المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌6 - وظائفه وامتيازاته ومكانته - شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية

[أبو القاسم سعد الله]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولعصر الفكون وحياته

- ‌1 - التطور السياسي

- ‌2 - مجتمع قسنطينة

- ‌3 - الحياة الثقافية

- ‌4 - عائلته ومكانتها

- ‌5 - نشأته وثقافته (شيوخه)

- ‌6 - وظائفه وامتيازاته ومكانته

- ‌الفصل الثانيتأثير الفكون

- ‌1 - تلاميذه

- ‌1 - أبو مهدي عيسى الثعالبي:

- ‌2 - أبو سالم العياشي المغربي:

- ‌3 - يحيى الشاوي:

- ‌4 - بركات بن باديس:

- ‌5 - أحمد بن سيدي عمار (بن داود):

- ‌6 - محمد وارث الهاروني:

- ‌7 - محمد البهلولي:

- ‌8 - أبو القاسم بن يحيى، ومحمد العربي، والموهوب بن محمد بن علي:

- ‌9 - علي بن عثمان بن الشريف نسبا:

- ‌10 - أحمد بن ثلجون:

- ‌11 - محمد بن عبد الرحمن البوقلمامى:

- ‌12 - محمد بن باديس:

- ‌13 - أبو عمران موسى الفكيرين:

- ‌14 - عاشور الفكيرين (القسنطيني)

- ‌15 - محمد الفكيرين:

- ‌16 - علي بن داود الصنهاجي:

- ‌17 - أحمد الميلي:

- ‌2 - مراسلاته

- ‌3 - مذهبه الصوفي وموقفه من البدع

- ‌4 - بين النحو والأدب

- ‌5 - موقفه من قضايا عصره

- ‌الفصل الثالثتآليفه

- ‌1 - محدد السنان في نحور إخوان الدخان

- ‌2 - ديوان الفكون

- ‌3 - منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية

- ‌4 - فتح اللطيف

- ‌الفصل الرابعالنصوص

- ‌أ - النثر

- ‌1 - مقدمة كتاب (منشور الهداية)

- ‌2 - مقدمة كتاب (محدد السنان)

- ‌3 - رسالة من الفكون إلى أحمد المقري

- ‌4 - رسالة تاج العارفين إلى الفكون

- ‌5 - رسالة الفكون إلى تاج العارفين

- ‌ب - الشعر

- ‌حرف الهمزة

- ‌حرف الباء

- ‌حرف اللام

- ‌حرف الياء

- ‌ج - وثائق أخرى

- ‌المصادر

- ‌فهارس

الفصل: ‌6 - وظائفه وامتيازاته ومكانته

التقييد كتب الفكون، كما سنرى، ديوانا كاملا من الشعر في مدح الرسول (ص)، والاستنجاد به والتوسل إليه طلبا للشفاء مما أصابه.

ثم زاد على ذلك نظما سماه (شافية الأمراض). والظاهر أن الله قد استجاب لدعائه إذ أخبر الفكون أنه شفي من هذا المرض تدريجيا (فرأيت من الله الفرج ووقف المرض إلى غاية لا أتألم منه كثيرا. ولكنه بقدر ما أتحمل، وأرجو من الله الشفاء منه كله).

ص 244. وقد قال هذا الكلام وهو يؤلف كتابه (منشور الهداية) الذي نرجح أن يكون قد كتبه بعد سنة 1045 - سنة وفاة والده - ومعنى هذا أن المرض الذي بدأه سنة 1025 قد لازمه إلى ما بعد سنة 1045.

‌6 - وظائفه وامتيازاته ومكانته

ورث عبد الكريم الفكون عن والده وجده وظائف الجامع الكبير (الأعظم) بقسنطينة، وهو الجامع الذي يقع بحي البطحاء، قرب دار آل الفكون. وهذه الوظائف هي التدريس به وإمامة المصلين فيه والخطبة على منبره أيام الجمع والأعياد، والسهر على أوقافه (أحباسه). أما إمارة ركب الحج والتلقيب بشيخ الإسلام فلا نعلم أن أحدا من عائلته قد تولاهما قبله بما في ذلك والده الذي توفي سنة 1045.

فأما التدريس فقد علمنا أن الشيخ الفكون كان يقوم به في حياة والده وليس أمرا جديدا ورثه عنه أو منحته إياه السلطة

بقسنطينة. وقد كان على ما يظهر يدرس في عدة أماكن: في

ص: 69

داره، وفي الجامع، وفي مدرسة العائلة، وفي غير ذلك من الأماكن. وكان يستقبل الطلبة الوافدين على قسنطينة ويدرس لهم في الأماكن المذكورة بدون تعيين ولا تلقيب، وبدون أجر أيضا.

