الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(10) الشاطبي والتفسير العلمي للقرآن
من المعلوم لدى أهل الفقه بالقرآن أن المفسر إن لم يظفر بشيء من بيان ما يقصد إلى بيانه في القرآن ولا في السنة الثابتة، ولا في الصالح للحجية من أقوال الصحابة أو التابعين .. اجتهد الرأي بعد تحصيل العلوم اللازمة لاجتهاده، متوخّيا في ذلك المنطق اللغوي، بأن يقتصر على الظهر من المعنى الأصلي للتركيب مع بيانه وإيضاحه. هذا هو الأصل. أو يستنبط معاني أخرى من وراء الظاهر تقتضيها دلالة اللفظ أو المقام ولا يجافيها الاستعمال اللغوي، ولا مقصد القرآن.
وتلك هي مستتبعات التراكيب على ما سبق بيانه.
أما أن يجلب مسائل علمية من علوم كونية أو إنسانية حديثة، لها مناسبة بمقصد الآية (إما على أن بعضها يومئ إليه معنى الآية ولو بتلويح ما، وإما على وجه التوفيق بين المعنى القرآني وبين مسائل تلك العلوم)؛ فإن العلماء في ذلك رأيين:
فمنهم من يرى بأن من الحسن التوفيق بين هذه العلوم الحديثة وآلاتها وبين المعاني القرآنية. قال ابن رشد الحفيد في كتابه" فصل المقال":" أجمع المسلمون على أن ليس يجب أن تحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، ولا أن تخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل. والسبب في ورود الشرع بظاهر وباطن هو اختلاف
نظر الناس، وتباين قرائحهم في التصديق" .. وتخلّص إلى القول بأن بين العلوم الشرعية والفلسفية اتصالا"(1).
وإلى مثل ذلك ذهب قطب الدين الشيرازي في" شرح حكمة الإشراق".
وهذا الغزالي ذكر في" الإحياء" قول ابن مسعود:" من أراد علم الأولين والآخرين؛ فليتدبر القرآن" .. ثم قال:" وبالجملة .. فالعلوم كلها داخلة في أفعال الله عز وجل وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارة إلى مجامعها"(2).
وفي كتابه" جواهر القرآن" ذكر أن جميع العلوم مغترفة من بحر واحد من بحار معرفة الله تعالى وهو بحر الأفعال، وقد ذكرنا أنه بحر لا ساحل له (3)، ثم ذكر من أفعال الله تعالى: الشفاء والمرض كما قال حكاية عن إبراهيم: وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ [سورة الشعراء: 80]. قال:" وهذا الفعل الواحد لا يعرفه إلا من عرف الطب بكماله إذ لا معنى للطب إلا معرفة المرض بكماله وعلاماته، ومعرفة الشفاء وأسبابه" .. ثم قال:" ولا يعرف كمال معنى قوله: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ
(1) ابن رشد، فصل المقال.
(2)
الإحياء، 1/ 289.
(3)
جواهر القرآن، 32، 33.
[سورة الانفطار: 6 - 8]، إلا من عرف تشريح الأعضاء من الإنسان ظاهرا وباطنا وعددها وأنواعها وحكمتها ومنافعها .. إلخ".
وقال في الإحياء:" بل كل ما أشكل فهمه على النّظّار (علماء المعقول) واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات ففي القرآن إليه رموز ودلالات عليه يختص أهل الفهم بدركها"(1).
وتبع الإمام الغزاليّ الإمام الرازي وابن أبي الفضل المرستي (الذي نقل السيوطي رأيه في كتابه" الإتقان" وأيده).
أما أبو إسحاق الشاطبي؛ فقد ذهب إلى منع ذلك اللون من التفسير العلمي للقرآن .. ففي الفصل الثالث من المسألة الرابعة قال:" لا يصح في مسلك الفهم والإفهام إلا ما يكون عامّا لجميع العرب. فلا يتكلف فيه فوق ما يقدرون عليه". وفي المسألة الرابعة من النوع الثاني قال:" ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها- وهم العرب- ينبني عليه قواعد، منها: أن كثيرا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدّ، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وأشباهها. وهذا إذا عرضناه على ما تقدم؛ لم يصح .. فإن السلف الصالح كانوا أعلم بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أن أحدا منهم تكلم في شيء من هذا المدّعى سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة.
