الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الزكاة
الفصل الأول
1772 -
عن ابنِ عبَّاسٍ، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعثَ مُعاذاً إِلي اليَمنِ، فقال: ((إِنَّكَ تأتي قوماً أهلَ كتابٍ، فادْعُهم إِلي شهادةِ أنْ لا إلهَ إلَاّ اللهُ وأنَّ محمَّداً رسولُ اللهِ. فإِنْ هُم أطاعُوا لذلكَ فأعلمْهُم أنَّ الله قد فَرَضَ عليهِم خمسَ صلوات في اليَومِ والليلةِ. فإِنْ هُم أطاعُوا لذلك، فأعلمْهم أنَّ اللهَ قدْ فرض عليهِم صَدقةً تُؤْخذُ منْ
ــ
كتاب الزكاة
((نه)): أصل الزكاة: الطهارة، والنماء، والبركة، والمدح، وكل ذلك قد استعمل في القرآن، والحديث. وزنها فعلة، كالصدقة، فلما تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، انقلبت ألفا، وهي من الأسماء المشتركة بين المخرج والفعل، فيطلق علي العين، وهي الطائفة من المال المزكي بها وعلي المعنى: وهي التزكية. أقول: حملها علي النمو والبركة ظاهر، لأن الصدقة يد المال، وعلي الطهارة يحتمل معنيين: إما طهارة المال من الحرام، وحق الفقراء، وبهذا عني بقوله:{فلينظر أيها أزكى طعاما} أي أطيب وأحل، ولا يستوخم عقباه، وإما طهارة النفس عن رذائل الأخلاق والبخل، وبزكاء النفس وطهارتها يصير الإنسان بحيث يستحق في الدنيا الأوصاف المحمودة، وفي الآخرة الأجر والمثوبة.
الفصل الأول
الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((قوما أهل كتاب)) قيد قوله: بأهل وفيهم أهل الذمة وغيرهم من المشركين، تفضيلا لهم وتغليبا علي غيرهم، قوله:((أطاعوا لذلك)) أي انقادوا له. ((شف)): في تقديم الشهادة علي الإعلام بالأعمال، وترتبه عليها بالفاء إشعار بأن الكفار غير مخاطبين بالفروع علي ماذهب إليه بعض علماء الأصول، بل بالأصول فقط. وفي ((تؤخذ من أغنيائهم)) دليل علي أن الطفل تلزمه الزكاة لعموم قوله:((تؤخذ من أغنيائهم)). وفي قوله: ((ترد علي فقرائهم)) دليل علي أن المدفوع عين الزكاة. وفيه أيضًا أن نقل الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وجود المستحقين فيه، بل صدقة كل ناحية لمستحقي تلك الناحية. واتفقوا علي أنه إذا نقلت وأديت يسقط الفرض إلا عمر بن عبد العزيز، فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلي الشام إلي مكانها من خراسان.
أغنيائِهم فتُردُّ علي فُقرائِهم. فإِنْ هُم أطاعوا لذلك، فإِياكَ وكرائِمَ أموالِهم، واتّقِ دَعْوةَ المظلومِ، فإنَّهُ ليس بينهاَ اللهِ حجابٌ)) متفق عليه. [1772]
1773 -
وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مِنْ صاحبِ ذهبٍ ولا فضَّةٍ لا يُؤَدِّي منها حقَّها، إِلا إِذا كانَ يوم القيامةِ صُفِّحتْ صفائحَ منْ نارٍ فأحْمِي
ــ
قوله: ((فإياك وكرائم أموالهم)) ((حس)): فيه دليل علي أنه ليس للساعي أن يأخذ خيار ماله إلا أن يتبرع به رب المال، وليس لرب المال أن بعطي الأردأ، ولا للساعي أن يرضي به فيبخس بحق المساكين، بل حقه في الوسط. قوله:((صدقة أموالهم)) فيه دليل علي أنه إن تلف المال تسقط الزكاة ما لم يقصر في الأداء وقت الإمكان.
أقول: قوله: ((واتق دعوة المظلوم)) تذييل؛ لاشتماله علي هذا الظلم الخاص من أخذ كرائم الأموال، وعلي غيره مما يتعلق بالمزكي، وعلي هذا المظلوم وغيره. وقوله:((فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)) تعليل للاتقاء، وتمثيل للدعوة لمن يقصد إلي السلطان متظلماً فلا يحجب عنه.
الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((لا يؤدي حقها)) ((تو)): أنث الضمير؛ إما ذهاباً إلي المعنى، إذا لم يرد بهما الشيء القليل، بل جملة وافية من الدراهم والدنإنير، وإما علي تأويل الأموال، وإما عوداً به إلي الفضة، فإنها أقرب كما قال الله تعالي:{الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} واكتفي ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب، أو لأن الفضة أكثر انتفاعاً في المعاملات من الذهب، واشتهر في أثمان الأجناس، ولذلك اكتفي بها في قوله صلى الله عليه وسلم:((وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة)).
قوله: ((صفحت الصفائح)) جمع صفيحة، وهي ما يطبع مما يتطرق، كالحديد والنحاس. و ((الصفائح)) يروى مرفوعاً بـ ((صفحت))، ومنصوباً علي أنه مفعول ثان، وفي الفعل ضمير الذهب والفضة، وأنث: إما بالتأويل السابق، وإما علي التطبيق بينه وبين المفعول الثاني الذي هو هو. والمعنى: إذا لم يؤد صاحب الذهب والفضة حقها يجعل له صفائح من نار، أو جعل الذهب والفضة صفائح من نار. وكأنه تنقلب صفائح الذهب والفضة لفرط إحمائها وشدة
عليَها في نارِ جهنَّمَ فيُكْوى بها جَنْبهُ وجبينُه وظَهرهُ، كلَّلما رُدَّتْ أُعيدتْ له في يومٍ كانَ مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ، حتى يُقضى بين العبادِ، فيرى سبيلَه: إِمَّا إِلي الجنَّةِ وإِمَّا إِلي النَّار)). قيلَ: يا رسولَ الله! فالإِبلُ؟ قال: ((ولا صاحبُ إِبلٍ لا يُؤَدي منها حقَّها،
ــ
حرارتها صفائح النار، فيكوى بها، إلي آخره. وهذا التأويل يوافق ما في التنزيل حيث قال تعالي:{يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى} الآية فجعل عين الذهب والفضة هي المحمى عليها في نار جهنم.
قوله: ((فأحمى عليها)) ((الكشاف)): فإن قلت: ما معنى قوله: ((يحمى عليها في نار جهنم)) وهلا قيل: يحمى، من قولك حمى الميسم وأحميته، ولا تقول: أحميت علي الحديد؟ قلت: معناه أن النار تحمى عليها، أي توقد ذات حمى وحر شديد، من قوله:((نار حامية)). ولو قيل: يوم يحمى عليها لم يعط هذا المعنى. وذكر ((يحمى)) لأنه مسند إلي الجار والمجرور. وأصله: يوم تحمى النار عليها، فانتقل الإسناد عن النار إلي ((عليها)). ((تو)): المعنى: أن تلك الصفائح النارية تحمى مرة ثإنية إلي نار جهنم ليزيد حرها ولهبها ويشتد إحراقها.
