المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - موقفه من قضايا عصره - شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولعصر الفكون وحياته

- ‌1 - التطور السياسي

- ‌2 - مجتمع قسنطينة

- ‌3 - الحياة الثقافية

- ‌4 - عائلته ومكانتها

- ‌5 - نشأته وثقافته (شيوخه)

- ‌6 - وظائفه وامتيازاته ومكانته

- ‌الفصل الثانيتأثير الفكون

- ‌1 - تلاميذه

- ‌1 - أبو مهدي عيسى الثعالبي:

- ‌2 - أبو سالم العياشي المغربي:

- ‌3 - يحيى الشاوي:

- ‌4 - بركات بن باديس:

- ‌5 - أحمد بن سيدي عمار (بن داود):

- ‌6 - محمد وارث الهاروني:

- ‌7 - محمد البهلولي:

- ‌8 - أبو القاسم بن يحيى، ومحمد العربي، والموهوب بن محمد بن علي:

- ‌9 - علي بن عثمان بن الشريف نسبا:

- ‌10 - أحمد بن ثلجون:

- ‌11 - محمد بن عبد الرحمن البوقلمامى:

- ‌12 - محمد بن باديس:

- ‌13 - أبو عمران موسى الفكيرين:

- ‌14 - عاشور الفكيرين (القسنطيني)

- ‌15 - محمد الفكيرين:

- ‌16 - علي بن داود الصنهاجي:

- ‌17 - أحمد الميلي:

- ‌2 - مراسلاته

- ‌3 - مذهبه الصوفي وموقفه من البدع

- ‌4 - بين النحو والأدب

- ‌5 - موقفه من قضايا عصره

- ‌الفصل الثالثتآليفه

- ‌1 - محدد السنان في نحور إخوان الدخان

- ‌2 - ديوان الفكون

- ‌3 - منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية

- ‌4 - فتح اللطيف

- ‌الفصل الرابعالنصوص

- ‌أ - النثر

- ‌1 - مقدمة كتاب (منشور الهداية)

- ‌2 - مقدمة كتاب (محدد السنان)

- ‌3 - رسالة من الفكون إلى أحمد المقري

- ‌4 - رسالة تاج العارفين إلى الفكون

- ‌5 - رسالة الفكون إلى تاج العارفين

- ‌ب - الشعر

- ‌حرف الهمزة

- ‌حرف الباء

- ‌حرف اللام

- ‌حرف الياء

- ‌ج - وثائق أخرى

- ‌المصادر

- ‌فهارس

الفصل: ‌5 - موقفه من قضايا عصره

(والفرق بينهما يعرفه أهله) أي النقاد. فنحن نحس أن الفكون يريد أن يقول إن النقاد الذين يطلعون على قصيدته وقصيدة السوسي سيحكمون بتفوقه هو عليه. والحق أننا لا ندعي أن نكون نحن هؤلاء النقاد أو حتى منهم، ولكننا نحس بأن قصيدة الفكون أجود وأعمق، وقد افتخر فيها بأنه صاحب مكانة في الشعر ولكن قومه جهلوه وحسدوه.

وما دمنا في مقام النقد فلنذكر أن الفكون نفسه يظهر أحيانا في مظهر الناقد أيضا. فقد كان كثيرا ما يقول إن فلانا كان يتعاطى الشعر وهو ليس منه. فهذا علي ابن داود الصنهاجي كان في نظر الفكون (يدعي الفصاحة وتقويم الشعر، وليس كما يدعي). وقال عن أحمد العطار: (وربما يتعرض للشعر ليأتى بما هو ضحكة للضاحكين. وربما جعل في جانبي قصائد مدح).

