المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌سورة هود: 755- وَإِنِّي لَكُمْ بِالفَتْحِ "حَقُّ رُ"وَاتِهِ … وَبَادِئَ بَعْدَ الدَّالِ - شرح الشاطبية إبراز المعاني من حرز الأماني

[أبو شامة المقدسي]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمات

- ‌خطبة الكتاب

- ‌فصل في ذكر القراء السبعة:

- ‌مقدمة القصيدة

- ‌مدخل

- ‌بعض ما جاء في ذكر القرآن العزيز وفصل قراءته

- ‌بيان القراء السبعة ورواتهم وأخبارهم:

- ‌بيان الرموز التي يشير بها الناظم إلى القراء السبعة ورواتهم:

- ‌باب: الاستعاذة

- ‌باب: البسملة

- ‌سورة أم القرآن:

- ‌باب الإدغام الكبير:

- ‌باب: إدغام الحرفين المتقاربين في كلمة وفي كلمتين

- ‌باب: هاء الكناية

- ‌باب المد والقصر:

- ‌باب الهمزتين من كلمة:

- ‌بب: الهمزتين من كلمتين

- ‌باب الهمز المفرد:

- ‌باب: نقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها

- ‌باب: وقف حمزة وهشام على الهمز

- ‌باب: الإظهار والإدغام

- ‌مدخل

- ‌ذكر ذال إذ

- ‌ذكر دال قد

- ‌ذكر تاء التأنيث

- ‌ذكر لام وهل وبل

- ‌باب: حروف قربت مخارجها

- ‌باب: أحكام النون الساكنة والتنوين

- ‌باب: الفتح والإمالة وبين اللفظين

- ‌باب: مذهب الكسائي في إمالة هاء التأنيث في الوقف

- ‌باب: الراءات

- ‌باب: اللامات أي تغليظها:

- ‌باب: الوقف على أواخر الكلم

- ‌باب: الوقف على مرسوم الخط

- ‌باب: مذاهبهم في ياءات الإضافة

- ‌باب: مذاهبهم في الزوائد

- ‌باب: فرش الحروف

- ‌سورة البقرة

- ‌سورة آل عمران

- ‌سورة النساء:

- ‌سورة المائدة:

- ‌سورة الأنعام:

- ‌سورة الأعراف:

- ‌سورة الأنفال:

- ‌سورة التوبة:

- ‌سورة يونس:

- ‌سورة هود:

- ‌سور يوسف

- ‌سورة الرعد:

- ‌سورة إبراهيم:

- ‌سورة الحجر:

- ‌سورة النحل:

- ‌سورة الإسراء:

- ‌سورة الكهف:

- ‌سورة مريم:

- ‌سورة طه:

- ‌سورة الأنبياء:

- ‌سورة الحج:

- ‌سورة المؤمنون:

- ‌سورة النور:

- ‌سورة الفرقان:

- ‌سورة الشعراء:

- ‌سورة النمل:

- ‌سورة القصص:

- ‌سورة العنكبوت:

- ‌من سورة الروم إلى سورة سبأ

- ‌سورة سبأ وفاطر:

- ‌سورة يس:

- ‌سورة الصافات

- ‌سورة ص:

- ‌سورة غافر:

- ‌سورة فصلت:

- ‌سورة الشورى والزخرف والدخان:

- ‌سورة الشريعة والأحقاف

- ‌من سورة محمد صلى الله عليه وسلم إلى سورة الرحمن عز وجل:

- ‌سورة الرحمن عز وجل:

- ‌سورة الواقعة والحديد:

- ‌من سورة المجادلة إلى سورة ن:

- ‌من سورة "ن" إلى سورة القيامة:

- ‌من سورة القيامة إلى سورة النبأ:

- ‌من سورة النبأ إلى سورة العلق:

- ‌من سورة العلق إلى آخر القرآن:

- ‌باب: التكبير

- ‌باب: مخارج الحروف وصفاتها التي يحتاج القارئ إليها

- ‌الفهرس:

- ‌مقدمات

- ‌تصدير

- ‌ترجمة الإمام الشاطبي:

- ‌الشيخ شهاب الدين أبو شامة:

- ‌الدرة الأولى: فيما يتعلق بطالب العلم في نفسه ومع شيخه

- ‌الدرة الثانية: في حد القراءات والمقرئ والقارئ

- ‌الدرة الثالثة: شروط المقرئ وما يجب عليه

- ‌الدرة الرابعة: فيما ينبغي للمقرئ أن يفعله

- ‌الدرة الخامسة: في قدر ما يسمع وما ينتهي إليه سماعه

- ‌الدرة السادسة: فيما يقرأ به

- ‌الدرة السابعة: في الإقراء والقراءة في الطريق

- ‌الدرة الثامنة: في حكم الأجرة على الإقرار وقبول هدية القارئ

- ‌الدرة التاسعة: تدوين القراءات

الفصل: ‌ ‌سورة هود: 755- وَإِنِّي لَكُمْ بِالفَتْحِ "حَقُّ رُ"وَاتِهِ … وَبَادِئَ بَعْدَ الدَّالِ

‌سورة هود:

755-

وَإِنِّي لَكُمْ بِالفَتْحِ "حَقُّ رُ"وَاتِهِ

وَبَادِئَ بَعْدَ الدَّالِ بِالهَمْزِ "حُـ"ـلِّلا

يريد: {إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ} في أول قصة نوح: الفتح على حذف الباء؛ أي: أرسلناه بهذا الكلام والكسر على: فقال: {إِنِّي لَكُمْ} ، أما بادئ الرأي، فذكر أن أبا عمرو قرأه بهمزة بعد الدال، وبدأ الشيء: أوله، ولم يبين قراءة الجماعة، وهي بياء مفتوحة إما من بدأ إذا ظهر أو يكون خفف الهمز الذي في قراءة أبي عمرو وقياس تخفيفه أنه يبدل ياء؛ لانفتاحه وكسر ما قبله فهو كما في ضياء في قراءة قنبل، ولو قال: وباديء همز الياء عن ولد العلا لكان أجلى وأحلى، وحلل من التحليل.

756-

وَمِنْ كُلِّ نُونٍ مَعْ قَدَ افْلَحَ عَالِمًا

فَعُمِّيَتِ اضْمُمْهُ وَثَقِّلْ "شَـ"ـذًا "عَـ"ـلا

يريد: {مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} هنا، وفي سورة:{قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ} 1، التنوين في تقدير: من كل شيء زوجين، ويكون زوجين مفعولا، واثنين: تأكيدا، وعلى قراءة غير حفص يكون اثنين مفعول احمل وأما:{فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} 2، فاضمم عينه وشدد ميمه، فيكون معناه: أخفيت، وقراءة الباقين بالتخفيف على معنى: خفيت ووزنه، ولا خلاف في تخفيف:{فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ} 3.

