الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ضربه بين يديه مِائَةً وَخَمْسِينَ سَوْطًا، مِنْهَا ثَلَاثُونَ فَوْقَ رَأْسِهِ، أَصَابَ أَحَدُّهَا عَيْنَهُ فَسَالَتْ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ وَقَدْ بَقِيَ كَأَنَّهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ مِنْ زُرْقَةِ الضَّرْبِ، وَتَرَاكُمِ الدِّمَاءِ فَوْقَ جِلْدِهِ، فَأُجْلِسَ إِلَى جَانِبِ أَخِيهِ لِأُمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حسن، فاستسقى ماء فَمَا جَسَرَ أَحَدٌ أَنْ يَسْقِيَهُ حَتَّى سَقَاهُ خُرَاسَانِيٌّ مِنْ جُمْلَةِ الْجَلَاوِزَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِهِمْ. ثُمَّ ركب المنصور هَوْدَجِهِ وَأَرْكَبُوا أُولَئِكَ فِي مُحَامِلَ ضَيِّقَةٍ، وَعَلَيْهِمُ الْقُيُودُ وَالْأَغْلَالُ، فَاجْتَازَ بِهِمُ الْمَنْصُورُ وَهُوَ فِي هَوْدَجِهِ، فَنَادَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ: وَاللَّهِ يا أبا جعفر ما هكذا صنعنا بأسرائكم يوم بدر، فأخسا ذلك المنصور وثقل عَلَيْهِ وَنَفَرَ عَنْهُمْ. وَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى الْعِرَاقِ حُبِسُوا بِالْهَاشِمِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حسن، وكان جميلا فتيا، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حسنه وجماله. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الدِّيبَاجُ الْأَصْفَرُ، فَأَحْضَرَهُ الْمَنْصُورُ بين يديه وقال له:
أما لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا. ثُمَّ أَلْقَاهُ بَيْنَ أُسْطُوَانَتَيْنِ وَسَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى مات. فعلى المنصور ما يستحقه من عذاب الله ولعنته. وَقَدْ هَلَكَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي السِّجْنِ حَتَّى فرج عنهم بعد هلاك المنصور عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ. فَكَانَ فِيمَنْ هَلَكَ فِي السجن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنِ بْنِ على بن أبى طالب، وقد قيل والأظهر أنه قتل صبرا، وأخوه إبراهيم بن الحسن وغيرهما، وَقَلَّ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مِنَ الْحَبْسِ، وَقَدْ جعلهم المنصور في سجن لا يسمعون فيه أذانا، ولا يعرفون فيه وقت صلاة إِلَّا بِالتِّلَاوَةِ، ثُمَّ بَعَثَ أَهْلُ خُرَاسَانَ يَشْفَعُونَ فِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعُثْمَانِيِّ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ وَأَرْسَلَ بِرَأْسِهِ إِلَى أَهْلِ خراسان، لا جزاه الله خيرا، ورحم الله محمد بن عبد الله العثماني.
وَهُوَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عفان الأموي رحمه الله، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالدِّيبَاجِ، لِحُسْنِ وَجْهِهِ. وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، رَوَى الْحَدِيثَ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَخَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ وَطَاوُسٍ وَأَبِي الزِّنَادِ وَالزُّهْرِيِّ وَنَافِعٍ وَغَيْرِهِمْ، وحدث عنه جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان، وَكَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ رُقَيَّةُ زَوْجَةَ ابْنِ أَخِيهِ إِبْرَاهِيمَ بن عبد الله، وكانت من أحسن النساء، وَبِسَبَبِهَا قَتَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ. وَكَانَ كَرِيمًا جَوَادًا مُمَدَّحًا. قَالَ الزُّبَيْرُ بن بكار: أنشدنى سليمان بن عباس السعدي لأبى وجرة السعدي يمدحه.
وجدنا المحض الّا بيض مِنْ قُرَيْشٍ
…
فَتًى بَيْنَ الْخَلِيفَةِ وَالرَّسُولِ
أَتَاكَ المجد من هنا وهناك
…
وَكُنْتَ لَهُ بِمُعْتَلَجِ السُّيُولِ
فَمَا لِلْمَجْدِ دُونَكَ مِنْ مَبِيتٍ
…
وَمَا لِلْمَجْدِ دُونَكَ مِنْ مَقِيلِ
ولا يمضى وراءك يبتغيه
…
ولا هُوَ قَابِلٌ بِكَ مِنْ بَدِيلِ
ثُمَّ دَخَلَتْ سنة خمس وأربعين ومائة
فَمِمَّا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ مَخْرَجُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ وَأَخِيهِ إبراهيم بالبصرة،
على ما سنبينه إن شاء الله. أَمَّا مُحَمَّدٌ فَإِنَّهُ خَرَجَ عَلَى إِثْرِ ذَهَابِ أبى جعفر المنصور بأهله بنى حَسَنٍ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْعِرَاقِ عَلَى الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَسَجَنَهُمْ فِي مَكَانٍ ساء مستقرا ومقاما، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالأذكار والتلاوة. وَقَدْ مَاتَ أَكْثَرُ أَكَابِرِهِمْ هُنَالِكَ رحمهم الله. هذا كله ومحمد الّذي يطلبه مُخْتَفٍ بِالْمَدِينَةِ، حَتَّى إِنَّهُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ اختفى في بئر نزل في مائة كله إلا رَأْسِهِ، وَبَاقِيهِ مَغْمُورٌ بِالْمَاءِ، وَقَدْ تَوَاعَدَ هُوَ وأخوه وقتا معينا يظهران فيه، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزل الناس- أهل المدينة وغيرهم- يُؤَنِّبُونَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي اخْتِفَائِهِ وَعَدَمِ ظُهُورِهِ حَتَّى عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ، وَذَلِكَ لما أضرّ به شدة الاختفاء وكثرة إِلْحَاحِ رِيَاحٍ نَائِبِ الْمَدِينَةِ فِي طَلَبِهِ لَيْلًا ونهارا، فلما اشتد به الأمر وضاق الحال واعد أَصْحَابَهُ عَلَى الظُّهُورِ فِي اللَّيْلَةِ الْفُلَانِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ جَاءَ بَعْضُ الْوُشَاةِ إِلَى متولى المدينة فأعلمه بذلك، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا، وركب في جحافلة فطاف بالمدينة وحول دار مروان، وهم مجتمعون بها، فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بَعَثَ إِلَى بَنِي حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ فَجَمَعَهُمْ وَمَعَهُمْ رُءُوسٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، فَوَعَظَهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَتَطَلَّبُ هَذَا الرَّجُلَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ وهو بين أظهركم، ثم ما كفاكم حَتَّى بَايَعْتُمُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ؟ وَاللَّهِ لَا يبلغني عن أحد منكم خَرَجَ مَعَهُ إِلَّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. فَأَنْكَرَ الَّذِينَ هم هنالك حاضرون أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ أَوْ شُعُورٌ بِشَيْءٍ من هذا، وقالوا: نحن نأتيك برجال مسلحين يُقَاتِلُونَ دُونَكَ إِنْ وَقَعَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.
فنهضوا فجاءوه بجماعة مسلحين فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا إِذَنْ لَهُمْ، إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَدِيعَةً. فَجَلَسَ أُولَئِكَ عَلَى الْبَابِ وَمَكَثَ النَّاسُ جُلُوسًا حَوْلَ الْأَمِيرِ وَهُوَ وَاجِمٌ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ مَا فُجِئَ النَّاسُ إِلَّا وَأَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ ظَهَرُوا وَأَعْلَنُوا بِالتَّكْبِيرِ، فَانْزَعَجَ الناس في جوف الليل، وأشار بعض الناس على الأمير أن يضرب أعناق بنى حسين، فقال أحدهم: علام ونحن مقرون بالطاعة؟ وَاشْتَغَلَ الْأَمِيرُ عَنْهُمْ بِمَا فَجَأَهُ مِنَ الْأَمْرِ، فَاغْتَنَمُوا الْغَفْلَةَ وَنَهَضُوا سِرَاعًا فَتَسَوَّرُوا جِدَارَ الدَّارِ وَأَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ عَلَى كُنَاسَةٍ هُنَالِكَ.
وَأَقْبَلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ فِي مِائَتَيْنِ وخمسين، فَمَرَّ بِالسِّجْنِ فَأَخْرَجَ مَنْ فِيهِ، وَجَاءَ دَارَ الامارة فحاصرها فافتتحها ومسك الأمير رِيَاحِ بْنِ عُثْمَانَ نَائِبِ الْمَدِينَةِ فَسَجَنَهُ فِي دَارِ مَرْوَانَ، وَسَجَنَ مَعَهُ ابْنَ مُسْلِمِ بْنِ عُقْبَةَ، وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ بِقَتْلِ بَنِي حُسَيْنٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَنَجَوْا وَأُحِيطَ بِهِ. وأصبح مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ وَقَدِ اسْتَظْهَرَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَدَانَ لَهُ أَهْلُهَا، فَصَلَّى بالناس الصبح وقرأ فيها سورة إنا فتحنا لك فتحا مبينا. وَأَسْفَرَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةُ عَنْ مُسْتَهَلِّ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَقَدْ خَطَبَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله أَهْلَ الْمَدِينَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَتَكَلَّمَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ وَذَكَرَ عَنْهُمْ أَشْيَاءَ ذَمَّهُمْ
بها، وأخبرهم أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَدًا مِنَ الْبُلْدَانِ إِلَّا وقد بَايَعُوهُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَبَايَعَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ كُلُّهُمْ إِلَّا الْقَلِيلَ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عن الامام مالك أنه أفتى الناس بمبايعته، فقيل له فان في أعناقنا بيعة للمنصور، فَقَالَ: إِنَّمَا كُنْتُمْ مُكْرَهِينَ وَلَيْسَ لِمُكْرَهٍ بَيْعَةٌ. فَبَايَعَهُ النَّاسُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَزِمَ مَالِكٌ بَيْتَهُ. وَقَدْ قَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ حِينَ دَعَاهُ إِلَى بَيْعَتِهِ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ مَقْتُولٌ. فَارْتَدَعَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ جُمْهُورُهُمْ مَعَهُ، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَلَى قَضَائِهَا عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّ، وَعَلَى شُرْطَتِهَا عثمان بن عبد الله ابن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَلَى دِيوَانِ الْعَطَاءِ عَبْدَ الله بن جعفر بن عبد الله بن مسور بْنِ مَخْرَمَةَ، وَتَلَقَّبَ بِالْمَهْدِيِّ طَمَعًا أَنْ يَكُونَ هو المذكور في الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا ما تمناه، فانا للَّه.
وقد ارتحل بعض أهل المدينة عنها ليلة دخلها، فَطَوَى الْمَرَاحِلَ الْبَعِيدَةَ إِلَى الْمَنْصُورِ فِي سَبْعِ لَيَالٍ، فَوَرَدَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا فِي اللَّيْلِ، فقال للربيع الحاجب: استأذن عَلَى الْخَلِيفَةِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا يُوقَظُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ. فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ الْخَلِيفَةَ فَخَرَجَ فَقَالَ: وَيْحَكَ! مَا وَرَاءَكَ؟ فَقَالَ:
إِنَّهُ خَرَجَ ابْنُ حَسَنٍ بِالْمَدِينَةِ. فلم يظهر المنصور لذلك اكتراثا وانزعاجا، بَلْ قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قَالَ:
نَعَمْ! فَقَالَ: هلك والله وأهلك معه مَنِ اتَّبَعَهُ. ثُمَّ أَمَرَ بِالرَّجُلِ فَسُجِنَ، ثُمَّ جاءت الأخبار بذلك فتواترت، فَأَطْلَقَهُ الْمَنْصُورُ وَأَطْلَقَ لَهُ عَنْ كُلِّ لَيْلَةٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَعْطَاهُ سَبْعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ.
وَلَمَّا تَحَقَّقَ الْمَنْصُورُ الْأَمْرَ مِنْ خُرُوجِهِ ضَاقَ ذَرْعًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُنَجِّمِينَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لا عليك منه، فو الله لَوْ مَلَكَ الْأَرْضَ بِحَذَافِيرِهَا فَإِنَّهُ لَا يُقِيمُ أكثر من سبعين يوما. ثم أمر المنصور جَمِيعَ رُءُوسِ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى السِّجْنِ فيجتمعوا بعبد الله بن حسن- والد محمد- فيخبروه بما وقع من خروج ولده وَيَسْمَعُوا مَا يَقُولُ لَهُمْ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ ابْنَ سَلَامَةَ فاعلا؟ - يعنى المنصور- فقالوا: لَا نَدْرِي. فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَتَلَ صَاحِبَكُمُ الْبُخْلُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنْفِقَ الْأَمْوَالَ وَيَسْتَخْدِمَ الرجال، فان ظهر فاسترجاع ما أنفق سَهْلٌ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِكُمْ شَيْءٌ فِي الخزائن وكان ما خزن لغيره. فَرَجَعُوا إِلَى الْخَلِيفَةِ فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، وَأَشَارَ النَّاسُ على الخليفة بمناجزته، فاستدعى عِيسَى بْنَ مُوسَى فَنَدَبَهُ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: إِنِّي سَأَكْتُبُ إِلَيْهِ كِتَابًا أُنْذِرُهُ بِهِ قَبْلَ قِتَالِهِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ 1: 1! مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عَبْدِ اللَّهِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الْأَرْضِ فَساداً 5: 33 الآية، إلى قوله فَاعْلَمُوا أَنَّ الله غَفُورٌ رَحِيمٌ 5: 34 ثُمَّ قَالَ: فَلَكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ وَذِمَّتُهُ وذمة رسوله، إن أنت رجعت إِلَى الطَّاعَةِ لَأُؤَمِّنَنَّكَ
وَمَنِ اتَّبَعَكَ، وَلَأُعْطِيَنَّكَ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَأَدَعَنَّكَ تقيم في أحب البلاد إليك، ولأقضين لك جَمِيعَ حَوَائِجِكَ، فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ محمد جواب كتابه:
من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن. بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ 28: 0- 5 ثُمَّ قَالَ: وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ مِنَ الْأَمَانِ مِثْلَ مَا عَرَضْتَ عَلَيَّ، فَأَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ إِنَّمَا وَصَلْتُمْ إِلَيْهِ بِنَا، فَإِنَّ عَلِيًّا كَانَ الْوَصِيَّ وَكَانَ الْإِمَامَ، فَكَيْفَ وَرَثْتُمْ وِلَايَتَهُ وَوَلَدُهُ أَحْيَاءٌ؟ وَنَحْنُ أَشْرَفُ أَهْلِ الأرض نسبا، فرسول الله خَيْرُ النَّاسِ وَهُوَ جَدُّنَا، وَجَدَّتُنَا خَدِيجَةُ وَهِيَ أفضل زوجاته، وفاطمة ابنته أُمُّنَا وَهِيَ أَكْرَمُ بَنَاتِهِ، وَإِنَّ هَاشِمًا وَلَدَ عَلِيًّا مَرَّتَيْنِ، وَإِنَّ حَسَنًا وَلَدَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ وَأَخُوهُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وُلِدَ أبى مرتين، وإني أوسط بنى هاشم نسبا، [وأصرحهم أبا، لم تعرّق فىّ العجم. ولم تنازع فىّ أمهات الأولاد][1] فَأَنَا ابْنُ أَرْفَعِ النَّاسِ دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ، وَأَخَفِّهِمْ عَذَابًا فِي النَّارِ. فَأَنَا أَوْلَى بِالْأَمْرِ منك، وأولى بالعهد وأو في به منك، فإنك تعطى العهد ثم تنكث ولا تفي، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به، ولا أشد عذابا من إمام غادر، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن على، وأبى مسلم الخراساني. [ولو أعلم أنك تصدق لأجبتك لما دعوتني إليه، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام][2] .
فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَبُو جَعْفَرٍ جَوَابَ ذَلِكَ فِي كتاب طويل حاصله: أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جل فخرك وإدلالك قرابة النِّسَاءِ لِتُضِلَّ بِهِ الْجُفَاةَ وَالْغَوْغَاءَ، وَلَمْ يَجْعَلِ الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء، وقد أنزل الله وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ 26: 214 وَكَانَ لَهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعَةُ أَعْمَامٍ، فَاسْتَجَابَ لَهُ اثنان أحدهما جدنا، وكفر اثنان أحدهما أبوك- يعنى جده أبا طالب- فَقَطَعَ اللَّهُ وِلَايَتَهُمَا مِنْهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُمَا إلّا ولا ذمة، وقد أنزل الله فِي عَدَمِ إِسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي من يَشاءُ 28: 56 وقد فخرت به وأنه أَخَفُّ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا، وَلَيْسَ فِي الشَّرِّ خيار، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بِأَهْلِ النَّارِ، وَفَخَرْتَ بِأَنَّ عَلِيًّا وَلَدَهُ هَاشِمٌ مرتين. وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا ولده عبد الله مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَوْلُكَ إِنَّكَ لَمْ تَلِدْكَ أُمَّهَاتُ أولاد، فهذا إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَارِيَةَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ مِنْ أُمِّ وَلَدٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَكَذَلِكَ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَابْنُهُ جَعْفَرُ بن محمد، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك،
[1] زيادة من الطبري جئنا بها للمناسبة.
[2]
سقط من المصرية.