((قض)): خص هذه الأعضاء - أعني الجنب، والجبين، والظهر - لأنه جمع المال، وأمسكه، ولم يصرفه في مصارفه، ليحصل به وجاهة عند الناس، وترفه وتنعم في المطاعم والملابس، فيحوى جنبه وظهره المأكولات الهنية اللذيذة، فينتفخ ويقوى منها، وتحويها الثياب الفاخرة والملابس الناعمة، فيلتذ جنباه بها، أو لأنه ازور عن الفقير في المجلس، وأعرض عنه، وولي ظهره، أو إلي أشرف الأعضاء الظاهرة لاشتمالها علي الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ، والقلب، والكبد، وقيل: المراد بها الجهات الأربع التي هي مقاديم البدن، وما آخره، وجنبتاه. ((كلما ردت أعيدت له)) معناه دوام التعذيب، واستمرار شدة الحرارة في تلك الصفائح استمرارها في حديدة محماة ترد إلي الكير وتخرج منها ساعة فساعة.
قوله: ((فيرى سبيله)) الضمير المرفوع فيه قائم مقام الفاعل، و ((سبيله)) ثإني مفعوليه. ((مح)): ضبطناه بضم الياء وفتحها، وبرفع لام ((سبيله)) ونصبها. فيه إشارة إلي أنه مسلوب الاختيار يومئذ مقهور، لا يقدر أن يروح إلي النار فضلا عن الجنة، حتى يعين له أحد السبيلين.
قوله: ((فالإبل)) الفاء متصل بمحذوف، أي عرفنا حكم النقدين، فما حكم الإبل؟ وقوله:((ولا صاحب إبل)) عطف علي قوله: ((ما من صاحب ذهب)). قوله: ((من حقها حلبها)) ((مح)): هو بفتح اللام علي اللغة المشهورة، وحكى إسكانها، وهو غريب ضعيف وإن كان هو القياس.
ومِنْ حقِها حَلبُها يومَ وِرْدِها، إِلا إذا كانَ يومُ القيامةِ بُطحَ لها بقاعٍ قَرْقرٍ. أوْفر ما كانت لا يفقِدُ منها فصيلاً واحداً، تطؤهُ بأخفافِها، وتعَضَّه بأفواهها، كلما مرَّ علَيه أولاها رُدَّ عليه أخْراها في يومٍ كانَ مقدارهُ خمسينَ ألف سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العبادِ؛ فيَرى سبيلَه: إِمَّا إِلي الجنَّةِ وإِما إلي النار)). قيلَ: يا رسول اللهِ! فالبَقرُ والغَنمُ؟ قال:
ــ
أقول: ((من)) للتبعيض، أي بعض حقها حلبها، وحقها الأول أعم من الثاني، وذكر الثاني للاستطراد، والوعيد مرتب علي الأول. ويحتمل عليهما معاً تغليظاً. قيل: معنى حلبها يوم ورودها: أن يسقى ألبانها المارة، ومن ينتاب المياه من أبناء السبيل. وهذا مثل نهيه عن الجداد بالليل، أراد أن يصرم بالنهار ليحضرها الفقراء، وذوو الحاجة.
قوله: ((بطح لها)) ((تو)): وفي بعض النسخ ((له)) بالتذكير، وهو خطأ رواية ومعنى؛ لأن الضمير المرفوع في الفعل لصاحب الإبل، والمجرور للإبل ليستقيم؛ لأن المبطوح المالك، لا الإبل، أقول: أما التمسك بالرواية فمستقيم، وأما بالمعنى فلا، لم لا يجوز أن يذكر الضمير لإرادة الجنس وللتأويل المذكور وأنشد ابن الجنبي: مثل الفراخ تنفث حواصله. علي أنه لا يجوز أن يرجع الضمير إلي صاحب الإبل بكون الجار والمجرور قائماً مقام الفاعل، كما في قوله تعالي:{يسبح له فيها بالغدو والآصال} ؟ بطح: ألقى علي وجهه. القاع، والقيع: الصحراء الواسعة السمتوية. والقرقر: المكان المستوى، وهو صفة مؤكدة.
قوله: ((أوفر)) ((حس)): يريد كمال حال الإبل التي تطأ صاحبها في القوة والسمن لتكون أثقل لوطئها. أقول: ((أوفر)) مضاف إلي ((ما)) المصدرية، والوقت مقدر، وهو منصوب علي الحال من المجرور إن كان الضمير المجرور للإبل، وجوز وقوعه حالاً، ولا يمنعها إضافته إلي المعرفة؛ لأن الإضافة فيه غير محضة، بدليل قولهم: مررت برجل أفضل الناس، وإن كان لصاحب الإبل فهو خبر مبتدأ محذوف علي الاستئناف. وقوله:((لا يقعد)) أيضًا حال، إما مترادفة إن كان صاحب الحال الضمير في ((بطح))، أو متداخلة إن كان صاحب محال الضمير المستتر في ((كانت)) التامة الراجع إلي الإبل؛ لوجود الضمير في ((منها)) ..
وقوله: (تطؤه)) أيضًا حال مترادفة ومتداخلة علي التقديرين؛ لوجود ضمير المذكر والمؤنث. ويجوز أن يكون استئنافاً، كأنه لما قيل: بطح صاحب الإبل لإبله حال كونها قوية تامة، مع جميع فضلاتها، غير فاقدة منها شيئاً - اتجه لسائل أن يقول: لم بطح لها؟ أجيب: لتطأه إلي آخره. وعلي هذا حكم ((كلما)) في الحالية والاستئنافية، أي تطؤه دائماً. قالوا: المناسب أن يقدم ((أخراها)) علي ((أولاها)) كما عليه رواية مسلم ((كلما مضى عليه أخراها رد عليه أولاها)).