في سورة القصص وإعراضه عن ذكرها دليل على أن الخلف المذكور مختص بما في هذه السورة ألا ترى "أن من كل زوجين" لما كان في سورتين ذكرهما وهو: أول هذا البيت ويجوز في البيت ضم تاء فعميت وكسرها كما قرئ بهما قوله: تعالى: {قَالَتِ اخْرُجْ} 4.

1 سورة المؤمنون، آية:1.

2 سورة القصص، آية:66.

3 سورة يوسف، آية:31.

ص: 513

الكسر على التقاء الساكنين والضم للإتباع، وشذا حال من الفاعل أو المفعول في اضممه وثقل؛ أي: ذا شذا عالٍ، والله أعلم.

757-

وَفِي ضَمِّ مَجْرَاهَا سِوَاهُمْ وَفَتْحُ يَا

بُنَيِّ هُنَا "نَـ"ـصٌّ وَفِي الكُلِّ "عُـ"ـوِّلا

أي: غير حمزة والكسائي وحفص ضم ميم "مجراها" على أنه مصدر أجرى وهؤلاء فتحوها على أنها مصدر جرى وفي في قوله: وفي ضم بمعنى على أي: على ضمها من عدا هؤلاء، أما يا بني بفتح الياء وكسرها فلغتان مثل ما تقدم في:"يا ابن أم" بفتح الميم وكسرها، ففتح حفص الجميع ووافقه أبو بكر هنا فعلى الكسر أصله يبنى، فحذفت الياء كما تقول: يا غلام، والأصل: يا غلامي، وعلى الفتح أبدلت الياء ألفا؛ لتوالي الياءات والكسرات، ثم حذفت الألف وبقيت الفتحة دالة عليها.

758-

وَآخِرَ لُقْمانٍ يُوَالِيهِ أَحْمَدُ

وَسَكَّنَهُ "زَ"اكٍ وَشَيْخُهُ الَاوَّلا

في لقمان ثلاثة مواضع: {يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ} {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ} {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ} 3، فالوسطى على ما تقدم تفتح لحفص وتكسر لابن كثير وغيره. والأولى والأخيرة فتحهما حفص وكسرهما من عدا ابن كثير، أما ابن كثير فسكن الأولى وله في الأخيرة وجهان؛ فتحها البزي فوافق حفصا في ذلك وسكنها قنبل، ووجه الإسكان أن بعد حذف ياء الإضافة بقي ياء مشددة هي مجموع ياء التصغير وياء لام الفعل، فخفف ذلك التشديد بحذف الياء الأخيرة، وهي لام الفعل وبقيت ياء التصغير وهي ساكنة وكأنه عند التحقيق وصل بنية الوقف فإذا وقف على المشدد جاز تخفيفه، وفي قراءة ابن كثير جمع بين اللغات الثلاث ففتح وسكن وكسر الأكثر، ومعنى يواليه يتابعه وأحمد هو اسم البزي، وزاكٍ عبارة عن قنبل وشيخه هو ابن كثير.

759-

وَفِي عَمَلٌ فَتْحٌ وَرَفْعٌ وَنَوِّنُوا

وَغَيْرَ ارْفَعُوا إِلا الكِسَائِيَّ ذَا المَلا

يريد: {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} ، فالفتح في الميم والرفع والتنوين في اللام فقراءة الكسائي واضحة؛ أي: إنه عمل عملا غير صالح، وقراءة الجماعة على تقدير إنه ذو عمل وإن كانت الهاء في "إنه" عائدة على النداء، فقراءتهم أيضا واضحة، والملا: الأشراف، ويريد: مشايخه أو أصحابه.

1 و2 و3 سورة لقمان، الآيات: 13 و16 و17.

ص: 514

760-

وَتَسْئَلْنِ خِفُّ الكَهْفِ "ظِـ"ـلٌّ "حِـ"ـمًي وَهَا

هُنَا "غُـ"ـصْنُهُ وَافْتَحْ هُنَا نُونَهُ دَلا

الذي في الكهف: "فلا تسألن عن شيء"، والذي هنا:{فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ} .

وأصله: فلا تسأل لحقته نون الوقاية بعدها ياء المفعول، وهي ثابتة في الكهف؛ لثبوتها في الرسم إلا في وجه عن ابن ذكوان تقدم ذكره في آخر باب الزوائد، أما هنا فحذفت الياء تخفيفا فهذه قراءة الجماعة المرموزين في هذا البيت والمراد بالتخفيف: تخفيف النون والباقون ألحقوا نون التأكيد الخفيفة في آخر الفعل فأدغمت في نون الوقاية ففتحت اللام وكانت ساكنة؛ لأجل التقاء الساكنين، فبقيت نون مشددة مكسورة، فبهذا قرأ نافع في الكهف مع إثبات الياء وكذا ابن عامر، وفي وجه حذف ابن ذكوان الياء، أما هنا فقرأ ابن عامر ونافع وابن كثير بالتشديد إلا أن نافعا وابن عامر كسرا النون من غير ياء وابن كثير فتح النون؛ لأنه ألحق الفعل نون التأكيد الثقيلة، ولم يأت بنون الوقاية ولا ياء المفعول، وإنما لم يفعل في الكهف مثل هذه؛ لأن الياء فيه ثابتة في الرسم ويلزم من إثبات الياء كسر النون، أما التي في هود فلم ترسم فيها ياء، فأمكن فيها القراءتان وقول الناظم: خف الكهف صفة "تسئلن"؛ أي: الخفيف في سورة الكهف، وظل حمى خبره، ولفظ بقوله:"تسئلن" بلا ياء؛ ليشمل لفظ ما في السورتين، وقوله: وههنا غصنه؛ أي: فرع ذلك؛ لأن من خففه أقل عددا من مخفف الكهف، وقد سبق معنى ولا وفاعله ضمير عائد على تسألن؛ أي: جمع وجوه القراءات فيه من فتح وكسر وتخفيف وتشديد في السورتين فهو كمن أخرج دلوه ملآنا.

761-

وَيَوْمَئِذٍ مَعْ سَالَ فَافْتَحْ "أَ"تَى "رِ"ضًا

وَفِي النَّمْلِ "حِصْنٌ" قَبْلَهُ النُّونُ "ثُـ"ـمِّلا

يريد: {وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ} ، وفي سورة:{سَأَلَ سَائِلٌ} : {لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ} 1، قرئ بفتح الميم وجرها، فأما جرها فظاهر؛ لأنه اسم أضيف إليه ما قبله فكان مجرورًا، أما وجه الفتح، فكونه أضيف إلى غير متمكن، وهو "إذ"، وهذه حالة كل ظرف لزم الإضافة إذا أضيف إلى غير متمكن، ويجوز أن لا يبنى وعليه القراءة الأخرى،، أما الذي في النمل وهو:{وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ} 2، فزاد على فتح الميم عاصم وحمزة لكنِ الكوفيون نونوا قبله "من فزع" فهذا معنى قوله: قبله النون،

1 سورة المعارج، آية:11.

