الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سورة النمل:
932-
شِهَابٍ بِنُونٍ "ثِـ"ـقْ وَقُلْ يَأْتِيَنَّنِي
…
"دَ"نَا مَكُثَ افْتَحْ ضَمَّةَ الكَافِ "نَـ"ـوْفَلا
أراد: {بِشِهَابٍ قَبَسٍ} وقوله: بنون:؛ أي: بزيادة تنوين للكوفيين فيكون قبس صفة لشهاب؛ أي: مقبوس يقال: قبست نارا، وقيل: هو بدل ومن أضاف فهو من باب ثوب خز؛ لأن القبس الشعلة من النار، وكذلك الشهاب لكن الشهاب يطلق أيضا على الكوكب، وعلى كل أبيض ذي نور، فأضيف للبيان، وحكى أبو علي عن أبي الحسن أن الإضافة أكثر وأجود في القراءة كما تقول دار آجر وسوار ذهب قال: ولو قلت: سوار ذهب ودار آجر لكان عربيا إلا أن الأكثر في كلام العرب الإضافة، ثم قال: وقل: يأتينني دنا؛ أي: بزيادة نون أيضا فاستغني بقيد شهاب عن تقييده كما استغني في التخفيف والتثقيل بقيد المسألة الأولى عن الثانية نحو سكرت فاسعرت عن أولى ملاد وفي اللفظ ما ينبيء عن ذلك فهو فيهما من باب الإثبات والحذف، أراد:{أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ} زاده ابن كثير نونا وهو نون الوقاية وقبلها نون التأكيد الشديدة، وقراءة الجماعة إما على إسقاط نون الوقاية أو على أن الفعل مؤكد بالنون الخفيفة ثم أدغمت في نون الوقاية، أما "مكث" ففتح الكاف منه وضمها لغتان، ويقوى الفتح أنكم ماكثون ماكثين فيه أبدا، ونوفلا حال من فاعل افتح وقد تقدم.
933-
مَعًا سَبَأَ افْتَحْ دُونَ نُونٍ "حِـ"ـمًى "هُـ"ـدًى
…
وَسَكِّنْهُ وَانْوِ الْوَقْفَ "زُ"هْرًا وَمَنْدَلا
يريد: {وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأ} : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ} 1، فهذا معنى قوله:"معا"؛ أي: هنا وفي سورة سبأ افتح الهمز من لفظ سبأ دون نون؛ أي: من غير تنوين؛ لأنه لا ينصرف، وحمى هدى حال وقراءة الباقين بالصرف كسروا الهمزة ونونوا وهما لغتان في لفظ سبأ وثمود الصرف وتركه نص سيبويه وغيره عليهما بناء على أنه يقصد بهما الحي أو القبيلة، وحسن لفظ الصرف هنا؛ ليناسب الكلمة التي بعده وهي قوله:"بنبأ" فهو أولى من صرف سلاسلا وقواريرا للتناسب على ما يأتي في موضعه، وروى قنبل إسكان الهمزة، وقرأ به ابن مجاهد عليه وقال: هو وهم وبين الناظم علته بقوله: وانو الوقف؛ أي: تكون واصلا بنية الوقف وهذا باب لو فتح لذهب الإعراب من كلام العرب واستوى الوقف والوصل ولكن يقع مثل هذا نادرا في ضرورة الشعر، قال مكي، الإسكان في الوصل بعيد غير مختار ولا قوي، وقوله: زهرا ومندلا حالان من فاعل سكنه أو مفعوله؛ أي: ذا زهر ومندل؛ أي: ذا طيب بمعنى طيبا؛ أي: خذه بقبول غير متكره له:
1 سورة سبأ، آية:15.
