجاهل، وزعم ابن الحاجب أن المشهور يعيد أبدا في الصورتين فقال ويعيد الناسي والجاهل أبدا على المشهور فيهما قال في المدونة، ومن علم أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب ابتدأ الصلاة بإقامة، وخرج صاحب الطراز قو لا بانحرافه ويبني على القول بطرح نجاسة ذكرها بها وظاهر المدونة أعم من أن يذكر وهو متلبس بالصلاة لغير جهة القبلة بعد أن انحراف إليها، فإذا علمت هذا فاعلم أنه أقام منها بعض شيوخنا إن من رفع رأس من السجود فنظر فإذا بموضع جبهته نجاسة فإنه يقطع، وخالفه بعض أصحابنا قائلا يتنحى عنها ويتمها ولا إعادة.
وأفتى الشيخ أبو محمد بن الرماح من القرويين المتأخرين فيمن رأى بعمامته بعد سقوطها عنه نجاسة أنه يتمها ويعيد، ويظهر لي أن الإقامة ضعيفة وكذلك تخريج صاحب الطراز لأن القبلة أشد، وبيانه أن من صلى بالنجاسة ساهيا يعيد في الوقت على المشهور، ومن صلى لغير القبلة ناسيا بعيد أبدا على المشهور كما قدمنا لابن الحاجب والله تعالى أعلم.
(وكذلك من صلى بثوب نجس أو على مكان نجس)
عطفه يقتضي أنه إذا اعتقد أنه طاهر فبانت له النجاسة بعد صلاته بها أنه يعيد في الوقت، وإن تعمد بها الصلاة فإنه يعيد أبدا ومثل هذا في المدونة فكلام الشيخ كما ترى يقتضي أن غسل النجاسة واجب مع الذكر يريد والقدرة ساقطا مع غير ذلك.
فإذا عرفت هذا فاعلم أنه يناقضه قوله وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب إلى آخره حسبما فهمه غير واحد، والأقرب أن ما هنا يفيد ذلك المطلق والله أعلم، ولا يقال إن في كلام الشيخ قصورا لأنه بقي عليه إذا كانت النجاسة في جسده، لأن كلامه يدل على ذلك دلالة أحروية لأنه إذا كان يعيد فيما إذا كانت النجاسة في المنفصل، وهو البقعة أو كالمنفصل وهو الثوب فأحرى إذا كانت النجاسة في ذاته.
ونص عياض على أن سقوط طرف ثوبه على جاف النجاسة لغو، وقال في المدونة: ومن صلى وفي ثوبه نجاسة أو عليه أو لغير القبلة أو على موضع نجس قد أصابه بول فجف إن كانت النجاسة في موضع جبهته أو أنفه أو غيره أعاد في الوقت فظاهرها يشهد لما قال عياض، لأنه إنما اعتبر أعضاء المصلي لقولها إن كانت النجاسة إلخ والله أعلم.
وكان بعض من لقيته يفتي بالبطلان في صورة عياض ويستروح لقول المدونة وكنت أجيبه بما قلناه، ونقل أبو محمد عن ابن حبيب أن من صلى متعمدا وبين يديه نجاسة فإنه يعيد صلاته إلا أن يبعد جدا أو يواريها عنه، قلت كأنه رأى أن النجاسة إذا كانت قريبة منه أن الغالب وصولها إلى ذلك المكان فنزل الغالب منزلة المحقق، وقد علم أن هذا أصل ابن حبيب وكذلك يجب حمل قوله أن النجاسة بين يديه وصف طردي وإنما أراد أنها قريبة منه والله أعلم.
(وكذلك من توضأ بماء نجس مختلف في نجاسته):
ما ذكره مثله في التهذيب قال فيه في الماء الذي بلغ فيه الدجاج والأوز المخلاة أنه يتيمم ويتركه فإنه توضأ به وصلى ولم يعلم أعاد في الوقت، واعترض عليه بأن الأمهات ليس فيها ولم يعلم وأجيب عنه بأن البراذعي، نقل ذلك من كتاب الصلاة ولا يضره ذلك ورأى الشيخ عبد الحق أن ابن القاسم في كلامه التناقض، وقيل إنما قال في الوقت لرعي الخلاف، وقد قدمنا الخلاف في المذهب في طهارة الماء اليسير إذا حلته نجاسة يسيرة ولم تغيره بالطهارة والكراهة والنجاسة والشك فيه هل هو طاهر أو نجس
فيجمع بينه وبني التيمم وإلى هذا الخلاف أشار الشيخ.
(وأما من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه أو ريحه أعاد صلاته ووضوءه أبدًا):
أما الإعادة أبدًا في الطعم واللون فهو نقل الأكثر، ونقل ابن زرقون عن ابن القاسم أن من توضأ بماء تغير بموت دابة بر ذات نفس سائلة وصلى فإنه يعيد في الوقت، قيل فظاهره ولو تغير بها وظاهر كلام الشيخ أن تغيير الريح للماء ولا يبطل الصلاة وهو يقرب من قول ابن الماجشون لا أثر له، والمشهورأنه مغتفر كغيره. وقيل إن كانت الرائحة شديدة أعاد أبدًا أخذه ابن رشد من قول سحنون: من توضأ بماء تغير بما حل فيه تغيرا شديدا أعاد أبدًا.
قلت: وهذا الكلام كما ترى يتناول الطعم واللون إذ ليس في قول سحنون ما يدل على خصوصية الريح والله أعلم.
(وأرخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر)
ما ذكر الشيخ من أن الجمع رخصة هو خلاف رواية ابن عبد الحكم الجمع ليلة المطر سنة، وهو خلاف ما في المدونة عن ابن القاسم الجمع ليلة المطر سنة ماضية والأصل الحقيقة وإتيان سحنون به دون أن لا يأتي بما يخالفه دليل على ارتضائه حسبما قدمنا ذلك في القنوت، ووقع لابن القاسم أن الجمع غير مشروع وأن من جمع أعاد العشاء أبدًا حكاه الباجي وإليه نحا القرافي في استشكاله الجمع، فإن رعاية الأوقات واجبة وفائدة الجمع تحصيل فضيلة الجماعة وهي مندوب إليها فكيف يترك الواجب لأجل تحصيل المندوب؟
قلت: ويجاب عن الاستشكال المذكور بأن الجمع لها سنة كما قدمنا والأصل الحقيقة، فاستشكال السنة لا يجوز لأنه مصادمة لكلام الشارع فهو فاسد بالوضع وإما رخصة وقد علمت أن الرخصة هي عبارة عما شرع في الأحكام لعذر مع قيام المانع لولا العذر والعزيمة بخلافه والله أعلم، وللقرافي جواب عن ذلك لم أذكره لطوله وضعفه.
