المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول: تعبئة الجيش وتجنيد الجند ودور ذلك في التمكين - عوامل النصر والتمكين في دعوات المرسلين

[أحمد بن حمدان الشهري]

فهرس الكتاب

- ‌دلالة التمكين

- ‌دلالة التمكين في اللغة

- ‌وعد الرسل بالتمكين ومزاياه:

- ‌وعد المؤمنين بالتمكين ومزاياه:

- ‌نتيجة تمايز الوعدين:

- ‌ لم يقتل نبي من الأنبياء الذين أمروا بالقتال أبدًا:

- ‌ الانتصار من قتلة الأنبياء:

- ‌ قتل النبي ليس قتلًا لدعوته وإنما لشخصه فقط:

- ‌المرتبة الأولى: السلامة من الخسران

- ‌المرتبة الثانية: التأييد

- ‌المرتبة الثالثة: الظهور

- ‌المرتبة الرابعة: النصر

- ‌المرتبة الخامسة: الغلبة

- ‌المرتبة السادسة: الملك أو الولاية

- ‌المرتبة السابعة: الخلافة

- ‌عوامل التمكين لدعوات المرسلين

- ‌توطئة

- ‌ الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى عليه السلام

- ‌ بيعة الرضوان

- ‌المبحث الثانيالجماعة المناصرة

- ‌المطلب الأول: ضرورة استصحاب الصبر

- ‌المطلب الثاني: ترتب النصر والتمكين على تحقق الصبر

- ‌المطلب الثالثالتواصي بالصبر

- ‌الحالة الأولى: مجرد إقامة الحجة

- ‌الطريق الأول: عن طريق ديمومة الإنذار ومعاودة الإبلاغ

- ‌الطريق الثاني: قيام الحجة الموجبة للعذاب عن طريق المعجزة

- ‌الحالة الأولى:قلب أقوام من الكفر إلى الإيمان

- ‌الحالة الثانية:زيادة إيمان المؤمن وتكميل إيمانه ونفي

- ‌المطلب الأول: تعبئة الجيش وتجنيد الجند ودور ذلك في التمكين

- ‌خاتمة البحث

- ‌فهرس المراجع

الفصل: ‌المطلب الأول: تعبئة الجيش وتجنيد الجند ودور ذلك في التمكين

‌المطلب الأول: تعبئة الجيش وتجنيد الجند ودور ذلك في التمكين

من الأمور التي وردت في القرآن الكريم فيما يتعلق بالجهاد تعبئة الجيش وتجنيد الجند، ولقد ذُكرت في القرآن ذكرًا ظاهرًا وربط الله سبحانه وتعالى بها النصر والغلبة، ووصف بها - سبحانه - الدولة المسلمة وجعلها من أبرز مزاياها وامتنَّ سبحانه وتعالى بذلك وجعله من نعمائه، يبرز ذلك جليًا في تلك الدولة المسلمة، المملكة العزيزة دولة نبي الله سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - الذي دعا ربه أن يؤتيه ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده فحققه الله:{قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} (1) .

ويذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن تلك الدولة التي مكن لها والتي كانت تتبنى الدعوة إلى الله وتجاهد من أجلها؛ يذكر أول مزية لها ويبرزها سبحانه وتعالى وهي تعبئة الجيش القوي عندها، وتجنيد الجند وترتيبهم وتفقدهم من الملك تفقدًا جادًا حازمًا. قال - تعالى -:{وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (2) .

(1) ص: 35.

(2)

النمل: 17.

ص: 137

وفي هذه الآية نرى كيف بلغ الاعتناء بالتجنيد والجيش لتلك الدولة ذات الملك العظيم وحمل دعوة الحق وتبليغها ذلك المبلغ العظيم، ونلمح ذلك الاعتناء من لفتات في الآية تبرز عند تأملها.

وإليك هذه اللفتات مجملة في النقاط التالية:-

(1)

اللفتة الأولى:-

كثرة الجند وبلوغه من الكثرة عددًا هائلًا وذلك نلمحه في كلمة "حشر".

وكلمة {جُنُودُهُ} في قوله - تعالى -: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ} . قال الراغب عند مادة "حشر": "الحشر إخراج الجماعة عن مقرهم.. ولا يقال الحشر إلا في الجماعة. قال - تعالى -: {وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ} وقال - تعالى -: {وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً} وقال: {لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا} .. وقال: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} (1) .

أما كلمة {جُنُودُهُ} في الآية فالجنود جمع الجمع، فهي جمع الجند؛ فإنه يقال - في الأصل - لكل مجتمع جند، وجمع الجند جنود وأجناد (2) .

(1) المفردات: 119

(2)

انظر المفردات كذلك: 100.

ص: 138

ومن خلال تلك اللفتة التي تشخصها ألفاظ الآية وكلماتها نرى الاعتناء بكثرة الجند الكثرة الهائلة في تلك الدولة العظيمة، ونلمس درسًا يؤخذ لكل دولة تتبنى دعوة الحق وتجاهد لها أن تعتني بالتجنيد وكثرة الجيش، ونأخذ في الاعتبار كذلك أن هذا لا يعارض ما ورد في قوله - تعالى -:

{وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} (1) .

ففي هذه الآية ذم الله سبحانه وتعالى الالتفات بالقلب إلى الكثرة والاتكال إلى العدد والأسباب وجعلها هي عامل النصر الأساس، وإنما المتوجب على المؤمنين إعداد الأسباب وإتقانها ثم صرف القلوب إلى واهب النصر وحده دون الالتفات بها إلى السبب، وجمع القلوب بكليتها إليه واعتمادها في نيل النصر عليه (2) .

(1) التوبة: 25

(2)

راجع كتاب (الدعوة والدعاة بين تحقيق التوكل واستعجال النتائج) ص60.

ص: 139

وهذا التجنيد كان حال أمة الإسلام في عصرها الأول، فلقد كان المسلمون كلهم جنودًا في أهبة الاستنفار وبعث المدد أو إعداد الجيش؛ كلهم عن بكرة أبيهم لا يعذر منهم إلا أصحاب الأعذار، فما لواحد منهم بد إذا سمع صوت النفير إلى الجهاد في سبيل الله، قال - تعالى -:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1) .

(2)

اللفتة الثانية في الآية:-

(1) التوبة: 38 - 39.