فتلاميذه الذين ذكرناهم وزواره من العلماء كانوا يأتونه في أغلب الأحيان إلى منزله الذي اتخذ فيه، كما قال، مصلى وقاعة

لاستقبال الضيفان الراغبين في طلب العلم. ويبدو أنه كان يبث العلم عن طريق التدريس منذ وقت مبكر من حياته، أي منذ أوائل العشرينات من حياته.

وقد كان والده يقدمه، رغم صغر سنه، في المسائل العلمية أثناء حياته أيضا ليواجه به بعض المتحدين له. وقد مر بنا تقديمه له في الصلاة بالجامع الأعظم بدل نائبه التقليدي، وهو أحمد الميلي، وما وجده من أجل ذلك من حسد وغيرة حتى فاز على خصمه وظهر. كما مر بنا كيف ناطح به والده أحد العلماء الذين قالوا بإباحة نسخ عقد من عقود الأحباس تقربا لوالي قسنطينة. وكيف حاجه الفكون، رغم صغر سنه، وانتصر عليه أيضا، وكتب في ذلك تأليفا أصبح وثيقة مشتهرة عند أهل البلد. إذن كان الفكون يقوم بهذه الأمور في حياة والده، وهو في مقتبل العمر، بدون تعيين رسمي.

كما أن الفكون ألف، كما سنعرف، معظم كتبه في هذه الفترة من حياته، أي أثناء حياة والده (أي قبل 1045). ونكاد نقول إنها جميعا من إنتاج هذه الفترة - ما عدا واحدا منها، ألفه سنة 1048 - ولذلك يبدو لنا أن الفكون قد كرس الجزء الأكبر من حياته في التعلم والتعليم والتأليف. وكانت مادة تعلمه وتعليمه هي النحو،

ص: 70

وهو علم عقلي صعب قل من كان يحذقه في ذلك العصر. وهو أيضا علم يجعل صاحبه ينظر إلى قضايا العصر وأهل العصر بمنظار يختلف عن منظارهم. ولعل ذلك كان وراء نقد الفكون، كما سنرى، لأحوال قومه وعلمائهم ومتصوفتهم ودراويشهم. وكان أيضا قلقا من الحياة بينهم باحثا عن موطن لا ظلم فيه ولا منكرا ولا فسادا، حتى لقد فكر وهو في حوالي العشرين من عمره بالرحيل إلى الحجاز ثم عدل عنه، بل إنه خرج حتى من دار والده إلى دار أسلافه القديمة وبناها من جديد ووسع فيها واستقر بها، هروبا، كما يقول، من الضيق والتضييق. وكان لا يوافق حتى أقرب الناس إليه، وهو والده، في السماح لبعض المجاذيب بدخول المنزل، فلم يسعه إلا حجب زوجه عنهم. فالرجل إذن كان مستقلا في فكره، مستقلا في حياته، مستقلا في وظيفه.

ولكن بعد وفاة أبيه سنة 1045 أخذت حياة الفكون تتغير. وكان عمره عندئذ حوالي 57 سنة. وقد ورث عن والده رسميا وظائفه المذكورة: الإمامة والخطابة والتدريس ورعاية أوقاف الجامع أما الإمامة فقد عرفنا أنه كان يمارسها منذ صغره وكذلك التدريس، فليس في الأمر جديد فيهما. وأما الخطابة فالظاهر أنه قد تولاها أيضا بعض الوقت نيابة عن والده. وقد عرفت عنه فصاحة اللسان وقوة الحجة والتمسك بالقواعد منذ كان طالبا في علم النحو عند ابن راشد الزواوي ومحمد التواتي وكان بعضهم يلتجىء إليه أحيانا لكتابة الخطبة لهم، كما فعل أحمد بن باديس زوج خالته وخطيب جامع القصبة. وقد مدح الفكون جده على خروجه عن مألوف الخطبة بالجامع، إذ جعل خطبه تقوم على الحديث

ص: 71

الشريف والوعظ به. ولا شك أن من وظائف الإمام والخطيب ردع الناس عن المظالم وتنبيههم إلى ضرورة الإقلاع عن المحارم والشبهات. وبعبارة أخرى فإننا نتصور أن الفكون قد أخذ يطبق في خطبه ما دعا إليه في كتبه من مبادىء شرعية وأخلاقية. فهو الآن في مقام المسؤول عما يدعو إليه قولا لا كتابة. بل إن ما يخطب به الناس وما يدعوهم إليه أصبح (فتاوى). تلزمه وأحكاما تصدر عنه. وهكذا وجدنا الفكون قد حولته الظروف الجديدة من أستاذ في علم النحو إلى مفتي شرعي، ومن ناقد اجتماعي حر إلى مسؤول سياسي محاسب عن كل صغيرة وكبيرة.

