الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فالحاصل أن للقرآن يوم القيامة حالتين:
إحداهما: الشفاعة لمن قرأه ولم ينس العمل به.
والثانية: الشكاية لمن نسيه: أي تركه متهاونا به ولم يعمل بما فيه.
ولا يبعد أن يكون من تهاون به حتى نسي تلاوته كذلك، والله أعلم.
قال الشيخ: وفي الدعاء ولا تجعل القرآن بنا ماحلا: أي ذاكرا لما أسلفناه من المساوي في صحبته:
93-
وَبِاللهِ حَوْلِى وَاعْتِصَامِي وَقُوَّتِى
…
وَمَا ليَ إِلَاّ سِتْرُهُ مُتَجَلِّلا
حولي: أي تحولي من أمر إلى أمر والاعتصام: الامتناع من كل ما يشين: أي ذلك كله بيد الله لا يحصل إلا بمعونته ومشيئته.
وفي الحديث الصحيح: "لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة".
قال ابن مسعود في تفسيرها لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله، قال الخطابي هذا أحسن ما جاء فيه ومتجملا حال من الياء في لي أي وما لي ما أعتمد عليه إلا ما قد جللني به من ستره في الدنيا فأنا أرجو مثل ذلك في الآخرة أي وما لي إلا ستره في حال كوني متجللا به: أي متغطيا به وقيل هو حال من الستر وفيه نظر.
94-
فَيَا رَبِّ أَنْتَ اللهُ حَسْبي وَعُدَّتِي
…
عَلَيْكَ اعْتِمَادِي ضَارِعاً مُتَوَكِّلا
حسبي: أي كافي: والعدة ما يعد لدفع الحوادث، والضارع الذليل والمتوكل: المظهر للعجز معتمدا على من يتوكل عليه وهما حالان من الياء في اعتمادي، وهذا آخر شرح الخطبة.
باب: الاستعاذة
كل ما يأتي في كتب العلماء من قولهم: باب، أو فرع، أو نحو ذلك فهو خبر مبتدأ محذوف. وبعضهم يظهره: أي هذا باب نذكر فيه مذاهب القراء في الاستعاذة قبل القراءة، وهي طلب الإعاذة من الله تعالى، وهي عصمته كالاستجارة والاستعانة والاستغاثة، يقال: عذت بفلان واستعذت به: أي لجأت إليه، ولفظ الاستعاذة على اختلافه كما سيأتي ذكره كلفظ الخبر، ومعناه الدعاء: أي اللهم أعذني.
95-
إِذَا مَا أَرَدْتَ -الدَّهْرَ- تَقْرَأُ فَاسْتَعِذْ
…
جِهَاراً مِنَ الشَّيْطَانِ بِاللهِ مُسْجَلا
الدهر منصوب على الظرف وجهارا مصدر في موضع الحال: أي مجاهرا أو جاهرا أو يكون نعت مصدر محذوف: أي تعوذا جهارًا أي ذا جهار، وهذا في استعاذة القارئ على المقرئ أو بحضرة من يسمع قراءته أما من قرأ خاليا أو في الصلاة فالإخفاء له أولى، ومسجلا: بمعنى مطلقا لجميع القراء في جميع القرآن لا يختص ذلك بقارئ دون غيره ولا بسورة ولا بحزب ولا بآية دون باقي السور والأحزاب والآيات، وهذا بخلاف البسملة على ما سيأتي، ووقت الاستعاذة ابتداءُ القراءة على ذلك العمل في نقل الخلف عن السلف
إلا ما شذ عن بعضهم أن موضعها بعد الفراغ من القراءة، وقوله تعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} 1 معناه إذا أردت القراءة كقوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا} 2. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا توضأ أحدكم فليستنثر، ومن أتى الجمعة فليغتسل". كل ذلك على حذف الإرادة للعلم بها، وأظهر الشاطبي رحمه الله في نظمه ذلك المقدر المحتاج إليه في الآية، وهو الإرادة فقال: إذا ما أردت الدهر تقرأ
…
ولم يقل إذا ما قرأت الدهر للكل فاستعذ إشارة إلى تفسير الآية وشرحها، وهو كقولك: إذا أكلت فسم الله إذا أردت الأكل استغنى بالفعل عن ذكر الإرادة؛ لشدة اتصاله بها، ولكونه موجودا فيها.