ص: 140

هي وضع كل الطاقات الممكنة في الجيش وتوجيه كل القوى في إعداده وإكماله، وهذا واضح في قوله - تعالى -:

{مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ}

فلقد كان يكفي الجن عن الإنس في إعداد جيش عظيم، أو لعله قد كان يكفي الإنس والجن في الجيش فما لازم الطير أن يكونوا في الجند، وتجرى عليهم أنظمة الجيش الحازمة الصارمة عند التخلف عن الحضور في صفوف الجند دون عذر مقنع، إن الطير يعرف موضعها عند ملوك الزمان في الغالب فهم يضعونها في القصور والغابات والصروح العظام للزينة، أما كون نبي الله سليمان وضعها ضمن جنده وفي جيشه مع الجن والإنس؛ فيدل ذلك على شدة الاعتناء بجيش الدولة وتعبئته بكافة الإمكانات المستطاعة، وذلك هو شأن الدولة القوية المؤمنة التي تسعى لإقامة دين الله وجهاد أعدائه ودوامها على ذلك.

(3)

اللفتة الثالثة:- {فَهُمْ يُوزَعُونَ} أي الجند من الجن والإنس والطير ومعنى يوزعون أي يكفون أي يسيرون بانتظام في حشرهم إليه، ويوجد على كل صنف من يزعه أي يكفه ويرده على نظام الجميع في التحرك والسير. قال ابن عباس رضي الله عنه:- "جعل على كل صنف من يرد أولاها على أخراها لئلا يتقدموا في المسير.."(1) .

(1) تفسير الطبري (19 / 141) .

ص: 141

ومن هذا نستفيد أن تلك الكثرة المختلفة الأصناف في ذلك الجيش على نظام فائق منضبط عند الاجتماع وعند السير والتنقلات، وهذه ميزة ضرورية لجند الدولة المجاهدة، فالكثرة دون تنظيم، ودون من يقوم على تنظيمها كثرة همجية غوغائية، وهي السبب المباشر في هزيمة الجيش عند المواجهة أو إنهاكه وضياعه عند التنقل والتحرك.

تلكم هي أهم خصال جيش الدولة المجاهدة التي مكن الله لها في الأرض والتي تسعى لنشر دعوة الحق وتمكينها فيمن حولها؛ فكثرة المجندين للجهاد سواءً في السلم أو الحرب مطلب ضروري والكثرة يُسعى إليها ولا يُتكل عليها، ولقد استعاذ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من القلة وقرنها في دعاءه بالذلة، فقال عليه الصلاة والسلام:«اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة»

) (1) .

(1) تمام الحديث في سنن النسائي. الاستعاذة (8 / 261) .

ص: 142

وبناءً على هذا فينبغي الإكثار من الجند والتجنيد عند الاقتدار، سواءً كان ذلك التجنيد في السلم أو لمواجهة الحرب وإنشاء الجهاد والفتوح كما قال نبي الله سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام:- {ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ} (1) أما تعبئة الجيش بما أمكن من طاقات وقدرات وتقويته، فهو مطلب لقوة الجيش وتمكينه من النصر، وسبب له أمر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة باعتماده وصرف القوى إليه.

قال - تعالى -: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} (2) .

(1) النمل: 37.

(2)

الأنفال: 60

ص: 143

فالله سبحانه وتعالى أمر في هذه الآية بإعداد كل ما في الوسع والاستطاعة من قوة لمواجهة الأعداء، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب (1) ، ومن ذلك السلاح والقسي والحصون وآلات الحرب، ولقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عقبة بن عامر، قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: « {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} ألا إن القوة الرمي» ..) قالها ثلاث مرات (2) . فتقوية الجيش مطلوبة بكل ما أمكن من عدة الحروب وعتادها وآلاتها، والرمي هو أقوى تلك القوى وأولاها بالاعتناء.

(1) راجع «فتح القدير» للشوكاني (2 / 320) .

(2)

سنن أبي داود. الجهاد (3 / 13) ومسلم في الإمارة في فضل الرمي (5 / 64) .

ص: 144

جاء عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسير هذه الآية من طرق عدة قوله رضي الله عنه: "لما نزلت هذه الآية ثقلت على المسلمين وأعظموا أن يقاتل عشرون مئتين ومئة ألفًا فخفف الله عنهم فنسخها بالآية الأخرى فقال: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} .. الآية، فكانوا إذا كانوا على الشطر من عدوهم لم يسغ لهم أن يفروا من عدوهم، وإذا كانوا دون ذلك لم يجب عليهم قتالهم وجاز لهم أن يتحوزوا عنهم"(1) .

(1) تفسير ابن كثير (2 / 337) .

ص: 146

وهنا نرى كيف أن الله سبحانه وتعالى اعتبر الكمية العددية في لقاء المؤمنين لأعدائهم، وحدد لها حالات وأرقامًا تجاه أرقام كذلك من أعدائهم الكافرين وعليه يتعين لجند الإيمان وجيش الدعوة اعتبار العدد منهم تجاه العدد من أعدائهم، وبناء تقديراتهم في مواجهة الأعداء بما ورد في الآيات المذكورة آنفًا. وتعبئة جيوشهم وإرسال كتائب مقاومة الأعداء بناءً على القيمة العددية التي اعتبرت في الآيات، حتى لا يُؤتوا عن قلة، وما ورد في قوله - تعالى -:{كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} .. (1) ، إنما هو في حالة قلة أهل الإيمان وانعدام المدد، أما في حالة توافر أهل الإيمان وكثرتهم فينبغي لهم اعتبار العدد الذي عدَه الله - سبحانه - في كتابه وضمن لهم الغلبة إذا توفر مع الصبر.

(1) البقرة: 249

ص: 147

ولقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أفضل ما تكون عليه التعبئة العددية للجيوش وفصائلها من سرايا وكتائب؛ كل حسب ما يلائم دوره في الجيش ومهامه بحيث يتناسب العدد مع أداء المهام، فلا يثقل فتتعثر المهمة لكثرته ولا يقل فتكون الغلبة أو الانسحاب لقلته، فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفًا من قلة» (1) . رواه أبو داود وغيره.

(1) سنن أبي داود. الجهاد (3 / 36) . وهو عند أحمد والترمذي والحكم.

ص: 148

المطلب الثاني:الصناعة ودورها في النصر والتمكين

ص: 149

لقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مصنوعات عدة ومتنوعة، إلا أنه سبحانه وتعالى لم يذكر مصنوعًا من تلك المصنوعات إلا في معرض تمكينه لدعوة الحق، وجعله مظهرًا من مظاهر تمكينها، أو عاملًا أساسيًا في تحققه لها عن طريق ذلك المصنوع أو يذكره سبحانه وتعالى في معرض امتنانه سبحانه وتعالى على أهل الإيمان وبني الإنسان، ويعد - سبحانه - تلك الصنعة أو ذلك المصنوع من نعمائه عليهم وتعليمه لهم، قال - تعالى - مبينا كيف أنجى نبيه نوحًا - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - بوسيلة صناعية علمه صناعتها وهي السفينة:{وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} (1) ومعنى بوحينا أي: "بما أوحينا إليك من كيفية صنعها"(2) وقال ابن كثير: "أي تعليمنا لك ما تصنعه"(3) أما في معرض امتنانه سبحانه وتعالى بنتاج الصناعة فلقد قال سبحانه وتعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} (4) فامتن - سبحانه - بما علمه لنبيه داود من صناعة الدروع الواقية في الحروب من الطعن والضرب والرمي

(1) هود: 37.