2 آية: 86.

ص: 515

أي: قبل يومئذ زاد الكوفيون نونا أو تنوينا، والباقون أضافوا:"من فزع" إلى: "يومئذٍ" فمن جر الميم مع الإضافة فقراءته واضحة كما سبق شرحه وهو ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر على أصلهم ومن فتحها مع الإضافة وهو: نافع وحده فوجهه ما تقدم، فقراءته في السور الثلاث على طريقة واحدة، أما فتح الميم بعد التنوين فهو في قراءة عاصم وحمزة يكون حركة إعراب، وهو ظرف منصوب إما بفزع وإما بآمنون، وقراءة الكسائي تحتمل الأمرين؛ لأنه فتح الذي في هود وسأل لاعتقاده فيه البناء فكذا لو وجه هذا التنكير في فزع أنه أريد تهويله؛ أي: من فزع عظيم وهو الفزع الأكبر آمننا الله تعالى منه ومعنى ثمل أصلح؛ لأن التنوين جود الفتح على الظرفية ولم يخرج إلى وجه البناء والله أعلم.

762-

ثَمُودَ مَعَ الفُرْقَانِ وَالعَنْكَبُوتِ لَمْ

يُنَوَّنْ "عَـ"ـلَى "فَـ"ـصْلٍ وَفِي النَّجْمِ "فُـ"ـصِّلا

أراد: {أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ} ، وفي الفرقان:{وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسّ} 1.

وفي العنكبوت: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ} 2.

وفي النجم: {وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى} 3.

لم ينون الجميع حفص وحمزة، ووافقهما أبو بكر على عدم تنوين الذي في النجم، ورمزه في أول البيت الآتي نما؛ لأن النون لعاصم بكماله في اصطلاح هذه الطريقة عبارة عن أبي بكر وحفص معا، والباقون نونوا في الجميع، ووجه التنوين وعدمه مبني على صرف هذه الكلمة وعدم صرفها، وللعرب فيها مذهبان تارة تصرفها ذهابا إلى اسم الحي، وتارة تترك صرفها ذهابا إلى اسم القبيلة، وكذا الخلاف في سبأ لما سيأتي في سورة النمل، فإن قلت: أطلق قوله: ثمود هنا فما المانع أن يظن أنه أراد التي في أول القصة: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} وهو غير منصرف اتفاقا، قلت: منع منه أمران.

أحدهما أن هذا سابق على كلمة يومئذ فلو كان فيه خلاف لذكره قبل مسألة يومئذ لا يقال: إنه في بعض المواضع يقدم ما تأخر من الحروف، ويؤخر ما تقدم كقوله بعد هذا البيت: ويعقوب ثم قال هنا: قال سلم ومثله ودرى اكسر ثم قال: يسبح فتح الياء كذا صف، وتوقد البيت، ولفظ توقد قبل يسبح، وإنما ضرورة النظم تحوج إلى مثل هذا؛ فإن جوابه أنه لا ضرورة هنا؛ لأن مسألة يومئذ في بيت مستقل فكان يمكنه تأخيره.

1 الآية: 38.

2 الآية: 38.

3 الآية: 51.

ص: 516

الأمر الثاني: أن جميع هذه المواضع الأربعة المختلف فيها منصوبة والخلاف واقع في إثبات التنوين وعدمه فقط، أما قوله: وإلى ثمود فمجرور فلا يكفي فيه ذكر التنوين بل لا بد من جره عند من صرفه كما ذكر بعد ذلك في "لثمود" فلم يدخل في مراده والله أعلم، قال سيبويه: وثمود وسبأ هما مرة للقبيلتين ومرة للحيين وكثرتهما سواء، قال أبو علي: فمن صرف في جميع المواضع كان حسنا، ومن لم يصرف في جميع المواضع فكذلك، وكذلك إن صرف في موضع ولم يصرف في موضع آخر إلا أنه لا ينبغي أن يخرج عما قرأت به القراء؛ لأن القراءة سنة فلا ينبغي أن نحمل على ما تجوزه العربية حتى ينضم إلى ذلك الأثر من قراءة القراء، وقول الناظم: على فصل؛ أي: على قول فصل والله أعلم.

واختار أبو عبيد قراءة التنوين في هذه المواضع الأربعة،؛ لأنها رسمت بألف بعد الدال وهو دليل الصرف.

763-

"نَـ"ـما لِثَمُودٍ نَوِّنُوا وَاخْفِضُوا "رِ"ضا

وَيَعْقُوبُ نَصْبُ الرَّفْعِ "عَـ"ـنْ "فَـ"ـاضِلٍ "كَـ"ـلا

نما من تتمة رمز الذي في النجم، ثم ابتدأ لثمود أراد:"أَلا بُعْدًا لِثَمُودٍ"؛ صرفه الكسائي فخفضه ونونه موافقة لما قبله وهو: "ألا إن ثمودًا"، وفتحه الباقون غير منون؛ لأنه غير مصروف، وقوله: رضى؛ أي: ذوي رضى، وموضع لثمود نصب ما بعده، وقرئ يعقوب بالنصب والرفع، فالنصب على تقدير: ووهبنا لها يعقوب من وراء إسحاق، ودل عليه معنى قوله تعالى:{فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} ؛ لأنه في معنى وهبنا، واختاره أبو علي، وذكر وجهين آخرين على ضعف فيهما؛ أحدهما: أن يكون مجرورًا عطفًا على إسحاق، والثاني أن يكون منصوبًا عطفًا على موضع بإسحاق؛ أي: فبشرناها "بإسحاق" ويعقوب من وراء إسحاق، وضعفهما من جهة الفصل بين واو العطف والمعطوف بالظرف فهو كالفصل بين الجار والمجرور، ولو قلت: مررت بزيد اليوم وأمس عمرو على تقدير وبعمر وأمس لم يحسن ولكن في الشعر يحتمل مثل ذلك كما جاء بكف -يوما- يهودي

ومثله في الفصل بين حرف العطف والمرفوع وآونة أثالي وفي المنصوب:

ويوما أديمها نغلا

في بيتين معروفين أنشدهما أبو علي وغيره الأول لابن أحمر والثاني للأعشى، وله نظير في إعراب بعضهم.

ص: 517

{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} 1.

على أن هادٍ عطف على منذر؛ أي: أنت منذر وهادٍ لكل قوم، وقد مضى في هذه القصيدة وسيأتي نحو من ذلك في نظم الناظم، وذكر وجه العطف جماعة من أئمة العربية، أما قراءة يعقوب بالرفع فعلى الابتداء، وخبره ما قبله؛ أي: مولود لها من وراء إسحاق يعقوب أو يكون فاعل من وراء على قول الأخفش؛ أي: واستقر لها من وراء إسحاق يعقوب، قال أبو جعفر النحاس: وتكون الجملة في موضع الحال، وأظنه في البشارة أي: فبشرناها بإسحاق متصلا به يعقوب قال: ويجوز على إضمار فعل؛ أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، وقوله: نصب الرفع؛ أي: نصب رفعه أو نصب الرفع فيه منقول عن فاضل كلأه؛ أي: حفظه.