وتولى خليل بيان ضعفه وهل هذه الرخصة على القول بها راجحة أو مرجوحة قولا اللخمي وابن رشد، وظاهر كلام الشيخ أن الجمع سائغ في كل مسجد وهو
المشهور، وقيل بمسجده صلى الله عليه وسلم فقط رواه زياد عن عبدالرحمن الأندلسي وقيل بمسجده عليه السلام ومسجد مكة أخذه المازري من قول مالك: من فاته الجمع بأحد الحرمين صلى العشاء بهما قبل مغيب الشفق لفضلهما.
وقيل لا يجمع بالمدينة إلا بمسجده صلى الله عليه وسلم رواه أشهب وغيره، وقيل يجوز بالبلاد الباردة الممطرة كالأندلس حكاه ابن العرب عن مالك، وظاهر كلام الشيخ أن الجمع غير مشروع في الظهر والعصر وهو المنصوص، وأخذ الباجي الجمع في الموطأ قال فيه: جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر قال مالك أرى ذلك في المطر وضعف بأنه لا يلزم من نفس الحديث الأخذ به، ولم يرتضه ابن عبد السلام ولا خليل قال لأن الأصل عدم التعارض لا سيما والتفسير هنا مخالف لظاهر اللفظ، فعدول المفسر إليه دليل على أنه المعمول به عنده لكن استشكل تفسير الإمام لأن في مسلم من غير خوف ولا سفر ولا مطر وحمله بعضهم على الجمع الصوري، وبعضهم على أنه لمرض ولعل هذه الزيادة لم تصح عند الإمام أو لم تبلغه.
(وكذلك في طين وظلمة يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد)
ظاهر كلامه أن الطين بانفراده لا أثر له وإن كان فيه وحل وهو كذلك، وقيل إن كان فيه وحل فالجمع جائز وهو سماع ابن القاسم، وإن لم يكن فيه وحل فإنه لا يجمع، وهذه طريقة ابن رشد وعكس اللخمي النقل فنقل إن لم يكن فيه وحل قولين عن مالك فيتحصل من الطريقتين ثلاثة أقوال: ثالثها إن كان فيه وحل جاز وإلا فلا.
(ثم يؤخر قليلا في قول مالك ثم يقيم في داخل المسجد ويصليها ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم ثم يصليها):
ما ذكر الشيخ نحوه في المدونة في قولها يؤخر المغرب شيئا قليلا واستشكل الشيخ القول المشهور الذي ذكره بقوله في قوله مالك، كقول ابن الحاجب والمذهب فكأنه ارتضى قول ابن عبد الحكم وابن وهب أن التقديم دون التأخير هو أولى، وروى ابن عبد الحكم يؤخر المغرب ثم يصلي ويطيلون في أذان العشاء لمغيب الشفق وقاله أشهب وضعفه المازري بأنه يخيل معنى الجمع لأنهم ينصرفون في الظلمة.
قلت: وتردد شيوخ شيوخنا هل تأخير المغرب على المشهور أمر واجب لابد منه أم ذلك على طريق الندب؟ فمنهم من ذهب إلى الأول ومنهم من ذهب إلى الثاني، وما ذكر أنه يؤذن للصلاتين هو أحد الأقوال الثلاثة، وقيل لا يؤذن لهما وقيل للأولى فقط. وما ذكر أنه يؤذن للعشاء داخل المسجد هو قول مالك من رواية علي، وقال ابن حبيب يؤذن لها في صحنه خافضا صوته.
(ثم ينصرفون وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق الجمع بعرفة بين الظهر والعصر عند الزوال سنة واجبة بأذان وإقامة لكل صلاة وكذلك في جمع المغرب والعشاء بالمزدلفة إذا وصل إليها)
اختلف المذهب هل يوترون بعد صلاتهم العشاء قبل مغيب الشفق أم لا؟ فالأكثر على المنع من ذلك ونقل أبو محمد صالح أن في كتاب الجبر لابن سعدون عن ابن عبد الحكم جوازه.
قال أبو القاسم عبد الحق وأنا أفغل ذلك لأن الفرض قدم فأحرى النفلن قال التادليك كاشفت كتاب الجبر لابن سعدون فما وجدت للمسألة فيها ذكرا.
قلت: وما وقع الاستدلال به ضعيف لأن الفرض إنما قدم لفضيلة الجماعة فلا يلزم من تقديم العشاء لما ذكر إلحاق الوتر بها، وأفتى يحيى بن عمر بجواز تقدمه لقوم أميين لا يقرءون أن يصلي بهم إمامهم، وهذا ينبغي أن يحمل ذلك على الوفاق لا على الخلاف، وكان بعض أشياخي يحمله على الخلاف وهو بعيد لضرورتهم.
واختلف إذا لم ينصرفوا حتى جاء وقت العشاء فقيل أنهم يعيدون قاله ابن الجهم وعكسه لأشهب وابن نافع، وقيل إن بقي أكثرهم أعادوا وإلا فلا قاله أبو محمد، وقيل إن بقي الإمام أعادوا حكاه التادلي ولا أعرفه لغيره، وناقض ابن لبابة القول بعدم الإعادة بقول عيسى وغيره في المريض إذا خاف أن يغلب على عقله فجمع ثم سلم أنه يعيد، وفرق ابن رشد بينهما بأن المريض صلى فذا فيتلافى ما فاته من فضيلة الوقت وهؤلاء لما صلوها جماعة ناب فضل جماعتهم عن فضيلة الوقت كمسافر أتم فذا يعيد خلف مقيم لا يعيد.
قلت: ويظهر لي فرق ثان وهو أن المريض لما أخذ يصلي لم يكن يعلم قطعا أنه
يبقى كذلك فكأنه دخل على أنه إن انتقلت حالته يعيد بخلاف الذي أقام إنما طرأت له الإقامة بعد صلاته والله أعلم.
(وإذا جد السير بالمسافر فله أن يجمع بين الصلاتين في آخر وقت الظهر وأول وقت العصر وكذلك المغرب والعشاء):
ظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط مسافة القصر، وهو كذلك وذلك مشروطا في قصر الصلاة لثبوت ذلك في السنة ويبين ذلك أحد أمرين:
إما أن القصر يسقط بعض العبادة، وينقل من أربع ركعات إلى ركعتين وليس في الجمع سوى تقديم الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المختار وذلك أضعف.
