الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(8) التناسب بين بعض القرآن وبعض
إن الهدف الذي قصد إليه الشاطبي في هذه المسألة هو إبراز التناسب بين بعض القرآن وبعض، وذلك من خلال أن السورة القرآنية مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد مرتبط أوله بآخره، وآخره بأوله، ومن خلال تعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة، وأنه لا غنى لمستفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية.
وعدّ الشاطبي هذا ضابطا يعول عليه في فهم سور القرآن، وحذر من الإغراق في النظر في الآيات على أنها منفصلة تماما عن غيرها. فمن فعل هذا؛ فلن يحصل له إلا فهم الظواهر بحسب الوضع اللغوي فقط، لا بحسب مقصود المتكلم .. قال:" لا بدّ من ضابط يعول عليه في مأخذ الفهم. والقول في ذلك أن المساقات تختلف باختلاف الأحوال والأوقات والنوازل، وهذا معلوم في علم المعاني والبيان. فالذي يكون على بال من المستمع والمتفهم الالتفات إلى أول الكلام وآخره بحسب القضية وما اقتضاه الحال فيها، لا ينظر في أولها دون آخرها، ولا في آخرها دون أولها .. فإن القضية وإن اشتملت على جمل؛ فبعضها متعلق بالبعض؛ لأنها قضية واحدة نازلة في شيء واحد فلا محيص للمتفهم عن رد آخر الكلام على أوله، وأوله على آخره، وإذ ذاك يحصل مقصود الشارع في فهم المكلف. فإن فرق النظر في أجزائه؛ فلا يتوصل به إلى مراده. فلا يصح الاقتصار في النظر على بعض أجزاء الكلام دون بعض، إلا في موطن واحد،
وهو النظر في فهم الظاهر بحسب اللسان العربي وما يقتضيه، لا بحسب مقصود المتكلم، فإذا صح له الظاهر على العربية؛ رجع إلى نفس الكلام" (1).
ثم يقرر أن سور القرآن إما أن تكون نزلت في قضية واحدة- طالت أم قصرت- وإما أن تكون قد نزلت دفعة واحدة، أو على دفعات متعددة.
فيمكن النظر في كل قضية من هذه القضايا المتعددة من أجل تلمس العلم والفقه. ولكننا لا يمكننا إدراك وجه الإعجاز إلا بالنظر إليها باعتبار النظم، وبالنظر في أوّل الكلام وآخره بحسب تلك الاعتبارات .. فسورة البقرة- مثلا- كلام واحد باعتبار النظم، واحتوت على أنواع من الكلام بحسب ما بث فيها، منها ما هو كالمقدمات والتمهيدات بين يدي الأمر المطلوب، ومنها ما هو كالمؤكّد والمتمّم، ومنها ما هو المقصود في الإنزال (وذلك- أي المقصود الأول في الإنزال- هو تقدير الأحكام على تفاصيل الأبواب)، ومنها الخواتيم العائدة على ما قبلها بالتأكيد والتثبيت وما أشبه ذلك (2).
ثم ضرب مثلا آخر مطوّلا بسورة" المؤمنون"، حيث نزلت في قضية واحدة، وإن اشتملت على قضايا متعددة، فهي سورة مكية، وغالب القرآن المكي يقرر ثلاثة معان (ترجع في حقيقتها إلى معنى واحد، هو" الدعوة إلى عبادة الله"):
أحدها: تقرير الوحدانية لله الواحد الحق، ونفي الشركاء عنه.
والثاني: تقرير نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
(1) الموافقات، 3/ 413، 414.
(2)
الموافقات، 3/ 414، 415.
والثالث: إثبات البعث، وأنه حق لا ريب فيه.
