الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الرُّومِ، فَقَالَ: إِلَى عِنْدِ مَنْ تَذْهَبُ أَحْرَزُ مِنْ حِصْنِي وَأَنَا غُلَامُكَ وَفِي خِدْمَتِكَ؟ وَمَا زَالَ بِهِ حَتَّى خَدَعَهُ وَأَخَذَهُ مَعَهُ إِلَى الْحِصْنِ فَأَنْزَلَهُ عِنْدَهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ النَّفَقَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالتُّحَفَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى الْأَفْشِينِ يُعْلِمُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرَيْنِ لِقَبْضِهِ، فَنَزَلَا قَرِيبًا مِنَ الْحِصْنِ وَكَتَبَا إِلَى ابْنِ سُنْبَاطٍ فَقَالَ: أَقِيمَا مَكَانَكُمَا حَتَّى يَأْتِيَكُمَا أَمْرِي. ثُمَّ قَالَ لِبَابَكَ: إنه قد حصل لك هم وَضِيقٌ مِنْ هَذَا الْحِصْنِ وَقَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْخُرُوجِ الْيَوْمَ إِلَى الصَّيْدِ وَمَعَنَا بُزَاةٌ وَكِلَابٌ، فان أحببت أن تخرج معنا لتشرح صدرك وتذهب همك فافعل. قَالَ: نَعَمْ! فَخَرَجُوا وَبَعَثَ ابْنُ سُنْبَاطٍ إِلَى الأميرين أن كونوا مكان كذا وكذا في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانا بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَقْبَلَ الْأَمِيرَانِ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الجنود فأحاطوا ببابك وهرب ابن سُنْبَاطٍ، فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: تَرَجَّلْ عَنْ دَابَّتِكَ، فَقَالَ: وَمَنْ أَنْتُمَا؟ فَذَكَرَا أَنَّهُمَا مِنْ عِنْدِ الْأَفْشِينِ، فَتَرَجَّلَ حِينَئِذٍ عَنْ دَابَّتِهِ وعليه دراعة بَيْضَاءُ وَخُفٌّ قَصِيرٌ وَفِي يَدِهِ بَازٌ، فَنَظَرَ إِلَى ابْنِ سُنْبَاطٍ فَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ فَهَلَّا طلبت منى من المال ما شئت كنت أَعْطَيْتُكَ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْطِيكَ هَؤُلَاءِ! ثُمَّ أَرْكَبُوهُ وأخذوه معهما إلى الأفشين، فلما اقتربوا منه خَرَجَ فَتَلَقَّاهُ وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَصْطَفُّوا صَفَّيْنِ، وأمر بابك أن يترجل فَيَدْخُلَ بَيْنَ النَّاسِ وَهُوَ مَاشٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا جِدًّا. وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَوَّالٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. ثُمَّ احْتَفَظَ بِهِ وسجنه عنده. ثم كتب الأفشين إلى المعتصم بذلك فأمره أن يقدم به وبأخيه، وكان قد مسكه أيضا، وكان اسم أخى بابك عبد الله، فتجهز الأفشين بِهِمَا إِلَى بَغْدَادَ فِي تَمَامِ هَذِهِ السَّنَةِ ففرغت ولم يصل بهما إلى بغداد. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره في التي قبلها.
وَفِيهَا تُوُفِّيَ أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ. وعمر بن حفص بن عياش. وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. وَيَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ
.
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ
فِي يوم الخميس ثالث صفر منها دخل الأفشين وصحبته بابك على المعتصم سامرا، ومعه أيضا أخو بابك فِي تَجَمُّلٍ عَظِيمٍ، وَقَدْ أَمَرَ الْمُعْتَصِمُ ابْنَهُ هَارُونَ الْوَاثِقَ أَنْ يَتَلَقَّى الْأَفْشِينَ وَكَانَتْ أَخْبَارُهُ تَفِدُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ شِدَّةِ اعْتِنَاءِ الْمُعْتَصِمِ بِأَمْرِ بَابَكَ، وَقَدْ رَكِبَ الْمُعْتَصِمُ قَبْلَ وُصُولِ بَابَكَ بِيَوْمَيْنِ عَلَى الْبَرِيدِ حَتَّى دَخَلَ إِلَى بَابَكَ وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ دُخُولِهِ عَلَيْهِ تَأَهَّبَ الْمُعْتَصِمُ وَاصْطَفَّ النَّاسُ سِمَاطَيْنِ وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أَمْرُهُ وَيَعْرِفُوهُ، وَعَلَيْهِ قَبَاءُ دِيبَاجٍ وَقَلَنْسُوَةُ سَمُّورٍ مدورة، وقد هيئوا الفيل وخضبوا أطرافه ولبسوه من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئا كَثِيرًا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ بَعْضُهُمْ:
قَدْ خُضِّبَ الْفِيلُ كَعَادَاتِهِ
…
يَحْمِلُ شَيْطَانَ خُرَاسَانَ
وَالْفِيلُ لَا تُخَضَّبُ أَعْضَاؤُهُ
…
إِلَّا لِذِي شَأْنٍ مِنَ الشَّانِ
وَلَمَّا أُحْضِرَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُعْتَصِمِ أَمَرَ بِقَطْعِ يديه ورجليه وجز رَأْسِهِ وَشِقِّ بَطْنِهِ، ثُمَّ أَمَرَ بِحَمْلِ رَأْسِهِ إِلَى خُرَاسَانَ وَصَلْبِ جُثَّتِهِ عَلَى خَشَبَةٍ بِسَامَرَّا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قَتْلِهِ وَهِيَ لَيْلَةُ الْخَمِيسِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ هَذَا الْمَلْعُونُ قَدْ قَتَلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مدة ظهوره- وَهِيَ عِشْرُونَ سَنَةً- مِائَتَيْ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَخَمْسِينَ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةِ إِنْسَانٍ- قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ- وَأَسَرَ خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحوا مِنْ سَبْعَةِ آلَافٍ وَسِتِّمِائَةِ إِنْسَانٍ، وَأَسَرَ مِنْ أَوْلَادِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَمِنْ حَلَائِلِهِ وَحَلَائِلِ أولاده ثلاثة وَعِشْرِينَ امْرَأَةً مِنَ الْخَوَاتِينِ، وَقَدْ كَانَ أَصْلُ بابك من جَارِيَةٍ زَرِيَّةِ الشَّكْلِ جِدًّا، فَآلَ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَا آلَ بِهِ إِلَيْهِ، ثُمَّ أَرَاحَ الله المسلمين من شره بعد ما افْتَتَنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ مِنَ العوام الطَّغَامِ.