الثاني: أن القصر من الرخص المختصة بالسفرن والجمع ليس كذلك دليل الجمع في الحضر كالجمع في المطر (انظر البيان والتقريب)
وظاهر كلام الشيخ أيضا إن جد السير معتبر وشرط وهو كذلك، وقال أصبغ لا يشترط وقيل يشترط في حق الرجال دون النساء قاله بعض شيوخ عبد الحق، وظاهر كلامه أنه لا يشترط فوات أمر وهو كذلك عند ابن حبيب وفي التهذيب اشتراطه.
ونصه: لا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير ويخاف فوات أمر، وقال أشهب يشترط فوات أمر مهم إذ كلامه أخص من كلام التهذيب فهو قول ثالث في المسألة والرابع لابن الماجشون، والفرق بين الرجال والنساء وظاهر كلامه أن الجمع جائز دون كراهة وهو كذلك.
وروي عن مالك الكراهة مطلقا وروي عنه الكراهة للرجال دون النساء وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض في الإكمال، قال التادلي: وفي غير الإكمال جوازه في البر دون البحر. قلت: نقله عبد الحق عن بعض شيوخه ومن جمع بشرطه ثم أقام فلا إعادة عليه قاله ابن كنانة نقله عنه أبو محمد رحمه الله. قلت: قال بعض شيوخنا مثل هذا ما نص عليه ابن القاسم فيمن صلى جالسا لعذر ثم زال عذره في الوقت فلا يعيد، ويخالفه من جمع لخوف فقد عقله ثم سلم فإنه يعيد.
(وإذا ارتحل في أول وقت الصلاة الأولى جمع حينئذ)
ويعيد إذا كان لا ينزل إلا بعد الغروب وإن كان نوى أن ينزل قبل الاصفرار فلا
يجمع، وإن كان نوى أن ينزل بينهما، فقال ابن بشير: المشهور الجمع وقيل يؤخر الثانية، وقال اللخمي: يجوز تأخير الثانية، وهو أولى ولا يتعلق على المصلى حينئذ ذنب لأن ذلك للضرورة فإذا عرفت هذا فقول ابن الحاجب مخير يتعقب الخلاف السابق فليس ثم اتفاق حتى يقول قالوا ويعني بالخيار في تأخير الثانية، وفسره ابن عبد السلام بغير ذلك وتعقبه بعض شيوخنا ولولا الإطلالة لذكرناه فانظره، وفي المدون لم يذكر المغرب والعشاء في الجمع عند الرحيل كالظهر والعصر، وقال سحنون الحكم متساو فقيل تفسير وقيل خلاف.
(وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال عند الغروب):
ما ذكر أنه يجمع هو المشهور وقال ابن نافع بمنعه وما ذكر أنه يجمع عند أول وقت الأولى هو المشهور، وقيل يصلي الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها وقيل النهاريتان أول الأولى والليتان أول الثانية قاله ابن شعبان واستغربه ابن زرقون لظهور عكسه لضيق وقت المغرب وسعة وقت الظهر.
(وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر عند غيبوبة الشفق):
قد قدمنا في المسألة ال أولى أن ابن نافع منع الجمع فيها، وكذلك هو قائل هنا نقله ابن رشد، فلذلك تعقب بعض شيوخنا قول ابن بشير: المريض يجمع مطلقا اتفاقا لقصوره، وحكى ابن الحاجب الخلاف في هذا دون الأولى فقال: والمريض إذا خشي الإغماء وإن لم يخش فقولان وعكس ابن عبد السلام، قال شيخنا ولا أعرفهما والخلاف في كيفية الجمع كما سبق.
(والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته وفي إغمائه ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات وكذلك الحائض تطهر):
لا خلاف أنه لا يقضي ما خرج وقته كما أنه لا خلاف أنه يصلي ما أدرك وقته والمراد بالركعة أن تكون يسجدتيها وهي إحدى المسائل التي يشترط فيها أن تكون بسجدتيها.
وثانيها الراعف لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها.
وثالثها من امتنع من الصلاة فإنه يؤخر إلى آخر الوقت والمعتبر الركعة بسجدتيها.
ورابعها تحصيل فضل الجماعة لا يحصل إلا بإدراك ركعة مع الإمام بسجدتيها والأعذار: الحيض والنفاس والكفر والصبا والجنون والإغماء، وألحق بذلك النوم والنسيان بالنسبة إلى رفع الإثم فقط. والركعة معتبرة بالنسبة إلى الأداء باتفاق.
واختلف في السقوط على أربعة أقوال: فقيل كذلك، وهو المشهور، وقيل يعتبر أقل لحظة قاله ابن الحاجب، ونصه قلت واعتبار قدر الركعة للأداء وأما السقوط فبأقل لحظة وإن أتم المتعمد، وقيل لا تسقط عن متعمد التأخير إلا بقدر كل الصلاة نقله اللخمي عن بعض المتأخرين وألزمه عدم قصر المتعمد يسافر حينئذ، قيل لا تسقط عن متعمد التأخير إلا بقدر ركعة إن كان متعمد التأخير متوضئا.
حكاه المازري عن بعض شيوخه قلت: قول ابن الحاجب ضعيف ولو عكس لكان أولى من طريق الاحتياط والله أعلم.
(وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات صلت الظهر والعصر وإن كان بقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء، وإن كان من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الآخرة وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة أو لثلاث ركعات من الليل إلى ركعة قضت الصلاة الأولى فقط):
المراد بالطهر الذي ذكر طهر الماء لا طهرها من الدم، واختلف المذهب في اعتبار الطهارة في حق جميع أصحاب الأعذار على أربعة أقوال: فقيل باعتباره قاله أصبغ وغيره وعكسه خرجه بعض شيوخ المازري على أن الطهارة شرط في الأداء لا في الوجوب، وقيل لا تعتبر إلا في الكافر لانتفاء عذره قاله ابن القاسم وقيل بزيادة المغمى عليه قاله ابن حبيب وضعف لكونه سوى بين الكافر والمغمى عليه.
وزعم أبو محمد أن الحائض تعتبر الطهارة في حقها باتفاق، وهو قصور لنقل الباجي عن ابن نافع: لا تعتبر الطهارة للحائض، واختلف المذهب إذا تبين أن الماء غير طاهر فتطهرت ثانيا فغربت الشمس هل تقضي أم لا، وكذلك الخلاف إذا أحدثت والمختار القضاء.
(واختلف في حيضتها لأربع ركعات من الليل فقيل مثل وقيل إنها حاضت في
وقته فلا تقضيهما):
اختلف المذهب هل التقدير في المشتركين بالأولى أو بالثانية، فقال ابن القاسم وأصبغ التقدير بالأولى وقال ابن عبد الحكم: وابن الماجشون، وابن مسلمة وسحنون التقدير بالثانية، فإذا قلنا بالتقدير بالأخيرة وقد حاضت لأربع ركعات تسقط العشاء الأخيرة فقط وقضت المغرب لترتبها في ذمتها، وإذا قلنا بالتقدير بالأولى فتبقى ركعة للعشاء الأخيرة فصارت حائضا في وقتها فيسقطان واطرد هذا المعنى بالنسبة إلى الإدراك.
