الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسط
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ أَفَضِلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الحِجَامَةُ، وَالقُسْطُ البَحْرِيُّ»
(1)
.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أم قيس بنت محصن رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «عَلَيْكُمْ بِهَذَا العُودِ الهِنْدِيِّ، فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ: يُسْتَعَطُ بِهِ مِنَ العُذْرَةِ، وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الجَنْبِ»
(2)
.
قال ابن القيم رحمه الله
(3)
: «والقسط نوعان، أحدهما: الأبيض الذي يُقال له البحري، والآخر الهندي وهو أشدهما حرًّا، والأبيض ألينهما. ومنافعهما كثيرة جدًّا، وهما حاران يابسان في الثالثة، ينشفان البلغم، قاطعان للزكام، وإذا شُربا نفعا من ضعف
(1)
صحيح البخاري برقم 5696، وصحيح مسلم برقم 1577 واللفظ له.
(2)
صحيح البخاري برقم 5692، وصحيح مسلم برقم 2214.
(3)
وخلاصة ما كتبه شراح الحديث: أن نبات القسط الموصوف في السنة نبات يعيش في الهند وخاصة في كشمير وفي الصين، وتستعمل قشور جذوره التي قد تكون بيضاء أو سوداء، وكان التجار العرب يجلبونها إلى الجزيرة العربية عن طريق البحر، لذا سميت القسط البحري، كما كان يسمى بالقسط الهندي. (مقال للدكتور محمد الدقر على الشبكة العنكبوتية).
الكبد والمعدة ومن بردهما، ومن حمى الدور والربع، وقطعا وجع الجنب، ونفعا من السموم، وإذا طلي به الوجه معجونًا بالماء والعسل قلع الكلف، وقال جالينوس: ينفع من الكُزاز، ووجع الجنبين، ويقتل حب القرع. وقد خفي على جهال الأطباء نفعه من وجع ذات الجنب، فأنكروه، ولو ظفر هذا الجاهل بهذا النقل عن جالينوس لنزله منزلة النص، كيف وقد نص كثير من الأطباء المتقدمين على أن القسط يصلح للنوع البلغمي من ذات الجنب - ذكره الخطابي عن محمد بن الجهم.
وقد تقدم أن طب الأطباء بالنسبة إلى طب الأنبياء أقل من نسبة الطُرقية والعجائز إلى طب الأطباء، وأن بين ما يُلَقَّى بالوحي وبين ما يُلقى بالتجربة والقياس من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق
(1)
.
ولو أن هؤلاء الجهال وجدوا دواء منصوصًا عن بعض اليهود والنصارى والمشركين من الأطباء لتلقوه بالقبول والتسليم، ولم يتوقفوا على تجربته.
نعم نحن لا ننكر أن للعادة تأثيرًا في الانتفاع بالدواء وعدمه، فمن اعتاد دواء وغذاء كان أنفع له، وأوفق ممن لم يعتده، بل ربما لم ينتفع به من لم يعتده.
(1)
يعني: فرق الرأس.
وكلام فضلاء الأطباء وإن كان مطلقًا، فهو بحسب الأمزجة والأزمنة والأماكن والعوائد، وإذا كان التقييد بذلك لا يقدح في كلامهم ومعارفهم، فكيف يقدح في كلام الصادق المصدوق، ولكن نفوس البشر مركبة على الجهل والظلم، إلا من أيده اللَّه بروح الإيمان، ونور بصيرته بنور الهدى»
(1)
.
قال ابن حجر رحمه الله: «وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول، ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد، ويسخن المعدة، ويحرك شهوة الجماع، ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي، وما زاد عليها بالتجربة.
فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه، وقيل: ذكر ما يحتاج إليه دون غيره؛ لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك. قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء، أو شرب، أو تكميد، أو تنطيل، أو تبخير، أو سعوط، أو لدود، فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكبيد، والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع
(1)
زاد المعاد (4/ 324 - 325).
لأدواء مختلفة، ولا يستغرب ذلك ممن أُوتي جوامع الكلم، وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة، وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبًا، وقيل: هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق. قيل: سميت بذلك لأنها تخرج غالبًا عند طلوع العذرة، وهي خمسة كواكب تحت الشعرى العبور، ويقال لها أيضًا العذارى، وطلوعها يقع وسط الحر، وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارًّا، والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة، ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأُجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة، وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضًا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرًا، بل وبالذات أيضًا، وقد ذكر ابن سينا في معالجة سقوط اللَّهاة القسط مع الشب اليماني وغيره، على أننا لو لم نجد شيئًا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجًا عن القواعد الطبية»
(1)
.
(1)
فتح الباري (10/ 149).