الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وإن تأملت متعمقا؛ فهي غير محصورة. والمنسوخ باصطلاح المتأخرين عدد قليل، لا سيما بحسب ما اخترناه من التوجيه" (1).
النسخ لا يكون في الكليات وقوعا:
يقرر الشاطبي أن الذي نزل بمكة على النبي صلى الله عليه وسلم من أحكام الشريعة هو ما كان من الأحكام الكلية- على غالب الأمر- ثم تبعها أشياء بالمدينة، كملت بها تلك القواعد التي وضع أصلها بمكة.
ثم يقرر أيضا- بناء على هذا- أن المنسوخ في مكة قليل أو نادر، وعلل لذلك بأن النسخ لا يكون في الكليات وقوعا، وإن أمكن عقلا (2).
وأما إن الكليات لا نسخ فيها؛ فدليله الاستقراء التام، وأن الشريعة مبنية على حفظ الضروريات والحاجيات والتحسينات .. وجميع ذلك لم ينسخ منه شيء.
قال:" القواعد الكلية، من الضروريات والحاجيات والتحسينات، لم يقع فيها نسخ. وإنما وقع النسخ في أمور جزئية بدليل الاستقراء. فإن كل ما يعود بالحفظ على الأمور الخمسة ثابت، وإن فرض نسخ بعض جزئياته؛ فذلك لا يكون إلا بوجه آخر من الحفظ، وإن فرض النسخ في بعضها إلى غير بدل؛ فأصل الحفظ باق؛ إذ لا يلزم من رفع بعض أنواع الجنس رفع الجنس. بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة في كل ملة، وأن اختلاف أوجه الحفظ بحسب كل ملة. وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينات، وقد قال تعالى:
(1) الفوز الكبير في أصول التفسير، ص 53.
(2)
الموافقات، 3/ 104.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [سورة الشورى: 13]، وقال تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [سورة الأحقاف: 35]، وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء- عليهم السلام: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [سورة الأنعام: 90] " ..
ثم أخذ الشاطبي يسوق بعض الأدلة على ما ذكر، ثم قال:" .. إلى سائر ما في ذلك من معاني الضروريات. وكذلك الحاجيات .. فإنا نعلم أنهم لم يكلّفوا بما لا يطاق. هذا .. وإن كانوا قد كلّفوا بأمور شاقة؛ فذاك لا يرفع أصل اعتبار الحاجيات. ومثل ذلك التحسينات" ..
ثم أورد اعتراضا وأجاب عنه .. قال:" وأما قوله: لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [سورة المائدة: 47]؛ فإنه يصدق على الفروع الجزئية، وبه تجتمع معاني الآيات والأخبار. فإذا كانت الشرائع قد اتفقت في الأصول- مع وقوع النسخ فيها- وثبتت ولم تنسخ؛ فهي في الملة الواحدة الجامعة لمحاسن الملل أولى"(1).
وصفوة القول أنه ليس كل حكم شرعي بقابل للنسخ. فإن من شروط الحكم المنسوخ أن يكون جزئيّا لا كليّا، وأن يكون عمليّا لا عقديّا. فمن الخطأ أن يزعم زاعم أن حكما من الأحكام الكلية في الشريعة منسوخ. ومثله أصول العقيدة، ومكارم الأخلاق.
(1) الموافقات، 3/ 117، 118.
لقد شرعت الأحكام الكلية لتتفرع عليها الجزئيات. فهي أصول تستنبط منها الفروع، وكليات تبنى عليها الجزئيات، وقواعد تندرج تحتها الفروع .. وما كانت الأصول الكلية لتنسخ وهي أساس الجزئيات.