المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه - عناية الإسلام بصحة الإنسان

[أمين الشقاوي - عبد الرحيم بن حسين المالكي]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأولالأدوية الإلهية

- ‌الفصل الأولما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه

- ‌الفصل الثانيما يحفظ به الصحة ويدفع به الداءبعد وقوعه من الأدوية الإلهية

- ‌الباب الثانيالأدوية المادية

- ‌الفصل الأولما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه

- ‌الغذاء من طعام وشراب وفيه

- ‌(ج) الكمية

- ‌الهواء

- ‌السكن

- ‌الملبس

- ‌المركب

- ‌الرياضة

- ‌النظافة

- ‌الفصل الثانيما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء بعد وقوعه

- ‌ قواعد ومسائل هامة:

- ‌الأولى: ما يتناوله الإنسان من طعام وشراب

- ‌الثانية: مراتب الدواء

- ‌الثالثة: الطبائع الأربع:

- ‌الرابعة: التشخيص:

- ‌الخامسة: الأدوية المفردة والمركبة:

- ‌السادسة: المناعة:

- ‌ومن أدوية الطب النبوي التي يحفظ بها الصحة، ويدفع بها الداء بعد وقوعه من الأدوية المادية

- ‌الحمية

- ‌العسل

- ‌القسط

- ‌الحبة السوداء

- ‌التلبينة

- ‌الحجامة

- ‌الكي

- ‌ماء زمزم

- ‌زيت الزيتون

- ‌أبوال الإبل وألبانها

- ‌الدواء بتمر عجوة المدينة للسحر وغيره

- ‌من فوائد التمر:

- ‌ما أنزله الله في الأرضمن ترابها ومياهها، وأشجارها وثمارها .. وغير ذلك مما خص اللَّه بعلمه من شاء من عباده

- ‌ألبان البقر

- ‌الماء

- ‌السَّنَا

- ‌الكمأة

- ‌الملح

- ‌الكباث

- ‌الصبر

- ‌اللَّدُّ

- ‌السَّعُوطُ

- ‌الحناء

- ‌ألية الكبش العربي لمن به عرق النساء

- ‌العلاج بالرماد

- ‌جناح الذباب

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌الفصل الأولما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه

‌الفصل الأول

ما يحفظ به الصحة ويدفع به الداء قبل وقوعه

روى البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقةِ»

(1)

.

قال ابن القيم رحمه الله: «فإن للصدقة تأثيرًا عجيبًا في دفع أنواع البلاء، ولو كانت من فاجر أو ظالم، بل من كافر، فإن اللَّه تعالى يدفع بها عنه أنواعًا من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم، وأهل الأرض كلهم مقرون به لأنهم جربوه»

(2)

.

وروى الترمذي في سننه من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلإِثْمِ،

(1)

جزء من حديث برقم 3278، وقال الشيخ الألباني رحمه الله كما في تعليقه على صحيح الترغيب والترهيب (1/ 458): قلت: مع إرساله حسن الإسناد، وما أشار إليه من الروايات عن الجماعة لا تخلو من ضعف بعضه شديد، وقد خرجت طائفة منها في الضعيفة (2575، و 3492، و 6162) وهي على اختلاف ألفاظها قد اتفقت على جملة المداواة هذه ولذلك حسنتها. والله أعلم.

(2)

الوابل الصيب من الكلم الطيب ص 57.

ص: 11

وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ»

(1)

.

وقيام الليل من أنفع أسباب حفظ الصحة، ومن أنفع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، قال ابن القيم رحمه الله:«والصلاة منهاة عن الإثم ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس، وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم وقامعة لأخلاط الشهوات وحافظة للنعمة ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة»

(2)

، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ»

(3)

.

وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ،

(1)

برقم 3549، وحسنه الألباني رحمه الله كما في إرواء الغليل وقال: الحديث حسن دون الزيادة: ومطردة للداء عن الجسد (2/ 202).

(2)

زاد المعاد (4/ 299) بتصرف.

(3)

صحيح البخاري برقم 1142، وصحيح مسلم برقم 776.

ص: 12

لَمْ يَضُرُّهُ شَيْءٌ»

(1)

.