‌5 - موقفه من قضايا عصره

تعرضنا إلى موقف الفكون من ثورة ابن الصخري وبعض الأحداث المشابهة التي مرت بها بلاده، وعرفنا رأيه في حضر قسنطينة وما كانوا عليه مما يراه هو عيبا يجب التخلص منه كالتفاخر بالأجداد والشرف والتواكل ونبذ العلم كما عرفنا رأيه في بعض شيوخه وتلاميذه، وفى بعض عائلته كأبيه وجده. وقد بقي علينا أن نتتبع مواقفه من قضايا العصر عموما لنعرف رأيه فيها وحكمه عليها وما نريده (بالقضايا) أمر شائك ليس من السهل تحديده ولكن يبدو لنا أن رأي الفكون في علماء وأولياء ودراويش الوقت، وكذلك ولاة رئاسة الوقت، أمر تجدر معرفته. ولعلنا

ص: 128

نتحدث أيضا عن خصومه وحكمه عليهم، وكيف يرى البدعة وكيف يحدد مفهوم العالم، والحاكم، والدجال، القاضي، واللص، ونحو ذلك. وكيف يرى الحالة الاجتماعية في بلاده.

من أقوال الفكون: (من أعان ظالما سلطه عليه). وهو يقصد بالظالم الحاكم غير العادل أو الحاكم الجائر الذي لا يرعى حرمة الله ولا يرحم الرعية. ويشير بذلك إلى أدعياء العلماء وأدعياء الولاية الذين يتقربون إلى الحكام الظلمة لمساعدتهم على ظلمهم بتسخير علمهم من أجلهم أو تسخير تصوفهم لهم لينالوا بذلك حظوة ومالا وقد عاشت قسنطينة في عهده على هذا النموذج، وكتابه مشحون بذكر الناس الذين تولوا مناصب شرعية ومخزنية (رسمية) وهم ليسوا أهلا لها، وقد حصلوا عليها بالرشوة وطرق الحرام، ومن أجل ذلك دخلوا السجون وذاقوا المنافى وتعرضوا للموت. كما يمتلىء كتابه بالحديث عن أولئك الأولياء والدراويش الذين جعلوا معارفهم الصوفية في خدمة الحكام الظلمة واللصوص ليفوزوا منهم بالمال وحرية الشعوذة والنصب والاحتيال. والأمثلة على ذلك أكثر مما تذكر.

والفكون فيما نعلم قد صمت عن مدح الحكام العثمانيين في قسنطينة. ولكنه أيصا لا يرفضهم أو يؤيد الثورة ضدهم. وتسميتهم في كتابه متنوعة، فهم مرة (العجم)، ومرة (الترك) ومرة (العسكر)، أو السلطة، أو دار الإمارة. وقد يعرض بهم فيقول الحكام الظلمة. وقد يعرض بالظالم عموما فيتحدث عن فلان وارتكابه أمورا لا ترضي الله ورسوله فيقول عنه (لو كان في زمن

ص: 129

محتسب لله لكان له معه شأن وأي شأن!). تعريضا بنوم عين السلطة وغفلتها عن مثل هذا. وكثيرا ما ذكر تبادل الرشوة بين الحكام وسوء السلوك والاعتداء. وقد نظر بعين العطف إلى ثورة شيخه يحيى الأوراسي ضد هؤلاء الحكام، وأبدى عاطفة الأسف على مقتله غدرا. وكرر النكير على تواطىء السلطة المحلية مع من يسميهم: اللصوص والحرابة في الأرياف، ومن يسميهم أهل نوادي الفساد والخنا والخمور والدخان ونحوها في المدينة. وهو يقول عن تبادل المصالح بين بعض الأدعياء والحكام واستعمال سلاح الفرقة والتحالف والشرذمة: فلان يعطي الأمراء الجباية والخراج ليعينوه على الفريق الآخر الذي هو عدو له، أو يقول عن عالمين متنافسين: انحاز كل منهما إلى وال من الولاة يعتضد به على صاحبه، فكلما أقبلت دولة أحدهما أدبرت دولة الآخر. وقد يذكر أن فلانا كان يمتهن نفسه ويخدم الولاة ويعظمهم ويواليهم ويعطيهم الرشى وقد يصف أحدهم بأنه قد تعددت محنه في دار الإمارة وكثرت سجونه، وكثيرا ما يفر من الأوامر الواردة في الانتقام منه، وقد أغرم مرارا. وقد أشاد الفكون بموقف جده عندما أصر على مقتل اليهودي المختاري الذي كان، رغم إسلامه، قد سب الرسول، (ص)، ولم يبال (أي جده) بمعارضة كل من كانوا في المجلس بما فيهم الوالي والعسكر والقضاة.