764-

هُنا قَالَ سِلْمٌ كسْرُهُ وَسُكُونُهُ

وَقَصْرٌ وَفَوْقَ الطُّورِ "شَـ"ـاعَ تَنَزُّلا

كسره: مبتدأ، وسكونه وقصر عطف عليه، وشاع خبر المبتدأ، وتنزلا تمييز، وفوق الطور: عطف على هنا؛ أي: قوله: "قال سلم" موضع: "قال سلام هنا وفي الذاريات وهما لغتان كحرم وحرام وحل وحلال، وقيل: سلم ضد حرب؛ وذلك لأنه نكرهم فقال: أنا مسالم لكم ورفعه على حكاية قوله؛ أي: سلام عليكم أوامري سلام، ونصب:{قَالُوا سَلامًا} ؛ أي: قولا ذا سلامة لم يقصد فيه حكاية قولهم، وكذا معنى قوله تعالى:{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} 2.

وأما في كل موضع يقصد التسليم فلم يأت الأمر معرفا والأكثر تنكيره: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ} 3،:{سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} {سَلامٌ عَلَى نُوحٍ} {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ} 6.

وجاء معرفا في: {وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ} {وَالسَّلامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} 8.

وقيل: التقدير: سلمنا سلاما، وله نظائر والله أعلم.

765-

وَفَاسْرِ أَنِ اسْرِ الوَصْلُ "أَ"صْلٌ "دَ"نا وَهَا

هُنَا حَقٌّ الا امْرَاتَكَ ارْفَعْ وَأَبْدِلا

يريد حيث جاء هذان اللفظان، وجاء فأسر في ثلاث سور هنا: د

1 سورة الرعد، آية:7.

2 سورة الفرقان، آية:63.

3 سورة الرعد، آية:24.

4 سورة يس، آية:58.

5 سورة الصافات، آية:79.

6 سورة مريم، آية:16.

7 سورة مريم، آية:32.

8 سورة طه، آية:47.

ص: 518

{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} 1، ومثله في الحجر والدخان:{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا} 2.

وأما: {أَنْ أَسْرِ} ؛ ففي طه والشعراء عنى بالوصل: همزة الوصل، ولا يظهر لفظها إلا على تقدير أن تقف على "أن"، فتبتدئ "إسر" بكسر الهمزة، أما إذا وصلت فلا يظهر إلا أثرها، وهو حذفها في الدرج وكسر النون من "أن"؛ لالتقاء الساكنين لورش وغيره، أما في كلمة "فأسر" فلا يظهر أثر إلا في حذفها، وقرأ الباقون بهمزة القطع المفتوحة، فالنون من أن ساكنة على أصلها، لكنها تفتح لحمزة إذا وقف على أن أسر على رواية نقل الحركة له في الوقف والقراءتان مبنيتان على الفعل الذي منه هذا الأمر، وفيه لغتان سرى وأسرى فعلى لغة سرى جاءت همزة الوصل في الأمر كقولك: ارم من رمى، وعلى لغة أسرى جاءت همزة القطع كقولك من أعطى: أعط، ويشهد لـ:"سرى" قوله سبحانه: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} 3.

ويشهد لأسرى قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى} 4.

ويتعلق بهما بحث كما ذكرناه في تفسير آية سبحان فأما قوله تعالى: {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ} .

فقرئ برفع امرأتك ونصبها، فقوله: ههنا احترازًا من الذي في العنكبوت: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ} ؛ فإنه منصوب باتفاق؛ لأنه مستثنى من موجب، أما هنا فمستثنى من غير موجب، فجرى فيه الوجهان النصب والرفع كما سبق في سورة النساء:{مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ} ، و {إِلَّا قَلِيلًا} ، لكن لم يقرأ بالنصب ثَم إلا واحد، وههنا الأكثر على النصب، فلهذا قال جماعة من أئمة العربية: إنه مستثنى من قوله تعالى:

1 سورة الحجر، آية:65.

2 سورة الدخان، آية:23.

3 سورة الفجر، آية:4.

4 أول سورة الإسراء.

ص: 519

{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ؛ ليكون مستثنى من موجب، وهذا فيه إشكال من جهة المعنى؛ إذ يلزم من استثنائه من:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} أن لا يكون أسرى بها وإذا لم يسر بها كيف يقال: "لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ" على قراءة الرفع، فكيف تؤمر بالالتفات، وقد أمر أن لا يسري بها فهي لما التفتت كانت قد سرت معهم قطعا فيجوز أن يكون هو لم يسر بها ولكنها تبعتهم والتفتت، فأصابها ما أصاب قومها، والذي يظهر لي أن الاستثناء على القراءتين منقطع لم يقصد به إخراجها من المأمور بالإسراء بهم، ولا من المنهيين عن الالتفات، ولكن استؤنف الإخبار عنها بمعنى لكن امرأتك يجري لها كيت وكيت، والدليل على صحة هذا المعنى أن مثل هذه الآية جاءت في سورة الحجر، وليس فيها استثناء أصلا فقال تعالى:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} 1.

فلم تقع العناية إلا بذكر من أنجاهم الله تعالى، فجاء شرح حال امرأته في سورة هود تبعا لا مقصودا بالإخراج مما تقدم، ونحو ذلك قوله تعالى في سورة الحجر:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} 2.

قال كثير من المفسرين: إنه استثناء متصل، وبنى قوم على ذلك جواب الاستثناء الأكثر من الأقل؛ لأن الغاوي أكثر من المهتدي، وعندي أنه منقطع بدليل أنه في سورة سبحان:{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} 3، فأطلق ولم يستثن الغاوين دل على أنه أراد بقوله تعالى:"عبادي": المخلصين المكلفين، وهم ليس للشيطان عليهم سلطان فلا حاجة إلى استثناء الغواة منهم فحيث جاء في الحجر استثناء الغواة كان على سبيل الانقطاع؛ أي: لكن من اتبعك من الغاوين لك عليهم سلطان فإذا اتضح هذا المعنى لك علمت أن القراءتين واردتان على ما تقتضيه العربية في الاستثناء المنقطع؛ ففيه لغتان: النصب والرفع، فالنصب لغة أهل الحجاز وعليها الأكثر، والرفع لبني تميم وعليها اثنان من القراء، ولهذا قلت في المنظومة التي في النحو:

واحمل على المنقطع الا امرأتُك

في هود مطلقا فتقوى حجتُك

وقول الناظم: ارفع وأبدلا يجوز بضم الهمزة وفتحها؛ فضمها على أنه فعل لم يسم فاعله وفتحها على الأمر والألف في آخره بدل من نون التأكيد الخفيفة، والمعنى: واحكم على المرفوع أنه بدل من أحد

1 سورة الحجر، آية:65.