934-
أَلا يَسْجُدُوا رَاوٍ وَقِفْ مُبْتَلىً أَلا
…
وَيا وَاسْجُدُوا وَأبْدَأْهُ بِالضَّمِّ مُوصِلا
أي: قراءة الكسائي بتخفيف "ألا" جعله حرف تنبيه نحو: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ} 1، {أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ} 2. وتقدير البيتين: ألا يسجدوا قراءة راوٍ فيكون "يسجدوا" بعده كلمتين تقريرهما: يا اسجدوا بحرف النداء وفعل الأمر والمنادى محذوف؛ أي: يا قوم اسجدوا وهذه لغة فصيحة مشهورة كثيرة ومنها قول الشماخ:
ألا يا اصبحاني قبل غارة سنجال
أي: يا صحابي اصبحاني إلا أنه لم يكتب في المصحف إلا على هذه الصورة بحذف ألا يا وحذف ألف الوصل من اسجدوا وحذف الألف من "يا" مطرد في رسم المصاحف نحو: "ينوح"، "يقوم" في يا نوح يا قوم، وحذفت ألف الوصل أيضا في نحو:"بسم الله" فلما اجتمعا في هذه الكلمة حذفا، ونظيرها في الرسم "يبنؤم" في يا ابن أم حذفت الألف من يا وألف الوصل من ابن فحصل من هذا أن الرسم احتمل ما قرأه الكسائي وما قرأ به غيره، واختار أبو عبيد قراءة الجماعة وقال؛ لأنها في بعض التفاسير: وزين لهم اشيطان أن لا يسجدوا قال: ومن قرأها بالتخفيف جعلها أمرا مستأنفا بمعنى: ألا يا أيها اسجدوا وهذا وجه حسن إلا أن فيه انقطاع الجزء الذي كان من أمر ملكة سبأ وقومها ثم رجع بعد إلى ذكرهم والقراءة الأولى خبر يتبع بعضه بعضًا لا انقطاع فيه قال أبو علي: وهذا هو الوجه ولتجري القصة على سننها ولا يفصل بين بعضها وبعض بما ليس منها وإن كان الفصل بهذا النحو غير ممتنع؛ لأنه يجري مجرى الاعتراض وما يساد القصة، وكأنه لما قيل:{وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ} الآية قد دل هذا الكلام على أنهم لا يسجدون لله تعالى ولا يتدينون بدين فقال: ألا يا قوم أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموات والأرض خلافا عليهم وحمدا لله مكان ما هداهم لتوحيده فلم يكونوا مثلهم في الطغيان والكفر قال الفراء: قرأها أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وحميد الأعرج مخففة على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، فيضمر هؤلاء ويكتفي بقوله: يا وسمع بعض العرب يقول: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدقوا علينا، وحدثني الكسائي أن عيسى الهمداني قال: ما كنت أسمع الشيخة يقرؤونها إلا بالتخفيف على نية الأمر وهي في قراءة عبد الله: "هلا تسجدوا" بالتاء فهذه حجة لمن خفف؛ لأن قولك: ألا تقوم بمنزلة قولك: قم، وفي قراءة أبي:"ألا يسجدون لله الذي يعلم سركم وما تعلنون"، قال: وهو وجه الكلام؛ لأنها سجدة ومن قرأ: "أن لا يسجدوا"، فشدد، فلا ينبغي لها أن تكون سجدة؛ لأن المعنى زين لهم الشيطان أن لا يسجدوا، وقول الناظم: وقف مبتلا ألا يا أراد أن يبين هذه الكلمات المتصلة؛ لينفصل بعضها من بعض لفظًا كما هي منفصلة تقديرًا فقال: إذا ابتليت بالوقف؛ أي: اختبرت وسئلت عن ذلك على وجه الامتحان أو أراد بالابتلا الاضطرار؛ أي: إذا اضطررت إلى ذلك؛ لانقطاع نفس أو نسيان فلك أن تقف على ألا؛ لأنه عرف مستقل لا اتصال له بما بعده بخلافها إذا شددت في قراءة الجماعة على ما يأتي، ولك أن تقف على يا؛ لأنها حرف النداء والمنادى بها محذوف فهذا موضع الاختبار؛ لأن الياء متصلة بالفعل
1 سورة يونس، آية:62.
2 سور هود، آية:54.