قال أصبغ: هذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم وأخبرته بقولي فيها وبقول ابن عبد الحكم فقال لي أصبت وأخطأ ابن عبد الحكم وسأل سحنون فعكس.
(ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء):
ظاهر كلام الشيخ أن الوضوء واجب هو كذلك في مشهور المذهب، وقيل إنه مستحب، وقيل إنه ساقط، وقيل إن كان في صلاة فلا أثر له، وإن كان خارج الصلاة توضأ، وقيل إن كان في سبب ناجز لا يضر كمن شك في ريح ولم يدرك صوتا ولم يجد ريحا حكى هذه الأقوال الخمسة ابن بشير عن اللخمي، واعترضه بأن القول بالوجوب والاستحباب، كلاهما في المذهب وليس ثم غير ذلك، قال وقول من قال بسقوط الوضوء أراد به الاستحباب والقول بأنه لا يقطع إذا كان في الصلاة يرجع إلى المستحب أيضًا، لأن المستحب لا تقطع له الصلاة، واعترض بعض شيوخنا كلام بن بشير بوجهين أحدهما أنه بقي عليه أن يبين القول الخامس، الثاني أن اللخمي ليس في كلامه السقوط، وذلك أنه قال في ذلك خمسة أقوال.
روى ابن وهب أحب إلي أن يعيد وضوءه، وفيها يجب، وروى إلا أن يكون في صلاة فيتم، وروي يقطع ابن حبيب إن خيل له ريح فشك أو دخله الشك بالحس فلا وضوء عليه، وإن شك هل بال مثلا توضأ، وكان بعض من لقيته يقول إن ابن بشير تعسف عليه هذا كعادته في كثير من المسائل، ويذكر أن عياضا في الإكمال حكى ما حكاه اللخمي من الخمسة، وذكر جميعها عن مالك، ونقل ابن العربي مثل ما نقل اللخمي ورد القول بالقطع إلى القول بالوجوب، واختار ابن عبد السلام سقوط
الوضوء قائلا ولا يبعد الاستحباب آخذا باستصحاب الحال كعكسها قلت ويرد بالاحتياط.
(ومن ذكر من وضوئه شيئا مما هو فريضة منه فإن كان بالقرب أعاد ذلك وما يليه):
إطلاق الإعادة هنا مجاز لأن الفرض أنه لم يفعل، وإعادة ما بعد المتروك ومستحبة للترتيب، وما ذكر أنه إذا تطاول لا يعيد ما بعده وهو قول ابن القاسم خلافا لابن حبيب القائل بأنه يعيده وما بعده كما إذا قرب، واختاره ابن عبد السلام قائلا لما هو مذكور في المطولات.
(وإن تطاول ذلك أعاده فقط، وإن تعمد ذلك ابتدأ الوضوء إن طال ذلك):
مفهومة لو لم يطل فإنه لا يضر وهو كذلك، والكلام في هذه المسألة يرجع إلى الموالاة وقد تقدم ذلك.
(وإن كان قد صلى في جميع ذلك أعاد صلاته أبدًا ووضوءه):
إنما قال يعيد الصلاة لأن من ترك فرضا فإن صلاته باطلة إجماعا، واختلف المذهب إذا ترك لمعة يسيرة كالخيط الرقيق من العجين والمشهور أنه معتبر.
(وإن ذكر مثل المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين فإن كان قريبا فعل ذلك ولم يعد ما بعده وإن تطاول فعل ذلك لما يستقبل ولم يعد ما صلى قبل أن يفعل ذلك):
ما ذكر أنه لا يعيد ما بعده هو قول مالك في الموطأ لقوله من غسل وجهه قبل أن يتمضمض تمضمض ولم يعد غسله، ومذه ابن حبيب أن الترتيب فيما بين المفروض والمسنون سنة فعلية يعيد ما بعده وما ذكر أنه لا يعيد ما صلى هو كذلك، ولو كان عامدا في أحد الأقوال الأربعة، وقيل يعيد في الوقت ولو كان ناسيا قاله اللخمي للخروج من الخلاف، وقيل يعيد العامد في الوقت والناسي لا إعادة عليه، وقيل يعيد العامد أبدًا أخرجه ابن رشد على سنن الصلاة، وهو ضعيف لأن سنن الصلاة أقوى لكونها المقصد، والوضوء وسيلة إلا أن قول الشيخ، وإن ذكر إنما يتناول الناسي فيحتمل أن يكون مقصودا، ويحتمل أن يكون طرديا وظاهر كلام الشيخ أيضًا أنه لو ذكر رد اليدين في مسح الرأس أنه يفعل ذلك وهو ظاهر نقله في النوادر عن ابن حبيب: من ترك من مسنون وضوئه شيئا أعاده وهو خلاف قول ابن بشير: من ترك سنة إن فعل في محلها عوضا كغسل اليدين قل إدخالهما في الإناء وإعادة مسح الرأس من المقدم إلى المؤخر لا يعيده وإلا أعاد كالمضمضة.
(ومن صلى على موضع طاهر من حصير وبموضع آخر منه نجاسة فلا شيء عليه):
ظاهر كلامه وإن تحركت النجاسة وهو كذلك في قول وقيل ما لم تتحرك، أما إن تحركت فلا، والقولان حكاهما عبد الحق عن المتأخرين، وأما طرف العمامة إذا كانت فيها نجاسة فهي معتبرة مطلقا عند الأكثر وقيل إن تحركت بحركته وأما إن لم تتحرك فلا، حكاهما ابن الحاجب.
(والمريض إذا كان على فراش نجس فلا بأس أن يبسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا ويصلي عليه):
ظاهر كلامه أن الصحيح لا يغتفر له ذلك وهو ظاهر المدونة قال فيها: لا بأس بصلاة المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا وهو كذلك في أحد القولين وبه قال أصبغ نقله عنه يحيى بن اسحاق في مبسوطه، وقيل إن ذلك عام في المريض، والصحيح والقولان حكاهما ابن يونس عن شيوخه وصوب الثاني.
قلت: ويجري عليهما إذا فرش ثوبا على ثوب حرير ولا أعرف أحدا من أهل المذهب نص على هذا الفرع، وسمعت بعض من لقيته يذكر أن الغزالي أجراه على ما ذكرناه في كتابه البسيط، قال ابن العباس الأبياني وإذا كان أسفل نعله نجاسة فنزعه ووقف عليه جاز كظهر الحصير نقله في الذخيرة.