أما رعاية أوقاف الجامع الأعظم فأمرها يختلف. فهي مهمة كبيرة ودقيقة. هي من جهة مصدر رضى وغبطة، ومن جهة أخرى مصدر حسد وقلق. فمتوليها يتمتع بثروة كبيرة ويحصل من الجاه والنفوذ ما يجعله مرمى السهام وهمس الشفاء وغمز العيون. ذلك أن للجامع نفسه موظفين كثيرين، وعلى راعي الأوقاف أن يضبطهم ويصنفهم ويمنحهم ما يستحقونه من المال. وإذا نامت عينه أو غفل قلبه عنهم استغلوا وشنعوا ونهبوا ولم يفرقوا بين الحلال والحرام. وكان لكل منهم صلة من الصلات بالآخرين، من أبسط العلماء إلى الوالي نفسه. وكانوا قادرين، إذا وجدوا الطريق، أن يزلزلوا الأرض من تحت راعي الأوقاف. ولذلك كان على الفكون أن يكون يقظا دائما حذرا أبدا، رغم أن الأوامر الصادرة إليه من باشا الجزائر تعطيه ثقة مطلقة في التصرف ولا يعترض أحد على حكمه، لا موظفو الجامع، ولا القضاة ولا السلطة المحلية.

ص: 72

كانت للجامع الأعظم إذن أملاك كثيرة، عقارا وغير عقار، داخل قسنطينة وخارجها، وكانت الزكوات تدفع إلى الجامع أيضا بما في ذلك زكوات الوالي نفسه. وتنص النصوص على أن المتولي على هذه الأملاك، وهو هنا الفكون، يتصرف فيها بما يراه صالحا فيصرف منها على الجامع نفسه من بناء ونظافة وزيت وحصر، ومن دفع الأجور القائمين عليه وفيه، كالمؤذنين والمنظفين والمدرسين والطلبة وغيرهم، وإذا بقيت بقية فهي له يتصرف فيها كما يشاء. وقد فهم (1) بعض المؤرخين أن هذا يعني الثروة الضخمة لعائلة الفكون التي أصبحت تتولى هذه الوظيفة. ونظروا للمسألة من جانبها المادي فقالوا إن عائلة الفكون حظيت بهذه الثروة لخدمتها للعثمانيين. ولكننا رأينا أن العائلة كانت غنية منذ ما قبل دخول العثمانيين ومن قبل توليها وظيفة الإشراف على أملاك الجامع الأعظم. وما نعتقده هو أن هذه الوظيفة لم تجلب إلا صداع الرأس لعائلة الفكون إذ كثر حسادها عليها وسال لعاب أصحاب النفوذ وطمع فيها الطامعون. كما أن من قواعد الأوقاف أنها ليست دائما متوفرة، فهي حسب مواسم الخصب الطبيعية مرة تقبل ومرة تدبر. والذي يدرس الحياة الاجتماعية في قسنطينة خلال القرن الحادي عشر مثلا (زمن الفكون صاحب الترجمة) سيجدها حياة تكاد تكون عقيمة من جراء الجوائح الطبيعية من طواعين وجفاف وجراد ونحوها، ويضاف إلى ذلك الحروب والفوضى السياسية وما يعقب ذلك من نهب وسلب (2)

(1) من هؤلاء ميرسييه في (روكاي) 1878، 238.

(2)

انظر فقرة الحياة الاجماعية بالفصل الأول.

ص: 73

ومع ذلك فدعنا نفترض أن عائلة الفكون تمتعت، بفضل أملاك الجامع الأعظم، بسمعة معنوية كبيرة وبثروة مادية ضخمة. ترى ما هي هذه الامتيازات التي حصلت عليها العائلة؟ تذكر المصادر أن عائلة الفكون قد حصلت على امتيازات كبيرة أثناء عهد مترجمنا على الخصوص، بمقتضى مراسيم صادرة عن باشوات الجزائر، وهي المراسيم التي كانت تتجدد بين الحين والآخر عند تغيير الولاة. ومن أقدم هذه المراسيم في عهد مترجمنا ذلك المرسوم الصادر عن علي باشا سنة 1048. وهناك مرسوم آخر صادر سنة 1060 من مراد باشا. ثم توالت المراسيم والقرارات من الباشوات والبايات على السواء.