لفظًا وخطًّا، أما الوقف على ألا فلا يحتاج إلى الاختبار؛ إذ لا يخفى أنه كلمة وكذا الوقف على اسجدوا بل الوقف عليهما من باب الاضطرار لا الاختبار فلما كان قوله: مبتلا يحتمل الأمرين ذكر موجبهما على كل واحد من التقديرين، ونصب مبتلا على الحال وكذا ما بعده؛ لأن التقدير: قائلا: ألا ويا واسجدوا، ثم قال: وابدأه بالضم؛ أي: ابدأ اسجدوا بضم همزة الوصل؛ لأنه فعل أمر من المضارع المضموم الوسط كاخرج وادخل، فكما تضم الهمزة إذا ابتدأت:{ادْخُلُوا مِصْرَ} كذلك تضم في: "اسْجُدُوا" إذا ابتدأت بها، وغير الناظم من المصنفين لا يذكرون الوقف إلا على "ألا يا"؛ لأنه موضع الاختبار وفي شرح الغاية لابن مهران، روي عن الكسائي أنه وقف:"ألا يا"، وابتدأ اسجدوا قال: فإن صح ذلك فعلى طريق إظهار الأصل لا على طريق الاختبار في الوقف، كأنه قيل: له فعلا أثبت النون كما في: {أَلا يَتَّقُونَ} ، {أَلا تُقَاتِلُونَ} ، "ألا تجدون" فأخبرهم بأصل الكلمة، وقوله: موصلا حال من أوصلته؛ أي: بلغته؛ أي: مبلغا علم ذلك إلى من لا يعرفه، وذكر الشيخ فيه وجهين أحدهما أن معنى موصلا ناطقا بهمزة الوصل والثاني في حال وصلك؛ أي: إنه ليس بابتداء تستمر عليه إنما أنت تبتدي للضم للاختبار، ثم تصله بما قبله تاليا، قلت: فهي على هذا المعنى حال مقدرة إلا أن في استعمال موصلا بهذا المعنى نظرًا، وقد سبق التنبيه عليه في باب الهمزتين من كلمة وفي سورة البقرة؛ لأنه بمعنى واصلا ثَم.
935-
أَرَادَ أَلا يَا هؤُلاءِ اسْجُدُوا وَقِفْ
…
لَهُ قَبْلَهُ وَالغَيْرُ أَدْرَجَ مُبْدِلا
أي: أراد الكسائي هذا التقدير: وقد سبق شرحه، ثم قال: وقف له؛ أي: للكسائي قبله؛ أي: قبل ألا يسجدوا؛ أي: يجوز لك الوقف على: {فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ} ؛ إذ لا تعلق لما بعده به، ثم قال: والغير أدرج؛ أي: غير الكسائي أدرج "يهتدون" مع "ألا يسجدوا"، ولم يقف قبله، وجعله بدلا من أعمالهم أو من السبيل على زيادة لا فقوله: مبدلا بفتح الدال مفعول أدرج؛ أي: أدرج لفظا مبدلا أو حال من المفعول؛ أي: أدرجه في حال كونه مبدلا مما قبله ثم ذكر وجها آخر فقال:
936-
وَقَدْ قيل: مَفْعُولًا وَإِنْ أَدْغَمُوا بِلا
…
وَلَبْسَ بِمَقْطُوعٍ فَقِفْ يَسْجُدُوا وَلا
أي: أدرج مفعولا وفي نصب مفعول الوجهان المقدمان؛ إما مفعول به وإما حال؛ أي: أعرب: {أَلَّا يَسْجُدُوا} بأنه مفعول، واختلفت في ذلك فقيل: هو مفعول به؛ أي: فهم لا يهتدون أن يسجدوا ولا زائدة، وقيل: هو مفعول له؛ أي: زين لهم لئلا يسجدوا أو قصدهم لئلا يسجدوا، وهذا الوجه والأول الذي هو بدل من أعمالهم يكون فيه لا غير زائدة بخلاف البدل من السبيل والنصب بيهتدون، فهي فيهما زائدة فلا يجوز في قراءة الجماعة الوقف على يهتدون؛ لأجل هذا التعلق على الوجوه الأربعة بخلاف قراءة الكسائي فلا تعلق لها بما قبلها، وهذا كله يقال؛ إظهارًا لمعاني الكلام وتعريفا بتعلق بعضه ببعض؛ ليتدرب فيه الطالب وإلا فالمختار عندنا جواز الوقف على رءوس الآي مطلقة.