2 سور الحجر، آية:42.

3 سورة الإسراء، آية:65.

ص: 520

قوله: {وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ} هذا على قول الجماعة إنه مستثنى من ذلك، ولم يختلفوا فيه، وإنما الخلاف بينهم في قراءة النصب منهم من استثناها من ذلك ومنهم من استثناها من:{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} ، وقوله:"إِلَّا امْرَاتَكَ" أبدل فيه الهمزة ألفا؛ ليتزن له النظم، وقد سمع نحو ذلك من العرب يقولون: المراة والكماة، فيبدلونها ألفا، ولزم من هذه العبارة في نظمه إيهام، وذلك أنه قال: ارفع وأبدلا فيظن أنه أراد ما لفظ به من إبدال الهمزة ألفا وإنما أراد الإبدال من جهة الإعراب ووقع لي في تصحيح ما أعربه النحاة معنى حسن وذلك أن يكون في الكلام اختصار نبه عليه اختلاف القراءتين، وكأنه قيل: فأسر بأهلك إلا امرأتك، وكذا روى أبو عبيد وغيره أنها في قراءة ابن مسعود هكذا، وليس فيها:{ولا يلتفت منكم أحد} ، فهذا دليل على استثنائها من المسري بهم ثم كأنه سبحانه قال: فإن خرجت معكم وتبعتكم من غير أن تكون أنت سريت بها فإنه أهلك عن الالتفات غيرها فإنها ستلتفت ويصيبها ما أصاب قومها فكانت قراءة النصب دالة على ذلك المعنى المتقدم، وقراءة الرفع دالة على هذا المعنى المتأخر ومجموعها دال على جملة المعنى المشروح.

766-

وَفِي سَعِدُوا فَاضْمُمْ "صِحَابـ"ـًا وَسَلْ

بِهِ وَخِفُّ وَإِنْ كُلًا "إِ"لَى "صَـ"ـفْوِهِ "دَ"لا

صحابا؛ أي: ذا صحاب ويقال: سال عنه وسال به بمعنى وعليه حمل قوله: تعالى: {سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ} 1.

أي: عن عذاب ومنه:

"فسئل به خبيرا"2.

وقال علقمة:

فإن تسألوني بالنساء فإنني

وقال الشيخ: سل به بمعنى اعتن به واشتغل به كما يقال: سل عنه بمعنى ابحث عنه وفتش عنه، وإنما قال ذلك؛ لصعوبة تخريج وجه الضم؛ لأنه يقتضي أن يكون سعد متعديا وهي لغة مجهولة ويدل على وجودها قولهم: مسعود والمعروف أسعده الله بالألف وقيل: إن سعد لغة هذيل يقال سعد كما يقال: جن، أما:{وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} ، فمعناها على القراءات من أشكل الآيات، وقد نظم في هذا البيت الخلاف في أن وفي البيت الآتي الخلاف في لما، والخلاف فيهما في التشديد والتخفيف فقوله:{وَإِنَّ كُلًّا} في موضع خفض بإضافة وخف إليه، واعلم أن "إن" يجوز تخفيفها وهي باقية على إعمالها؛ فقوله: كلا اسمها مخففة كانت أو مشددة، ولا يجوز أن يكون المخففة نافية؛ لأنها قد نصبت كلها، وقد دخلت اللام في الخبر إلا في قراءة من شدد كما يأتي فهي قراءة أبي بكر وحده، وقوله: إلى صفوه دلا خبر، وخف "وإن كلا"، والهاء في صفوه للخف، وفاعل دلا ضمير عائد إلى القارئ؛ أي: إلى صفو الخف أدلى القارئ دلوه ثم استخرجها؛ أي: وجد قراءة حلوة فقرأ بها، يقال: دلوت الدلو نزعتها وأدليتها أرسلتها في البئر، قال الله تعالى:

1 سورة المعارج، آية:1.

2 سورة الفرقان، آية:59.

ص: 521

{فَأَدْلَى دَلْوَهُ} 1.

واجتزى الشاطبي بقوله: دلا عن أن يقول: أدلى فدلا؛ لأنه لا يوصف بأنه دلا إلا بعد أن يكون أدلى دلوه، وقال صاحب الصحاح: قد جاء في الشعر: الدالي بمعنى المدلى، فإذا كان الأمر كذلك ظهر قول الناظم: داي لا إلى صفوه بمعنى أدلى دلوه إليه، والله أعلم.

767-

وَفِيها وَفِي يس وَالطَّارِقِ العُلا

يُشَدِّدُ لَمَّا كَامِلُ نَصَّ فَاعْتَلا

العلى: نعت للطارق، وفي جعله نعتا للسور الثلاث نظر من جهة أن بعضها معبر عنه بالضمير، والمضمر لا يوصف، فأشار إلى قوة قراءة من شدد لما بقوله: كامل نص فاعتلا، فالقراءات في هاتين الكلمتين:"أن"، و"لما"، أربع: تخفيفهما لنافع وابن كثير تشديدهما لابن عامر وحمزة، وحفص تخفيف "إن"، وتشديد "لما" لأبي بكر وحده تشديد "إن" وتخفيف "لما" لأبي عمرو والكسائي، فمن شدد "إن" وخفف "لما" فاللام في "لما" هي التي تدخل فيما كان في خبر "إن"، واللام في:{لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} جواب قسم محذوف، ومثله:{وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} 2.

غير "أن" اللام في لمن داخلة على الاسم، وفي "لما" داخلة على موضع الخبر، وقام القسم وجوابه مقام الخبر و"ما" في "لما" زائدة؛ لتفرق بين اللامين؛ لام التوكيد ولام القسم، وقيل: بمعنى الذي وزاد بعضهم، فجعلها بمعنى "من"، وقيل: اللام في "لما" موطئة للقسم مثل: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} 3.

والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم ربك أعمالهم من حسن وقبح وإيمان وجحود فهذا تعليل قراءة أبي عمرو والكسائي، قال الفراء: جعل ما اسما للناس كما جاز: {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} 4.

ثم جعل اللام التي فيها جوابا؛ لأن وجعل اللام التي في "ليوفينهم" لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها كما تقول: هذا مَن ليذهبن وعندي: ما لغيره خير منه ومثله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ} .

ثم قال بعد ذلك ما يدل على أن اللام مكررة فقال: إذا عجلت العرب باللام في غير موضعها أعادوها إليه نحو: إن زيدا لإليك لمحسن ومثله:

1 سورة يوسف، آية:19.

2 سورة النساء، آية:73.

3 سورة الزمر، آية:65.

4 سورة النساء آية: 3.