(2)

فتح القدير للشوكاني 2 / 497.

(3)

تفسير ابن كثير 2 / 460.

(4)

الأنبياء: 80.

ص: 150

وعد ذلك من نعمائه على الخلق وقال - تعالى - في سورة النحل: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} (1) فعد سبحانه وتعالى استخدام ما أنتجته الصناعة من نعمائه وجوده راجعًا إلى تعليم منه واستخدام البشرية له في شؤون حياتها من تمام نعمته عليهم التي ينبغي لهم إذا ذكروها وتلبسوا بها أن يزدادوا انقيادًا للخالق المنعم الذي ألهمهم إياها ويسلموا له، ولقد بين الله سبحانه وتعالى في موضع آخر من كتابه أنه هو الذي علم داود تلك الصناعة حتى في دقائق من إحكامها وإتقانها قال - تعالى -:{أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (2) قال قتادة: "وهو أول من عملها - أي الدروع - من الخلق وإنما كانت قبل ذلك صفائح"(3) أما السرد، فقال ابن عباس رضي الله عنه:"هو حلق الحديد"(4) قال سيبويه: [معنى سرد الدروع إحكامها وأن يكون نظام حلقها ولاء غير مختلف..](5)، قال ابن كثير رحمه الله: "هذا إرشاد من الله - تعالى - لنبيه داود عليه السلام في

(1) النحل: 81.

(2)

سبأ: 11.

(3)

راجع تفسير ابن كثير 3 / 535.

(4)

المرجع السابق.

(5)

فتح القدير للشوكاني 4 / 316.

ص: 151

تعليمه صنعة الدروع" (1) .

ولنا في هذا البحث أن نستعرض منتجات الصناعة في القرآن التي اقترنت بتمكين دعوة الحق اقترانا ظاهرًا، وهذا بيانها:-

(1)

سفينة نوح - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -

(1) تفسير ابن كثير 3 / 535.

ص: 152

وهي أول اختراع من نوعه، والسفن إنما جاءت بعدها وبالاستفادة من طريقة صنعها التي أوحى الله بها إلى نبيه قال - تعالى -:{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} (1) . فالآية هنا تدل على أن سفينة نوح هي الأولى ولم يكن قبلها سفن وذلك لقوله - تعالى -: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ} أي مثل سفينة نوح، فجعلها الأولى وجعل ما بعدها أقل منها لقوله:{مِنْ مِثْلِهِ} ويكفي دليلًا على متانة صناعتها أنها بوحي من الله وأنها وسعت من كل نوع من المخلوقات زوجين اثنين مما يدل على عظم حجمها ومتانة صنعها كما قال الله - تعالى -: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} (2)، وقال - تعالى -:{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} (3) وهذه الآية تدل على براعة تصميمها، وشاهدنا في هذا أن الله سبحانه وتعالى بقدرته على كل شيء كان قادرًا على أن ينجي نوحًا ومن معه وما يريد أن يستبقيه من مخلوقات الأرض من غير السفينة ودون الحاجة إلى صناعتها فهو قادر أن يحييهم بعد موتهم أو يبلغهم موضعًا من الأرض لا يغرقون فيه

(1) يس: 41 - 42

(2)

القمر: 13.

(3)

هود: 42.

ص: 153

وحدهم دون غيرهم من المغرقين، أو غير ذلك من قدرته - سبحانه - التي لا تحد، ولكنه أمر نوحًا بصنع السفينة ليُلهم خلقه تلك الصناعة، ويعلمهم كيف يستطيعون أن ينجوا من كوارث الأرض ويتوقوا منها عن طريق إعمال العقول واختراع الوسائل من صناعة وغيرها، ثم منَّ الله سبحانه وتعالى على خلقه فأبقى لهم من مثل تلك السفينة ما يركبون عليه ويمخرون البحار به، ولعل هنا بالذات لفتة إلى أهل الحق كيف أن لهم في وسائل الصناعة طريقًا للنجاة والخلوص بأنفسهم وبالتالي تمكينهم في الأرض.

(2)

سد ذي القرنين

ص: 154

من وسائل الصناعة التي ذكرها القرآن الكريم في معرض التمكين والنجاة والامتناع من عبث المفسدين، قال - تعالى - عن ذي القرنين:{ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا} {قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا} {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا} {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا} {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} (1) وهنا نرى كيف أن ذا القرنين حال بين المفسدين العابثين وبين الأقوام التي كانت دون السدين "وهي سلسلة الجبال" ببناء ذلك الردم العظيم،

(1) الكهف: 92 - 98.

ص: 155

وهو سد بناه ذو القرنين لم يكن كغيره من سدود بني الإنسان التي تبنى باللبن والحجارة ونحوه، وإنما كان سدًا مبنيًا بأرقى طرائق البناء وأقوى معادن الصناعة وأتقن وسائل التصميم، وإليك بيان هذا مجملًا فلقد أتى ذو القرنين على أولئك الأقوام المتخلفين الذين لا يكادون يفقهون قولًا، ولا يعلمون شيئًا من أحوال التحضر، فشكوا إليه إفساد يأجوج ومأجوج وطلبوا منه إقامة سد ويعطونه أجرًا على ذلك، وطلبهم لإقامة سد كان وجيهًا، لأنه كان بينهم وبين يأجوج ومأجوج حواجز من شواهق الجبال الصم؛ تمتد بينهما على شكل سلسلتين من الجبال، بينهما فجوة هي منفذ يأجوج ومأجوج في هجماتهم على القوم الذين لا يكادون يفقهون قولًا وعند ذلك استعد ذو القرنين ببناء السد وسماه ردمًا أي أعظم مما طلبوه، وعمد إلى تلك الفجوة التي بين الصدفين - وهما الجبلان العظيمان المتقابلان - فملأ الفجوة بزبر الحديد أي قطَعهُ المقدرة مثل اللَّبِن حتى ساوى بين رؤوس الجبلين وبين ما في الفجوة من الحديد فجعلهم سواء، ثم أمر بالمياكير فنفخت الحديد بالنار حتى جعلت من قِطَع الحديد نارًا فأصبحت حمراء متوهجة فصب عليها وهي في تلك الحال النحاس المذاب وهو القِطْر،

ص: 156

فاستحكم البناء أيما استحكام وقوي كل قوة وأصبح غاية في الصلابة والملاسة قال - تعالى -: {فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا} (1) .