((ولا صاحبُ بقرٍ ولا غنمٍ لا يُؤّدِّي منها حقّها، إِلا إِذا كانَ يومُ القيامة بُطحَ لها بقاعٍ قرْقرٍ، لا يفقِدُ منها شيئاً، ليسَ فيها عَقصاءُ ولا جَلحاءُ ولا عَضباءُ تنطحهُ بقُرونِها، وتطؤهُ بأظلافِها، كلما مرَّ عليه أولاهَا رُدَّ عليهِ أخْراها في يومٍ كانَ مقدارهُ خمسين ألف سنةٍ، حتى يُقضى بينَ العبادِ؛ فيرى سبيلَه: إِما إِلي الجنةِ وإِما إِلي النار)). قيل: يا رسولَ اللهِ! فالخيلُ؟ قال: ((فالخَيلُ ثلاثةٌ: هي لرجلٍ وِزْرٌ، وهيَ لرجلٍ سترٌ، وهي لرجلٍ أجرٌ؛ فأما التي هي له وزرٌ: فرجلٌ ربطهَا رياءً وفخراً ونواءً علي أهلِ الإِسلامِ، فهي لهُ وِزرٌ؛ وأمّا التي هي له سترٌ: فرجلٌ ربطهَا في سبيل اللهِ، ثمَّ لم يَنسَ حقَّ اللهِ في
ــ
أقول: توجيه ما هو مثبت في الكتاب أن يقال: إن ((أولاها)) إذا مرت عليه علي التتابع، فإذا انتهي أخراها إلي الغاية، فردت من هذه الغاية، ويتبعها ما يليها إلي أولاها - حصل الغرض من التتابع والاستمرار.
قوله: ((عقصاء)) ((نه)): العقصاء الملتوية القرنين. والجلحاء: التي لا قرن لها. العضباء: المنكسرة القرن، وهي عبارة عن سلامة قرونها، واستوائها ليكون أجرح للمنطوح.
قوله: ((فالخيل ثلاثة)) فإن قلت: الجوابان السابقان مطابقان للسؤالين، لأن الأسئلة عن حقوق الله تعالي في الأجناس ووجوب الزكاة فيها، فأين المطابقة في السؤال الثالث؟ قلت: هو وارد علي الأسلوب الحكيم، وفي التوجيه وجهان: أحدهما علي مذهب الشافعي رضي الله عنه: أي دع السؤال عن الوجوب، إذ ليس فيه حق واجب، ولكن سل عن اقتنائها عما يرجع إلي صاحبها من المضرة والمنفعة. وثإنيهما علي مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه: أي لا تسأل عما وجب فيها من الحقوق وحده، بل سل عنه وعما يتصل بها من المنفعة والمضرة إلي صاحبها. فإن قلت: كيف استدل علي الوجوب بالحديث؟ قلت: بعطف الرقاب علي الظهور؛ لأن المراد بالرقاب ذواتها، إذ ليس في الرقاب منفعة عائدة إلي الغير، كالظهور، وبمفهوم الجواب الآتي من قوله صلى الله عليه وسلم:((ما أنزل علي في الحمر شيء)). وأجاب القاضي عنه: بأن معنى قوله: ((لم ينس حق لله في رقابها)) أداء زكاة تجارتها.
وأقول: وجه هذه الكناية أن الرقاب ربما يكنى بها عن الانقياد والمملوكية، وما يساق للتجارة يقاد بها بما يشد علي رقابها للجلب، وينصره قوله:((لم ينس)) فإنه لا يستعمل في الوجوب كقوله تعالي: {ولا تنس نصيبك من الدنيا} . وأما الجواب عن السؤال الأخير فإن الفاء في قوله: ((فالحمر)) جاءت عقيب المذكورات، كأنه قيل: عرفنا الوجوب في النقدين والأنعام، والندب في الخيل، فما حكم الحمير؟ وفي قوله:((فالخيل ثلاثة)) جمع، وتفريق،
ظُهورِها ولا رقابِها، فهي له سترٌ؛ وأمّا التي هي له أجْرٌ: فرجلٌ ربطهَا في سبيلِ الله لأهلِ الإِسلامِ في مَرجٍ وروْضة، فما أكلتْ منْ ذلكَ المرْجِ أو الرَّوضةِ منْ شيءٍ إِلا كُتب له عدَدَ ما أكلتْ حسنَاتٌ، وكتبَ له عددَ أرْواثِها وأبْوالِها حسنَاتٌ، ولا تقطَعُ طِوَلَها فاسْتنّتْ شرفَا أو شرَفين إِلا كتبَ اللهُ له عددَ آثارها وأْرواثِها حسنَاتٍ، ولا مرَّ بها صاحبُها علي نهرٍ فشربتْ منه، ولايُريدُ أنْ يسقيَها، إِلا كتبَ اللهُ له عددَ ما شربتْ حسنَاتٍ)). قيلَ: يا رسولَ اللهِ! فالحُمُرُ؟ قال: ((ما أنزلَ عَلَيَّ في الحُمُر شيءٌ إِلا هذه الآية الفاذَّةُ الجامعًةُ: {فمَنْ يَعملْ مِثْقالَ ذَرَّةِ خيراً يَرَهُ. ومَنْ يَعَملْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شراً يَره} . رواه مسلم. [1773]
ــ
وتقسيم. وأما الجمع فقوله: ((ثلاثة))، وأما التفريق فمن قوله:((هي لرجل وزر)) إلي آخره.
قوله: ((في مرج)) ((نه)): هو الأرض الواسعة ذات نبات كثير تمرح فيها الدواب، أي تسرح، واستنان الفرس: عدوه لمرجه ونشاطه شوطاً أو شوطين ولا راكب عليه. الطول- بالكسر- هو الحبل الطويل يشد أحد طرفيه في وتد أو غيره، والطرف الآخر في يد الفرس؛ ليدور فيه ويرعى ولا يذهب لوجهه.
قوله: ((ربطها في سبيل الله)) لم يرد به الجهاد لما يلزم التكرار، ويعضده رواية غيره ((ورجل ربطها تغنياً وتعففاً، ثم لم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها، فهي لذلك الرجل ستر)) ((تغنياً)): أي استغناء به، و ((تعففاً) عن السؤال، وهو أن يطلب بنتاجها الغنى والعفة، أو يتردد عليها إلي متاجرة ومزارعة، فيكون ستراً له يحجبه عن الفاقة. النواء: المعاداة، يقال: ناوأت الرجل مناوأة ونواء إذا عاديته، كأنه ناء إليك، نؤت إليه من النوء النهوض، كأن كل واحد من المتعاديين ينهض إلي صاحبه بالعداوة.
أقول: وفي قوله: ((كتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات)) مبالغة في اعتداد الثواب؛ لأنه إذا اعتبر ما تستفذره النفوس، وتنفر عنه الطباع، فكيف يغيرها.
وكذا إذا احتسب ما لا نية له فيه، وقد ورد ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) من شربها، فما بال ما إذا قصد الاحتساب فيه؟.