ص: 522

ولو أن قومي لم يكونوا عزة

لبعد لقد لالقيت لابد مصرعا

قال: أدخلها في بعد وليس بموضعها، وسمعت أبا الجراح يقول: إني بحمد الله لصالح، وقال أبو علي: في قراءة من شدد إن وخفف لما: وجهها بيِّن؛ وهو أنه نصب "كُلًّا" بـ "أن"، وأدخل لام الابتداء على الخبر، وقد دخل في الخبر لام "ليوفي"، وهي التي يتلقى بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل، فلما اجتمع اللامان فصل بينهما كما فصل بين "أن" واللام، فدخلت "ما" وإن كانت زائدة؛ للفصل، ومثله في الكلام: إن زيدا لما لينطلقن، قال: هذا بين ويلي هذا الوجه في البيان قراءة من خفف: "إن" و"لما".

وهي قراءة ابن كثير، ونافع، قال سيبويه: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق كما قالوا: كأنْ ثدييه حقان قال: ووجهه من القياس: "أن إن" مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفا كما يعمل غير محذوف، نحو: لم يك زيد منطلقا، {فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ} ، وكذلك "لا أدر".

قلت: فتعليل هذه القراءة كالتي قبلها سواء واللام في "لما" هي الفارقة بين المخففة من الثقيلة والنافية، وقال الفراء: أما الذين خففوا أن، فإنهم نصبوا، وهو وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها على شيء قبله، فلو وقعت "كل" لصلح ذلك كما يصلح أن يقول: إن زيدا لقائم لا يصلح إن زيدًا لأضرب؛ لأن تأويلها كتأويل إلا.

قلت: واستشكل أبو علي وغيره قراءة من شدد لما هنا في سورة هود سواء شدد إن أو خففها؛ لأنه قد نصب بها "كلا"، وإذا نصب بالمخففة كانت بمنزلة المثقلة فكما لا يحسن إن زيدا إلا منطلق؛ لأن "إلا" إيجاب بعد نفي، ولم يتقدم هذا إلا إيجاب مؤكد فكذا لا يحسن إن زيدا لما منطلق؛ لأنه بمعناه، وإنما شاع: نشدتك بالله إلا فعلت و"لما

"؛ لأن معناه الطلب فكأنه قال: ما أطلب منك إلا فعلك، فحرف النفي مراد مثل:{تَاللَّهِ تَفْتَأ} 1، ومثل أبو علي بقولهم: شر أهر ذا ناب؛ أي: ما أهره إلا شر قال: وليس في الآية معنى النفي ولا الطلب، وحكي عن الكسائي أنه قال: لا أعرف وجه التثقيل في لما، قال أبو علي: ولم يبعد فيما قال، قال أبو جعفر النحاس: القراءة بتشديدها عند أكثر النحويين لحن حكي عن محمد بن يزيد أن هذا لا يجوز، ولا يقال: إن زيدا إلا لأضربنه ولا لما لأضربنه، قال: وقال الكسائي: الله -جل وعز- أعلم بهذه القراءة ما أعرف لها وجها، قال: وللنحويين بعد هذا فيها أربعة أقوال فذكرها مختصرة، وأنا أبسطها وأنبه على ما فيها، ثم أذكر وجها خامسا هو الحق إن شاء الله تعالى.

1 سورة يوسف، آية:85.

ص: 523

الأول: قاله الفراء وتبعه فيه جماعة، قال: أراد "لمن ما" فلما اجتمع ثلاث ميمات حذف واحدة فبقيت ثنتان، فأدغمت إحداهما في الأخرى كما قال الشاعر:

وإني لما أصدر الأمر وجهه

إذا هو أعيا بالسبيل مصادر

قال نصر بن علي الشيرازي: وصل من الجارة بما فانقلبت النون أيضا ميما للإدغام فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت أحداهن فبقي "لما" بالتشديد قال: وما ههنا بمعنى: من، وهو اسم لجماعة الناس كما قال تعالى:{فَانْكِحُوا مَا طَابَ} ؛ أي: من طاب، والمعنى: وإن كلا من الذين ليوفينهم ربك أعمالهم، أو من جماعة ليوفينهم ربك أعمالهم، قال المهدوي: حذفت الميم المكسورة والتقدير: لمن خلق ليوفينهم، وجوز أن يكون تقدير هذا الوجه لمن ما بفتح الميم، وتكون اللام داخلة على من التي بمعنى الذي وما بعدها زائدة.

قال: فقلبت النون ميما وأدغمت في الميم التي بعدها، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت الوسطى منهن وهي المبدلة من النون، فقيل: لما قلت، فقد صار لهذا الوجه الذي استنبطه الفراء تقديران، وسبق المهدويَ إلى التقدير الثاني أبو محمد مكي، وقال: التقدير: وإن كلا لخلق ليوفينهم ربك قال: فيرجع إلى معنى القراءة الأولى التي بالتخفيف، وهذا هو الذي حكاه الزجاج فقال: زعم بعض النحويين أن معناه "لمن ما" ثم قلبت النون ميما فاجتمعت ثلاث ميمات فحذفت الوسطى، قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن "من" لا يجوز حذفها؛ لأنها اسم على حرفين، وقال النحاس: قال أبو إسحاق: هذا خطأ؛ لأنه يحذف النون مِن "مِن" فيبقى حرف واحد، وقال أبو علي: إذا لم يقو الإدغام على تحريك الساكن قبل الحرف المدغم في نحو قوم مالك، فأن لا يجوز الحذف أجدر، قال علي: إن في هذه السورة ميمات اجتمعت في الإدغام أكثر مما كان يجتمع في "لمن ما"، ولم يحذف منها شيء، وذلك قوله:{وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} .

فإذا لم يحذف شيء من هذا فأن لا يحذف ثَم أجدر.

قلت: وما ذره الفراء استنباط حسن، وهو قريب من قولهم في:{لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي} 1؛ أصله: لكن أنا ثم حذفت الهمزة وأدغمت النون في النون وكذا قولهم أما أنت منطلقا انطلقت قالوا: المعنى؛ لأن كنت منطلقًا، وما أحسن ما استخرج الشاهد من البيت الذي أنشده واجتمع في:{أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ} ثماني ميمات؛ خمس ظاهرة والتنوين في أمم والنون من ممن كلاهما تقلب ميما وتدغم في الميم بعده على ما تمهد في بابهما في الأصول، ثم إن الفراء أراد أن يجمع بين قراءتي التخفيف والتشديد من لما في معنى واحد فقال: ثم يخفف كما قرأ بعض القراء: "وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ"

1 سورة الكهف، الآية:38.