وفي لفظ لأبي داود: «مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ، حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ، لَمْ تُصِبْهُ فَجْأَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ» ، وَقَالَ: فَأَصَابَ أَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ الْفَالِجُ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ الَّذِي سَمِعَ مِنْهُ الْحَدِيثَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَلَا كَذَبَ عُثْمَانُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي أَصَابَنِي فِيهِ مَا أَصَابَنِي غَضِبْتُ فَنَسِيتُ أَنْ أَقُولَهَا.

وروى مسلم في صحيحه من حديث خولة السلمية رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرُّهُ فِيهِ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ»

(2)

.

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ. قَالَ: «أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرُّكَ»

(3)

وروى مالك في الموطأ أن كعب الأحبار قال: لولا كلمات

(1)

(1/ 498) برقم 445، وقال محققوه: إسناده حسن.

(2)

برقم 2708.

(3)

برقم 2709.

ص: 13

أقولهن لجعلتني يهود حمارًا، فقيل له: وما هن؟ فقال: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ، الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَبَرَأَ وَذَرَأَ

(1)

.

وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ؛ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» ، قَالَ مُعَاوِيَةُ

(2)

: بَلَغَنِي أَنَّ الْبَطَلَةَ السَّحَرَةُ

(3)

.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «قوله: ولا تستطيعها البطلة، يعني السحرة، فهي تدفع عن الإنسان السحر؛ لأن السحرة لا يستطيعونها، إذ أن السحرة من الشياطين، وقد قال اللَّه في سورة البقرة عن السحرة: {وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 102]. فلهذا من قرأ البقرة بإخلاص وإيمان، فإنه لا يقدر عليه السحرة، وظاهر عموم الحديث أنه يشمل من قرأها حفظًا، أو عن نظر في المصحف كما يعم من قرأها في مجلس واحد أو مجالس متفرقة»

(4)

.

وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي

(1)

برقم 2955. وقال محققه: صحيح مقطوع.

(2)

هو ابن سلّام، أحد رواة الحديث.

(3)

جزء من حديث برقم 804.

(4)

التعليق على صحيح مسلم (4/ 334).

ص: 14

مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَرَأَ بِالْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»

(1)

.

قال النووي رحمه الله: «قيل: معناه كفتاه من قيام الليل، وقيل من الشيطان، وقيل من الآفات، ويحتمل من الجميع»

(2)

.

وروى أبو داود في سننه من حديث عبد اللَّه بن خبيب رضي الله عنه أنه قال: خرجنا في ليلة مطر وظلمة شديدة نطلب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليصلي لنا، فأدركناه، فقال:«أَصَلَّيْتُمْ؟» فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ:«قُلْ» ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ:«قُلْ» ، فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ:«قُلْ» ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «قُلْ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي، وَحِينَ تُصْبِحُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ»

(3)

.

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عقبة بن عامر رضي الله عنه بهما وقال: «تَعَوَّذْ بِهِمَا فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا»

(4)

.

قال ابن القيم رحمه الله في كلامه على المعوذتين: «المقصود الكلام على هاتين السورتين وبيان عظيم منفعتهما وشدة

(1)

صحيح البخاري برقم 5009، وصحيح مسلم برقم 807.

(2)

شرح صحيح مسلم (6/ 333).

(3)

سنن أبي داود برقم 5082، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (3/ 957 - 958) برقم 4241.

(4)

سنن أبي داود برقم 1463، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 275) برقم 1299.

ص: 15

الحاجة، بل الضرورة إليهما، وأنه لا يستغني عنهما أحد قط، وأن لهما تأثيرًا خاصًّا في دفع السحر، والعين، وسائر الشرور، وأن حاجة العبد إلى الاستعانة بهاتين السورتين أعظم من حاجته إلى النفس، والطعام، والشراب، واللباس»

(1)

.

وروى البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُعوذ الحسن والحسين ويقول: «إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ»

(2)

.