96-
عَلَى مَا أَتَى في النَّحْلِ يُسْراً وَإِنْ تَزِدْ
…
لِرَبِّكَ تَنْزِيهاً فَلَسْتَ مُجَهَّلا
أي استعذ معتمدا على ما أتى في سورة النحل دليلا ولفظا، وهو قوله سبحانه وتعالى:{فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . فهذا اللفظ هو أدنى الكمال في الخروج عن عهدة الأمر بذلك، ولو نقص منه بأن قال: أعوذ بالله من الشيطان ولم يقل الرجيم كان مستعيذا، ولم يكن آتيا باللفظ الكامل في ذلك، ويسرا مصدر في موضع الحال من فاعل أتى أي أتى ذا يسر، أي سهلا ميسرا وتيسره قلة كلماته فهو أيسر لفظا من غيره على ما سنذكره، وزاد يتعدى إلى مفعولين نحو قوله تعالى:{وَزِدْنَاهُمْ هُدىً} 3. والمفعول الأول هنا محذوف: أي وإن تزد لفظ الاستعاذة تنزيها: أي لفظ تنزيه يريد بذلك أن تذكر صفة من صفات الله تعالى تثني عليه بها سواء كانت صفة سلب أو ثبوت نحو أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم، أو أعوذ بالله السميع العليم فكل صفة أثبتها له فقد نزهته عن الاتصاف بضدها وقوله: لربك متعلق بتنزيها، ولا يمتنع ذلك من جهة كونه مصدرا فلا يتقدم معموله عليه فإن هذه القاعدة مخالفة ي الظروف؛ لاتساع العرب فيها وتجويزها من الأحكام فيها ما لم تجوزه في غيرها، وقد ذكرت ذلك في نظم المفصل وقررناه في الشرح الكبير، ومن منع هذا قدر لأجل تعظيم ربك وقيل لربك هو المفعول الأول دخلت اللام زائدة أي وإن تزد ربك تنزيها وقوله: فلست مجهلا أي منسوبا إلى الجهل؛ لأن ذلك كله صواب مروي، وليس في الكتاب ولا في السنة الثابتة ما يرد ذلك.
1 سورة النحل، آية:98.
2 سورة المائدة، آية:6.
3 سورة الكهف، آية:13.
97-
وَقَدْ ذَكَرُوا لَفْظَ الرَّسُولِ فَلَمْ يَزِدْ
…
وَلَوْ صَحَّ هذَا النَّقْلُ لَمْ يُبْقِ مُجْمَلا
أي: وقد ذكر جماعة من المصنفين في علم القراءات أخبارا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره لم يزد لفظها على ما أتى في النحل.
منها: "أن ابن مسعود قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أعوذ بالله السميع العليم فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
وعن جبير بن مطعم قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم".
وكلا الحديثين ضعيف والأول لا أصل له في كتب أهل الحديث.
والثاني أخرجه أبو داود بغير هذه العبارة وهو: $"أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه".
ثم يعارض كل واحد منهما بما هو أصح منهما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي سعيد الخدري قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول: "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه". قال الترمذي: هو أشهر حديث في هذا الباب. وفي صحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم ونفخه وهمزه ونفثه".
وأشار بقوله: ولو صح هذا النقل إلى عدم صحته كما ذكرناه، وقوله: لم يبق مجملا أي إجمالا في الآية وذلك أن آية النحل لا تقتضي إلا طلب أن يستعيذ القارئ بالله من الشيطان الرجيم فبأي لفظ فعل المخاطب فقد حصل المقصود كقوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} 1.
ولا يتعين للسؤال هذا اللفظ فبأي لفظ سأل كان ممتثلا، ففي الآية إطلاق عبر عنه بالإجمال وكلاهما قريب، وإن كان بينهما فرق في علم أصول الفقه.
وأما زوال إجمال الآية لصحة ما رواه من الحديث، فوجهه أنه كان يتعين ختما أو أولوية وأياما كان فهو معنى غير المفهوم من الإطلاق والإجمال إذ الألفاظ كلها في الاستعاذة بالنسبة إلى الأمر المطلق سواء يتخير فيها المكلف وإذا ثبتت الأولوية لأحدها أو تعين فقد زال التخيير والله أعلم.
1 سورة النساء، آية:32.