قال: وإن أدغموا بلا؛ يعني: أن ألا أصلها أن لا فأدغمت النون في اللام إدغاما واجبا؛ لسكونها على ما عرف
في باب النون الساكنة فمن ثم جاء التشديد.
ثم قال: وليس بمقطوع؛ يعني: لم يفصل بين الحرفين في الرسم فلم يكتب أن لا بل لم تكتب النون صورة أصلا بل كتبت على لفظ الإدغام فلأجل ذلك احتمل الرسم قراءة الكسائي وقراءة الجماعة، وهي "أن" الناصبة للفعل ولا بعدها للنفي أو زائدة على ما تقرر من المعاني.
ثم قال: فقف يسجدوا؛ يعني: أنه ليس لك أن تقف في الابتلاء ثلاث وقفات كما ذكرنا للكسائي؛ لأن تلك المواضع كل كلمة مستقلة بمقصودها؛ لأن إلا أفادت الاستفتاح ويا مع المنادى المحذوف أفادت الندا.
ثم قال: اسجدوا وهو أمر تام، وههنا إن وقفت على "ألا" كنت قد وقفت على أن الناصبة دون منصوبها، فلا يتم الكلام إلا بقوله: يسجدوا وههنا إشكالان: الأول أن ظاهر قوله: أن لا وقف للجماعة إلا على يسجدوا فإن أراد وقف الاختيار فذاك في آخر الآية، وإن أراد وقف الاضطرار جاز على ألا، وهذا هو المنقول قد صرح به جماعة من المصنفين.
قال ابن الأنباري: من قرأ بالتثقيل: وقف على "ألا"، وابتدأ "يسجدوا" وهو ظاهر كلام صاحب التيسير؛ فإنه قال: الكسائي "ألا يسجدوا" بتخفيف اللام ويقف "ألا يا" ويبتدئ "اسجدوا" على الأمر؛ أي: ألا يا أيها الناس اسجدوا والباقون يشددون اللام؛ لاندغام النون فيها ويقفون على الكلمة بأسرها.
وقال شيخه أبو الحسن ابن غلبون: لا ينبغي أن يتعمد الوقف والابتداء ههنا؛ لأن الكلام مرتبط بعضه ببعض من حيث الندا وخطابه، فلا يفصل بعضه من بعض.
قال: ولا يجوز الوقف للباقين إلا على آخر الآية وإن انقطع نفس القارئ لهم على "ألا" رجع إلى أول الكلام فإن لم يفعل ابتدأ يسجدوا بالياء مفتوحة قال الأهوازي: يقفون عليه ألا ويبتدئون يسجدوا كما في الكتاب.
وقال صاحب الروضة: الوقف عليه قبيح، فإن وقف واقف عليه مضطرًا ابتدأ بـ "يسجدوا" كما يصل.
وقال ابن الفحام: يبتدئ بياء معجمة الأسفل في أول الفعل.
وجواب هذا الإشكال أن الناظم استغنى عن ذكر الوقف على "ألا"؛ لظهور الأمر فيه فلم يكن لهم عنده إلا منع الوقوف على "أن" من "ألا"، فمنع ذلك بقوله: وليس بمقطوع ثم اهتم بمنع فصل الياء من "يسجدوا" كما فعل الكسائي فقال فقف: يسجدوا وضاق عليه البي فلم يتمكن من التنصيص على التفاصيل كلها، ويجوز أن يكون الناظم ما أراد بقوله: وليس بمقطوع إلا أن هذا اللفظ متصل في قراءة الجماعة الياء مع السين؛ لأنها حرف المضارعة بخلافها في قراءة الكسائي؛ فإنها مفصولة منها تقديرًا؛ لأنها من حرف النداء من الفعل.
الإشكال الثاني: لم كان حذف النون من أن في الخط مانعا من الوقوف على هذه الكلمة للجماعة ورد النون في الوقف.