قال ابن حجر رحمه الله: «قوله: «مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ» يدخل تحته شياطين الإنس والجن، «وَهَامَّةٍ» واحدة الهوام ذوات السموم، وقيل كل ما له سم يقتل، فأما ما لا يقتل سمه فيقال له: السوام، وقيل: المراد كل نسمة تهم بسوء، «وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» قال الخطابي: المراد به كل داء وآفة تلم بالإنسان من جنون وخبل

»

(3)

وروى الترمذي في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن رَأَى مُبتَلًى فقال: الحمدُ للَّهِ الذي عافَانِي مِمَّا ابْتلاكَ به، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمَّنْ خلق تَفضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ

(1)

بدائع الفوائد ص 536.

(2)

صحيح البخاري برقم 3371.

(3)

فتح الباري (6/ 410).

ص: 16

ذلكَ البلاءُ»

(1)

.

وروى البخاري ومسلم من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ - أَوْ أَمْسَيْتُمْ - فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلُّوهُمْ، وَأَغْلِقُوا الْأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا

»

(2)

.

وفي رواية أخرى للبخاري: «

فَإِنَّ لِلْجِنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا المَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ البَيْتِ»

(3)

.

وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «غَطُّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ، إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ»

(4)

.

وفي رواية لمسلم «فَإِنَّ فِي السَّنَةِ يَوْمًا يَنْزِلُ فِيهِ وَبَاءٌ»

(5)

.

وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه عن

(1)

برقم 3432، وحسنه الشيخ ناصر الدين الألباني كما في صحيح الترغيب 3392.

(2)

صحيح البخاري برقم 5623، وصحيح مسلم برقم 2012 واللفظ له.

(3)

برقم 3316.

(4)

برقم 2014.

(5)

برقم 2014.

ص: 17

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «غَطُّوا الْإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الْبَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا، وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ، فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ»

(1)

.

وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ

(2)

وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ

(3)

، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تُبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ»

(4)

.

ولا يبعد أن كثيرًا مما يصيب الناس من الأسقام والعلل النفسية والبدنية هو من التفريط في الامتثال لهذه التوجيهات الكريمة، وقد بلّغ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ونصح، فلا يلومن امرؤ إلا نفسه.

قال القرطبي رحمه الله: «وقد تضمنت جملة هذه الأحاديث أن اللَّه تعالى قد أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على ما يكون في هذه الأوقات من المضار من جهة الشياطين، والفأر والوباء، وقد أرشدنا

(1)

برقم 2012.

(2)

الفواشي: الماشية، كل منتشر من المال كالإبل والغنم وسائر البهائم وغيرها.

(3)

فحمة الليل: أي سواده.

(4)

برقم 2013.

ص: 18

النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يُتقى به ذلك - فليبادر الإنسان إلى فعل تلك الأمور ذاكرًا اللَّه تعالى - ممتثلاً أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وشاكرًا للَّه تعالى على ما أرشدنا إليه، وأعلمنا به، ولنبيه صلى الله عليه وسلم على تبليغه ونصحه، فمن فعل ذلك لم يصبه من شيء من ذلك ضرر بحول اللَّه وقوته، وبركة امتثال أوامره صلى الله عليه وسلم، وجازاه عنا أفضل ما جازى نبيًّا عن أمته، فقد بلغ ونصح»

(1)

.

وروى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً»

(2)

.

قال الخطابي: «تكلم على هذا الحديث من لا خلاق له، فقال: كيف يجتمع الشفاء والداء في جناحي الذباب، وكيف يعلم ذلك من نفسه حتى يقدم جناح الشفاء، وما ألجأه إلى ذلك؟ قال: وهذا سؤال جاهل أو متجاهل، فإن كثيرًا من الحيوان قد جمع الصفات المتضادة، وقد ألف اللَّه بينها وقهرها على الاجتماع، وجعل منها قوى الحيوان، وإن الذي ألهم النحلة اتخاذ البيت العجيب الصنعة للتعسيل فيه، وألهم النملة أن تدخر قوتها أوان حاجتها، وأن تكسر الحبة نصفين لئلا تستنبت، لقادر على إلهام

(1)

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (5/ 282).

(2)

برقم 3320.