والواقع أن هناك خلطا في هذه الامتيازات بين ما تحصل عليه العائلة بصفتها قائمة بأملاك الجامع وما تحصل عليه بصفتها الخاصة. ويمكننا أن نفرق بين الأمور المادية الراجعة إلى أملاك الجامع والأمور المادية الراجعة إلى العائلة. من المعروف مثلا أن الوقف معفى من المغرم، ولكن إذا صدر أمر بإعفاء أملاك عائلة الفكون من المغرم فهذا أمر خاص بها أو إذا شئت فقل هو امتياز لها. وهناك خلط آخر وهو عدم التمييز بين أوقاف الجامع و (أوقاف) العائلة. ذلك أن الناس كانوا يدفعون الزكاة للجامع لا للعائلة، وكانوا يوجهون أوقافهم في العادة للجامع. ومع ذلك فإن بعض الكتاب اعبروا أن كل شيء للجامع موجه في نفس الوقت للعائلة. ونحن لا نعتقد ذلك. حقيقة أن العائلة تستفيد كما عرفنا، من فائض أوقاف الجامع بعد أداء ما عليها للمستحقين، ولكن الأوقاف تظل خارج أملاك العائلة، بل هي من أملاك

ص: 74

الجامع، ولا يجوز اعتبارها (ملكا) للعائلة بأية حال. فإذا أمكنك أن تفرق، كما فرقنا، بين الجهتين، فإننا نقدم إليك قائمة مما يمكن أن نسميه (امتيازات) خاصة بعائلة الفكون عندئذ:

1 -

إعفاء جميع أملاك العائلة من الضرائب والغرامات سواء كانت هذه الأملاك في المدينة أو في الريف.

2 -

إعفاء العائلة من السخرة ومن ضريبة حق دخول المدينة والخروج منها، وحق توفير الطعام والسكن للجنود والموظفين العثمانيين.

3 -

إعفاء الخدم الذين يعملون عند العائلة وكذلك رعاتها ومساعدوها والمتصلون بها من الغرامة.

4 -

إمكانها الحصول على الهدايا والعطايا العقارية وغيرها دون التعرض لها.

5 -

يمكنها الحصول على حق العشر من الزرابي والخشب المجلوب من نواحي الأوراس.

6 -

الاستفادة من حق المكس على أسواق الخضر والفواكه.

ومن الواضح أن هذه امتيازات مادية حصلت عليها عائلة الفكون في عهد مترجمنا عبد الكريم الفكون. وبالإضافة إلى ذلك هناك امتيازات معنوية، لعلها أهم من ذلك، ما دامت العائلة كانت غنية قبل تلك الوظائف. ويمكن تلخيص الامتيازات المعنوية فيما يلي:

1 -

كل من التجأ إلى العائلة في منزلها أو في غيره، ولو خارج

ص: 75

قسنطينة، فهو مصون ولا تسلط عليه عقوبة ولو ارتكب جريمة كبرى.

2 -

كل من احتمى بشيخ الإسلام (وهو هنا الفكون) لا يجوز التعرض له، سواء كان كبيرا أو صغيرا.

وسنذكر بعض هذه الامتيازات المعنوية أيضا عند حديثنا عن إمارة ركب الحج بعد قليل. ونحن لا نشك في أن هذه الامتيازات جعلت عائلة الفكون العائلة الأولى في البلد من حيث النفوذ الروحي، الذي كان في الحقيقة يعادل النفوذ السياسي إن لم يكن أكثر. أما الثروة فلا نعتقد أنها كانت الأولى، وربما وجد في قسنطينة من كان أكثر منها ثراء ومالا.

ولكن متى حصل كل هذا؟ لقد سبق القول بأن بعض المؤرخين يجعلون بداية هذه الامتيازات تولي وظائف الجامع الأعظم هو عهد عبد الكريم الفكون الجد المتوفى سنة 988.

ولكن الوثائق تعوزهم فلجأوا إلى التخمين والظن. وقد رأينا أن الفكون لم يذكر عندما ترجم لجده أنه كان متوليا وظائف الجامع الأعظم، ولكنه ذكر ذلك بالنسبة لوالده، محمد الفكون المتوفى سنة 1045 وأهم من ذلك كله أنه لم يسنب إلى أحدهما (جده ووالده) إنه كان أميرا لركب الحج أو شيخا للإسلام. أما بعض المؤرخين الذين رأوا أن نفوذ أسرة الفكون قد بدأ في عهد عبد الكريم (الجد) فقد قالوا إن إمارة ركب الحج كانت (ضمن) مهمة متولي وظائف الجامع الأعظم - ولكن هذا غير صحيح كما عرفنا. ذلك أن هناك فرقا بينهما إذ وجدنا محمد الفكون (الأب)

ص: 76

متوليا وظائف الجامع بينما إمارة الحج كانت ما تزال في يد عائلة عبد المؤمن، كما هو موجود في كتاب (منشور الهداية) نفسه.