(وصلاة المريض إذا لم يقدر على القيام صلى جالسا إن قدر على التربع وإلا فبقدر طاقته وإن لم يقدر على السجود فليومئ بالركوع والسجود):
يريد لعجزه عن القيام ولو باستناد إلى حائط أو غيره فلو قدر أن يصلي قائما متوكئًا على عصا وجب ذلك عليه على ظاهر المذهب عندي، وسمع أشهب وابن نافع صلاته متكئا على عصا أحب إلى من جلوسه في الفرض، والنفل.
قال ابن رشد لأنه لما سقط عنه فرض القيام صار نفلا وفضيلة، كما هو في
النافلة قلت: والأقرب أن المراد حمل أحب على الوجوب في الفرض كقول المدونة وصلاته جالسا ممسوكا أحب إلي من اضطجاعه، قال ابن بشير: فإن اضطجع أعاد أبدًا، وقول ابن يونس إن اضطجع أعاد يريد أبدًا، كما تقدم والله أعلم وعجزه إن كان بحيث يخاف الموت فمتفق عليه، وإن كان إنما يخاف زيادة المرض وشهبه فيختلف فيه قياسا على التيمم.
وقد قدمنا أن المشهور التيمم ومن كان قدح الماء من عينيه فإن كن يصلي جالسا إيماء فإنه جائز، وأما إن كان يتنفل في ذلك إلى الاستلقاء ففي ذلك ثلاثة أقوال: فقال في المدونة يعيد أبدًا وقال أشهب جائز، وروى ابن حبيب مثله في اليوم وشبهه، واليومين وما طال كره قال ابن الحاجب: والصحيح قول أشهب، قلت: ولم يحك ابن بشير قول أشهب إلا بعد الوقوع وكلاهما أعني ابن الحاجب وابن بشير لم يحكيا رواية ابن حبيب، وحكاها اللخمي وغيره والفتوى عندما بإفريقية بقول أشهب، واستشكل قول المدونة وأجيب بتردد البرء بخلاف السفر في طلب الأرباح فإن الغالب وجودها.
وقال ابن بشير: قائل هذا لم يقف على حقيقة الأمر في القدح والغالب وجود المنفعة به قلت، وقال ابن الحاج إن كان القدح لصداع جاز وإن كان للرؤية فهي مسألة الخلاف.
(ويكون سجوده أخقض من ركوعه):
ما ذكر هو مذهب المدونة وأخذ منها أن المريض لا يلزمه أن يأتي بما في وسعه من الإيماء، وقيل يلزمه أن يأتي بجميع ما في وسعه، قال الشيخ ويومئ للسجود الأول من قيام، وللثاني من جلوس إن أمكنه ذلك، وأجرى أبو الحسن اللخمي والمازري الخلاف السابق في ما وسعه على الخلاف في الحركة هل هي مقصودة أم لا.
قال ابن بشير وفي هذا نظر لأن المطلوب في هذا أن يكون بدلا عما عجز عنه فلو عجز عن إكمال السجدة فيطلب إكمال الإيماء، وإكماله هو المعنى المفروض كنفس السجود فحاصل كلام ابن بشير أنه جعل هنا الحركة مقصودة ليس إلا، قال بعض من لاقيناه وأخذ أبو الحسن القابسي من قولهم هنا يومئ للسجود والركوع إن لم يجد ماء ولا ترابا أنه يومئ للأرض ويتيمم حكاه عنه أبو عمران الفاسي فلا غرابة فيه.
قلت: الذي في التعاليق إنما هو قول القابسي مجردا على الأخذ قال ولا وجه له، ولا يقاس ذلك على الصلاة لأنا نجد النافلة يجوز ترك القيام فيها، وصلاة المسافر إياها
على الدابة إيماء والطهارة للمكتوبة والنافلة سواء، وأطال في الرد عليه جدا فانظره، وقد علمت الأربعة الأقوال في ذلك وهي الصلاة بلا طهارة والقضاء قاله ابن القاسم وعكسه قال مالك، والصلاة ولا قضاء قاله أشهب وعكسه قال أصبغ فقول القابسي خامس.
(وإن لم يقدم صلى على جنبه الأيمن إيماء وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك):
اختلف في كيفية صلاته على أربعة أقوال: فقيل الجنب الأيمن ثم الأيسر ثم الظهر قاله ابن المواز وغيره، وقيل الظهر مقدم على الأيسر قاله ابن القاسم، وقيل إن الظهر والجنب الأيسر سيان لا مزية لأحدهما على الآخر، وقيل إن الظهر مقدم على الجنب الأيمن نقله ابن محرز عن أشهب وابن مسلمة وابن القاسم وكل هذا الخلاف على طريق الاستحباب لأنها حالة واحدة وهي الاضطجاع.
(ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله وليصلها بقدر ما يطيق إلى آخره):
اعلم أن المريض إذا عجز عن كل أمر سوى نيته، قال ابن بشير نصف في ذلك المذهب وأوجب عليه الشافعي القصد إلى الصلاة بقلبه لأن روح الصلاة القصد، ومقصودها حالة تحصل بالقلب، وأسقط عنه أبو حنيفة الصلاة لأن الصلاة أقوال وأفعال والنية قصد إلى التقرب بالأقوال والأفعال، فإذا عجز عن التقرب به فلا مقصود ههنا تميزه النية.
وقد طال بحثنا عن مقتضى المذهب في هذه المسألة والذي عولنا عليه في المذاكرات موافقة مذهب الشافعي مع العجز عن نص يقتضيه المذهب، والمسألة في غاية الإشكال والاحتياط مذهب الشافعي، والرجوع إلى براءة الذمة هو مقتضى مذهب أبي حنيفة، ولا يبعد أن يختلف المذهب في المسألة.
قلت: قوله لا نص اعترضه ابن عبد السلام بقول الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله وبنص ابن الجلاب كذلك، وأجاب عنه باحتمال أن يريد نصا أصوليا لا نصا فقهيا واختار مذهب أبي حنيفة لأن النية إنما هي لتخصيص الفعل المتعبد به عن نظيره مما ليس بعبادة فوجوب النية كالتابع لوجوب الفعل، فإذا سقط المتبوع سقط تابعه كالنية في الصوم في حق العاجز عنه وغير ذلك في نظائره، قلت: قال بعض شيوخنا.
ويرد على ابن بشير أيضًا بما نص عليه ابن رشد قال: اختلف المذهب في
سقوطها عن الغريق العاجز عن الإيماء وغيره، فقيل: إنها تسقط رواه معن عن مالك، وقيل: تقضي لقول المدونة: ومن تحت الهدم ولا يستطيع الصلاة يقضي والجواب عن هذا ما سبق لابن عبد السلام.