فإن قلتَ: لأنها لم ترسم فالألف من يا لم ترسم في "يسجدوا"، وقد وقف الكسائي عليها، وجوابه: أن النون من "أن" صارت لامًا للإدغام والألف من يا حذفت، ولم تتعوض لفظا آخر فعادت في الوقف.
فإن قلتَ: وقف حفص على اللام من:
{بَلْ رَانَ} 1، وهي اللفظ راء؛ لإدغامها في الراء، وكذا النون في:{مَنْ رَاقٍ} 2.
قلتُ: سببه أن اللام والنون رسمتا ولو رسمت هنا لفعل مثل ذلك والله أعلم.
وقول الناظم في آخر البيت: وَلا؛ هو بفتح الواو؛ أي: ذا ولاء؛ أي: نصر؛ أي: ناصرا للقراءة أن منصورا بها؛ لوضوحها وعدم الكلفة في تقريرها؛ لأن ما يضاف إلى المصدر يكون تارة في المعنى فاعلا وتارة مفعولا كما أن المصدر يضاف مرة إلى فاعله وتارة إلى مفعوله.
937-
وَيُخْفُونَ خَاطِبْ يُعْلِنُونَ "عَـ"ـلَى "رِ"ضًا
…
تَمِدُّونَنِي الإِدْغامُ "فَـ"ـازَ فَثَقَّلا
يريد: {وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ} قرأهما الكسائي بالخطاب بناء على قراءته بالأمر بالسجود على من قص عليه حكايتهم، وقراءة حفص على ابتداء المخاطبة كما ابتدأها الكسائي في ألا يا اسجدوا، وقراءة الباقين بالغيب فيهما ظاهرة، وقوله: على رضا؛ أي: كائنا على رضا من ناقليه له وإن كان علا فعلا فرِضى تمييز أو حال؛ أي: علا رضاه أو على ذا رضى، أما:{أَتُمِدُّونَن بِمَالٍ} ففيه نونان، فجاز الإدغام كما في:"أتحاجوني" والإظهار الأصل وعليه الرسم، قال أبو عبيد: إنما هو نونان في كل المصاحف، وقوله: الإدغام؛ أي: ذو الإدغام فيه؛ أي: قارئه فاز فثقلا:
938-
مَعَ السُّوقِ سَاقَيها وَسُوقِ اهْمِزُوا "زَ"كا
…
وَوَجْهٌ بِهَمْزٍ بَعْدَهُ الوَاوُ وُكِّلا
يريد: {بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ} ، و {كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} :{فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ} 3، وسوق في الموضعين جمع ساق، فوجه الهمز في الجميع إن الواحد مهموز وإن لم يكن الواحد مهموزا فوجهه إن كان على وزن فعل ضمة الواو كما قالوا: أقتت في: وقتت ثم أسكن تخفيفا، وإن كان على وزن فعل فوجهه مجاورة الضمة للواو كما تقدم في عادا لولى، أما الهمز في المفرد فقيل: هو لغة كهمز رأس وكأس وقيل: أجري على الجمع تابعًا له، وقيل: من العرب من يقلب حرف المد همزة كما يقلب الهمزة حرف مد ومن ذلك همز العجاج والعالم والخاتم ومنه همز: {يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ} كما سبق فاعلم أن وجه همز الجمع أقوى من همز المفرد، قال أبو علي: أما الهمز في ساق فلا وجه له، أما على سوقه وبالسوق فهمز ما كان من الواوات الساكنة إذا كان قبلها ضمة قد جاء في كلامهم وإن لم يكن بالفا شيء زعم أبو عثمان أن أبا الحسن أخبره: قال أبو حية النميري بهمز كل واو ساكنة قبلها ضمة، وينشد:
لحب المؤقدان إليّ مؤسى
قال ابن مجاهد: همز ابن كثير وحده: {وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا} في رواية أبي الإخريط ولم يهمز غيره، وكذلك بالسوق وسوقه وهكذا قرأت على قنبل عن النبال، وحدثني مضر بن محمد عن ابن أبي بزة قال: كان
1 سورة المطففين، آية:14.
2 سورة القيامة، آية:27.
3 سورة الفتح، آية:29.