قوله: ((الفاذة الجامعة)) ((نه)): الفاذة: المنفردة في معناها، والواحد فذ. وسميت جامعة لاشتمال اسم الخير علي جميع أنواع الطاعات: فرائضها، ونوافلها، واسم الشر علي ما يقابلها
1774 -
وعنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ آتاهُ اللهُ مالاً فلمْ يُؤَد زّكاتَه، مُثلَ له مالُه يومَ القيامةِ شُجاعاً أقرَعَ له زَبيبتَان، يُطوٌقُ يومَ القيامةِ، ثمَّ يأخذُ بلهزِمتَيه، يعني شدْقَيه، ثمَّ يقولُ: أنا مالُكَ، أنا كنزُكَ)) ثمَّ تَلا: {ولا يحْسَبَنَّ الذينَ يَبْخَلونَ} الآية. رواه البخاري. [1774]
1775 -
وعن أبي ذَر، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:((ما مِنْ رجُلٍ يكونُ له إِبِلٌ أوْ بقرٌ أوْ غَنمٌ لا يُؤدِّي حقَّها؛ إلا أتي بها يومَ القيامةِ أعظم ما يكونُ وأسمنَه، تطَؤهُ بأخفافِها، وتنطَحُه بقُرونِها، كلما جازَتْ أخْراها رُدَّت عليهِ أولاها، حتى يُقضى بينَ النَّاسِ)). متفق عليه. [1775]
1776 -
وعن جرير بن عبد الله، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((إِذا أتاكمُ المصدّقُ، فليصْدُرْ عنكم وهو عَنكم راضِ)) رواه مسلم. [1776]
ــ
من الكفر، والمعاصي.
الحديث الثالث عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((شجاعاً)) ((نه)): الشجاع الحية الذكر. وقيل: الحية مطلقاً، وهو بضم الشين وكسرها، وهو نصب يجرى مجرى المفعول الثاني أي صور ماله شجاعاً، أو ضمن مثل معنى التصيير، أي صير ماله علي صورة الشجاع. والأقرع الذي لا شعر علي رأسه، يريد حية قد تمعط جلد رأسه لكثرة سمه وطول عمره.
((فا)) الزبيبتان: هما النكتتان السوداوان فوق عينيه، وهو أوحش ما يكون من الحيات، وأخبثها. وقيل: هما الزبدتان تكونان في الشدقين إذا غضب. يطوقه، أي يجعل طوقاً في عنقه، فهو تشبيه لذكر المشبه والمشبه به، كأنه قيل: يجعل كالطوق في عنقه. واللهزمة: اللحي وما يتصل به من الحنك. وفسرها في الحديث بالشدق، وهو قريب منه. وقولها:((أنا مالك، أنا كنزك)) إخبار لمزيد الغصة والهم؛ لأنه شر أتاه من حيث كان يرجو خيراً، وفيه نوع
1777 -
وعن عبدِ الله بنِ أبي أوْفي رضي الله عنهما قال: كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا أتاهُ قومٌ بصدَقِتهم قال: ((اللهُمَّ صل علي آلِ فُلانٍ)). فأتاهُ أبي بصدَقِته، فقال:((اللهُمَّ صلِّ علي آل أبي أوفي)) متفق عليه.
1778 -
وعن أبي هريرةَ، قال: بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرَ علي الصَّدَقةِ، فقيل: مَنَع ابنُ جميلٍ، وخالدُ بنُ الوليد، والعبَّاسُ. فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((ما ينقمُ ابنُ جميلٍ إِلا أنَّه كانَ فقيراً فأغْناهُ اللهُ ورسولُه، وأما خالدٌ فإِنَّكم تظلمونَ خالداً، قدِ
ــ
تهكم.
الحديث الرابع، والخامس عن جرير: قوله: ((فليصدر عنكم)) ذكر المسبب وأراد السبب؛ لأنه أمر للمزكى، أي تلقوا العامل بالترحيب، وأدوا زكاة أموالكم تامة. فهذا سبب لصدوره عنهم راضياً. وإنما عدل إلي هذه الصيغة مبالغة في استرضاء المصدق وإن ظلم، كما سيجئ في الفصل الثاني في حديث جرير أيضًا ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم)) *.
الحديث السادس عن عبد الله: قوله: ((صل علي آل فلان)) أي اعطف عليهم بالدعاء لهم وترحم. قيل: لفظ الصلاة لا يجوز أن يدعى به لغير النبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يجوز أن يدعى به للغير سوى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يجوز أن يدعى بمعناه فيقول العامل عند أخذ الصدقة: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله طهوراً، وبارك لك فيما أبقيت؛ ليكون جبراناً لما عسى أن يضطرب ويقلق من إخراج شقيق روحه، فيطمئن به، قال الله تعالي:{وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} والحديث السابق كان توصية للمزكى في تحري رضي الساعي، وهذا الحديث علي العكس.
الحديث السابع عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((ما ينقم)) ((تو)): نقمت علي الرجل، أنقم بالكسر، فأنا ناقم، إذا عبت عليه. قال بعض أصحاب الغريب: معنى الحديث: ما حمله علي منع الزكاة إلا أن أغناه الله ورسوله، وهو تعريض بكفران النعمة، وتقريع بسوء المقابلة، قال تعالي:{وما نقموا منهم إلا ان يؤمنوا} أي ما كرهوا. قيل: وإنما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم الإغناء إلي نفسه أيضا، لأنه صلى الله عليه وسلم كان هو السبب لدخوله في الإسلام والاستحقاق عن الغنائم بما أباح الله تعالي لأمته منها ببركته.
قوله: ((قد احتبسها في سبيل الله)) معناه: أنه احتبسها في سبيل الله، وقصد بإعدادها الجهاد دون التجارة، فلا زكاة فيها، وأنتم تظلمونه بأن تعدونها من عداد عروض التجارة،
احتَبس أدراعَه وأعتُدَه في سبيلِ الله، وأمَّا العبَّاسُ فهي علي َّومثلُها معَها)). ثمَّ قال:((يا عمرُ! أمَا شعْرتَ أنَّ عم الرَّجلِ صنْوُ أبيه)) متفق عليه.
ــ
فتطلبون الزكاة منها، أو هو يتطوع باحتباس الأدراع والأعتد في سبيل الله، فكيف يمنع الزكاة التي هي من فرائض الله المؤكدة؟ فلعلكم تظلمونه، فتطلبون منه أكثر مما هو عليه، فيمتنع عن الإجابة. والأعتد: جمع قلة للعتاد، وهو ما أعده الرجل من السلاح، والدواب، وآلة الحروب، والجمع علي أعتدة أيضًا.
قوله: ((فهي علي ومثلها معها)) أولوه بأنه صلى الله عليه وسلم استسلف منه صدقة عامين: العام الذي شكا فيه العامل، والعام الذي بعده. فهي صدقة السنة الذاهبة، ومثلها صدقة السنة القابلة. وقيل: استمهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، وأخر زكاة ذلك العام والقابل، وتكفل بصدقة العامين جميعاً، ويعضده ما في جامع الأصول: أنه صلى الله عليه وسلم ((أوجبها عليه، وضمنه إياها، ولم يقبضها، وكانت ديناً علي العباس؛ لأنه رأي به حاجة)).
