الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعروف لم آمن من المولى العتاب، وما علي بعده من جاهل غمر، أومن حاسد حبر.
فبينما أنا في مجاري الأقدار، نابذا حلة الأحجار، متعرضا لأوان الكلام من فراغ البال، واستواء الحال، اطلعت على جواب في القضيه لبعض أهل مصر وغيرهم من العلماء، والصلحاء النخباء، فتأنست النفس بعد استيحاشها وانبسطت بعد انكماشها، واستعنت بالله على تبيين الحق في المسألة. وتوضيح الصواب في هذه المعضلة، بعد إيراد الأجوبة (1) له نظما ونثرا، وتتبعي في الجواب الأول منها سطرا سطرا. وبعد الفراغ إن شاء الله أذيله بما عليه أحوال أبناء الزمان، وأذكر من مساويهم ما هو في غاية النصح للإخوان، ولذا سميته (بمحدد السنان في نحور إخوان الدخان)(*).
3 - رسالة من الفكون إلى أحمد المقري
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على من أنزل عليه في القرآن {وإنك لعلى خلق عظيم} وآله وصحبه وسلم أفضل التسليم، من مدنس الازار، المتسربل بسرابيل الخطايا والأوزار، الراجي للتنصل منه رحمة العزيز الغفار، عبد الله عبد الكريم بن محمد الفكون، أصلح الله بالتقوى حاله! وبلغه من متابعة السنة
(1) كلمة غير مقروءة.
(*) المصدر: مخطوطة (محدد السنان)، نسخة مصورة خاصة مأخوذة على نسخة المكتبة الملكية بالرباط، رقم 6229.
النبوية آماله! إلى الشيخ الشهير، الصدر النحرير، ذي الفهم الثاقب والحفظ الغزير، الأحب في الله المؤاخي من أجله سيدي أبي العباس أحمد المقري، أحمد الله عاقبتي وعاقبته! وأسبل على الجميع عافيته!
أما بعد فإني أحمد الله إليك، وأصلي على نبيه سيدنا محمد (ص)، ولا أريد إلا صالح الدعاء وطلبه منكم، فإني أحوج الناس إليه، وأشدهم في ظني إلحاحا عليه، لما تحققت من أحوال نفسي الأمارة، واستنبطت من دخيلائها المثابرة على حب الدنيا الغرارة، كأنها عميت عن الأهوال، التي أشابت رؤوس الأطفال، وقطعت أعناق كمل الرجال، فتراها في لجج هواها خائضة، وفي ميدان شهواتها راكضة، طغت في غيها وما لانت، وجمحت فما انقادت ولا استقامت، فويلي ثم ويلي من يوم تبرز فيه القبائح، وتنشر الفضائح، ومنادي العدل قائم بين العالمين، وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين، فالله أسأل حسن الألطاف، والستر عما ارتكبناه من التعدي والإسراف، وأن يجعلنا من أهل الحمى العظيم، وممن يحشر تحت لواء خلاصته الكريم، سيدنا ومولانا وشفيعنا النبي الرؤوف الرحيم.
ولنكف من القلم عنانه، لما أرجو من أجله ثواب الله سبحانه، وقد اتصل بيدي جوابكم، أطال الله في العلم بقاءكم، فرأيت من عذوبة ألفاظكم، وبلاغة خطابكم، ما يذهل من العلماء فحولها، وينيلها لدى الجو لسماعه سؤلها ومأمولها، بيد ما فيه من أوصاف
(*) المصدر: (نفح الطيب) للمقري، 238/ 3 - 240.
من أمره قاصر، وعن الطاعة والاجتهاد فاتر، وأصدق قول فيه عند مخبره ومرآه، أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، لكن يجازيكم المولى بحسن النية، البلوغ في بحبوحة الجنان غاية الأمنية.
وقد ذيلتم ذلك بأبيات أنا أقل من أن أوصف بمثلها، على أني غير قائم بفرضها ونفلها، فالله تعالى يمدكم بمعونته، ويجعلكم من أهل مناجاته في حضرته، ويسقينا من كاسات القرب ما نتمتع منه بلذيذ منادمته، وقد ساعد البنان الجنان، في إجابتكم بوزنها وقافيتها، والعذر لي أنني لست من أهل هذا الشأن، والاعتراف بأنني جبان وأي جبان، والكمال لكم في الرضا والقبول، والكريم يغضي عن عورات الأحمق الجهول، وظننا، حققه الله تعالى، أن نجعل على منظومتكم الكلامية يعني (إضاءة الدجنة)(1) تقييدا، أرجو من الله توفيقا وتسديدا، بحسب قدري لا على قدركم، وعلى مثل فكري القاصر لا على عظيم فكركم، وإن ساعد الأوان، وقضي بتيسيره رب الزمان، فآتي به إن شاء الله الآجل معي لأنني بالأشواق، إلى حضرة راكب البراق، ومخترق السبع الطباق، وكنت عازما على أن أبعث لكم من الأبيات أكثر من الواقع، إلا أن الرفقة أعجلت، وصادفتني أيام موت قعيدة البيت، فلم يتيسر عاجلا إلا ما ذكر، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبي ونعم الوكيل:
(1) عنوان النظم الذي كتبه أحمد المقري في التوحيد وسماه (إضاءة الدجنة في عقائد أهل السنة) - وقد شرحه عدد من العلماء، مشرقا ومغربا. انظر ترجمتنا للمقري في كتابنا (تاريخ الجزائر الثقافي)، ج 2.
يا نخبة الدهر في الدراية
…
علما تعاضده الرواية
لا زلت بحرا بكل فن
…
يروي به الطالبون غاية
لقد تصدرت في المعالي
…
كما تعاليت في العناية
من فيك تستنظم المعاني
…
بلغت في حسنها النهاية
رقاك مولاك كل مرقى
…
تحوي به القرب والولاية
أعجوبة ما لها نظير
…
في الحفظ والفهم والهداية
يا أحمد المقري دامت
…
بشراك تصحبها الرعاية
بجاه خير العباد طرا
…
والآل والصحب والنقاية
صلى عليه الإله تترى
…
نكفي بها الشر والغواية
وأختم كتابي بالصلاة والسلام على سيدنا رسول الله (ص)،
وكتب بغاية عجلة يوم السبت سابع أو ثامن رجب، من عام ثمانية وثلاثين وألف للهجرة على صاحبها الصلاة والسلام!