ولكي نعلم مدى ما وصل إليه ذو القرنين من العلم بطرائق الصناعة وخصائص المعادن، والاستفادة من ذلك، نرى العلم قد توصل في عصرنا الحاضر إلى أن خير طريقة لتقوية الحديد هي إضافة نسبة من النحاس إليه وأن ذلك يزيد من مقاومة الحديد وصلابته.

ولا أدل على قوة صناعية سد ذي القرنين وعلى ارتقاء علم الصناعة والعمران لديه من بقاء ذلك السد وعدم تغيره رغم تعاقب العصور والدهور حتى جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والسد لا زال قائمًا وحتى يومنا هذا وحتى يأذن الله بقرب يوم القيامة وخروج يأجوج ومأجوج {قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا} (2) . وهنا نرى كيف كان "السد" الذي هو من منتجات الصناعة الفائقة رحمة من رحمات الله - سبحانه - للناس ليتمكنوا من العيش آمنين، في عزلة من عبث المفسدين من يأجوج ومأجوج.

(3)

الثورة الصناعية في مملكة سليمان: - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -.

(1) راجع تفسير ابن كثير 3 / 110 و «مباحث في التفسير الموضوعي» 307.

(2)

الكهف: 98.

ص: 157

دولة نبي الله سليمان دولة ذات تمكين عظيم، بل لعلها أعظم دولة وجدت على ظهر الأرض من حيث ما مكن الله لها ولملكها النبي الصالح الشاكر - على نبينا وعليه الصلاة والسلام -، ورغم كل ذلك ورغم تسخير الجن والطير لم تكن في غنىً عن منتجات الصناعة ومزاولتها، بل إن نصوص القرآن لتصور لنا ثورة صناعية دائبة مستمرة حية في تلك الدولة، حتى مات ملكها وهو واقف يشرف على تلك الأعمال الدائبة (1) قال - تعالى -:{يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} (2) .

(1) راجع تفسير ابن سعدي «تيسير الكريم الرحمن» 6 / 268.

(2)

سبأ: 13 - 14.

ص: 158

ومما يوضح ويصور تلك الثورة الصناعية في مملكة سليمان - خلاف واقعة موته - مجيء التعبير عن عمل الجن في منتجات الصناعة بالفعل المضارع {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} .. الآية فالتعبير بالمضارعة في {يَعْمَلُونَ} يفيد الدوام والاستمرار والتجدد.

وكذلك مما يفيد ذلك قوله - تعالى - في الآية قبل آية ذكر أعمال الجن: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} .. (1) الآية. قال الواحدي في تفسير الآية: (قال المفسرون: أجريت له عين الصفر - أي النحاس - ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم بما أُعطي سليمان)(2) .

(1) سبأ: 12.

(2)

فتح القدير 4 / 316.

ص: 159

فإعطاء الله لنبيه سليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - النحاس بهذه الكمية والكيفية يدل على أن هناك استعمالات كثيرة له وهو المعدن العريق في منتجات الصناعة ومن أهم معادنها الذي تقوم عليه، ولذلك جاء التعبير بعمل الجن في صنائع الصناعة لسليمان عقيب ذكره - تعالى - لإسالة عين النحاس لسليمان، ولو لم يكن هناك إعمال لهذا المعدن في استخدام وصناعات لما كان هناك فائدة وطائل من إعطاء سليمان كل هذه الكمية منه، وبيانه - سبحانه - أنها من نعمائه وعطاياه التي أعطى سليمان وامتن بها عليه.

كل هذا يشهد بأن الاهتمام بالصناعة هو شأن الدولة المُمَكَّن لها المؤمنة المجاهدة لإعلاء كلمة الله، وأن ذلك مظهر من مظاهر تمكينها ومن نعم الله التي يتوجب شكرها وردها إليه - سبحانه -.

ص: 160

وبعد هذا الاستعراض لمنتجات الصناعة في القرآن الكريم ودورها في تمكين الله بها لدعوة الحق وجعلها من مظاهرها حال تمكينها نخلص إلى أن أوائل المخترعات من السفينة والدروع كانت على يد أنبياء بتعليم من الله حتى في دقائق صنعها وكيفيات تصميمها وللمتأمل في كتاب الله أن يذهب به العجب كل مذهب وهو يرى حال المسلمين في الصناعة اليوم، ويرى كتاب الله المنزل عليهم ولهم قد ذكرت فيه منتجات صناعية في أكثر من عشرة مواضع وفي كل موضع من تلك المواضع يمتن سبحانه وتعالى عليهم ويستحثهم للشكر عليها أو يبين لهم أن تلك الصنائع كانت وسائل نجاة لأمم وامتناع لآخرين من أعدائهم ووقاية من بأسهم، ويكفي للعلم بمدى حض القرآن على الصناعة وتشجيعه عليها أن سورة كاملة فيه جاءت باسم المعدن الأساسي للصناعة وهو الحديد وبين الله سبحانه وتعالى فيها أنه لم ينزله - سبحانه - إلا لشيء واحد وهو ليعلم من ينصر به دينه ويوظفه في صناعات ينصر بها الحق ويجاهد بها الكفر.

وعند التأمل في القرآن الكريم والاهتمام بالصناعة فيه لتمكين دعوة الحق، نجد أن نتاج الصناعة في القرآن على قسمين ونجد القرآن قد عرض كل قسم من ذلك النتاج عرضًا خاصًّا:-

ص: 161

القسم الأول:- كل ما تنتجه الصناعة من عتاد وآلات الحرب من سلاح أمثال السيوف والحراب والسنان والنصال والدروع وغير ذلك وقد جاء القرآن الكريم بذكر تلك المنتجات في كلمات تدل عليها من "قوة" أو "بأس شديد" ولم تذكر بأسمائها تفصيلًا، ولكن القرآن أوردها في سياق تلك الكلمات ذات الدلالة الواضحة عليها وعرضها آمرًا بها موجبًا على المسلمين إعدادها بكل ما أمكن قال - تعالى -:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} .. (1) الآية، ولقد ثبت - كما سبق ذكره - عن النبي صلى الله عليه وسلم انه فسر القوة بالرمي، وإعداد الرمي إنما يكون قبل ذلك بإعداد آلته من السهم والقسي ولهذا جاء في السنة عظم ثواب صناعة السهم والإمداد به فضلًا عن رمايته، بل أن صانعه لا يقل أجرًا عن الرامي به في سبيل الله إذا احتسب نيته، بل إن صناعة سهم واحد - إذا احتسب النية - كفيلة بأن تكون سببًا مباشرًا في دخول الجنة، فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة الجنة:

(1) الأنفال 60.