قوله: ((صنو أبيه)) أي مثله، يقال لنخيل خرجت من أصل واحد: صنوان، واحدها صنو. أقول: هذا ما عليه كلام الشارحين، والذي يقتضيه علم المعإني والبيان هو أن الفقرات الثلاث مخرجة علي خلاف مقتضى الظاهر، أما الأولي: ففيها إظهار غضب لرسول الله صلى الله عليه وسلم علي المزكى، والأخيران فيهما إظهار غضبه علي المصدق للمزكى. أما بيان الأول، فإن قوله:((ما ينقم ابن جميل)) إلي آخره من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح، أي لا يكفر نعمة من نعم الإسلام بشيء من الأشياء إلا بأن أغناه الله ورسوله بعد فقرة، فهذا موجب للشكر، فعكس وجعلها موجبة للكفران فيستحق كل الذم، وفي ضده قول ابن الرقيات:
ما نقموا من بني أمية إلا
…
أنهم يحلمون إن غضبوا
وأما بيان الثانية: فإن قوله: ((فإنكم تظلمون خالداً)) من باب وضع المظهر موضع المضمر إشعاراً بالعلية؛ فإن ((خالداً)) هنا تضمن معنى الشجاعة تضمن حاتم الجود، كأنه قيل: تتهمون شجاعاً بإسلامه، والحال أنه حبس ومنع أن يستعمل أدراعه وأعتده إلا في سبيل الله، فمثله لا يتهم بمنع الزكاة؛ فإن الشجاعة والبخل لا يجتمعان في نفس حرة.
وأما الثالثة: فإن قوله: ((علي ومثلها)) يدل علي الغضب، يعني أنا أتكفل عنه ما عليه مع الزيادة؛ ولذلك أتبعه بقوله:((يا عمر! أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه)) يعني أما تنبهت أنه عمي وأبي، فكيف تتهمه بما ينافي حاله لعل له عذراً وأنت تلوم.
وقوله: ((قد احتبسها في سبيل الله)) دل بكنايته وعبارة النص علي أنه دائم المجاهدة في سبيل الله، ولعمري! إن امره وشأنه كان مستمراً عليها؛ فإن نبي الله صلى الله عليه وسلم لم يزل في حياته
1779 -
وعن أبي حُميدٍ الساعدي، قال: استعملَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد، يُقالُ له: ابنُ اللُّتْبية، علي الصدِقة، فلمَّا قدم، قال: هذا لكم، وهذا أُهديَ لي. فخطب النبيُّ صلى الله عليه وسلم فحمدَ اللهَ وأثنىَ عليه، ثمَّ قال: ((أما بعد، فإني أستعملُ رجالاً منكم علي أمورٍ ممَّا ولإني الله، فيأتي أحدُهم فيقولُ: هذا لكم، وهذهِ هديةٌ أهديتْ لي، فهلا جلسَ في بيتِ أبيهِ أمه، فينظُر أيُهدى له أم لا؟! والذي نفسي بيدهِ لا يأخذُ أحدٌ منهُ شيئاً إلَا جاءَ به يومَ القيامةِ يحملهُ علي رقبته، إن كانَ بعيراً له رغاَءٌ
ــ
يبعثه إلي كشف كل غماء، وكذا حاله في زمن العمرين. ودل بصراحة لفظ الاحتباس علي سبيل إشارة النص المسمى بالإدماج علي أنه وقفها في سبيل الله. قيل: وفيه دليل علي وجوب الزكاة في أموال التجارة، وإلا لما اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم عند مطالبة زكاة مال التجارة عن خالد بهذا القول. وقيل: وفيه أيضًا دليل علي جواز احتباس آلات الحروب، ويدخل فيها الخيل والإبل؛ لأنها كلها عتاد للتجارة، وكذا الثياب والبسط، وعلي جواز وقف المنقولات.
الحديث الثامن عن أبي حميد: قوله: ((ابن اللتبية)) ((مح)): اللتبية بضم اللام وإسكان التاء، ومنهم من فتحها. قالوا: وهو خطأ، والأصوب بإسكانها، نسبة إلي بني لتب - قبيلة معروفة - واسم اللتبية هذا عبد الله. وقال ابن الأثير في الجامع: بضم اللام وفتح التاء.
قوله: ((هلا جلس في بيت أمه، أو أبيه)) فيه تعيير له وتحقير لشأنه. ((خط)): فيه دليل علي أن كل أمر يتذرع به إلي محظور فهو محظور، ويدخل في ذلك القرض يجر المنفعة. والدار المرهونة يسكنها المرتهن بلا كراء. والدابة المرهونة يركبها ويرتفق بها من غير عوض، وكل دخيل في العقود ينظر، هل يكون حكمه عند الانفراد كحكمه عند الاقتران أم لا؟ هكذا في شرح السنة، وعليه مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، وفرع علي هذا الأصل في الموطأ أمثلة، منها: أن الرجل يعطي صاحبه الذهب الجيد، ويجعل معه رديئاً، ويأخذ منه ذهباً متوسطاً، مثلاً بمثل، فقال: هذا لا يصلح؛ لأنه أخذ فضل جيده من الرديء، ولولاه لم يبايعه. وهذا تلخيص كلامه.
أقول: فيحمل علي هذا ما استقر في عهدنا، وأفتى به من بيع شيء حقير بثمن ثمين مع استقراض برفع ربحه إلي ذلك الثمن، ومن رهن داراً بمبلغ كثير مع إجازة بشيء قليل. وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنور المعجزة أن بعض أمته يرتكبون هذا المحظور حيث قال:((اللهم هل بلغت – مرتين -)) وسيجيء الكلام فيه في باب الربا.
قوله: ((الرغاء)) ((نه)): الرغاء: صوت الإبل، وقد رغا يرغو رغاء، والخور: صوت البقر، ويقال: يَعرتْ المعزُ تيعَر بالكسر يُعار بالضم أي صاح. والعفرة: بياض ليس بالناصع، ولكن كلون عفر الأرض وهو وجهها.
أو بقراً له خوارٌ، أو شاةٌ تيعر)). ثمَّ رفعَ يديه حتى رأينَا عُفرَتي إِبطيه، ثمَّ قال:((اللهمَّ هل بلغتُ؟ اللهمَّ هل بلغتُ)). متفق عليه. قال الخطَّابي: وفي قولِهِ: ((هلا جلسَ في بيت أمِّه أو أبيه، فينظُرَ أيُهدى إِليه أم لا)) دليلٌ علي أنَّ كلَّ أمرٍ يُتذرِّعُ به إلي محظورٍ فهو محظور، وكلَّ دخيلٍ في العقودٍ يُنظُر: هل يكون حكمُه عند الانفرادِ كحكمهِ عند الاقترانِ أم لا؟ هكذا في ((شرح السُّنَّة)).
1780 -
وعن عَديّ بن عَميرة، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من استَعملناهُ منكُم علي عملٍ فكتَمنَا مخيطاً فما فوقه؛ كان غُلولاً يأتي به يوم القيامة)) رواه مسلم.