نعم .. تضمن علوما من جنس علوم العرب وما هو على معهودهم، مما يتعجب
(1) الإحياء، 1/ 289.
منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة" .. وهذا مبني على ما أسسه من كون القرآن لما كان خطابا للأميين- وهم العرب- فإنما يعتمد في مسلك فهمه وإفهامه على مقدرتهم وطاقتهم، وأن الشريعة أمية.
هذا ما ذكره .. رأيا واستدلالا.
ثم شرع بعد هذا في ذكر الأدلة التي استند إليها المجوزون، فذكر منها قوله تعالى: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ [سورة النحل: 89]، وقوله تعالى: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ [سورة الأنعام: 38]، ونحو ذلك، واستدلالهم بفواتح السور- وهي لم تعهد عند العرب- وبما نقل عن الناس فيها، وربما حكي من ذلك عن علي بن أبي طالب وغيره أشياء (1).
وبعد ذلك طفق- رحمه الله ينقض هذه الأدلة؛ فقال:" فأما الآيات؛ فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.
وأما فواتح السور؛ فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدا، كعدد الجمّل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصحاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله .. وغير ذلك. وأما تفسيرها بما لا عهد به؛ فلا يكون، ولم يدّعه أحد ممن تقدم .. فلا دليل فيها على ما ادعوا. وما
(1) الموافقات، 2/ 79، 80.
ينقل عن علي بن أبي طالب أو غيره في هذا لا يثبت. فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية. فمن طلبه بغير ما هو أداة له؛ ضل عن فهمه، وتقوّل على الله ورسوله فيه" (1).
وقد تعقب صاحب" التحرير والتنوير" العلامة ابن عاشور هذا المسلك من الشاطبي فنقده بقوله:
" وهو أساس واه لستة وجوه:
الأول: أن ما نبه عليه يقتضي أن القرآن لم يقصد منه انتقال العرب من حال إلى حال. وهذا باطل .. قال تعالى: تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا [سورة هود: 49].
الثاني: أن مقاصد القرآن راجعة إلى عموم الدعوة، وهو معجزة باقية ..
فلا بد أن يكون فيه ما يصلح أن يتناوله أفهام من يأتي من الناس في عصور انتشار العلوم في الأمة.
الثالث: أن السلف قالوا إن القرآن لا تنقضي عجائبه .. يعنون معانيه. ولو كان كما قال الشاطبي؛ لانقضت عجائبه بانحصار أنواع معانيه.
الرابع: أن من تمام إعجازه أن يتضمن من المعاني مع إيجاز لفظه ما لم تف به الأسفار المتكاثرة.
(1) الموافقات، 20/ 81، 82.
الخامس: أن مقدار أفهام المخاطبين به ابتداء لا يقتضي إلّا أن يكون المعنى الأصلي مفهوما لهم. فأما ما زاد على المعاني الأساسية؛ فقد تهيأ لفهمه أقوام، وحجب عنه أقوام .. ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
السادس: أن عدم تكلم السلف عليها إن كان فيما ليس راجعا إلى مقاصده فمن ساعد عليه. وإن كان فيما يرجع إليها؛ فلا نسلم وقوفهم فيها عند ظواهر الآيات، بل قد بينوا أو فصلوا وفرعوا .. في علوم عنوا بها، ولا يمنعنا ذلك أن نقفّي على آثارهم في علوم أخرى راجعة لخدمة المقاصد القرآنية" (1).
والمختار لدى كتب هذه السطور جواز هذا اللون من التفسير، لكن لا بإطلاق .. بل بشرطين ذكرهما العلامة ابن عاشور وغيره .. قال:
" وكل ما كان من الحقيقة في علم من العلوم، وكانت الآية لها اعتلاق بذلك؛ فالحقيقة العلمية مرادة بمقدار ما بلغت إليه أفهام البشر، وبمقدار ما ستبلغ إليه. وشرطه ألا يخرج عما يصلح له اللفظ عربية، ولا يبعد عن الظاهر إلا بدليل، ولا يكون تكلفا بينا، ولا خروجا عن المعنى الأصلي .. حتى لا يكون في ذلك كتفاسير الباطنية".
(1) التحرير والتنوير، 1/ 44، 45.