وكان للفكون أحكام خاصة على (علماء) وأدعياء الولاية في عصره. ونود أن نسوق جملة من هذه الأحكام التي تعكس في نظرنا مقاييسه في العلم وأهله وفي الوظائف الشرعية وفي المستوى العلمي الشائع عندئذ. ولكننا نبادر إلى القول بأنه كان،

ص: 130

كمعظم علماء وكتاب كل عصر، غير راض بالحالة العلمية التي عليها بلاده بل العالم الإسلامي بأسره. فقد كان يرى شيوع الجهل والانحطاط الأخلاقي وموت الضمير في معظم من خالط وما رأى. وهذه بعض الجمل التي توضح ذلك: فلان له بله في طريقة الدنيا. فلان سجن في مال أو مغرم من دار الأمارة أو له علاقة بالولاة. فلان اعتراه خبل في عقله آخر عمره أفضى إلى سجنه. فلان لا باع له في العلم غير أن شهرة أسلافه أورثته المنصب. فلان من أهل عصره الذين لا باع لهم في العلم إلا التشبه بالمناصب. فلان يداعب الكبار والصغار ويحب التهاتر. فلان مات في السجن عن مغرم لوالي قسنطينة. فلان قرأ على فلان إلا أنه لم يتقن ما قرأ عليه. فلان له فصاحة القلم دون اللسان. فلان يطرز فتواه بحكايات ونقول وتوجيهات حتى يظنها الظان أنها صواب. فلان كان يأخذ الأجر على فتواه. فلان اعتراه بعض النقص في إدراكه ويقال أن ذلك من أجل أكله حشيشة البلادر ولم يتقن صنعته. فلان كان كثير البحث عن الكنوز واستخدام الروحانيات. فلان شكت منه العامة وقلته الخاصة. فلان كان أمي الخطاب والكتابة لا يعرف طريق الخط ولا يحسن الوسم غير عارف بالهجاء. فلان كان عامي القلم والفكر لا يعرف ما يصلح به وضوءه وصلاته فلان يده منطلقة بالأخذ من أهل البادية وأهل البلد طعاما وعينا إلخ.

ورغم نقد الفكون لأفراد من عائلة ابن باديس بالذات بنفس هذا الأسلوب الذي سقناه فإنه قال في جملتهم هذه العبارة الهامة: (وناهيك بهم من دار إصلاح وعلم وعمل وكيف

ص: 131

وصاحب السينية (1) وشرح مختصر ابن هشام (2) ينبيك عمالها من كمال المعرفة والفطنة. ويقال إنه اجتمع فيهم أربعون كلهم صاحب منصب، حازوا المناصب الشرعية ببلدهم والمخزنية) (3).

إذا كان الفكون متحفظا من كل الوظائف الرسمية فإنه يبدو أكثر تحفظا من وظيفة القضاء خصوصا، ذلك أن هذه الوظيفة تجعل صاحبها في خدمة الحاكم، إذ هي من الوظائف السياسية - الدينية، كما أنها وسيلة للحصول على الثروة بحق وبغير حق، وطريق إلى غضب الله لمن كان لا يخشى الله في أحكامه. وطالما كان انحراف القضاة مدعاة للظلم الذي هو علامة الخراب في أية أمة. وقد ترجم الفكون لعدد ممن تولوا القضاء في قسنطينة وهم ليسوا أهلا له. وكثيرا ما يذكر أنه كان ينصح بعضهم بالتخلي عنه. وعندما ذكر بعض أقاربه الذين تولوا القضاء في العهد العثماني لم يمدحهم بل كان صريحا لدرجة أنه ذكر أن وظيفتهم أورثتهم مشاكل مع ولاة الأمر. ومن أقاربه الذين فعلوا ذلك جده قاسم بن يحيى الفكون (توفي سنة 965 هـ). ومما حدث عنه بهذه المناسبة أن لقاسم المذكور أخا سئل عند وفاته أن يدفن إلى جانب أخيه قاسم فأبى قائلا إن أخاه كان قاضيا وهو

(1) هو الحسن بن بالبر صاحب السينية في التصوف. انظر عنها كتابنا (تاريخ الجزائر الثقافي) 80/ 1، ط 2.