(فإن لم يجد من يناوله ترابا تيمم بالحائط إلى جانبه إن كان طينا أو عليه طين):
ما ذكر من أنه يتيمم عليه لا أعرف فيه خلافا، وتردد بعض من لقيناه هل يتخرج قول ابن بكير القائل لا يصح على التراب المنقول أم لا؟ وقطع بعضهم بأنه لا يتخرج لأنه لا يصدق عليه اسم تراب وإنما هو طوب.
(فإن كان عليه جص أو جير فلا يتيمم به):
ما ذكر هو المنصوص، وقال ابن حبيب إن كان الجدار حجرا أو آجرا جاز إن لم يجد ماء ولا ترابا، وتعقبه التونسي وابن رشد بأنه مطبوخ وألزمه الباجي أن يقول بجوازه على الجير.
(والمسافر يأخذ الوقت في طين خضخاض لا يجد أين يصلي فلينزل عن دابته، ويصلي فيه قائما يومئ بالسجود أخفض من الركوع فإن لم يقدر أن ينزل فيه صلى على دابته إلى القبلة):
ظاهر كلام الشيخ، وإن كان إنما يخشى على ثيابه فقط وهو قول مالك وهو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: ورواه أشهب وابن نافع يسجد عليه وإن تلطخت ثيابه ولا يومئ وقيل بالأول إن لم يكن واسع المال وكانت ذات قيمة والطين يفسده خرجه ابن رشد على ماء الوضوء، وأما إن كان يخشى على نفسه فالاتفاق على ما قال الشيخ.
(وللمسافر أن يتنفل على دابته في سفره حيثما توجهت به إن كان سفرا تقصر فيه الصلاة):
ظاهر كلامه خصوصية الدابة فالسفينة لا يتنفل فيه وهو كذلك وهو نص المدونة، وروى ابن حبيب كالدابة قال بعض شيوخنا لعله يريد الصغيرة، واختلف الشيوخ في فهم المدونة فتأوله ابن التبان على أن ذلك لمن يصلي بالسفينة إيماء، وأما من يركع ويسجد فهي كالدابة، وخالفه أبو محمد وقال ليست كالدابة ولا يتنفل فيها أحد إلا إلى القبلة، وإن ركع وسجد ذكره في تهذيب الطالب.
واختلف في جواز النافلة مضطجعا على ثلاثة أقوال: فقيل بالجواز قاله الأبهري وقيل لا يجوز نقله أبو محمد عن بعض أصحابنا وقيل إن كان مريضا جاز قاله ابن الجلاب، واختلف إذا صلى النافلة جالسا وأراد أن يومئ بالسجود على ثلاثة أقوال: فقيل بالجواز قاله ابن حبيب وعكسه قاله عيسى وقيل يكره قاله ابن القاسم وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها أبو محمد في نوادره.
(وليوتر على دابته إن شاء ولا يصلي الفريضة وإن كان مريضا إلا بالأرض):
أخذ بعض التونسيين من شيوخ شيوخنا من هنا أن الوتر يصلي جالسا اختيارا
وكنت أضعف هذه الإقامة في صغري بأن للمسافر خصوصيات ليست لغيره، ألا ترى أنهم اشترطوا هنا مسافة القصر ثم ظهر لي أن الإقامة ظاهرة لأنه لما كان الفرض في مسافة القصر مغاير للنوافل ذكروا وجعلوا الوتر في جملة النوافل لزم اطراده في الحضر والله أعلم.
ومن التونسيين ممن ذكر من كان يذهب المنع من ذلك وأخذه من قول المدونة لا يصلي في الكعبة الفريضة ولا الوتر ولا ركعتي الفجر فقد سوى فيما ذكر بين الوتر والفريضة فيلزمه اطراده فيما يمكن، واختلفت فتوى القرويين من المتأخرين أيضًا في هذه المسألة فأفتى الشيخ أبو عبدالله محمد بن الرماح بجواز ذلك، وأفتى غيره بالمنع وهو الأقرب أخذ بالاحتياط لقول أبي حنيفة بوجوبه.
(إلا أن يكون إن نزل صلى جالسا بماء لمرضه فليصل على الدابة بعد أن توقف له ويستقبل بها القبلة):
ما ذكر خلاف عليه الأكثر من كرهية ذلك.
(ومن رعف مع الإمام خرج فغسل الدم ثم بنى ما لم يتكلم أو يمش على نجاسة):
يحتمل أن يكون قوله مع الإمام مقصودا إشارة إلى أن الفذ لا يبني كما قال ابن حبيب، وروي عن مالك ويحتمل أن يكون قوله طرديا فيبني الفذ كما قاله أصبغ وغيره وهو ظاهر المدونة.
وقال ابن عبد السلام: في أخذه من ظاهر المدونة نظر، ولا خلاف في صحة البناء إذا حصلت له ركعة واختلف إذا لم تحصل له ركعة على خمسة أقوال: فقيل بصحة البناء كما هو ظاهر كلام المؤلف، وقيل لا يصح وقيل إن كان مأموما بنى، وقيل ما لم تكن جمعة وقيل يستحب القطع، وظاهر كلام الشيخ أن البناء هو المطلوب واختلف في المسألة على أربعة أقوال: فقيل أن البناء أرجح من القطع قاله مالك اتباعا للعمل وعكسه قاله ابن القاسم.
وقيل إنهما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر نقله غير واحد عن المذهب كصاحب التلقين وقيل أن البناء يجب أخذه ابن رشد من قول ابن حبيب إن استخلف متكلما عمدا أو جهلا بطلت صلاتهم عليهم، وظاهر كلام الشيخ لو تكلم سهوا أو مشى على نجاسة كذلك أنه لا يبني وهو أحد الأقوال الأربعة في المتكلم ساهيا، وقيل إنه يبني، وقال ابن حبيب إن تكلم في حال الذهاب بطلت وفي حال الرجوع صحت
حكاه غير واحد كاللخمي وعزاه ابن يونس لان الماجشون، وقيل بعكسه نقله ابن شاس وعزاه خليل لابن بشير أيضًا وهو وهم، وأما إن مشى على نجاسة فقال ابن بشير هو كالمتكلم في أقواله، وقد ذكر فيه الثلاثة الأقوال، وقال ابن شاس إنه مثل ما إذا تكلم.