وهب بن واضح يهمز ذلك وأنا لا أهمز من ذلك شيئا، وكذلك ابن فليح لا يهمز من هذا شيئا قال: ولم يهمز أحد: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} ، ولا وجه للهمز في ذلك، والصواب بلا همز، ثم زاد الناظم ذكر وجه ليس في التيسير يختص بالجمع وهو بواو بعد همز سؤوق على وزن فعول ويهمز الواو الأولى؛ لانضمامها في نفسها، قال ابن مجاهد: وقال علي بن نصر عن أبي عمرو: سمعت ابن كثير يقرأ: "بالسؤوق" بواو بعد الهمز، قال أبو بكر: رواية أبي عمرو عن ابن كثير هذه هي الصواب من قبل أن الواو انضمت فهمزت؛ لانضمامها، والأول لا وجه له لم يذكر ابن مجاهد هذا الوجه إلا في حرف ص، ولم ينقله في حرف الفتح، ونقله صاحب الروضة في ص على وجه آخر فقال: روى بكار عن ابن مجاهد عن قنبل بالسؤق بضم الهمزة، وروى نظيف عن قنبل بهمزة ساكنة، وكذا قال ابن الفحام، رواه الفارسي عن ابن مجاهد من طريق ابن بكار عن قنبل بهمزة مضمومة، وقال ابن رضوان في كتاب الموضح روى بكار عن ابن مجاهد ضم الهمز، وإثبات واو بعدها من قوله تعالى:"بِالسُّوقِ" فيصير اللفظ فيها مثل بالسعوق، وكذا قال صاحب "الشمس المنيرة" والشيخ أبو محمد وقالا في قوله: بالسوق خاصة: يعني: في ص دون التي في الفتح وأظن من عبر بهمزة مضمومة، ولم يذكر الواو أراد مع الواو؛ لأن مرجع الجميع إلى نقل ابن مجاهد وابن مجاهد صرح في كتاب السبعة له في سورة ص بأنه بواو بعد الهمزة ولم يخصص الناظم بهذا الوجه حرف ص ولكن لم أر من ذكره في حرف الفتح والله أعلم ولا بعد في ذلك؛ فإنه قد خصص ساقيها بالهمز دون:{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} 1، {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ} 2.
وأما قراءة الجماعة من غير همز فواضحة؛ لأن وزن ساق فعل بفتح العين فجمع على فعل بإسكانها كأسد وأسد:
939-
نَقُولَنَّ فَاضْمُمْ رَابِعًا وَنُبَيِّتَنْـ
…
ـنَهُ وَمَعًا فِي النُّونِ خَاطِبْ "شَـ"ـمَرْدَلا
أراد: {قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ} فالنون عبارة عنهم، والتاء خطاب بعضهم لبعض، وقوله: اضمم رابعا؛ أي: الحرف الرابع في الكلمتين وهو اللام والتاء وإنما وجب ضمه؛ لأن كل واحد من الفعلين خطاب لجماعة، والأصل "تقولون"، "وتبيتون" بضم اللام والتاء فلما لحقت الفعل نون التأكيد حذفت الواو؛ لالتقاء الساكنين، ومثله:{لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} ، وعلى القراءة بالنون الفعلان لا واو فيهما؛ لأنهما نقول ونبيت فلما اتصلت بها دون التأكيد بنى أحدهما على الفتح نحو:"لنصدقن"، و"لنخرجن معكم"، والفاء في: فاضمم زائدة، رابعا مفعول لاضمم إن كان تقولن مبتدأ وإن كان تقولن مفعول اضمم فرابعا تمييز؛ لأنه تبيين لأي الحروف بضم أو بدل البعض نحو اضرب زيدا ظهرا؛ أي: اضرب ظهره ونبيتنه عطف على نقولن، ومعا حال فيهما؛ أي: وخاطب فيهما معًا في موضع النون؛ أي: ائت بتاء الخطاب عوضا عن نون المتكلمين وحركتهما حركة النون فهي في "نقولن" مفتوحة؛ لأنه مضارع فعل ثلاثي وهو قال، وفي نبيتنه مضمومة؛ لأنه مضارع فعل رباعي وهو نبيت، وشمردلا حال من فاعل خاطب أو مفعول به؛ أي: خاطب من يسرع إلى إجابتك ويخف في قضاء حاجتك، وحصل في ضمن ذلك المقصود من تقييد القراءة والتعريف بها والله أعلم.