ص: 524

بحذف الياء عند الياء، أنشدني الكسائي شعرا:

وأشمتّ العداة بنا فأضحوا

لديّ تباشرون بما لقينا

معناه يتباشرون، فحذف ياؤه؛ لاجتماع الياءات قلت: الأولى أن يقال: حذفت ياء الإضافة من لدى، فبقيت الياء الساكنة قبلها المنقلبة عن ألف لدى، وهو مثل قراءة:"يا بني" بالإسكان على ما سبق، أما الياء من يتباشرون فثابتة؛ لدلالتها على المضارعة قال ومثله كأن من آخرها القادم يريد إلى القادم، فحذف عند اللام اللام الأولى، قلت: لأن آخر "إلى" حذف لالتقاء الساكنين، وهمزة الوصل من القادم تحذف في الدرج، فاتصلت لام "إلى" بلام التعريف في القادم، فحذفت الثانية على رأيه، والأولى أن يقال: حذفت الأولى؛ لأن الثانية دالة على التعريف، فلم يبق من حروف "إلى" غير الهمزة، فاتصلت بلام القادم، فبقيت الهمزة على كسرها وهذا قريب من قولهم:"ملكذب".

في "من الكذب"، "وبالعنبر"، في بني العنبر، و"عَلْمَاء" بنو فلان؛ أي: على الماء.

القول الثاني: قال الزجاج: زعم المازني أن أصلها "لما" بالتخفيف ثم شددت الميم قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن الحروف نحو "رب"، وما أشبهها تخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين.

الثالث: قال النحاس: قال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل: "وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ" بالتنوين من لممته لما؛ أي: جمعته، ثم بني منه فعلى كما قرئ:"ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا" بغير تنوين وبتنوين.

قلت: الذي في كتاب القراءات لأبي عبيد: وروي عن بعض القراء: "وَإِنَّ كُلًّا لَمًّا" منونة، يريد: جميعا قال: وهي صحيحة المعنى، إلا أنها خارجة عن قراءة الناس، وقال الفراء: المعنى: {وَإِنَّ كُلًّا} شديدًا: {لَيُوَفِّيَنَّهُمْ} ، وإن كلا حقا "ليوفينهم" وقال أبو علي: وقد روي أنه قرئ: {وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا} منونا كما قال: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا} ، فوصف بالمصدر وينبغي أن يقدر المضاف إليه كل نكرة؛ ليحسن وصفه بالنكرة، ولا يقدر إضافته إلى معرفة فيمتنع أن تكون لما وصفا له، ولا يجوز أن تكون حالا؛ لأنه لا شيء في الكلام عامل في الحال قال: فإن قال إن لما فيمن ثقل إنما هي لما هذه وقف عليها بالألف، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر، قال ابن جني: معنى لما بالتنوين توفية جامعة لأعمالهم جمعا، ومحصلة لأعمالهم تحصيلا فهو كقولك: قياما لأقومن وقعودا لأقعدن، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله: استعمال لما في هذا المعنى بعيد، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد، قال: وقيل: لما فعْلَى من اللم ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل مضى لما المنصرف قال وهذا أبعد إذ لا تعرف لما فعلى بهذا

ص: 525

المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء وليس ذلك بمستقيم.

قلت: فهذه ثلاثة أوجه وهي خمسة في المعنى؛ لأن الأول اختلف في تقديره على وجهين: "لَِمن ما" بكسر الميم وفتحها، وهذا الثالث اختلف في ألفه على وجهين؛ أحدهما: أنها بدل من التنوين، والثاني أنها للتأنيث.

القول الرابع: قال الزجاج: وقال بعضهم قولا ولا يجوز غيره:

"إن لما" في معنى "إلا" مثل: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} 1، ثم أتبع ذلك بكلام طويل مشكل حاصله: أن معنى: إن زيد لمنطلق: ما زيد إلا منطلق، فأجريت المشددة كذلك في هذا المعنى إذا كانت اللام في خبرها، وعملها النصب في اسمها باقٍ بحاله مشددة ومخففة، والمعنى نفي بأن وإثبات باللام التي في معنى إلا ولما بمعنى إلا، قلت: قد تقدم إنكار أبي علي جواز إلا في مثل هذا الموضع فكيف يجوز لما التي بمعناها على أن من الأئمة من أنكر مجيء لما بمعنى إلا، قال أبو عبيد: أما من شدد لما يتأولها إلا فلم نجد هذا في كلام العرب ومن قال هذا لزمه أن يقول: رأيت القوم لما أخاك يريد إلا أخاك، وهو غير موجود، قال الفراء: أما من جعل لما بمنزلة إلا فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب مع اليمين: بالله لما قمت عنا وإلا قمت عنا فأما في الاستثناء فلم تقله في شعر ولا غيره ألا ترى أن ذلك لو جاز لسمعت في الكلام: ذهب الناس لما زيدًا.

قلت: وقد ذكر ابن جني وغيره أن إلا تقع زائدة فلا بُعد في أن تقع لما التي بمعناها زائدة فهذا وجه آخر فصارت الوجوه سبعة والصحيح في معنى لما المشددة في هذه السورة ما قاله الشيخ أبو عمرو رحمه الله في أماليه المفرقة على مواضع من القرآن وغيره قال لما هذه هي لما الجازمة حذف فعلها للدلالة عليه لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما وسافرت ولما ونحوه وهو سائغ فصيح، فيكون المعنى: وإن كلا لما يهملوا ولما يتركوا لما قدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين كقوله تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} ، ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم ثم بين ذلك بقوله:{لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ} قال: وما أعرف وجها أشبه من هذا وإن كانت الناس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن قال: والتحقيق يأبى استبعاد ذلك، قلت: هذا وجه مليح ومعنى صحيح والسكوت على "لما" دون فعلها قد نص عليه الزمخشري في مفصله، وأنشد ابن السكيت شاهدا على ذلك في كتاب معاني الشعر له:

فجئت قبورهم بدءا ولما

فناديت القبور فلم يجبْنَهْ

وقال في معناه بدءا؛ أي: سيدا وبدؤ القوم؛ أي: سيدهم وبدء الجزو خبر أنصبائها قال: وقوله: ولما؛ أي: لم أكن سيدا إلا حين ماتوا فإني سدت بعدهم كما قال الآخر:

1 سورة الطارق، آية:4.

ص: 526

خلت الديار فسدت غير مدافع

ومن الشقاء تفردي بالسؤدد

قلت: ونظير السكوت على "لما" دون فعلها سكوت النابغة على قد دون فعلها في قوله:

أزف الترحل غير أن ركابنا

لما تزل برحالنا وكأن قدِ

أي: وكأن قد زالت قال الشيخ أبو عمرو، أما قراءة أبي بكر فلها وجهان أحدهما الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر وغيره فتكون أن مخففة من الثقيلة في قراءتهم والوجه الثاني: أن تكون أن نافية ويكون كلا منصوبا بفعل مضمر تقديره، وإن أرى كلا أو إن أعلم ونحوه ولما بمعنى "إلا" نحو:"إن كل نفس لما عليها حافظ" ومن ههنا كانت أقل إشكالا من قراءة ابن عامر؛ لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف المنفي استبعاد ولذلك اختلف في مثل قوله: إلا رجلا جزاه الله خيرًا هل هو منصوب بفعل مقدر ونون ضرورة فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس التنوين للضرورة قلت: فهذا ما يتعلق بتوجيه القرارات في تشديدان ولما في تخفيفها في هذه السورة وهو من المواضع المشكلة غاية الإشكال وقد اتضحت والحمد لله وإن كان قد طال الكلام فيها فلا بد في المواضع المشكلة من التطويل زيادة في البيان ولو كان الشرح الكبير بلغ هذا الموضع لم يحتج إلى هذا التطويل في هذا المختصر والله الموفق.