ص: 162

صانعه يحتسب في عمله الخير، والرامي به، والممد به» ..) (1) الحديث. رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وفي هذا الحديث نرى عظمة الصناعة الحربية في الإسلام وكيف أن سهمًا واحدًا أدخل ثلاثة الجنة، مما يدفع بالمسلمين لو عقلوا هذا الحديث أن يحترفوا صناعات الحرب ويجعلوها مهن الحياة وخير حرفة لكسب العيش، ونيل الدرجات في الجنة، الأمر الذي لا يكادون يجدونه في حرفة أخرى ألبتة، وما ورد هنا في شأن الرمي ينسحب كذلك على سائر آلات الحرب مما يتقوى به فيها للجهاد في سبيل الله، مثل السيف والرمح وغيره من وسائل وصناعات الحرب الحديثة كذلك وتقنية التسلح في هذا العصر الحاضر.

(1) سنن أبي داود، في الجهاد باب في الرمي 3 / 13.

ص: 163

وفي هذا القسم قال - تعالى -: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (1) . وهنا يبين سبحانه وتعالى أن "الحديد" معدن الصناعة الأول أنزله سبحانه وتعالى وعطف بإنزاله - سبحانه - على إنزال الكتاب والميزان على الرسل، ويبين - سبحانه - أنه إنما أنزله ليعلم من ينصره به ويوظف ما يصنع منه في نصرة دينه والجهاد في سبيله. قال ابن كثير رحمه الله:"فيه بأس شديد: يعني السلاح كالسيوف والحراب والسنان والنصال والدروع ونحوها"(2) .

(1) الحديد: 25

(2)

تفسير ابن كثير 4 / 337.

ص: 164

ومن هنا نصل إلى أن القرآن الكريم ذكر في آياته التقوي للحرب وللجهاد في سبيل الله، ورتب على الحديد نصرة ينصره بها أهل الإيمان به والجهاد في سبيله، وأن القرآن عنى بذلك منتجات الصناعة كالسلاح ونحوه فإن الحديد لا يمكن أن ينصر به أحدٌ أحدًا وهو خام، وأن الله سبحانه وتعالى أمر بالإعداد وأمر كذلك بنصرته في موضع آخر فقال - تعالى -:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ} .. (1) الآية، وفي آية الحديد ربط إنزال الحديد بنصرته فتوجب بذلك نصرته سبحانه وتعالى بالاهتمام بصناعة آلات الحرب وإعدادها والإمداد بها، فهي واجبة على المسلمين متى تركوها أثموا جميعًا (2)، ودلالة نصوص القرآن ظاهرة واضحة في الأمر بها من ذلك قوله - تعالى -:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} .. (3) الآية، ومن ذلك ما سبق إيضاحه بشأن نصرته - سبحانه - بالاهتمام بصناعات الحرب وتوجب ذلك.

(1) الصف 14.

(2)

فهي فرض كفاية، راجع مجموع فتاوى ابن تيمية 28 / 80.

(3)

الأنفال 60.

ص: 165

القسم الثاني: ما ذكره سبحانه وتعالى في كتابه من منتجات الصناعة مثل سفينة نوح والدروع - السابغات - وسد ذي القرنين وما ذكره سبحانه وتعالى لسليمان - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - من ذلك، ولقد عرض القرآن هذا القسم عرضًا يختلف عما في القسم الأول فلقد سمى تلك الصناعات بأعيانها ولكنه لم يأمر بها أو لم يوجه تجاهها أمرًا للمؤمنين بإعدادها أو نحوه كما سبق في القسم الأول، بل جعل منها ما هو آية وموضع عبرة لهم وبين - سبحانه - أن طريق النجاة كان بواسطتها مثل سفينة نوح قال - تعالى -:{وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} (1) . وقال - تعالى -: {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (2) .

وامتنَّ سبحانه وتعالى على بني الإنسان كذلك بصناعة السفينة والدروع وبيَّن أنها من نعمائه واستحثهم لشكر تمتعهم بها، وجعل السد من رحمته.

(1) يس: 41 - 42.

(2)

القمر 13 - 15.

ص: 166

وبيَّن - سبحانه - موارد نفعها ودورها في تمكين أهل الحق فبصناعة السفينة كانت نجاة المؤمنين والخليقة في الأرض، وبسد ذي القرنين كان تمكين رعايا ذي القرنين من العيش آمنين هانئين ونحو ذلك وفي هذا عبرة لأهل الإيمان أن يعتنوا بالمخترعات ويعرفوا قيمتها وأنها من أسباب رحمته وسوابغ نعمته ووسائل النجاة من الكوارث والوصول إلى التمكين في الأرض، وعلى أهل الحق أن يأخذوا في الحسبان ما ورد في القرآن بخصوص هذا الشأن وأن يسعوا إلى الصناعة لتمكين دعوة الحق ونصرة الدين، معتبرين ومتأسين بهذه الوقائع التي دارت أدوارها على تلك الصنائع، حتى تحقق لأهل الحق التمكين ونُصِرَ بها الدين.

ص: 167

العامل الحادي عشر

الضراعة إلى الله

الضراعة في الأصل "الذلة والخشوع والاستكانة"(1) ، وهي تعني في اصطلاح القرآن الدعاء الممزوج بالذلة والتمسكن لله والانكسار بين يديه، ولقد أكَّدَ الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنها سبب من أسباب انكشاف السوء ونجاة المؤمنين، بل ونجاة أهل العذاب، الذين وصلوا درجة استحقاقه وعاينوه بأم عيونهم، فلو تضرعوا إلى الله لكشف الله عنهم العذاب.

قال - تعالى -: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (2) .

وقال - تعالى -: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} (3) .

(1) فتح القدير للشوكاني (2 / 213) ، وانظر المفردات للأصفهاني 295

(2)

الأنعام: 42 - 43

(3)

الأعراف: 94

ص: 168

ولئن كانت دلالة الآيات هذه أن البأساء والضراء أرسلت لتستحث المكذبين إلى التضرع والانكسار إليه، وبالتالي قبول دعوة الرسل، فإن الآيات يستفاد من ظاهرها كذلك أن انكشاف البأساء والضراء يستلزم الضراعة الصادقة، وأنها سبب رئيس إذا كانت صادقة خالصة لانكشاف كل بأساء وضراء.

والذي نحن بصدده في هذا المبحث أن إبداء الافتقار إلى الله - تعالى - والالتجاء سب إليه وحده في الدعاء - وهو الضراعة - عامل عظيم من عوامل تمكين دعوة الحق، وسبب من أسباب نصر الرسل والأنبياء.