ويبدو أن لقب (شيخ الإسلام) كان يعطى لأمير ركب الحج لا لمتولي وظائف الجامع الأعظم، رغم أننا لا نجد هذا اللقب مصرحا به إلا بالنسبة لعبد الكريم الفكون (الحفيد) الذي نترجم له. فهو في نظرنا الأول الذي جمع بين وظائف الجامع المذكور وراثة عن أبيه، وإمارة ركب الحج وراثة عن عائلة عبد المؤمن، أما مشيخة الإسلام فنعتقد أنه هو أول من تقلدها ولم يتسم بها من قبل أحد من أسرته ولا عن أسرة عبد المؤمن.

ولكن كيف حصل ذلك؟ وكيف جمع الفكون بين وظائف والده ووظائف عبد المؤمن وزاد عليها مشيخة الإسلام؟ وكيف تحول من ملاحظ ناقد لأحوال أهل قسنطينة وأحوال العصر عموما إلى رجل عملي يمارس الوظيفة الرسمية ويقوم بواجباتها فيقبل هذا ويرفض ذاك من الحكام ورجال الدين والعلماء والقضاة؟ إن هذه أمثلة مهمة لمعرفة التحول الذي طرأ على حياة الفكون والذي سيكون له عواقب حتى على علاقاته مع الناس وفي تأليف الكتب وممارسة التدريس والعقيدة الصوفية.

ولكي نفهم ذلك علينا أن نتذكر بأن الشرق الجزائري، وعاصمته قسنطينة، قد عرف ثورة من أعنف الثورات خلال القرن الحادي عشر، وبالضبط سنة 1047، أي أقل من سنتين بعد وفاة والد الفكون، ونعني بها ثورة ابن الصخري أو ثورة الذواودة. وقد هزت هذه الثورة إقليم قسنطينة من الأعماق، وأطاحت بالسلطة

ص: 77

العثمانية هناك وهددت حتى السلطة المركزية بالجرائر. ودام خطرها سنوات، ومات من جرائها آلاف الناس، وبعثرت العائلات والعلاقات. ولم يكن الفكون الذي ورث عن أبيه وظائف الجامع الأعظم وورث عن أسرته ثرواتها وجاهها ليسمح باختلال الأمور إلى درجة تهدد وظائفه ومصالحه وتجعل مدينة قسنطينة لقمة سائغة في يد الثوار بعد أن قتل الباي مراد وانهزم الجيش والمدافعون عن المدينة. إن الفكون الذي طالما عرض بالثورات والفوضى بالريف القسنطيني قبل 1047 قد واجه الآن ثورة أشد وأعنف تهدد المدينة نفسها كما تهدد حضرها ومصالحها التجارية ومؤسساتها. وقد كان عليه أن يتخذ موقفا واضحا، فهو مسؤول معنويا وسياسيا وروحيا وقد اختار، فاختار الأمن والاستقرار على الفوضى، اختار حاكما يعرفه على حاكم لا يعرفه، بل إنه استطاع أن (يفرض) هذا الحاكم فرضا، كما سنرى، وتحالف معه أوثق التحالف وحماه بكل ما لديه من نفوذ روحي.

إن مكان تاريخ ثورة الذواودة ليس هنا، ولكن يكفي أن نبحث عن تأثيرها على اتخاذ الفكون ما اتخذ من مواقف. وأنه نتيجة لهذه الثورة، عدل باشوات الجزائر عن حرب الإسبان في وهران والمرسى الكبير، واتجهوا بكل قواتهم نحو الشرق الجزائري، لأن القضاء على العدو الداخلي في نظرهم كان أولى من القضاء على العدو الخارجي ومن أجل ذلك جندوا أيضا، أو حاولوا أن يجندوا، كل العناصر القوية في البلاد من أصحاب النفوذ والمصالح كالأعيان في المدن والعلماء ورجال التصوف. والواقع

ص: 78

أننا درسنا العلاقة بين العلماء ورجال التصوف في غير هذا المكان، ولكننا نذكر بشيئين: الأول أن العثمانيين كانوا يعفون المرابطين وكبار رجال الدين من الضرائب والغرامات ويتسامحون معهم في إقامة الولائم والحضرات وجلب الأتباع تحسبا لمثل هذه الظروف التي يشتد فيها الكرب وتواجه السلطة أثناءها صعوبات، فيقف أولئك المتصوفة وأصحاب النفوذ الروحي عادة إلى جانب السلطة حماية لها وحماية لأنفسهم في نفس الوقت. والثاني أن ما حصلت عليه عائلة الفكون من امتيازات كان جزءا من هذا البرنامج ولم يكن استثناء خاصا بها (1).