1 سورة القيامة، آية:29.
2 سورة القلم، آية:42.
940-
وَمَعْ فَتْحِ أَنَّ النَّاسِ مَا بَعْدَ مَكْرِهِمْ
…
لِكُوفٍ، أما يُشْرِكُونَ "نَـ"ـدٍ "حَـ"ـلا
يريد: {أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ} والذي بعد مكرهم: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ} ؛ أي: ومع فتح هذا الذي بعد مكرهم؛ أي: فتحهما الكوفيون أما: "أن الناس" فعلى تقدير: تكلمهم بأن الناس؛ أي: بهذا الكلام والكسر حكاية قول الدابة، ويجوز أن يكون على القراءتين من كلام الله تعالى مستأنفا على الكسر وتعليلا على الفتح؛ أي: لكونهم كانوا لا يوقنون بالآيات أخرجنا لهم هذه الآية العظيمة الهائلة تخاطبهم بأن هذا مؤمن وهذا كافر ونحو ذلك، أما كسر أنا دمرناهم فعلى الاستئناف والفتح على تقدير؛ لأنا أو هو خبر كان أو بدل من عاقبة أو خبر مبتدأ؛ أي: هي أنا والخلاف في أما يشركون بالغيب والخطاب ظاهر والرمز لقراءة الغيب لأنه أطلقها كأنه قال والغيب فيه تدخلوا والله أعلم.
941-
وَشَدِّدْ وَصِلْ وَامْدُدْ بَلِ ادَّارَكَ "ا"لَّذِي
…
"ذَ"كا قَبْلَهُ يَذَّكَّرُونَ "لَـ"ـهُ "حُـ"ـلا
أي: شدد الدال وصل الهمزة؛ أي: اجعلها همزة وصل وامدد بعد الدال ثم لفظ بالقراءة التي قيدها فالقراءة الأخرى بقطع الهمزة وقد سبق أن همزة القطع في الماضي لا تكون إلا مفتوحة وبتخفيف الدال وهو هنا سكونها، ولا يلزم من التخفيف السكون ولكن لظهوره تسامح بعدم ذكره وبترك المد فيبقى أدرك مثل أدغم ولو أنه لفظ بالقراءتين كان أسهل فيقول: وبل أدرك اجعله بل ادَّارك الذي، ومعنى أدرك بلغ وانتهى وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو، وقراءة الباقين أصلها: تدارك؛ أي: تتابع فأدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل؛ لأن الأول صار ساكنا، ومثله:"اثاقلتم"، "اطيرنا بك"، وحكم همزة الوصل كسرها في الابتداء بها وحذفها في الوصل فتكسر اللام من بل؛ لالتقاء الساكنين ولام بل ساكنة في قراءة أدرك إذ لم يلقها ساكن، وفي هذه الكلمة أيضا عشر قراءات غير هاتين القراءتين ذكرها أبو القاسم الزمخشري في تفسيره ثم قال قبله يذكرون أن قبل:{بَلِ ادَّارَكَ} "قليلا ما يذكرون" قرأه بالغيب أبو عمرو وهشام وفهم ذلك من الإطلاق والباقون بالخطاب ووجههما ظاهر والله أعلم.
942-
بِهَادِي مَعًا تَهْدِي "فَـ"ـشَا العُمْيِ نَاصِبًا
…
وَبِاليَا لِكُلٍّ قِفْ وَفِي الرُّومِ "شَـ"ـمْلَلا
يريد: {وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ} هنا وفي آخر الروم يقرؤه حمزة "تهدي" فيلزم نصب العمي؛ لأنه مفعوله وهو مجرور في قراءة غيره؛ لأنه مضاف إليه وتقدير البيت فشا تهدي في موضع بهادي في حال كونه ناصبا للعمى والقراءتان ظاهرتان.