ص: 169

وباستقراء قصص الأنبياء في القرآن وقصص الهالكين من الأمم، لا نجد نصرًا حصل لنبي أو اتباع دعوة الحق إلا بعد رفع الضراعة ودوام الدعاء إلى الله، وكذلك نجد القرآن يقص لنا عن كثير من الأمم الهالكة، أن هلاكها سبقه ضراعة متضرع، أو جماعة مؤمنة التجأت إليه فألجأها وأنجاها، ثم أهلك من كايدها وعاداها، إن الضراعة سنة، لا تكاد تختلف في النصر والتمكين اللذين يصنعان على عين الله، سبحانه وتعالى، ومتى قلت ضراعة الطائفة المؤمنة أو أصبح أفرادها وقادتها يتوارون أو يستحيون من أن يبدوا تمسكنهم وذلتهم وتذللهم وهم يدعون الله ويسألونه إنجاح أمورهم ونصرهم على عدوهم، وأصبحوا يعولون كل التعويل على حسن التخطيط والتدبير، وشدة التحري والتربص لمخططات أعدائهم وكيفية فضحها ودفعها، فإن تلك الطائفة - وإن كانت حسنة الإيمان في الجملة - جديرة أن تنحط عن رتبة النصر وجديرة كذلك بالخذلان من ربها، وأن يكلها إلى ما عولت عليه وركنت إليه.

ولعل من أحسن ما يبين هذا الأمر ويشهد له مثالان في كتاب الله؛ وهما حال طائفة الإيمان في بدر، وحالها في غزوة حنين.

ص: 170

ففي وقعة بدر نرى الضراعة والاستكانة أبين ما تكون، قال - تعالى - يصف دعاء المؤمنين ونبيهم صلى الله عليه وسلم:{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} (1) .

لقد كانت مشاعر المؤمنين قبل المعركة متوجهة إلى مالك النصر في لهفة واضطرار تطلب الغوث منه والنجدة، بنصر من عنده، فكان المدد بالملائكة والنصر من الله - سبحانه -، واستجابة الدعاء من الله، حتى لقد علم المؤمنون أنهم إنما نصروا بنصر الله، لا بعددهم ولا بسالتهم، ووصلوا إلى النصر بسهولة ودون عظيم خسارة هناك.

قال - تعالى -: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (2) .

(1) الأنفال: 9

(2)

آل عمران: 123

ص: 171

أما الحال في حنين، فيصوره القرآن كذلك ويذكر حال الجماعة المؤمنة، فلا يذكر عنهم أنهم تضرعوا ولا دعوا، فقلت لديهم الضراعة، بل اضمحلت فيهم اضمحلالًا ظاهرًا، بل بالعكس وقع في النفوس العجب بكثرة العدد والركون إليها والتعويل عليها، وهنا يأتي سياق القرآن بذكر ما استكن في قلوب المؤمنين وهم يسيرون إلى عدوهم فلا يذكر إقبالًا على دعاء الله منها، ولا طلب نصر منه، ولا استغاثة بربهم كما كان الحال في بدر، بل يذكر ما استكن فيها من العجب بالكثرة والالتفات إليها أكثر من الالتفات إلى دعاء واهب النصر، حتى كانت الكلمة الرائجة في الجيش (لن نغلب اليوم عن قلة) فكانت الهزيمة الفاضحة في أول الأمر حتى أثبتت للمؤمنين أن الاعتماد يجب أن لا ينصرف إلى كثرة عدد ولا قوة مدد، ولا وفرة العتاد والآلة؛ وإنما الاعتماد إلى واهب النصر وحده، الذي نصرهم وهم أذلة في بدر حين قصدوه، ووجهوا القلوب متضرعة إليه.

ص: 172

قال - تعالى -: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (1) .

وبعد أن تلقى أهل الإيمان درسًا فريدًا، وعلموا أن الكثرة ما أغنت ولا أجدت؛ شاء الله - سبحانه - أن يكمل لهم بقية الدرس ويريهم كيف ينزل النصر؟ وإذا أرادوه فمن أي باب يطرقونه؟ فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت في رجال معه، وينزل عن بغلته ويقول:«اللهم نزِّل نصرك» ويستنصر الله ويدعوه فينزل الله سكينته عليه وعلى المؤمنين، وينزل - سبحانه - جنودًا لم يروها، فيكون النصر المبين من الله، والذي صنعه الله لنبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين حين دعوه وتضرعوا إليه وثبتوا على ذلك يدعون ويناضلون.

(1) التوبة: 25 - 26

ص: 173

روى مسلم في صحيحه «عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رجلًا قال له: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: " أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى ولكنه انطلق أخفاءٌ من الناس وحُسَّر - والحاسر هو من لا درع له - إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها ِرجْل من جراد - أي قطعة من جراد - فانكشفوا فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو سفيان يقود به بغلته فنزل ودعا واستنصر وهو يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب اللهم نزِّل نصرك»

) (1) . الحديث.

وهكذا نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يثبت ويدعو الله ويستنزله نصره حتى كان النصر من الله الموصوف في الآية: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} (2) .

إن الضراعة والابتهال إلى الله بإنزال النصر لم تكن شأن النبي صلى الله عليه وسلم في حنين فقط، بل "كان صلى الله عليه وسلم إذا لقي عدوه، وقف ودعا واستنصر الله، وأكثر هو وأصحابه من ذكر الله"(3) .

(1) صحيح مسلم بشرح النووي باب غزوة حنين (12 / 120) كتاب الجهاد.

(2)

التوبة: 26

(3)

زاد المعاد (3 / 97) .

ص: 174

وهذا هو القرآن الكريم لا يكاد يذكر نصرًا وتمكينًا لدعوة الحق إلا ويذكر قبله أنه استنزل من خزائن مالك الملك بالضراعة والدعاء فهذا نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وضراعته، قال - تعالى - في شأنه:{فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ} {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} {وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} {وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} (1) .

وقال - تعالى - في شأنه كذلك: {قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ} {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ} {فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} {فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ} {ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ} (2) .

(1) القمر: 10 - 15

(2)

الشعراء: 116 - 120

ص: 175

وهذه ضراعة بني إسرائيل ونبييهما الكريمين وهم تحت وطأة قهر فرعون، فأبناؤهم يقتلون، ونساؤهم يستخدمن، ويؤذين من قوم فرعون، فيتضرع القوم ضراعة دائمة، ألا يفتنهم هذا الكيد عن دينهم، وأن ينجيهم ربهم من عدوهم، وهذا نبيهم يرشدهم إلى الضراعة إلى الله والاستعانة به وحده، والرغبة إليه في فك ورفع البلاء عنهم. قال - تعالى -:{وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ} {فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (1) .