ص: 19

الذبابة أن تقدم جناحًا وتؤخر آخر»

(1)

.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه صباحًا ومساءً العافية وعند نومه، فروى أبو داود في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدع هؤلاء الدعوات حين يمسي وحين يصبح: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي، وَآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي»

(2)

. وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد اللَّه بن الحارث يحدث عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما أنه أمر رجلًا إذا أخذ مضجعه قال: «اللَّهُمَّ خَلَقْتَ نَفْسِي

» الحديث، وقال في آخره:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ» ، فقال له رجل: أسمعت هذا من عمر؟ فقال: من خير من عمر، من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم

(3)

.

«والعافية في الدنيا هي دفع اللَّه عن العبد جميع الأسقام والبلايا وجميع ما يكرهه ويشينه، والعافية في الآخرة هي دفع اللَّه عنه جميع أهوال الآخرة وأفزاعها، ولا يخرج مطلوب العبد من هذين القسمين»

(4)

.

(1)

فتح الباري (10/ 304).

(2)

برقم 5074، وصححه الألباني رحمه الله في صحيح سنن أبي داود (3/ 957) برقم 4239.

(3)

برقم 2712.

(4)

انظر: رسالة الشيخ عبدالهادي وهبي: الوسيلة الكافية في تحصيل العافية.

ص: 20

«والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدافعه ويعالجه ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن وعماد الدين، وله مع البلاء ثلاثة مقامات:

أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.

الثاني: أن يكون أضعف من البلاء، فيقوى عليه البلاء، فيصاب العبد ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفًا.

الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه»

(1)

.

فقد روى الترمذي في سننه من حديث ثوبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلاَّ البِرُّ»

(2)

.

وروى ابن ماجه في سننه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ دَعْوَةٍ يَدْعُو بِهَا الْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»

(3)

.

فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل ما سأله العباد أن يعافيهم اللَّه؛ لأن العمدة الكبرى والمنحة العظمى في نيل السعادة الدنيوية والأخروية هي العافية.

(1)

الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص (9 - 10) لابن القيم رحمه الله.

(2)

برقم 2139، وحسنه الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (2/ 225) برقم 1738.

(3)

برقم 3851، وصححه الألباني ? في صحيح سنن ابن ماجه برقم 3106.

ص: 21

وروى البزار في كشف الأستار من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم مر بقوم مبتلين فقال: «أَمَا كَانَ هَؤُلاءِ يَسْأَلُونَ اللَّهَ الْعَافِيَةَ»

(1)

.

«وفي الحديث دليل على أن سؤال اللَّه العافية يدفع كل بلية، ويرفع كل محنة، ولهذا جاء صلى الله عليه وسلم بهذا الاستفهام بمعنى الاستنكار، فكأنه قال لهم: كيف تتركون أنفسكم في هذه المحنة والبلاء؟ وأنتم تجدون الدواء الحاسم لها، والمرهم الشافي لما أصابكم منها، وهو الدعاء بالعافية، واستدفاع هذه المحنة النازلة بكم بهذه الدعوة الكافية.

وفي هذا ما يزيد النفوس نشاطًا، والقلوب بصيرة باستعمال هذا الدواء عند عروض كل داء ومساس كل محنة، ونزول كل بلية»

(2)

.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ باللَّه من سيئ الأسقام، فروى الإمام أحمد في مسنده من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:«اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ»

(3)

.

(1)

(4/ 36) برقم 3134، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله كما في السلسلة الصحيحة برقم 2197.

(2)

انظر: رسالة الشيخ عبدالهادي وهبي: الوسيلة الكافية في تحصيل العافية.

(3)

(20/ 309) برقم 13004، وقال محققوه: إسناده صحيح على شرط مسلم.

ص: 22

قال الشاعر:

إِنِّي وَإِنْ كَانَ جَمْعُ المَالِ يُعْجِبُنِي

مَا يَعْدِلُ المَالُ عِنْدِي صِحَّةَ الجَسَدِ

المَالُ زَيْنٌ وَفِي الأَوْلَادِ مَكْرُمَةٌ

وَالسَّقْمُ يُنْسِيكَ ذِكْرَ المَالِ وَالوَلَدِ

ص: 23