والذي في يس: {إِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} 1.

وفي الطارق: {إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ} 2.

إن في الموضعين للنفي؛ لأن كل مرفوع بعدها فلم يحتج أن تجعلها المخففة من الثقيلة على قراءة من شدد لما ولما بمعنى إلا وم خففها فهي لام الابتدا وما زائدة وإن هي المخففة من الثقيلة ولم تعمل والله أعلم.

768-

وَفي زُخْرُفٍ "فِـ"ـي "نَـ"ـصِّ "لُـ"ـسْنٍ بِخُلْفِهِ

وَيَرْجِعُ فِيه الضَّمُّ وَالفَتْحُ "إِ"ذّ "عَـ"ـلا

يريد: {وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} الكلام فيه كالكلام في الذي في يس والطارق، ولسن جمع لسن بكسر السين وهو الفصيح؛ لأن اللسن بفتح السين: الفصاحة، يقال: لسن الكسر فهو لسن ولسن وقوم لسن، لم يوافق ابن ذكوان على تشديد التي في الزخرف وعن هشام فيها خلاف وتقدير البيت: والتشديد في حرف الزخرف مستقر في نص قوم فصحاء نقلوه، أما:{وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ} فالخلاف فيه ظاهر سبق له نظائر وهو إسناد الفعل إلى المفعول أو الفاعل.

1 آية: 30.

2 آية: 4.

ص: 527

769-

وَخَاطَبَ عَمَّا يَعْمَلُونَ بِها وآ

خِرَ النَّمْلِ "عِـ"ـلْمًا "عَمَّ" وَارْتَادَ مَنْزِلا

عما تعملون فاعل خاطب جعله مخاطبا لما كان الخطاب فيه، وعلما مفعول خاطب؛ أي: خاطب ذوي علم وفهم وهم بنو آدم، وقال الشيخ: هو مصدر أي: اعلم ذلك علما وآخر النمل يروي بجر الراء ونصبها فالجر عطفا على الضمير في بها مثل قراءة: {بِهِ وَالْأَرْحَامَ} ، والنصب عطفا على موضع الجار والمجرور كأنه قال: هنا وآخر النمل وكلا الموضعين في آخر السورة: {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} 1، فالخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين والغيبة رد على قوله:{وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} 2.

والخطاب في آخر النمل رد على قوله: {سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ} ، والغيبة إخبار عنهم وارتاد معناه: طلب والضمير في عم وارتاد للعلم؛ أي: علما عم العقلاء من بني آدم المخاطبين واختار موضعا لنزوله وحلوله فيهم والله أعلم، ثم ذكر ياءات الإضافة فقال:

770-

وَيَاءاتها عَنِّي وَإِنِّي ثَمَانِيا

وَضَيْفِي وَلكِنِّي وَنُصْحِيَ فَاقْبَلا

أراد: "عَنِّيَ إِنه لفرح" فتحها نافع وأبو عمرو.

و"إني" في ثمانية مواضع: "إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ"، "إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ" في قصتي نوح وشعيب:"إِنِّيَ أَعِظُكَ"، "إِنِّيَ أَعُوذُ بِكَ"؛

"إنيَ أعوذ بك" فتح الخمس الحرميان وأبو عمرو.

"إِنِّيَ أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ"3، فتحها نافع وأبو عمرو والبزي.

"إِنِّيَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ"4، فتحها نافع وأبو عمرو.

"إِنِّيَ أُشْهِدُ اللَّهَ"5، فتحها نافع، وقد ضبطت هذه الثمانية في بيت فقلت:

أراكم أعوذ أشهد الوعظ معْ إذا

أخاف ثلاثا بعد أنّ تكملا

1 سورة النمل: 93.

2 سورة هود، آية:122.

3 سورة هود، آية:84.

4 سورة هود، آية:31.

5 سورة هود، آية: 54

ص: 528

أي: هذه الألفاظ بعد "إني" ونبهت بالوعظ على أعظكم.

و"ضَيْفِيَ أَلَيْسَ"، فتحها نافع وأبو عمرو.

"وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ"، فتحها البزي ونافع وأبو عمرو.

"ولا ينفعكم نصحيَ إن أردت"، فتحها نافع وأبو عمرو، فهذه اثنتا عشرة ياء، وقوله: ثمانيًا نصب على الحال من إني؛ أي: خذها ثمانيا أو فاقبلها ثمانيا، وثمانيا مصروف، قال الجوهري: لأنه ليس بجمع فيجري مجرى جوارٍ وسوارٍ في ترك الصرف، وما جاء في الشعر غير مصروف فهو على توهم أنه جمع، وأراد:"فاقبلن"، فأبدل من نون التأكيد ألفا وياءاتها مبتدأ، ويجوز نصبه بكسر التاء مفعولا لقوله: فاقبلا، وعنى وما بعده بدل منه وما أحلى ما اتفق له من اتصال هاتين اللفظتين ونصحيَ فاقبلا والله أعلم.

771-

شِقَاقِي وَتَوْفِيقِي وَرَهْطِيَ عُدَّها

وَمَعْ فَطَرَنْ أَجْرِي مَعًا تُحْصِ مُكْمِلا

أراد: "شِقَاقِيَ أَنْ يُصِيبَكُمْ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو.

"وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلَّا بِاللَّهِ"، فتحها نافع وأبو عمرو وابن عامر.

"أَرَهْطِيَ أَعَزُّ"، فتحها الحرميان وأبو عمرو وابن ذكوان.

"فَطَرَنِيَ أَفَلا تَعْقِلُونَ"، فتحها نافع والبزي.

"إِنْ أَجْرِي إِلَّا"، موضعان في قصتي نوح وهود، فلهذا قال: أجري معا سكنهما ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر، ونصب معا كنصب ثمانيا فهذه ثماني عشرة ياء إضافة وقوله: تُحْصِ مجزوم؛ لأنه جواب قوله: عدها ومكملا حال من فاعل تحص، وفيها ثلاث زوائد:

"فلا تسئلني"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وورش.

ص: 529

"وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي"، أثبتها في الوصل أبو عمرو وحده.

"يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ"، أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو والكسائي، وأثبتها ابن كثير في الحالين. وقلت في ذلك:

وزيدت فلا تسئلن ما يوم يأت لا

تكلم لا تخزون في ضيفي العلا

ص: 530