(1) يونس: 84 - 86

ص: 177

ثم يرغب موسى وهارون - على نبينا وعليهم الصلاة والسلام - إلى الله ليفك عن قومهما كيد فرعون وبلاءه، وأن يشد وطأته عليهم، قال - تعالى -:{وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ} {قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (1) .

ثم قال - سبحانه - بعد إخباره عن إغراق فرعون وقومه وإنجاء بني إسرائيل: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ}

(2) الآية.

(1) يونس: 88 - 90

(2)

يونس: 93

ص: 178

وهنا نرى أن التمكين المذكور لبني إسرائيل في الآية سبقته ديمومة الضراعة منهم سنين طوال {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} {وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وأخيرًا دعا نبي الله موسى وأمَن هارون، فاستجاب الله دعاءهما ورفع الكرب عنهما وعن قومهما، وأمرهم بالخروج إلى البحر، وفلقه لهم وأنجاهم وأغرق عدوهم.

قال - تعالى -: {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ} {وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} {وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ} (1) .

ولقد ذكر سبحانه وتعالى أن الضراعة إليه ودعاءه هي القولة التي التزمها أهل التمكين من أتباع النبيين، واعتمدوها بل وأدمنوا عليها، حتى كأنهم لا يتلفظون بغيرها، وذلك في قوله - تعالى -:{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (2) .

(1) الصافات: 114 - 116

(2)

آل عمران: 147

ص: 179

وقوله - تعالى -: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا}

فيه دلالة ديمومة الضراعة إلى الله، وإدمان الابتهال إليه في كل الأحوال، حتى لكأنهم لا يقولون قولًا ولا يلفظون كلامًا غير تلك الضراعة المبينة في الآية؛ وما كان بعد هذه الضراعة الدائمة إلا أن شهد الله سبحانه وتعالى أنه أنالهم "ثواب الدنيا" وهو الظفر والنصر والتمكين، "وحسن ثواب الآخرة" وشهد لهم - سبحانه - أنهم أحسنوا غاية الإحسان، وبلغوا بإحسانهم نعيم محبته لمن أحسن "والله يحب المحسنين".

قال - تعالى - في ذلك: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (1) .

(1) آل عمران: 146 - 148

ص: 180

ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ضراعة الطائفة المؤمنة الموقنة من بني إسرائيل وهم مع طالوت في حالة لقائهم لأعدائهم الكافرين المتكاثرين، وثنَّى بعدها - سبحانه - بذكر هزيمة أعدائهم مباشرة، مما يفيد أن للضراعة دورًا خطيرًا في انتصار أهل الإيمان، وهزيمة أعدائهم من حزب الشيطان قال - تعالى - في شأنهم:{وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} (1) .

(1) البقرة: 251

ص: 181

ولقد أحسن التوجيه والإيراد الإمام الشوكاني رحمه الله في تفسيره حين قال عند قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (1) : "وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت - {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} -"(2) .

إن الضراعة إلى الله عامل عظيم من عوامل نصر الله لدعوة الحق وتمكينها، وها هي دعوات المرسلين وأتباعهم من المؤمنين لا يكاد يذكر الله نصره لها إلا ويذكر قبله ضراعتهم ودعاءهم إذ به يستنزل النصر، ويعلم سبحانه وتعالى من تلك الطائفة صدق توجهها إليه فيرضى عنهم ويحقق لهم النصر، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يركز على هذا العامل ويهتم به ويتطلبه ويسعى إلى من يكون مظنة حصوله وهم الضعفاء والفقراء من المؤمنين الذين يرحم الله بهم الجميع. فينزل نصره - سبحانه - على جماعة المسلمين بدعوات أولئك الضعفاء الصادقين.

(1) الأنفال: 45

(2)

فتح القدير (2 / 315) .

ص: 182

عن أبي الدرداء رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبغوني الضعفاء، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم» (1) .

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم» (2) .

إن المؤمن الضعيف خير من المؤمن القوي في دعائه وصلاته وإخلاصه في الغالب، وإن كان المؤمن القوي خير منه في عامة الأحوال إلا في هذه الحالة، حالة الدعاء والضراعة والإخلاص وذلك أن دعاء الضعيف وصلاته أخلص لله وأصدق لكونه منقطع الرجاء في الغالب من سبب فلا ملجأ له إلا الله في غالب أموره وأحواله ولذا فإنه يرسل الضراعة إلى الله بإقبالٍ إليه بالكلية ودون أدنى لفتة إلى سبب إذ السبب في الغالب معدوم فهو ضعيف لا يملك شيئًا إلا إيمانه وإخلاصه.

(1) سنن أبي دواد، الجهاد، الاستنصار برذل الخير والضفعة (3 / 32) .

(2)

سنن النسائي، الجهاد، الاستنصار بالضعفاء (6 / 45) .

ص: 183

بينما المؤمن القوي في الغالب لا يسلم من التفات إلى ما لديه من أسباب القوة وأحيانًا يستند إليها في حين غفلة وغالبًا ما تلهيه أسباب القوة ومثولها أمامه عن التضرع إلى الله وإن تضرع فهو في الغالب لا يسلم من ميل قلبه وخلجات خواطره إلى الطمأنة بأن أسباب القوة موجودة لديه، فلا يرسل الدعاء - إن أرسله - مظرَّفًا بحرارة الإخلاص وضراعة الافتقار وانقطاع الرجاء عن سوى الخالق، مثل ما هو حاصل عند الضعيف.

ولما لدى الضعفاء من الإخلاص وصدق الضراعة كان القبول لهم من الله ولدعائهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتطلب وجودهم في سراياه وغزواته ويحض صحابته على عدم احتقارهم ويبين أنهم سبب نصرهم بل وحتى رزقهم، فيقول لهم:«أبغوني الضعفاء» ..) . بل يأتي الحديث في أسلوب الحصر: «إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها» وكأنه لا نصر للأمة إلا بالضعفاء!.

وهنا يرد إشكال ظاهر فقد أمر الله بالجهاد وإعداد القوة والغلظة على الكافرين، وغير ذلك مما علق به نصر الأمة. فكيف يُحصر النصر هنا على وجود الضعفاء ودعائهم وإخلاصهم دون ما أمر الله به من أسباب القوة وعلق عليه النصر للأمة؟

ص: 184

والجواب: أنه لا إشكال البتة ولا تعارض إذ أول سبب ينصر الله به الأمة "الإيمان" وهي حين تفقد ذلك السبب أو تتهاون فيه فلن تجدي الأسباب الأخرى؛ ولن تنجح شيئًا مما يُعد من نصر الله للأمة وتمكينها.