فهذه هي المعاني الثلاثة التي عليها مدار القرآن المكي. أما بيان ذلك بالتفصيل في سورة المؤمنون؛ فيرى الشاطبي" أن المعاني الثلاثة موجودة فيها على أوضح الوجوه، إلا أنه غلب على نسقها ذكر إنكار الكفار للنبوة التي هي المدخل للمعنيين السابقين، وإنما أنكروا ذلك ترفعا منهم أن يرسل الله عز وجل إليهم من هو مثلهم أو ينال هذه الرتبة غيرهم .. فجاءت السورة مبينة كمال البشرية، وكيف أنها تستحق الاصطفاء والرفعة، فافتتحت بثلاث جمل: بيان من أفلح من المؤمنين وصفاتهم، ثم انتقلت إلى بيان أصل الإنسان، ثم ذكرت نعم الله التي أعطاها للإنسان وسخرها له تكريما وتشريفا، ثم ذكرت قصص من تقدم من الأمم مع أنبيائهم واستهزائهم بهم لكونهم بشرا. ففي قصة نوح مع قومه: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ [سورة المؤمنون: 24]، ثم أجمل ذكر قوم آخرين أرسل فيهم رسولا منهم فقالوا: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ [سورة المؤمنون: 33]، وفي نفس السورة يخبرنا القرآن الكريم برد فرعون وملئه على موسى وأخيه هارون- عليهما السلام لما دعواهم إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، فكان جوابهم: أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ [سورة المؤمنون:
47].
وكل هذه القصص التي وردت في سورة المؤمنون هي تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعلم أنه ليس بدعا من الرسل، وأن طريقة التكذيب واحدة، وهي" الغض من رتبة النبوة بوصف البشرية"(1).
(1) الموافقات، 3/ 418.
وبعد هذا البيان الإجمالي لسورة المؤمنون يقول الشاطبي:" فسورة المؤمنون قصة واحدة في شيء واحد. وبالجملة .. فحيث ذكر قصص الأنبياء- عليهم السلام كنوح وهود وصالح ولوط وشعيب وموسى وهارون، فإنما ذلك تسلية لمحمد- عليه الصلاة والسلام وتثبيت لفؤاده، لما كان يلقى من عناد الكفار وتكذيبهم له على أنواع مختلفة .. فتذكر القصة على النحو الذي يقع له مثله، وبذلك اختلف مساق القصة الواحدة بحسب اختلاف الأحوال، والجميع واقع لا إشكال في صحته. وعلى حذو ما تقدم من الأمثلة يحتذى في النظر في القرآن لمن أراد فهم القرآن"(1).
وصفوة القول أن الشاطبي يدعو إلى النظر في السورة القرآنية نظرة كلية عامة، وذلك .. بربط آخر الكلام بأوله، فكل سورة من سورة تمثل كما يقول الأستاذ الجليل الشيخ محمد الغزالي- رحمه الله" وحدة متماسكة، تشدها خيوط خفية .. تجعل أولها تمهيدا لآخرها، وآخرها تصديقا لأولها، وتدور السورة كلها على محور ثابت"(2).
وبعد أن أثبت الشاطبي الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، وذكر لذلك ضابطا يعول عليه في فهم القرآن، وأن عدم الأخذ به يؤدي بالمفسر إلى الوقوف عند فقه الألفاظ والدلالات اللغوية ..
أقول: بعد أن أثبت ذلك، أثبت الوحدة الموضوعية في القرآن كلّه .. قال:
" للقرآن مأخذ في النظر على أن جميع سوره كلام واحد، بحسب خطاب
(1) الموافقات، 3/ 419.
(2)
نحو تفسير موضوعي، ص 5.
العباد .. لا بحسبه في نفسه" (1). ثم بين أن القرآن الكريم كلام واحد في نفسه، لا تعدد فيه (على ما هو مسلم به في علم الكلام). ولكن باعتبار خطاب العباد تنزلا لما هو من معهودهم فيه .. فيصح في الاعتبار أن يكون كلاما واحدا بالمعنى المتقدم، أي يتوقف فهم بعضه على بعض بوجه ما، وذلك أنه يبين بعضه بعضا، حتى إن كثيرا منه لا يفهم معناه حق الفهم إلا بتفسير موضع آخر أو سورة أخرى .. ولأن كل منصوص عليه فيه من أنواع الضروريات مقيد بالحاجيات فإذا كان كذلك؛ فبعضه متوقف على البعض في الفهم. فلا محالة أن ما هو كذلك؛ فكلام واحد. فالقرآن كله كلام واحد بهذا الاعتبار"(2).
(1) الموافقات، 3/ 420.
(2)
نفس المرجع.