قال ابن عبد السلام: يعني فتبطل في العمد وتصح في النسيان قال وفيما قاله نظر إن كان نقلا وإن كان تخريجا فهو أبعد قلت ما فسره به بعيد والأقرب أنه إنما أراد بذلك ذكر الأقوال التي ذكرها أجمع، فإن قلت ما معنى قول ابن عبد السلام فيما قاله نظر إلخ، قلت: أراد أن المنقول في المذهب قولان فقط قال ابن سحنون لا يبني وقال ابن عبدوس يبني فما ذكره خلاف المنقول إن كان أراد ذلك، وإن كان إنما أراد بالإجراء لا بالنص فأبعده لأن النجاسة أشد من التكلم ناسي بدليل أن من تكلم في صلاته ناسيا فلا شيء عليه اتفاقا، ومن صلى بالنجاسة يعيد في الوقت على المشهور وأبدًا على الشاذ.
(ولا يبني على ركعة لم تتم بسجدتيها وليلغها إلخ):
اعلم أن قوله وليلغها زيادة في البيان وإلا فقوله ولا يبني يغني عنه وما ذكره هو المشهور، وقيل يبني على ما عمل قاله ابن الماجشون وابن حبيب وقيل إن كانت الأولى فالأول وإلا فالثاني حكاه ابن حارث عن أشهب وغيره.
(ولا ينصرف لدم خفيف وليفتله بأصابعه إلا أن يسل أو يقطر):
يعني بالأنامل الاربع العليا والمراد الاقتصار على يد واحدة ويريد أيضًا من اليد اليسرى لا اليمنى لقوله صلى الله عليه وسلم "اليمنى لأطهاركم واليسرى لأقذاركم" وقول الشارمساحي بأنامل اليد اليمنى لأن اليمنى مختصة بالوجه بعيد غريب ولو سال منه الدم، وغلب على ظنه التمادي به إلى خروج الوقت فإنه يصلي به.
واختلف في كيفية صلاته فقيل يصلي إيماء قاله ابن حبيب وقيل يركع ويسجد، قاله ابن مسلمة، قلت: ويجري عليهما من كان عنده من الماء ما يقوم به إما لغسل النجاسة وإما لوضوئه، فمن قال هنا يصلي إيماء يقول بغسل النجاسة به لأن الوضوء عنه بدل وهو التيمم والإيماء هنا هو بدل عن السجود، ومن يقول يركع ويسجد هنا
ويصلي بالنجاسة يقول يتوضأ به ويترك النجاسة، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو عمران الفاسي، والأول هو الذي ارتضاه الأكثر من شيوخ المذهب كابن عبد السلام، وأخذه المازري من لابس الخف إذا حصلت به نجاسة وكان على طهارة بأنه يزيله ويتيمم.
(ولا يبني في قيء ولا حدث):
ما ذكره هو المشهور ونقل ابن العربي في القبس عن أشهب أنه يبني في الحدث كمذهب أبي حنيفة، وإنما كان لا يبني على المشهور لأن الأصل عدم البناء في الجميع رجاء ما جاء في الرعاف وبقي ما سواه على أصله.
(ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف):
ما ذكر أنه يسلم وينصرف مثله في المدونة، وأخذ منها أن السلام غير فرض كما حكاه الباجي عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته أجزأته صلاته ولم يرتض معظم الشيوخ هذا الأخذ ورأوا أن سلامه وهو حامل للنجاسة أخف من خروجه وزيادته في صلاته.
(وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم ثم رجع فجلس وسلم):
يريد ويتشهد وسلم سواء تشهد أم لا لنص المدونة بذلك قال فيما وإذا رعف المأموم بعد فراغه من التشهد قبل سلام الإمام ذهب فغسل الدم ثم رجع فتشهد وسلم، وهو الذي أراد ابن الحاجب بقوله: ولو رعف فسلم الإمام رجع فتشهد ثم سلم، وقال ابن عبد السلام: عناه إن كان لم يتشهد أولا، وأما لو تشهد أولا فإنه يسلم دون تشهد، وتعقبه بعض شيوخنا بصريح المدونة كما تقدم، وكان بعض من لقيته يجيب عنه بأن قوله جار على أحد الروايتين فيمن سجد السجود القبلي فإنه لا يتشهد اكتفاء بتشهد الصلاة وكنت أجيبه بوجهين:
أحدهما: أنهما ليسا سواء لقرب السلام من التشهد الأول وبعد السلام من التشهد في الرعاف لأن خروجه وغسله للدم، ورجوعه مظنة للطول غالبا.
الثاني: هب أنهما سواء فقصارى الأمر أن يكون في المسألة قول ثالث وهو قد قصد إلى أن يجعل ذلك المذهب مع أن نص المدونة يدل على خلافه، فكيف يمكن أن يجعل المخرج المذهب وظاهر كلام الشيخ كما هو ظاهر كلام المدونة وغيرها أنه لو كان لما رعف سلم إمامه أنه يخرج لغسل الدم كغيره، وليس كذلك بل المراد إذا لم يسلم بالقرب فإن سلم عليه بالقرب فإنه يسلم وينصرف حسبما نص عليه ابن يونس.
(وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع):
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا طمع أن يدرك شيئا من صلاة الإمام، ولو السلام فإنه يرجع إليه وهو كذلك على ظاهر المدونة وغيرها، وقال ابن شعبان إن لم يطمع بإدراك ركعة فإنه لا يرجع إذ لا فائدة فيه، وظاهر كلام الشيخ أن مسجد مكة والمدينة كغيرها فحيث يطمع بإدراك شيء من صلاة الإمام رجع وإلا فلا، وهو كذلك في القول المشهور، وروى السبائي عن مالك أنه يرجع لأحد المسجدين مطلقا، وما ذكر أن الجمعة لا بد فيها من الرجوع إلى الجامع مثله في المدونة قائلا لأن الجمعة لا تكون إلا في الجامع، وهو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وقيل الجمعة كغيرها وقيل إن أمكنه رجع، وإلا فمكانه وهذه طريقة ابن بشير ومن تابعه كابن الحاجب وسلمها الشيخ خليل وابن عبد السلام وغيرهما، واعترضها بعض شيوخنا بأنه اغترار بكلام اللخمي في قوله.
وقال المغيرة: إن منعه من الرجوع وإذا أضاف ركعة أخرى ثم صلى أربعا وهو ليس بخلاف في الحقيقة كما زعم اللخمي وإنما هو بيان للمشهور وهو تفسير وعليه حمله المازري، وبنص المدونة السابق رد بعض شيوخنا على الصالحي المستقرئ من المدونة أن الجامع ليس بشرط في الجمعة لأن ذكر الأسواق مرة ومرة لم يذكرها فلو كان الجامع شرطا لذكره، واختلف إذا أدرك تكبيرة الإحرام في الجمعة ثم رعف فلما رجع وجد الإمام قد سلم فقيل يبتدئ ظهرا بإحرام مستأنف، وقال سحنون يبني على إحرامه وصوبه ابن يونس وفسره بعضهم بقول المدونة قائلا لأنه صاحبها وتفسيرها بقول مؤلفها أولى ونصها ابتدأ طهرا، وقال أشهب إن شاء قطع أو بنى على إحرامه أو على ما عمل فيهما.