وعلى هذا الأساس، فقد كان من المتوقع أن يتجند العلماء في المدن وأصحاب الطرق الصوفية في الأرياف إلى جانب

السلطة التي كانت تحارب الثوار. والذي يقرأ رسالة يوسف باشا، حاكم الجزائر عندئذ (سنة 1050) إلى محمد ساسي البوني بشأن هذا الموضوع، ورد البوني عليه، يدرك ما نحن فيه (2) ويوسف باشا هذا هو الذي جند أيضا علماء مدينة الجزائر، وتوجه بنفسه إلى قسنطينة وبسكرة لتوطيد الأمن والقضاء على الثورة. وهو الذي أقام سنة كاملة في قسنطينة من أجل ذلك. ولا شك أن أول من لقيه من علمائها هو عبد الكريم الفكون. ومن ثمة لا نستغرب أن تكون الوثيقة التي تجدد له وظائف أبيه وتقلده إمارة ركب

(1) انظر كتابنا (تاريخ الجزائر الثقافي، 206/ 1، ط 2).

(2)

انظر دراستنا عن هذه المراسلات في كتابنا (تجارب في الأدب والرحلة)، الجزائر 1984.

ص: 79

الحج مؤرخة بسنة 1048، أي عند انطلاقة الثورة المذكورة. فإذا حل يوسف باشا بقسنطينة فالمنتظر من الفكون لا إبداء الطاعة فقط ولكن المساعدة على جمع الكلمة وحصول الأمن العام وتوحيد الصف وراء الحاكم الشرعي للبلاد. والثورة لم تبق في الريف فقط ولكن امتدت إلى المدينة أيضا، وشاركت فيها، حسب بعض الوثائق، أسرة عبد المؤمن أيضا. وكان ذلك في رجب 1052 وقد دامت المعارك في شوارع المدينة يومين.

ولكن تدخل العلماء من أمثال الفكون أرجع الأمن والهدوء. ووقعت في الريف هزيمة منكرة ليوسف باشا والباي مراد وشعبان (1053). ولم تكد تحل سنة 1054 حتى ضرب الطاعون أيضا، كما عرفنا، ثم في سنة 1057 تواصل الجفاف وحلت مجاعة كبيرة أدت إلى مضاعفة النهب وحوادث الاعتداء.

وهكذا ظهر للفكون وأمثاله أن السلطة كانت عاجزة عن القيام بدورها، فاستعملوا نفوذهم الروحي والمعنوي وحافظوا ما استطاعوا على الأمن والنظام، واتفقوا على كتابة رسالة جماعية يطلبون فيها من باشا الجزائر تعيين حاكم عليهم، يساعدهم ويساعدونه. وماذا كان ينتظر الباشا غير هذا؟ ولكنه بدل أن يرسل حاكما جديدا لا يعرف المدينة وأهلها، طلب منهم أن يقترحوا عليه حاكما وهو يصادق عليه ففعلوا. وكان الاختيار قد وقع على فرحات بن مراد باي، الذي قتل الثوار والده أثناء الثورة المذكورة. ولا شك أن الاقتراح كان من الفكون أو بوحي منه. ومن غريب الصدف أن فرحات هذا قد عاش إلى سنة 1075، أي سنتين بعد وفاة الفكون. وقد سبق القول أن كلا من الفكون

ص: 80

وفرحات باي قد عين ابنه خليفة عنه في المنصب الذي كان يشغله: محمد الفكون في مكان أبيه: إماما وخطيبا بالجامع الأعظم وأميرا لركب الحج وشيخا للإسلام، ومحمد بن فرحات باي حاكما على إقليم قسنطينة. فالنصف الثاني من القرن الحادي عشر بقسنطينة إذن كان عهد الأسرتين المتحالفتين:

الفكونية التي كانت تتحكم في الأرواح والعقول، والفرحاتية التي كانت تتحكم في الأبدان والنظام العام.

وقبل أن نطوي صفحة الحديث، عن وظائف الفكون وامتيازاته نود أن نوثق نقطتين نعتقد أن القارىء يرغب في توثيقهما بعد أن طرحنا عليه الدعوة من قبل بدون دليل. الأولى تاريخ تولي الفكون إمارة ركب الحج، والثانية تاريخ تلقيبه بشيخ الإسلام.

فيما يتعلق بالأولى قلنا إنه هو الأول في عائلته الذي تولى تلك المهمة. ودليلنا:

1 -

إنه لم ينسب هو ذلك لجده ولا لوالده حين ترجم لهما، رغم أنه قال عن والده أنه توفي عند منصرفه من الحج بين مكة والمدينة ومصر وفي مكان يسمى (المويلح) سنة 1045 ولو كان أبوه متوليا ذلك لما سكت عنه خصوصا أن هناك مسؤولية خطيرة تحدث نظرا للفراغ الذي تتركه وفاته وسط الحجيج.