وقال الشيخ: صاحب الحال: فشا؛ لأنه يريد به حمزة ثم قال: وبالياء لكل قف؛ أي: في حرف النمل سواء في ذلك من قرأ بهادي ومن قرأ تهدي؛ لأنها رسمت بالياء.
ثم قال: وفي الروم شمللا؛ أي: ووقف بالياء في حرف الروم حمزة والكسائي على الأصل وحذفها الباقون؛ لأنها لم ترسم، وهذا الموضع مما يشكل على المتبدئ، فيظن أن الوقوف بالياء في الموضعين للكل وأن قوله: وفي الروم
شملل؛ أي: قرأ الكسائي وحمزة في الروم بما قرأ به حمزة وحده في النمل وهو: {تَهْدِي الْعُمْي} وليس كذلك لقوله في أول البيت: معا قال ابن مجاهد: كتب بهادي العمي بياء في هذه السورة على الوقف، وكتب الذي في الروم بغير ياء على الوصل، وقال خلف: كان الكسائي يقف عليهما بالياء.
وقال مكي: هذا الحرف في المصاحف بالياء، والذي في الروم بغير ياء، ووقف عليهما حمزة والكسائي بالياء وهو مذهب شيخنا؛ يعني: أبا الطيب ابن غلبون، قال وقد روي عن الكسائي أنه وقف عليهما بغير ياء ووقف الباقون ههنا بالياء وفي الروم بغير ياء اتباعا للمصحف ولا ينبغي أن يتعمد الوقف عليهما؛ لأنه ليس بتمام ولا قطع كاف لا سيما الذي في الروم؛ لأنه كتب بغير ياء على نية الوصل فإن وقفت بياء خالفت السواد وإنما ذكرنا مذاهب القراء في الوقف عند الضرورة فأما على الاختيار فلا وكذلك ما شابه هذا فاعلمه.
943-
وَآتُوهُ فَاقْصُرْ وَافْتَحِ الضَّمَّ "عِـ"ـلْمُهُ
…
فَشا تَفْعَلُونَ الْغَيْبُ "حَقٌّ لَـ"ـهُ وَلا
يريد: {وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} هو بالمد جمع آت مضاف إلى الهاء كما في سورة مريم: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} 1.
وهو كقولك:عابدوه وداعوه وأتوه بالقصر وفتح التاء فعل وفاعل ومفعول نحو رموه وقضوه، والغيب والخطاب في "بما يفعلون" ظاهران.
944-
وَمَا لِي وَأَوْزِعْنِي وَإِنِّي كِلاهُما
…
لِيَبْلُوَنِي اليَاءَاتُ فِي قَوْلِ مَنْ بَلا
الياءات خبر قوله: "وما لي" وما بعده؛ أي: هذه ياءات الإضافة التي في هذه السورة، وبلا بمعنى اختبر؛ أي: قل ذلك في جواب من اختبرك وسألك عنها، فالقول مصدر أضيف إلى المقول له وهو المفعول، والمصدر كما يضاف إلى فاعله يضاف إلى مفعوله، ويجوز أن يكون مضافًا إلى الفاعل؛ أي: عرفت هذا من يريد أن يختبر غيره بها وهي خمس ياءات: {مَا لِيَ لا أَرَى الهُدْهُدَ} فتحها ابن كثير وعاصم والكسائي وهشام. "أَوْزِعْنِيَ أَنْ أَشْكُرَ" فتحها ورش والبزي. "إِنِّيَ آنَسْتُ" فتحها الحرميان وأبو عمرو. "إنيَ ألقي"، "ليبلونيَ أأشكر" فتحهما نافع وحده، وفيها زائدتان:"أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ" أثبتها في الوصل نافع وأبو عمرو وفي الحالين ابن كثير وحمزة، وقد سبق أن حمزة يدغم النون الأولى في الثانية:{فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ} أثبتها مفتوحة في الوصل ساكنة في الوقف قالون وحفص وأبو عمرو بخلاف عنهم في الوقف وفتحها في الوصل وحذفها في الوقف ورش. وقلت في ذلك:
وفيها فما آتاني الله قبله
…
تمدونني زيدًا فلا تك مغفلا
1 آية: 95.