(ويغسل قيل الدم من الثوب ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره):
يعني على طريق الاستحباب يدل على قوله ولا تعادل الصلاة إلا من كثيره، وما ذكره هو مذهب المدونة وقيل إن يسير الدم جدا لا أثر له فلا يستحب غسله، قاله الداودي لقول مالك لا يغسل دم البراغيث ما لم ينتشر وقبله الباجي ورده بعض شيوخنا بالمشقة في دم البراغيث، ولذلك لم يقيد العفو باليسارة جدا بل بعدم التفاحش، ونقل ابن العطار عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه يعفي عنه في البدن لا في
الثوب، وقيل إن أصابه من غيره غسله نقله المازري في دم الحيض خصوصا لندور نيله، ونقله ابن عبد السلام في سائر الدماء.
وظاهر كلام الشيخ أن دم الحيض والميتة كغيرهما وهو كذلك في القول المشهور، وقيل إن يسيرهما كالكثير ويسير القيح والصديد كالدم قاله في المدونة وقيل كالكثير قاله مالك في أحد قوليه، والأول أقرب لأن وصولهما إلى الجسد والثوب أقل من وصول الدم ولا يجاب بأنهما أقذر لأن القذارة لا اعتبار لها كما قد علمت، واختلف في مقدار اليسير والكثير ففي العتبية من سماع أشهب لا أجيبكم إلى التحديد بالدراهم، وتحديد بذلك ضلال فإن الدراهم تختلف تصغر وتكبر فقد أشار بذلك إلى أن المعتبر العرف، وقال ابن سابق، اليسير ما دون الدرهم، والكثير ما فوقه وفي الدرهم روايتان.
وروى علي أنه يسير، وروى ابن حبيب أنه كثير، وقال ابن بشير اليسير ما دون الدرهم والكثير ما فوقه، وفي الدرهم قولان ونقل ابن المنذر عن مالك تعاد الصلاة من كثير الدم، وكثيره نصف الثوب فأكثر وكل ما لقيته من القرويين وغيرهم يقولون هو قول غريب بعيد.
(وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء):
ظاهر كلام الشيخ أن يسير البول كغيره فلا يعفى عنه وهو مذهب المدونة ونصها قلت أرأيت ما تطاير علي من البول مثل رءوس الإبر قال لا أحفظ هذا بعينه عن مالك، ولكن قال مالك يغسل قليل البول وكثيره واختصرها البراذعي على ما هي عليه، فإن قلت عادة صاحب التهذيب لا يأتي بالمسألة سؤالا وجوابا لا لمعنى من المعاني كقول ابن الحاجب وفيها فما هو هذا المعنى، قلت: لأحد أمرين:
أحدهما: إن جوابه يوهم أنه لم يقل بالعموم ولا الإجابة بالغسل إذ هو أحد أفراده.
الثاني: لما قد علمت من أن العام يتناول أفراده بطريق الظهور لا بالنص فهو يمكن تخصيصه بما سأله عنه، وهو ما تطاير من البول مثل رؤوس الإبر وما ذكره في الإكمال قال ابن عبد السلام: يحتمل أن يريد بذلك عموما، ويحتمل أن يريد مقصورا على التطاير عند البول لأنه محل ضرورة لتكرره كل وقت، قلت: الأقرب من القولين العفو وإن الاحتمال الأول أقرب لأن المشهور في الدم عفوه عموما فكذلك البول والله أعلم.
(ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش):
ظاهر كلامه أنه لا يشترط أن يكون تفاحشه بادرا، وكذلك ظاهر المدونة وغيرها واشترطه ابن الحاجب ونصه عن دم البراغيث غير المتفاحش النادر، وظاهر كلام الشيخ أنه يجب غسله إذا تفاحش وهو ظاهر كلام غير واحد، وقيل يسحب كالدمل قاله المتيوي وفرق بينهما بالاتصال والانفصال، قال الشيخ خليل رحمه الله تعالى، وذكر مصنف الإرشاد في العمدة قولين إذا تفاحش بالوجوب والاستحباب، وكذلك نقل اللخمي، وقيل لا يؤمر بغسله إلا في الأوقات التي جرت عادت بغسل ثيابه فيها ولا يؤمر بغسله في أثناء الغسلات المعتادة حكاه التادلي ولا أعرفه، وحد التفاحش ما يستحيا به في المجالس بين الناس، وقيل ما له رائحة نقلهما التادلي أيضًا، وألحق صاحب الحلل بدم البراغيث دم البق والقمل.
وبعث أمير إفريقية رجلا يسأل عبد الله بن فروح الفارسي عن دم البراغيث فسأله بمحضر أهل درسه عن ذلك، فقال لا بأس بالصلاة به ثم قال بمحضره: عجبا يسألنا عن دم البراغيث ولا يسألنا عن دم المسلمين التي يسفكها، وكان رحمه الله لا يخاف في الله لومة لائم، وكان مفتي إفريقية يغسل موتى الضعفاء بيده ويحملها على عنقه ويدخلها في قبرها تواضعا منه لله تعالى.
ومن أراد الوقوف سيرته فعليه بالمدارك واعلم أن عادة الشيوخ يتعرضون هنا إلى نظائر منها، أن ثمانية أثواب لا يجب غسلها إلا مع التفاحش: ثوب دم البراغيث والمرضع وصاحب السلس، وصاحب البواسير وثوب الجرح السائل والقرحة وثوب الغازي الذي يمسك فرسه في الجهاد وثوب المتمعش في سفره بالدواب نقله الباجي، وثمانية يجزي زوال النجاسة فيها بغير الماء وهي: النعل والخف والقدم والمخرجان وموضع الحجامة والسيف الصقيل والثوب والجسد وثمانية تحمل على الطهارة وهي: طين المطر وأبواب الدور وحبل البئر والذباب يقع على النجاسة وقطر سقف الحمام وميزاب السطوح، وذيل المرأة وما نسجه المشركون، وثمانية تجب مع الذكر والقدرة وهي: النجاسة والفور والترتيب والتسمية والكفارة في صوم رمضان والفطر في التطوع وترتيب الحاضرتين، وتقديم الفوائت اليسيرة على الحاضرة عند مالك في رواية ابن الماجشون.