2 -

أنه أشار إلى ما يثبت أن إمارة ركب الحج كانت ما تزال في عائلة عبد المؤمن عند كتابة (منشور الهداية) ولكنه لم يضبط تاريخا لذلك. فقد أورد فيه أن (حبيبنا محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن) قد وافق على حمل الشيخ محمد الفقيه الزواوي

ص: 81

معه إلى الحج. وقال إن صهر الزواوي وعائلته قد اتصلت به (بالفكون) لمنعه من ذلك لأنه حج في السابق ولأنه فقير. وأخبر الفكون أن الشيخ الزواوي علم بالأمر فتخفى عنه وسافر، مع ذلك، إلى الحج رفقة محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن (1)، ونحن لا تهمنا الآن نهاية القصة التي أخبر فيها الفكون إن الزواوي ندم عن فعله بعد ذلك وجاءه معتذرا إليه بعد رجوعه من الحج، وإنما الذي يهمنا أن ركب الحج كان، إلى وقت كتابة (منشور الهداية) في عائلة عبد المؤمن وليس في عائلة الفكون.

ومن جهة أخرى فإن الوثيقة الوحيدة التي رآها بعض الباحثين (2) والتي تتحدث عن (تجديد،) إمارة ركب الحج للفكون تعود إلى سنة 1048 ومعنى ذلك أن الفكون كان يقوم بهذه المهمة قبل ذلك التاريخ. فهل تولاها حقا منذ وفاة أبيه سنة 1045؟ ذلك سؤال ما يزال مفتوحا ومهما كان الأمر فإن إمارة ركب الحج ليست سهلة، رغم أنها قد تبدو مسألة معنوية فقط. تقول الوثيقة التي صدرت له من علي باشا سنة 1048 أنه (الشيخ العالم القدوة التقي. الناسك الأبر النحرير المؤلف. البليغ سيدي عبد الكريم الفكون). وتخبرنا أنه قد أذن له في التوجه

(1) انظر (منشور الهداية، ص 90. نرجح أن يكون ذلك قد حدث حوالي سنة 1030. ذلك أن الفكون يقول عن الشيخ الزواوي إنه جاء قسنطينة بعد محمد السوسي المغربي، والمعروف أن السوسي توفى سنة 1023 فيكون مجيء الفقيه الزواوي إلى قسنطينة وزواجه بها وحجه ثانية قد وقع حوالي 1030 كما ذكرنا.

(2)

انظر ميرسييه (روكاي) 1878، ص 229.

ص: 82

إلى قبر الرسول (ص)، كما أذن له بضرب الطبل والاتجاه بالمسلمين كما كان، ويكون رقاس (1) الرسول (ص) وأن أحدا لن يمانعه في ذلك أو يعارضه أو يدافعه أو ينازعه، لأنه أحق بهذه المهمة من غيره وأجدر من يقوم بها وبحقوقها وعلى كل (القواد والعمال والخاص والعام) بقسنطينة. ومن مهمة أمير الركب اختيار الحجاج المرافقين له. وقد رأينا أن الفكون حاول (التدخل) فقط لمنع محمد الفقيه الزواوي من الحج، ولكن الزواوي حصل على إذن من محمد حفيد عبد المؤمن بالحج معه.

أما مشيخة الإسلام فيبدو أن التلقيب بها قد ارتبط بإمارة ركب الحج. ونحن لا نملك تاريخا محددا استعمل فيه الناس أو السلطة هذا التعبير المميز. ويبدو كذلك أن عبارة (شيخ الإسلام) ليست لقبا يمنح بأمر أو مرسوم، ولكنها تذكر عند الخطاب بالتجلة والاحترام ثم تصبح عادة. وما دام الفكون قد وصل في نفوذه المادي والروحي والعلمي (وقل من العلماء من ألف مثله عندئذ) إلى قمة مجده بين 1045 و1064، فإن التلقيب بعبارة شيخ الإسلام أصبح أمرأ متداولا ولا سيما بين العلماء وفي المرسلات والخطاب الرسمي ونود أن نلاحظ أن عبارة (شيخ الإسلام) لم تكن مقصورة في الجزائر على الفكون وحده عندئذ،

(1) الرقاس (الرقاص من الرقص) في الأصل موزع البريد، وهو اصطلاح إداري كان شائعا في المنطقة كما يطلق على كل من يخدم الناس، وعلى كل إنسان كثير الحركة. انظر: عباس بن إبرهيم (الأعلام) 1/ 355 هامش 1.

