الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الأول: علم اللغة - موضوعه وماهيته
1-
علم اللغة يدرس "اللغة
":
"علم اللغة" هو العلم الذي يتخذ "اللغة" موضوعا له. قال فرديناند دي سوسير في "محاضرات في علم اللغة العام": إن "موضوع علم اللغة الوحيد والصحيح هو اللغة معتبرة في ذاتها ومن أجل ذاتها"1.
أ- و"اللغة" التي يدرسها علم اللغة ليست الفرنسية، أو الإنجليزية، أو العربية، ليست لغة معينة من اللغات، إنما هي "اللغة" التي تظهر وتحقق في أشكال لغات كثيرة ولهجات متعددة، وصور مختلفة من صور "الكلام" الإنساني. فمع أن اللغة العربية تختلف عن الإنجليزية، وهذه الأخيرة تفترق عن الفرنسية إلا أن ثمة أصولا وخصائص جوهرية تجمع ما بين هذه اللغات وتجمع ما بينها وبين سائر اللغات وصور الكلام الإنساني، وهو أن كلا منها "لغة"، أن كلا منها نظام اجتماعي معين تتكلمه جماعة معينة بعد أن تتلقاه عن المجتمع، وتحقق به وظائف خاصة، ويتلقاه الجيل الجديد عن الجيل السابق، ويمر هذا النظام بأطوار معينة متأثرا بسائر النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وبسوى ذلك
…
إلخ. وهكذا فعلم اللغة يستقي مادته من النظر في "اللغات" على اختلافها، وهو يحاول أن يصل إلى فهم الحقائق والخصائص التي تسلك اللغات جميعا في عقد واحد.
وكما يدرس علم الحيوان أفراد الحيوان على اختلافها ليصل إلى فهم سليم لحقيقة "الحيوان"، والدراسة تلجئه إلى أن يصنف أفراد الحيوان على أسس معينة، وأن يبرز خصائص كل "صنف"، وأن يؤرخ للحياة الحيوانية، ويحاول أن يفسر "نشأتها"، كذلك يصنع عالم اللغة "باللغات": إن اللغات هي الأشكال المختلفة التي تتحقق فيها "اللغة"، فدراسة كل منها وصفا وتاريخا، ودراسة العلاقات التي تقوم بينها أو بين طائفة منها، ودراسة "الوظائف" التي تؤديها. وتبين ظروف استعمالها، كل أولئك وسواه يمهد للوصول إلى التعريف بحقيقة تلك الظاهرة الإنسانية العامة التي هي "اللغة". ومن هنا نرى أن "علم اللغة العام" ما كان ليظهر على الصورة الحديثة التي ظهر بها، لو لم تسبقه تلك الدراسات التفصيلية الكثيرة لمعظم لغات البشر، تلك الدراسات التي مهدت لتاريخ اللغات وللمقارنة بينها
1 Ferdinand de Saussure Cours De Linguistique General Quatrieme edition Payot Paris 1949 p 317.
ولتصنيفها أن تنهض، فكثر التفكير في "نشأة" اللغة، وفي "تطورها" وفي "العائلات اللغوية"
…
إلخ. نعم إن تلك الدراسات السابقة للغات البشر أو لأشهرها يعاد النظر فيها الآن، والذي يدعو إلى إعادة النظر فيها هو نتائج "علم اللغة" نفسه؛ لأن بعض تلك الدراسات قام على أسس غير سليمة، أو استعان بوسائل قاصرة، ولكن تلك الدراسات مع ما فيها من قصور، كانت خطوة أساسية لظهور "علم اللغة".
فموضوع علم اللغة1، إذن ليس "لغة" معينة من اللغات، بل "اللغة" من حيث هي وظيفة إنسانية عامة، اللغة من حيث هي وظيفة إنسانية2، والتي تبدو في أشكال نظم إنسانية3 اجتماعية تسمى اللغات كالروسية والإيطالية والإسبانية، أو "اللهجات"4 أو أي اسم آخر من الأسماء5. هذه الصورة المتنوعة المتعددة واحدة في جوهرها، وتمثل وظيفة إنسانية.
ب- هذه هي "اللغة" التي هي موضوع "علم اللغة"، أما معنى قول دي سوسير إن علم اللغة "في ذاتها" فهو أن يدرسها من حيث هي لغة، يدرسها كما هي، يدرسها كما تظهر، فليس للباحث فيها أن يغير من طبيعتها، كما أنه ليس للباحث في موضوع أي علم من العلوم أن يغير من طبيعته، فليس له أن يقتصر في بحث على جوانب من اللغة مستحسنا إياها، وينحي جوانب أخرى استهجانا لها أو استخفافا بها، أو لغرض في نفسه، أو لأي سبب آخر من الأسباب.
جـ- أما أن علم اللغة يدرس اللغة "من أجل ذاتها"، فمعناه أنه يدرسها لغرض الدراسة نفسها، يدرسها دراسة موضوعية تستهدف الكشف عن حقيقتها، فليس من موضوع دراسته أن يحقق أغراضا تربوية مثلا، أو أية أغراض عملية أخرى. إنه لا يدرسها هدفا إلى ترقيتها"، أو إلى تصحيح جوانب منها أو تعديل آخر، إن عمله قاصر على أن يصفها ويحللها بطريقة موضوعية.
1 انظر في هذا: Jian Perrot La Lingutiqie lere edition Presses Universitaies De France Paris 1953 Que Je 570" p0
وانظر الفصل كله وهو خاص بعلم اللغة "pp 9-15".
2 Fonction hvmaine
3 lnstivtions humaines
4 Dialectes
5 الفرنسية تميز بأسماء خاصة بين صور مختلفة من صور الكلام الفرنسي فتستعمل غير ما يدل على "اللغة" أي لغة معينة كالألمانية، وغير ما يدل على "اللهجة"، الكلمات: jargon argot Parlers Patois