(2)

هو عبد الله بن يوسف بن أحمد، المعروف بابن هشام المتوفى سنة 1360/ 761، انظر الأعلام للزركلي، 291/ 4.

(3)

انظر (منشور الهداية)، مخطوط.

ص: 132

لا يحب الدفن إلى جانب من تولى القضاء (1) والمعروف أن قاسم الفكون تولى القضاء غالبا بعد اعتذار عمر الوزان عن قبوله. والغريب أن مترجمنا الفكون لا يذكر اعتذار الوزان هذا.

هاجم الفكون البدع واعتبرها من سيئات عصره، واعتبر المبتدعة ضالين مضلين. وأعجب بالعلماء العاملين والمتصوفة الذين اتبعوا السنة وابتعدوا عن البدعة. وأشاد بالأخضري لنظمه قصيدة في الطعن على علي الغراب (بحامة قسنطينة) والأحسن جد قاسم ابن أم هانىء. وكان (أي الأخضري)(يظهر التكبر كثيرا على مثل هؤلاء، وجعل قصيدة فيهم وفي نظائرهم من بدعة زمانه)(2) واعتبر الفكون البدعة وسيلة التجأ إليها بعض أدعياء التصوف للوصول إلى المال وسلب العامة والتلصص والتدجيل باسم الدين والتصوف. ويقول عن (الحضرة) التي هي في نظره بدعة منكرة: إنها (لعبة يتخذونها، يراؤون بها الناس ولا يستخفون من الله، بها يأكلون ومنها يتمولون، وعليها في قضاء أوطارهم يعولون، يجتمعون لذكر المولى، جل جلاله، فيغيرون اسمه، ويشطحون ويرقصون، وربما يتضاربون، فتراهم ككلاب نابحة، ولعابهم كمياه طافحة، وأنفاسهم كنيران نافحة. أولئك حزب الشيطان، ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)(3) وكثيرا

(1) نفس المصدر، ص 21.

(2)

توفي الأخضري سنة 963 على الراجح. و (القصيدة) التي يشير إليها الفكون هي المعروفة بالقدسية التي شرحها الورتيلاني انظر (منشور الهداية)، ص 111.

(3)

نفسه، ص 114.

ص: 133

ما يستشهد الفكون بأحمد زروق والأخضري وابن عربي وابن البنا السرقسطي ومحمد بن مرزوق التلمساني وأبي القاسم العبدوسي.

وتأسف الفكون على هبوط حالة العلم في بلاده في عصره واكتفاء الناس بالقليل منه، بل لقد عم الجهل في نظره وعزف الناس عن المعرفة والبحث والتلقي، وقنعوا بالخراقة والبدعة واستخدام الروحانيات والسحر وخطوط الرمل. وقد عاب الفكون على قومه ذلك ونادى بنبذ الخرافة والبدعة كما نادى بالعودة إلى السنة والعمل بالعلم وتحكيم العقل واليقظة لمعرفة الدين وحاجات الدنيا. وقد علق الفكون على قول المكودي في أرجوزته:

هذا مع الجهل وشغل البال

والاضطرار واضطراب الحال

قائلا: (وإذا كان هذا في زمنه ومنار العلم منصوب، وعن آراء الجاهلين برشق نبال البراهين محجوب، فكيف بزماننا الذي فاض فيه عباب الجهل والدعوى، وطلعت كواكب البدع والأهوى (كذا) فلا ترى إلا مدعيا في العلم أعلى منصته، ومرتقيا في شامخ التربية أرفع قنته، جعلوا الطريقتين شباكا لتحصيل الدنيا منصوبة، وحبالات لجمعها بأوتاد حبها مضروبة، وما نظروا إلى عاقبة الأمر وعقابه، والوقوف بين يدي العالم بالخافيات ودقة حسابه) (1).

(1) من مقدمة كتابه (فتح اللطيف) الذي شرح به أرجوزة المكودي في الصرف. مخطوط بمكتبه الأستاذ على أمقران السحنوني

ص: 134

وقد جعل الفكون قصيدة خاصة في آخر كتابه (محدد السنان) وصف فيها حالة أهل قسنطينة عندئذ وما كانوا عليه من الجهل في نظره ومن التفاخر بالشرف والجدود، ومنابذة العلم والعلماء، والتباهي بالمراتب والرياسات. ولم يكتب هذه القصيدة، كما قال، إلا بعد ما (ضاق الصدر حين حاج الجنان، فانطلق اللسان بما كتبه الجنان). ومما جاء فيها:

ألا فاحذر أناسا ند تبرا

إله العرش منهم والملائكة

وأبعدهم من الخيرات كلا

وأصلاهم جحيما ذات حالك

هم القوم الأراذل قد تسموا

بجنس في الخليفة لا يشارك

وقالوا نحن أحضار بدار

نعم صدقوا ولكن في المهالك (1)

وهناك قضية هامة شغلت الفكون وهي تناول الدخان في وقته. وكان استعمال شرب الدخان، قد شاع أمره بين المشرق والمغرب، واختلف فيه علماء الوقت هل هو حرام أم حلال، وبمعنى آخر هل هو مسكر من المسكرات فيجب تجنبه أو هو غير مسكر فيباح تعاطيه. وقد احتج كل فريق بحجج وبراهين، ولكن

(1) وهي قصيدة من 25 بيتا. تال في آخرها (فهذه الأبيات حجة جل خصالهم بأوجز عبارة وألطف إشارة، ولو شرحت لاحتملت أسفارا). والبيت الأخير ليس للفكون وإنما هو تضمين.

ص: 135

ظلت المسافة بعيدة بينهم، فلم يصلوا إلى اتفاق. وممن أفتى في المشرق بحليته علي الأجهوري المصري. وكان جوابه وجواب غيره في الموضوع دافعا للفكون لكتابة تأليف سماه (محدد السنان في نحور إخوان الدخان). وسنتناول نحن هذا الكتاب في الفصل القادم، ولكن يكفي الآن أن نقول إن مؤلفه قد راعه إقبال أهل بلده على تعاطي الدخان، خصوصا أعيانهم وكبراءهم. وكان هو ينكر عليهم ذلك بشدة، ولكن بدون فائدة. واكتفى بتغيير ذلك بقلبه ثم عزم على التأليف المذكور لبيان مساوىء أهل الزمان ومحض النصح للإخوان. والمهم أن نلاحظ الآن أن الفكون حكم بتحريم الدخان لذاته وصفته وعوارضه. واستدل على ذلك بأقوال القائلين بالتحريم أمثال أبي الغيث القشاش (تونس) وعبد الله بن حسون (المغرب)، ومحمد السوسي (1).

ويعرض الفكون لمثل هذه القضايا المعاصرة أورثه خصومة أهل العصر طبعا فكلامه كان لا يرضي الولاة ولا يرضي أنصاف العلماء ولا أدعياء المتصوفة ولا أعيان البلاد. فلا غرابة أن يقول عن ردود فعلهم جميعا عندما ألف كتابه (منشور الهداية): (وهو وإن رمقتني من أجله العيون، وانعقدت على بغضي القلوب وأكثرت الشؤون، فذاك، ولله الحمد، مما يسرني في الحال

(1) ممن حرموه أيضا محمد بن سليمان صاحب كتاب (كعبة الطائفين) 50/ 3 وهو مخطوط، ناقلا عن محمد بن فاطمة الشريف القادري. وسمي المولعين به (الجهنيون في هذا الزمان) وابن سليمان معاصر للفكون ولكن في الغرب الجزائري. ومما يذكر أن الشعراء أمثال محمد بن رأس العين (كان حيا سنة 1050) كان يتجاهر بالتغني بالدخان في شعره،

ص: 136

والمآل، ويقوي رجائي أن يكون لي عدة في عظيم الأهوال، لوعد رب العالمين، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} (1)، وهو هنا لا يحدد نوع الخصوم ولكن يظهر لنا أنهم هم الذين شنع عليهم في أفعالهم الصوفية والدنيوية وهم الذين يسميهم حزب الشيطان، وهم أيضا جماعات النوادي التي كانت مراكز للمفاسد، والمتلصصة والحرابة الذين كانوا يعيشون في ظلام الريف وفي غفلة أو تغافل من السلطة.

ومن خصومه الذين ذكرهم بالاسم: محمد بن نعمون، وأحمد الميلي، وأحمد الغربي، وأحمد الفاسي، وعاشور الفكيرين (القسنطيني)، الخ. وابن نعمون في الواقع كان من عائلة معروفة وكانت لها قرابة مع عائلة الفكون حتى كانت بينهم مواريث، ويذكر الفكون أن أسلافه قد تخلوا عن زاويتهم إلى آل نعمون. ولكن وقعت بين الفكون ومحمد بن نعمون (الذي كان موظفا لدى السلطة) أمور جعلت الفكون يشعر بالضيق منه حتى التجأ إلى الله في الدعاء عليه بأخذه أخذ عزيز مقتدر. فقال عنه كان (يترصد لي في كل حالاتي الدوائر ما يرجع عقباها عليه، ويجتمع نكالها في الدنيا والآخرة لديه، غير أني أعطيه الأذن الصماء، وأكله إلى القادر الجبار القائم بالأرض والسماء، وأرجو منه أن يهدم مناره،. وابن نعمون هذا هو الذي قال فيه الفكون عبارته السابقة (لو كان في زمن محتسب لله لكان له معه شأن وأي شأن!)(2).

(1) من مقدمة (فتح اللطيف)، مخطوط.

(2)

أطال الفكون في ترجمة ابن نعمون ونقده في (منشور الهداية)، انظر من 72 - 58.

ص: 137

أما أحمد الميلي فقد خاصمه لأن والد الفكون كان قد قدم الميلي للصلاة نيابة عنه، وعندما بلغ الفكون الابن سن الرشد قدمه والده للصلاة نيابة عنه بدل أحمد الميلي فغضب هذا لأنه حرم مالا وقيمة، وظل يخاصم الفكون الابن حتى نبغ هذا في العلم ونضج جسمه وعقله واعترف له، كما يقول الفكون، بالتقدم وجثا أمامه كما يجثو الصبي للمعلم. وكان عاشور الفكيرين في الواقع من تلاميذ الفكون، ولا ندري ما الذي جعله ينضم إلى خصومه من حضر المدينة (الناقمين عني قولا وفعلا)، فهل هذا مجرد إحساس من الفكون؟ إنه لم يذكر وقائع معينة تثبت خصومة عاشور له كما فعل مع الآخرين. ولكن أحمد الفاسي هجا الفكون بالشعر وباللسان وتقول عليه الأقاويل وانضم إلى خصومه الذين يسميهم الفكون (الأشرار) و (جماعة نادي الشرب) أولئك الذين رمقوه (كلهم بعين البغضاء، مع ما انطوت عليه بواطنهم من الحقد علي، والتعرض لإذايتي بما أمكنهم ولم يمكنهم إلا بأن هجاني (أي الفاسي) لأهل مجلسه) وقد فكر الفكون في الرد على الفاسي بهجاء مثل هجائه ولكن منعه، كما قال، مانع الدين والتقوى.

ومن ثم يظهر لك أن حياة الفكون لم تكن كلها نعمة وبركة ورضى وسعادة. فقد كان يتعرض للأذى والنقد والكيد والهجاءمن خصوم كثيرين، وعلى رأسهم دعاة الفساد الاجتماعي والصائدون في الماء العكر من الحضر والعلماء والدراويش والولاة، وجميعهم كانت لهم مصالح في بقاء ما كان على ما كان وعدم تسليط الأضواء على أفعالهم وعقائدهم ومجونهم

ص: 138

وتلاعبهم، بل ولا يريدون التذكير بأحكام الدين ولا الوعظ بالكتاب والسنة، ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأن ذلك، في نظرهم، تشويش عليهم وكشف لهم ومنغصة تعكر صفو حياتهم. ولعل الفكون لم يتمتع بشيء من الهيبة والتجلة إلا بعد توليه وظائف أبيه وإمارة الحج ومشيخة الإسلام. وقد تكون تلك الهيبة والتجلة خوفا منه لأنه كان صارما في حكمه متصلبا في دينه حيا في ضميره. ولا ندري إلى أي مدى استطاع الفكون أن يطبق في مرحلة حياته الثانية ما كان يدعو إليه نظريا في مرحلة حياته الأولى.

ومهما كان الأمر فلدينا رأيان من معاصريه يصفانه وصفا يجعلنا نعتقد أنه وصف صادق. الأول رأي أحمد المقري الذي وصف الفكون قبل توليه الوظائف المذكورة (لأن المقري توفي سنة 1041) اوالثاني رأي الثعالبي الذي يبدو أنه عرف الفكون في حياته بقسنطينة والمشرق، أي بعد أن تولى تلك، الوظائف. يقول عنه المقري:(علم قسنطينة وصالحها وكبيرها ومفتيها، سلالة العلماء الأكابر، ووارث المجد كابرا عن كابر، المؤلف العلامة ..) وفي مكان آخر قال عنه: (عالم المغرب الأوسط غير مدافع، وله سلف ذوو شهرة، ولهم في الأدب الباع المديد، غير أن المذكور (يعني الفكون) مائل إلى التصوف، ونعم ما فعل!) (1).

أما عيسى الثعالبي فيصفه بقوله: (رئيس علوم اللسان، وفخر

(1) نفح الطيب 238/ 3 - 240.

ص: 139

المنابر إذا خطب، ولسان المحابر إذا شعر أو كتب) وقال عنه إنه برع في فنون العربية من نحو وصرف وبلاغة ولغة، مع المشاركة التامة في الأصلين والفقه والحديث والتصوف وغير ذلك. كما قال فيه الثعالبي (انتهت إليه رياسة العلم في بلاده تدريسا وإفتاء وتصنيفا). وأخبر عنه أيضا أن الله جمع له بين العلم والعمل به، إلى كمال الزهد والورع والتعفف عن الناس. وعدم التأثر بكلام الناس حتى استوى عنده المدح والذم، مع المجانبة للطلبة وأهل الولايات الدنيوية وقلة المبالاة بهم وعدم الاهتمام بما يهدى إليه. وقد عرفنا أن الفكون لم يكترث بما قدم له باشا مصر من هدايا ومال. ونعتقد أن نفس الموقف كان يقفه مع جميع الولاة. ولعل وصف الثعالبي للفكون في أنه قد استوى عنده المدح والذم يصدق عليه في المرحلة الثانية من حياته. أما في المرحلة الأولى فقد عرفنا أنه كان يتأثر ويحس وكان أحيانا يدعو على خصمه، وكان يتألم أحيانا ولكنه كان في كل ذلك يحس بالرضى الداخلي لأنه مبشر بما بشر الله به المجاهدين في سبيله. وقد لاحظ أحد المؤرخين الأجانب أن الفكون كان الوحيد الذي نقد عصره، وإن مستوى العلم قد هبط بعده (1).

وقبل أن نختم هذه النقطة نود أن نلاحظ أن الفكون لم يسلم في نظرنا من الخرافة ومن سيطرة العقائد المعاصرة. ذلك أنه طالما ذكر أشياء تبدو لنا اليوم غير عقلية، وهي لا تنسجم مع ما كان يدعو إليه من تحكيم العقل واتباع الكتاب والسنة ونبذ البدع.

(1) فايسات (روكاي) 1868، ص 390، 389.

ص: 140

فقد ذكر عددا من المرائي المنامية وتحدث عن كرامات رجال التصوف وأظهر التصديق لها والإيمان بها، في حين أنكر ما كان (يدعيه) الآخرون من كرامات وخيالات، ويعتبر ذلك خبالا في العقل وتصورات وروحانيات إلخ. وقد قص علينا أنه مال إلى علم النحو بعدما رأى جده في المنام يقدم إليه ورقة فيها (كان فعل ماضي) أو نحو ذلك. وصدق من قال له إنه رأى في بعض الكتب إن اسم الرسول، (ص)، في الجنة عبد الكريم وظنه (تبشيرا لي بموافقة اسمي لاسم هذا النبي الكريم)(1)، وقال إن كرامات الأولياء مما يجب الإيمان بها، وأخبر أنه نوى كتابة تأليف عن كرامات الشيخ عمر الوزان. ولذلك قلنا أن الفكون لم يستطع أن يتخلص من روح العصر رغم عقلانيته في نقده لأحوال الناس ودعوته الصريحة لنبذ البدع والتمسك بالكتاب والسنة وتدريسه علم النحو.

(1)(منشور الهداية)، ص 93.

ص: 141