ص: 83

ولكن يبدو أنها كانت مقصورة عليه وعلى حفدائه في قسنطينة فقط. ذلك أن سعيد قدورة مثلا كان في مدينة الجزائر في نفس الوقت (توفي 1066) وكان يلقب أيضا بشيخ الإسلام معظم الأحيان. والظاهر أن هذا التعبير يعني في الأصل أن صاحبه مرجع في الفتوى وقضايا الشريعة. ولكن بالنسبة للفكون بالذات فإنه أضاف إلى هذا المعنى، الوزن السياسي والأدبي الذي كان يظهره، خصوصا في الحالات غير العادية كالأزمات والثورات، حين تلجأ السلطة ويحتاج الناس إلى من يقطع برأي الشريعة ويفرض الحل المناسب للصالح العام.

يخبرنا من عرفوا الفكون أميرا لركب الحج أنه كان لا يبالي بامتيازات هذه المهمة رغم تقدير الناس له وإظهارهم الاحترام الواجب له ولا شك أن ولاة الجزائر وكذلك ولاة البلدان الإسلامية التي كان يمر بها ركب الحج، كانوا يقدمون له فروض الاحترام ويبدو أن طريق الركب كان بريا ثم بحريا وكان يمر على تونس ومصر فالحجاز. وليس لدينا وثائق عن هذه الرحلة الشاقة التي كان يتعرض أصحابها للقرصنة المسيحية (خصوصا من فرسان مالطة) إذا ركبوا البحر، ولقطاع الطرق ومتاعب الطريق من قلة الزاد والعطش والأمراض إذا سلكوا طريق البر. ومن النصوص الباقية حول ذلك رحلة العياشي التي حج صاحبها، أبو سالم العياشي، مع الفكون سنة 1064 وقد تحدث العياشي عن هذا الشيخ حديث المعجب، وحديث التلميذ عن شيخه (كان العياشي عندئذ ما يزال شابا).

أما النص الثاني عن حالة الفكون أثناء إمارته ركب الحج فمن

ص: 84

تلميذ آخر له، وهو عيسى الثعالبي الجزائري. وقد أخبرنا الثعالبي أن شيخه كان لا يهتم بما يهدى إليه، وأنه كان متجنبا أهل الولايات الدنيوية، وإن المدح والذم قد استويا عنده. ولعل أهم من ذلك قول الثعالبي أن الفكون لم يهتم بوالي مصر ولا بأعيانها ولا بهداياهم حين خرجوا له لتعظيمه ومهاداته. يقول الثعالبي بالنصى (ولقد سيقت إليه بمصر أموال ضخام وهدايا نفيسة حين قفوله من الحج، وأقبل عليه أهلها على اختلاف طبقاتهم. ونزل إليه الباشا فمن دونه، فما استفزه شيء من ذلك ولا أكترث به، ولم يقبل منه دينارا ولا درهما). كما أخبر الثعالبي أن بعض الناس جاؤوه للتبرك به. وهناك عبارة مهمة في نص الثعالبي أيضا وهي قوله أن الفكون كان (يتردد على الحرمين الشريفين) ونحن لا نستغرب هذا من الفكون الذي عرفناه من كتاباته ولا سيما (منشور الهداية)، فما قاله الثعالبي هنا عنه ينطبق تماما على ما جاء في كتابه في ميزات العالم الصحيح والمتصوف الحقيقي إزاء مغريات السلطة والدنيا والناس. ويبدو أن الفكون قد اتبع نفس الأسلوب مع ولاة بلاده أيضا، ولذلك فرض نفسه عليهم وفرض احترامهم لمنصبه وعلمه ودينه وأخلاقه. فلا نعرف أنه كان يتملق أحدا منهم أو أنه مدح بايا أو باشا أو صاحب رياسة، كما يقول. ولا نعرف أنه توجه إلى مدينة الجزائر سوى مرة واحدة، بناء على الوثائق المتوفرة. وكان ذلك من أجل تثبيت حقوقه الشرعية وامتيازات وظيفته (1) وإذا كنا نأسف لشيء بهذا

(1) ذم ذلك ميرسييه في (روكاي) 1878، ص 236. وقال أن زيارته للجزائر

ص: 85

الصدد فهو عدم تسجيل الفكون مذكرات عن رحلاته إلى المشرق، كما كان يفعل المغاربة على وجه العموم، وهل فعل ذلك وضاع عمله؟

حدثت سنة 1060 هـ (1650 م) وكان قد حمل معه مكتوبا من باي قسنطينة يحدد له مهامه وامتيازاته فثبته الباشا عليها.

ص: 86