وَلَمَّا قَتَلَهُ الْمُعْتَصِمُ تَوَّجَ الْأَفْشِينَ وَقَلَّدَهُ وِشَاحَيْنِ مِنْ جَوْهَرٍ، وَأَطْلَقَ لَهُ عِشْرِينَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَكَتَبَ لَهُ بِوِلَايَةِ السِّنْدِ، وَأَمَرَ الشُّعَرَاءَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ فَيَمْدَحُوهُ عَلَى مَا فَعَلَ مِنَ الْخَيْرِ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَلَى تَخْرِيبِهِ بلاد بَابَكَ الَّتِي يُقَالُ لَهَا الْبَذُّ وَتَرْكِهِ إِيَّاهَا قيعانا خَرَابًا. فَقَالُوا فِي ذَلِكَ فَأَحْسَنُوا، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ أَبُو تَمَامٍ الطَّائِيُّ وَقَدْ أَوْرَدَ قَصِيدَتَهُ بتمامها ابن جرير وهي قوله:
بذ الجلاد البذّ فهو دفين
…
ما إن بها إِلَّا الْوُحُوشَ قَطِينُ
لَمْ يُقْرَ هَذَا السَّيْفُ هَذَا الصَّبْرَ فِي
…
هَيْجَاءَ إِلَّا عَزَّ هَذَا الدين
قد كان عذرة سودد فَافْتَضَّهَا
…
بِالسَّيْفِ فَحْلُ الْمَشرِقِ الْأَفْشِينُ
فَأَعَادَهَا تَعْوِي الثَّعَالِبُ وَسْطَهَا
…
وَلَقَدْ تُرَى بِالْأَمْسِ وَهِيَ عَرِينُ
هَطَلَتْ عَلَيْهَا مِنْ جَمَاجِمِ أَهْلِهَا
…
دِيَمٌ أَمَارَتْهَا طلى وشئون
كانت من المهجات قبل مفازة
…
عسرا فأضحت وَهِيَ مِنْهُ مَعِينُ
وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ- أَعْنِي سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ- أَوْقَعَ مَلِكُ الرُّومِ توفى بن ميخائيل بِأَهْلِ مَلَطْيَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَمَا وَالَاهَا مَلْحَمَةً عظيمة، قتل فيها خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَسَرَ مَا لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أَسَرَ أَلْفَ امْرَأَةٍ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ. وَمَثَّلَ بِمَنْ وَقَعَ في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ قَبَّحَهُ اللَّهُ. وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أن بابك لما أحيط به في مدينة البذ استوسقت الجيوش حوله وكتب إِلَى مَلِكِ الرُّومِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّ مِلْكَ الْعَرَبِ قَدْ جَهَّزَ إِلَيَّ جُمْهُورَ جَيْشِهِ وَلَمْ يُبْقِ فِي أَطْرَافِ بِلَادِهِ مَنْ يَحْفَظُهَا، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْغَنِيمَةَ فَانْهَضْ سَرِيعًا إِلَى مَا حَوْلَكَ مِنْ بِلَادِهِ فَخُذْهَا فَإِنَّكَ لَا تَجِدُ أحدا يمانعك عنها. فركب توفيل بمائة أَلْفٍ وَانْضَافَ إِلَيْهِ الْمُحَمِّرَةُ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ خَرَجُوا فِي الْجِبَالِ وَقَاتَلَهُمْ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بن مصعب، فلم يقدر عليهم لأنهم تحصنوا بِتِلْكَ الْجِبَالِ فَلَمَّا قَدِمَ مَلِكُ الرُّومِ صَارُوا معه على المسلمين فوصلوا إلى ملطية فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا