الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
هذه دراسة لحياة وآثار شخصية نابضة من شخصيات العالم الإسلامي في عصور الانحطاط، وهو عبد الكريم الفكون، الملقب بشيخ الإسلام. فقد عاش خلال القرن الحادي عشر (17 م) في الوقت الذي اشتدت فيه القطيعة بين العالم الإسلامي الجامد والعالم الأوروبي المتحرك، وازدهر فيه التصوف المزعوم والدروشة والأمية والتخلف العقلي في المجتمعات الإسلامية، وكثر فيه أدعياء العلم من الفئة التي كانت تسمي نفسها حامية الشريعة، ومصابيح الظلام، وهي فئة الفقهاء أو المتفقهين، واستولى فيه على مقاليد السلطة حكام جهلة وطغاة وغرباء عن حاجات وأحاسيس المجتمعات الإسلامية التي يحكمونها، وعشش أثناءه الفكر الخرافي حتى كاد المجتمع كله يصبح زاوية صوفية تشيع فيها الحضرة والرقص العصبي والإيمان بالغيبيات والروحانيات.
في هذا الجو ظهر شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون، فحمل معول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاهد في سبيل
الرجوع إلى الدين الصحيح، ونادى بالعمل بالعلم والتعمق فيه وفهم الحياة فهما عقليا، وكشف أحوال المتاجرين باسم التصوف، الصائدين في الماء العكر، أولئك الذين لا هم لهم إلا ملء الجيوب والبطون، وتكثير الأتباع والخدم، عن طريق تضليل عقول العامة والتواطىء مع الخاصة ونصرة الظلمة والمستبدين، وكان الفكون يقوم بهذه الحملة بالدرس في المسجد، والتأليف والمراسلة، والإفتاء.
وقد ناله من ذلك الأذى الكبير، وقلته، كما قال، القلوب والعيون، وتآمر عليه المتآمرون. ولكنه صمد وواجه، لأنه كان يعتبر ذلك من الجهاد في سبيل الله. ومن الآثار التي تركها في هذا الغرض عدة تآليف ورسائل، بعضها ما يزال، لحسن الحظ، موجودا، وبعضها أصبح في حكم المفقود. وقد اطلعنا على بعض هذه الآثار، مثل (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) و (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)، ومثل رسائله إلى بعض الأصدقاء المعاصرين له، كما اطلعنا على جزء من ديوانه في المديح النبوي، ونسخة من كتابه في علم الصرف. وكل هذه الآثار تدل على أن الرجل كان يناضل وحده ضد قوى الشر والجمود والطغيان. ومن المفيد أن يقارن الباحثون بين آرائه وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر بعد الفكون بحوالي قرن، وآراء دعاة التجديد واليقظة الإسلامية أمثال محمد بن العنابي ورفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بعد حوالي قرنين.
ولقد قسمنا عملنا هذا إلى أربعة فصول تناولنا فيها حياته وفكره وآثاره، وختمنا دراستنا هذه بنصوص من الفكون نفسه ومن مراسلات الغير معه. ولا شك أن ما ذكرناه لا يعدو أن يكون غيضا من فيض، وأن آثار الفكون التي نفهم منها دوره السياسي والاجتماعي والإصلاحي والفكري ما تزال مبعثرة. وقد كنا جمعنا مادة هذه الدراسة منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن الوقت لم يكن مساعدا لصياغتها وتقديمها للقراء إلا خلال الصيف الماضي (1985). وعسى أن يكون ما قمنا به مفيدا للجيل العربي المسلم الذي يبحث الآن عن البدائل الذاتية في مواجهة مغريات الحضارات الأخرى. ولعلي لا أبوح سرا عندما أقول إن دافعي الأساسي من نشر حياة الفكون إنما هو خدمة الأجيال العربية الإسلامية الصاعدة التي ستجد فيها النموذج الصالح للإنسان المكافح من أجل دينه وحضارته وقيمه ضد الاستبداد والجهل والخرافة.
بقي علي أن أشكر كل الذين قدموا إلي يدا بيضاء لإنجاز هذه الدراسة. وأخص بالذكر الشيخ المهدي البوعبدلي الذي لولاه لما اطلعت على (منشور الهداية)، والدكتور عبد الجليل التميمي الذي بواسطته تحصلت على نسخة مصورة من (محدد السنان)، والشيخ عبد المجيد بن حبة الذي أرسل إلي نسخة من (منشور الهداية) للدراسة والمقارنة، والأستاذ علي أمقران السحنوني الذي أطلعني على نسخة من (فتح اللطيف، في علم الصرف للفكون، وأخيرا أشكر زميلي الدكتور صالح خرفي الذي تفضل بتصوير مراسلة الفكون مع محمد تاج العارفين العثماني، من المكتبة
الوطنية بتونس. فلهم جميعا جزيل الشكر ووافر الامتنان. وكيف أنسى مكتبة جامعة ميشيقان (أمريكا) التي وفرت لي مكتبا فيها حيث جلست الساعات الطوال لتحرير دراستي هذه عن الفكون في وقت كان الآخرون من أصحابنا يتمتعون بنسائم الصيف وينعمون براحة البال، ويا ويح الشجي من الخلي!
الجزائر (ابن عكنون) - 7 فبراير 1986
أبو القاسم سعد الله
جامعة الجزائر