الفصل الثاني
1781 -
عن ابن عبَّاس، قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يكنزونَ الذَّهبَ والفضَّة} كبُرَ ذلكَ علي المسلمين. فقالَ عمر: أنا أفَرِّجُ عنكم،، فانطلق فقال: يا نبيَّ الله إِنَّهُ كبُرَ علي أصحابِكَ هذه الآية، فقال: ((إِنَّ اللهَ لم يفرضِ الزكاةَ إِلا ليُطيبَ
ــ
كلون عفر الأرض وهو وجهها.
((مظ)): المعنى: من سرق شيئاً في الدنيا من مال الزكاة أو غيرها يجيء يوم القيامة وهو حامل لما سرق، إن كان حيواناً له صوت رفيع؛ ليعلم أهل العرصات حاله، لتكون فضيحته أشهر. أقول: ذهب إلي أن قوله: ((له رغاء)) جزاء للشرط، وهي جملة اسمية تجب فيها الفاء. وقد تحذف. وأنشد الدار الحديني:
بنىي ثعل لا تنكعوا العنز شربها
…
بني ثعل من ينكع العنز ظالم
أي فهو ظالم، النكع: المنع، والشرب: الحظ من الماء.
الحديث التاسع عن عدى بن عميرة - بفتح العين: قوله: ((مخيطاً)) المخيط بكسر الميم وسكون الخاء، الإبرة، والفاء في ((فما فوقه)) للتعقيب علي التوالي و ((ما فوقه)) يحتمل أن يكون المراد به الأعلي أو الأدون، كما في قوله تعالي {ما بعوضة فما فوقها} .
وإيراد هذا الحديث في باب الزكاة علي سبيل الاستطراد، وذلك لأنه لما ذكر حديث ابن اللتبية، وذكر إنكار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:((فإني أستعمل رجالاً منكم علي أمور مما ولإني الله))
ما بقيَ من أموالكم، وإِنما فرضَ المواريث، وكرَ كلمةً لتكون لمن بعدكم)) فقال: فكبَّر عمر، ثمَّ قال له:((ألا أخبركَ بخيرِ ما يكنزِ المرء؟ المرأةُ الصالحةُ: إِذا نظر إِليها سرَّته، وإِذا أمرَها أطاعتهُ، وإذا غابَ عنها حفظَتهُ)) رواه أبو داود [1781].
ــ
عاماً في أمر الزكاة والغنائم وغيرهما، استتبعه حديث عدى تقريراً وتأكيداً.
الفصل الثاني
الحديث الأول عن ابن عباس رضي الله عنهما: قوله: ((كبر)) ((قض)): أي شق وعظم؛ لأنهم حسبوا أنها تمنع جمع المال وضبطه رأساً، وأن كل من أثل مالا - جل أم قل - فإن الوعيد لاحق به، فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلي أن المراد بالكنز في الآية منع الزكاة وحبسها عن المستحق، لا الجمع وضبط المال مطلقاً.
قوله: ((إلا ليطيب ما بقى)) هو من قوله تعالي: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} ومعنى التطييب أن أداء الزكاة إما أن يحل ما بقى من ماله المخلوط بحق الفقراء، وإما أن يزكيه من تبعة ما لحق به من إثم منع حق الله تعالي. وقوله:((وإنما فرض المواريث، وذكر كلمة لتكون لمن بعدكم)) هذه الزيادة ليست في المصابيح، وهي مثبته في سنن أبي داود معطوفة علي قوله:((إن الله لم يفرض)) كأنه قيل: إن الله لم يفرض الزكاة إلا لكذا، ولم يفرض المواريث إلا لتكون لمن بعدكم. المعنى: لو كان مطلق الجمع وضبطه محظوراً لما افترض الله تعالي الزكاة، ولا الميراث. وقوله:((وذكر كلمة)) من كلام الراوي، أي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة في هذا المقام لم أضبطها.
قوله: ((فكبر عمر)) ((قض)): أي استبشاراً لدفع الحرج، وكشف الحال، ورفع الإشكال.
أقول: في تخصيص لفظ التكبير في هذا المقام دون سائر الأذكار دلالة علي فخامة الأمر، فكما كبر عمر وعظم نزول قوله:((والذين يكنزون الذهب)) الآية، كذلك كبر عند ورود قوله صلى الله عليه وسلم:((إن الله لم يفرض الزكاة)) إلي آخره. استبشاراً.
قوله: ((بخير ما يكنز المرء: المرأة الصالحة)) ((المرأة)) مبتدأ، والجملة الشرطية خبره، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف، والجملة الشرطية بيان. ((قض)): إنه صلى الله عليه وسلم لما بين لهم أنهم لا حرج عليهم في جمع المال وكنزه ما داموا يؤدون الزكاة، ورأي استبشارهم به، رغبهم عنه إلي ما هو خير وأبقى، وهي المرأة الصالحة الجميلة؛ فإن الذهب لا ينفعك إلا بعد الذهاب عنك، وهي ما دامت معك تكون رفيقك تنظر إليها فتسرك، وتقضى عند الحاجة إليها وطرك، وتشاورها فيما يعز لك فتحفظ سرك، وتستخدمها في حوائجك فتطيع أمرك، وإذا غبت عنها تحامى مالك وتراعي عيالك، ولو لم يكن لها إلا أنها تحفظ بذرك وتربي زرعك، فيحصل لك بسببها ولد يكون لك وزيراً في حياتك، وخليفة بعد وفاتك، لكان لها بذلك فضل كثير.
1782 -
وعن جابر بن عَتيك، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتيكم رُكَيْب مبغَّضُون، فإِذا جاءوكم فرحبوا بهم، وخلُّوا بينهُم وبين ما يبتغون، فإِنْ عدَلوا فلأنفُسهِم، وإِنْ ظلمُوا فعليهم، وأرضُوهمْ فإنَّ تمام زكاتكم رضاهم، وليَدعوا لكم)) رواه أبو داود. [1782]
ــ
أقول: هذا كلام حسن، لكن في قوله:((رغبهم عنه إلي ما هو خير)) بحث؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رغبهم عن اقتناء المال رأساً، بل أرشدهم إلي ما هو خير منه في النفع وأصلح لحالهم. وهذه الزيادة من باب الأسلوب الحكيم، وتلقى المخاطب بغير ما يترقب؛ فإن عمر رضي الله عنه ترقب في أمر المال ما يزيل الحرج عن اقتنائه، فتلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بما حصل رضاه، وزاد علي ما توخاه، وقريب منه قوله تعالي:{يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين} الآية. وأما وجه المناسبة بين المال والمرأة فهو تصور الانتفاع من كل منهما، وأنهما نوعا هذا الجنس؛ ولذلك استثنى الله تعالي {من أتى الله بقلب سليم} من قوله:{يوم لا ينفع مال ولا بنون} .
قوله: ((إذا غاب عنها حفظته)) مقابل لقوله: ((إذا نظر إليها سرته))، وقوله:((وإذا أمرها أطاعته)) فإنهما دلا علي حسن خلْقها وخلقها عند الحضور.
الحديث الثاني عن جابر بن عتيك: قوله: ((ركيب مبغضون)) يريد عمال الزكاة. والركيب تصغير ركب، وهو اسم جمع؛ فلذا صغر علي لفظه، وإلا لينبغي أن يقال: رويكبون. ((شف)): جعلهم مبغضين لما في نفوس رباب الأموال من حبها وكراهة فراقها. ((مظ)): معناه: قد يكون بعض العاملين سيئ الخلق متكبراً، فاصبروا علي سوء خلقهم.
أقول: والأول أوجه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((سيأتي ركيب)) لأن فيه إشعاراً بأنهم عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصره شكوى القوم عنهم في الحديث الذي يليه، وهو قولهم:((إن ناساً من المصدقين يأتونا فيظلمونا)) ولا ارتياب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستعمل ظالماً، فالمعنى: أنه سيأتيكم عمالي يطلبون منكم زكاة أموالكم، والنفس مجبولة علي حب المال فتبغضونهم، وتزعمون أنهم
1783 -
وعن جريرِ بن عبدِ الله، قال: جاءَ ناس - يعني من الأعراب - إلي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: إِنَّ ناساً من المصدِّقين يأتونا فيظلمونا. فقال: ((أرضوا مصدِّقَيكم)) قالوا: يا رسولَ اللهِ وإِنْ ظلمونا؟! قال: ((أرضوا مصدِّقيكم وإِنْ ظُلمتُم)) رواه أبو داود. [1783]
1784 -
وعن بشير بنِ الخصاصيَّة، قال: قلنا: إِنَّ أهلَ الصدقِة يعتدونَ علينا، أفنَكتُم من أموالِنا بقدرِ ما يعتدون؟ قال:((لا)) رواه أبو داود.
1785 -
وعن رافعِ بن خديج، قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((العاملُ علي الصدقةِ بالحقِّ كالغازي في سبيل الله حتى يرجعَ إِلي بيتِه)) رواه أبو داود، والترمذي. [1785]
1786 -
وعن عمروِ بنِ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال:((لا جَلَب ولا جَنَب، ولا تُؤخَذُ صدقاتهمِ إِلا في دورِهم)) رواه أبو داود. [1786]
1787 -
وعن ابنِ عمر، قال: قال: رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من استفادَ مالاً فلا زكاةَ فيه حتى يحولَ عليهِ الحول)) رواه الترمذي، وذكر جماعةً أنَّهُم وقَفوهُ علي ابنِ عُمر.
ــ
ظالمون، وليسوا بذلك؛ فقوله:((فإن عدلوا، وإن ظلموا)) مبنى علي هذا الزعم، ولو كانوا ظالمين في الحقيقة، كيف يأمرهم بالدعاء لهم بقوله:((وليدعوا لكم))؟ وعلي هذا قوله في الحديث الآتي: ((أرضوا مصدقيكم وإن ظلمتم))؛ ولأن لفظة ((إن)) الشرطية هنا تدل علي الفرض والتقدير لا علي الحقيقة، ونحوه قوله صلى الله عليه وسلم:((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي)). وأما المظهر لما عمم الحكم في جميع الأزمنة، قال: كيفما يأخذون الزكاة لا تمنعوهم وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفة السلطان؛ لأنهم مأمورون من جهته، ومخالفة السلطان تؤدي إلي الفتنة وثورانها. وفيه بحث؛ لأن العلة لو كانت هي المخالفة لجاز الكتمان، لكنه لم يجز لقوله في الحديث الآتي:((أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون؟ قال: لا)).
الحديث الثالث إلي الخامس عن رافع بن خديج: قوله: ((حتى يرجع)) إذا جعل غاية للمشبه لم يفد فائدة ما؛ لأن وجه التشبيه هو سعي الساعي والغازي في تحصيل بيت المال للمسلمين. وفيه: أن الساعي كالغازي الغانم، وليس كالغازي الشهيد.
الحديث السادس عن عمرو بن شعيب: قوله: ((لا جلب ولا جنب)) ((نه)): الجلب يكون في شيئين، أحدهما في الزكاة، وهو أن يقدم المصدق علي أهل الزكاة، فينزل موضعاً، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهي عن ذلك وأمر أن تؤخذ صدقاتهم
1788 -
وعنِ عليِ رضي الله عنه: أنَّ العباسَّ سألَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم في تعجيل صدقةٍ قبل أن تحُلَّ؛ فرخَّصَ لهُ في ذلك. رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي. [1788]
1789 -
وعن عمرو بنِ شعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خطبَ النَّاس فقال:((ألا من ولي يتيماً لهُ مالٌ فليَتَّجر فيه، ولا يتركْهُ حتى تأكلًه الصدقةُ)). رواه الترمذي، وقالَ في إِسنادهِ مقال؛ لأنَّ المثَّنى بنَ الصباح ضعيف.
ــ
علي مياههم وأماكنهم. الثاني يكون في السياق، وهو أن يتبع الرجل فرسه، فيزجره ويجلب عليه، ويصبح حثاً علي الجري، فنهي عن ذلك. الجنب – بالتحريك - في السباق: أن يجنب فرساً إلي فرسه الذي يسابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلي المجنوب. وفي الزكاة: أن ينزل العامل بأقصى مواضع أصحاب الصدقة يأمر بالأموال أن تجنب إليه أي تحضر، فنهوا عن ذلك. وقيل: هو أن يجنب رب المال بماله، أي يبعده عن موضعه حتى يحتاج العامل إلي الإبعاد في اتباعه وطلبه.
أقول: كلا اللفظين مشتركان في معنى السباق والزكاة، والقرينة لإرادة الثاني قوله:((ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم)) علي سبيل الحصر؛ لأنه كنى به عنهما؛ فإن أخذ الصدقة في دورهم لازم لعدم بعد الساعي عنها، فيجلب إليه، ولعدم بعد المزكي؛ فإنه إذا بعد عنها لم [يؤخذ] فيها.
الحديث السابع عن ابن عمر رضي الله عنهما: قوله: ((وذكر جماعة)) كلام الراوي الترمذي، أي سمي الترمذي جماعة بأسمائهم أنهم وقفوا هذا الحديث عن ابن عمر، أي لم يرفعه ابن عمر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في المتن بل وقفه، وقال:((من استفاد مالا)) الحديث.
الحديث الثامن والتاسع عن عمرو بن شعيب: قوله: ((فليتجر فيه)) والأصل فليتجر به، كقولك: كتبت بالقلم؛ لأنه عدة للتجارة، فجعله ظرفاً للتجارة ومستقرها، كقوله تعالي:{وأصلح لي ذريتي} أي أوقع الصلاح فيهم. وفائدة جعل المال مقراً للتجارة أن لا ينفق من أصل المال، بل يخرج النفقة من الربح، وإليه ينظر قوله تعالي:{ولا تؤتوا السفهاء أموالكم- إلي قوله {وارزقوهم فيها} .
قوله: ((حتى تأكله الصدقة)) أي تنقصه وتفنيه؛ لأن الأكل سبب للإفناء، أو استعارة حيث جعل الصدقة مشابهة للطاعم، ونسب إليها من لوازم المشبه به- وهو الأكل- مبالغة في كمال الإفناء.
قوله: ((المثنى بن الصباح ضعيف)) ((تو)): لأن في روايته تدليساً، وتعمية، وإيهاماً. وذلك: أنه يحتمل أن يروى هو عن شعيب، وشعيب عن أبيه، وهو عن عبد الله جد شعيب، وهو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويحتمل: أن عمراً يرويه عن أبي شعيب وهو عن جده، فلا يكون متصلا.
الفصل الثالث
1790 -
عن أبي هريرة، قال: لمَّا توفيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم واستُخلِفَ أبو بكرٍ بعدَه، وكفرَ من كفرَ من العرب، قالَ عمرُ بن الخطابِ لأبي بكرٍ: كيف تقاتلُ الناسَ وقد قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((أمرتُ أن أقاتلَ النَّاسَ حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله، فمنْ قالَ: لا إِله إلا الله عصَمَ مني مالهُ ونفسَه إِلا بحقهِ وحسابُه علي الله))؟ فقالَ أبو بكر: والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاةِ والزكاةِ، فإنَّ الزكاةَ حقُّ المال، واللهِ لو منعوني عَناقاً كانوا يؤدونها إلي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهُم علي منعِها. قال عمر رضي الله عنه: فو اللهِ ما هو إلا رأيتُ أنَّ الله شرحَ صدرَ أبي بكرٍ للقتالِ، فعرفتُ أنهُ الحق. متفقٌ عليه.
ــ
الفصل الثالث
الحديث الأول عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((كفر من كفر)) يريد غطفان، وفزارة، وبني سليم، وبني يربوع، وبعض بني تميم، وغيرهم منعوا الزكاة، فأراد أبو بكر رضي الله عنه أن يقاتلهم، فاعترض عمر رضي الله عنه بقوله: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إِلا الله))؟.
جعلهم كفاراً إما لأنهم أنكروا وجوب الزكاة، أو أتوا بشبهة في المنع، فيكون تغليظاً. وعمر رضي الله عنه أجراه علي ظاهره، وأنكر علي أبي بكر، قوله:((وحسابه علي الله)) يعني من قال: لا إله إلا الله، وأظهر الإسلام تترك مقاتلته ولا يفتش باطنه هل هو مخلص أم لا فإن ذلك إلي الله تعالي وحسابه عليه.
قوله: ((فإن الزكاة حق المال)) هذا الرد يدل علي أن عمر رضي الله عنه حمل الحق في قوله: ((عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه)) علي غير الزكاة، وإلا لم يقم استشهاد عمر رضي الله عنه بالحديث علي منع المقاتلة، ولا رد أبي أبكر رضي الله عنه بقوله:((فإن الزكاة حق المال))، أو يقال: إن عمر ظن أن المقاتلة مع القوم إنما كانت لكفرهم لا للمنع، فاستشهد بالحديث، وأجابه أبو بكر بإني لم أقاتلهم لكفرهم، بل لمنعهم الزكاة. ويعضد هذا الوجه قوله:((كفر من كفر)). ((مح)): العناق: الأنثى من ولد المعز، ذكره مبالغة.
قوله: ((وفي رواية: عقالا)) وذكروا فيه وجوهاً، أصحها وأقواها قول صاحب التحرير علي أنه ورد مبالغة؛ لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد، فيقتضي قلة وحقارة.
قوله: ((ما هو إلا رأيت)) المستثنى منه غير مذكور، أي ليس الأمر شيئاً من الأشياء إلا علمي
1791 -
وعنه، قال: قالَ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((يكونُ كنز أحدِكم يوم القيامةِ شُجاعاً أقرعَ يفرُّ منهُ صاحبهُ وهو يطلبه حتى يلقِمَهُ أصابعَه)) رواه أحمد.
1792 -
وعن ابنِ مسعودٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((ما من رجُلٍ لا يُؤدِّي زكاةَ ماله إلا جعل اللهُ يومَ القيامةِ في عنقهِ شجاعاً)) ثمَّ قرأ علينا مصداقَهُ من كتابِ اللهِ: {ولا يَحسبنَّ الذين يبخلونَ بما آتاهم اللهُ من فضله} الآية. رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه [1792].
1793 -
وعن عائشةَ، قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما خالطتِ الزَّكاةُ مالاً قطُّ إِلا أهلكته)). رواه الشافعي، والبخاري في تاريخهِ، والحميدي وزاد قال: يكونُ قد وجبَ عليكَ صدقةٌ، فلا تخرجُها، فيهلك الحرامُ الحلاًل. وقد احتجَّ به من يرى تعلُّقَ الزكاةِ بالعين، هكذا في ((المنتقى)). [1793]
وروى البيهقي في ((شعب الإيمان)) عن أحمد بنِ حنبل، بإسنادهِ إِلي عائشة. وقال أحمد في ((خالطت)): تفسيرهُ أنَّ الرَّجلَ يأخذُ الزكاةَ وهو موسرٌ أو غنيُّ، وإِنَّما هي للفقراء.
ــ
بأن أبا بكر محق، ونحوه قوله تعالي:((ما هي إلا حياتنا الدنيا)) ((هي)) ضمير مبهم يفسره ما بعده.
الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((حتى يلقمه أصابعه)) ذكر فيما تقدم في حديث أبي هريرة أن الشجاع يأخذ بلهزمتيه، أي شدقيه، وخص هنا بإلقام الأصابع، لعل السر فيه: أن المانع يكتسب المال بيديه ويفتخر بشدقيه، فخصا بالذكر، أو أن البخيل قد يوصف بقبض اليد، قالوا: يد فلان مقبوضة، وأصابعه مكفوفة، كما أن الجواد يوصف ببسطها. قال الشاعر:
تعود بسط الكف حتى لو أنه
…
ثناها لقبض لم تطعه أنامله
الحديث الثالث، والرابع عن عائشة رضي الله عنها: قوله: ((إلا أهلكته)) يحتمل محقته، واستأصلته؛ لأن الزكاة كانت حصناً له، أو أخرجته من كونه منتفعاً به؛ لأن الحرام غير منتفع به شرعاً، وإليه أشار بقوله:((فيهلك الحرام الحلال)).
قوله: ((تفسيره: أن الرجل)) إلي آخره مقول قول أحمد رضي الله عنه. فإن قلت: هذا ظاهر