وبما أن ديمومة الضراعة إلى الله هي المظهر الأكمل الذي يجسد الإيمان الخالص الناصع ويشهد به حقًا كما بين القرآن الكريم في قوله - تعالى -: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ} .. (1) . الآية. فلقد شهد القرآن هنا أن أصحاب الضراعة الدائمة الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي هم أصحاب الإيمان الصادق الخالص فهم الذين يريدون وجه الله، فالإيمان الخالص الناصع تجسده تمامًا الضراعة الدائمة إلى الله.

والإيمان هو سبب نصر الله للجماعة من المسلمين الأول والأخير، ولكي يتوفر الإيمان الخالص الذي ينصر الله به أهل الحق فلا بد من أصحابه وهم أولئك الضعفاء الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه - أصحاب الضراعة الدائمة - فهم الطائفة التي يتحقق فيها ذلك الإيمان الخالص غالبًا فهم مظنته.

(1) الكهف: 28

ص: 185

ونصر الله إنما يكون إذا توافر الإيمان الخالص، بل غالبًا ما يتخلف حين يُشاب الإيمان بشائبة (1) .

فلما كان النصر من الله شرطه الأول والأخير الإيمان الخالص كانت العناية بأهله وهم ضعفاء المؤمنين وكان حصر نصر الله للأمة في وجودهم ودعائهم وإخلاصهم إنما هو حرصٌ منه صلى الله عليه وسلم، وبيان أن الإيمان الخالص هو سبب نصر الأمة الإسلامية وعند اختلاله فإن النصر بعيد؛ فلذلك فليُحرص على حملته ومواضع مظنته ومن يمثلونه وهم الضعفاء من المؤمنين، فلا يحتقرون أو يمنعون من الانضمام إلى الجيوش أو يزهد في دعائهم وضراعتهم فهم بذلك نصر الأمة ومهبط رحمة الرحيم بها.

(1) كما سبق بيانه في مبحث «الإيمان الخالص لله» .

ص: 186

وأخيرًا نصل إلى لفتة جديرة بالوقوف والتأمل عندها، وهي أن الضراعة إلى الله - سبحانه - عامل النصر والنجاة الذي لا يمكن أن يفقد ألبتة من يد من سعى إلى التمكين؛ فإن كل العوامل الأخرى من الجماعة والجهاد والهجرة.. ونحوها عرضه لأن تفوت المؤمن أو جماعة المؤمنين. أما الضراعة فهي عامل النصر الذي مهما فات غيره فلا يفوت ولا يفقد، إلا أن يضيعه المؤمن أو جماعة المؤمنين، قال - تعالى -:{وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} (1) .

وها هي دعوة نبي الله موسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - وقومه - بني إسرائيل - كان عامل تمكينها ونصرها من كيد فرعون هو الضراعة فقط مع الصبر.

قال - تعالى -: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (2) .

(1) غافر: 60

(2)

الأعراف: 128

ص: 187

بل وأحيانًا كثيرة ينصر الله جماعة المؤمنين بالضراعة فقط، دون غيرها من أسباب النصر الأخرى، وها هي دعوة نبي الله عيسى - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - حين يرجع في المسلمين حكمًا مقسطًا في آخر الزمان ـ كما تظاهرت بذلك نصوص القرآن والسنة - فيخرج الله على المؤمنين يأجوج ومأجوج، فيظهرون على الأرض ويعيثون فيها قتلًا وإفسادًا، ثم يحاصرون المؤمنين ومعهم نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فلا ينجون من هذا المأزق لا بجهاد ولا غيره ولا فرار، وإنما يتضرعون ويدعون الله حتى تكون نجاتهم وهلاك يأجوج ومأجوج، ويخرج الله المؤمنين بعد هذه الضراعة من حصارهم فيجعلهم خلفاء الأرض.

ص: 188

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر لهم عن الدجال - وهو حديث طويل عند مسلم وغيره - جاء فيه من قوله عليه الصلاة والسلام: (

«إذ أوحى الله - تعالى - إلى عيسى صلى الله عليه وسلم أني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم - أي لا طاقة لأحد بقتالهم - فحرز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون

ويُحصر نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى الله تعالى، فيرسل عليهم النغف في رقابهم - النغف: دود - فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنه إلى الأرض»

) (1) الحديث.

وهنا نرى دور الضراعة إلى الله وأنها كانت هنا العامل الوحيد في هذا المأزق النصر الذي نصر الله به عيسى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأنجاهم وأظهرهم على الأرض.

(1) صحيح مسلم، كتاب الفتن، باب ذكر الدجال (18 / 63ـ70) .

ص: 189

العامل الثاني عشر

إقامة الدين

إقامة الدين التي نتعرض لها هنا ليست للجماعة المؤمنة وهي في طور النشوء والسعي للتمكين، وإنما إقامة الدين التي نود الكلام عنها هنا حين تصبح دعوة الحق لها دولة ومجتمع ونظام وحكم، فما مدى دور إقامة الدين في نظام الحكم وتسيير المجتمع؟ وتطبيق حدوده وأحكامه تطبيقًا تامًا؟ ما دور ذلك في تمكين الدولة؟ وفي إرغاد عيشها وزيادتها من تمكين إلى تمكين؟

فلقد تعاقبت على حكم المسلمين دول إثر دول إلى هذا اليوم، وطالما حدثنا التاريخ والحاضر عن أكثر تلك الدول، وعن روغانها عن إقامة حدود من الدين وإقامة حدود أخرى منه حسب ما يلائم مزاج الحاكم الظالم أحيانًا. وأحيانًا تخوفًا على الدولة وصلاحيات الحكم، وأحيانًا لسوء ظن وضعف يقين بما أمر الله به ونهى عنه، وأن الفلاح والحل في غيره أصوب وأرشد.

ولكن هذا هو القرآن والتاريخ يشهد كل منهما أن إقامة دين الله رغد ما بعده رغد، وسعادة وهناءة للحاكم والمحكوم، وحتى للهوام والدواب وحشائش الأرض وأمطار السماء، وسبب لفتح بركات لا تنتهي، ونعيم كريم عظيم.

ص: 190

إن الله سبحانه وتعالى يؤكد هنا أن أهل الكتاب لو أقاموا ما أنزل الله على أنبيائه من كتب، لسعدوا في الدنيا قبل الآخرة، ولفتح الله له بسبب ذلك بركات الأرض وزروعها وثمارها، ولأصبحوا يجدون الرزق والأكل وأطيب الطعام تخرجه لهم زروع الأرض يتدلى فوق رؤوسهم، ويلتقطونه من تحت أرجلهم أينما كانوا في أرضهم أو طرقهم أو منازلهم، وهذا غاية عظيمة في النعيم وما ذلك إلا بسبب إقامة الدين، وهذه الحال المتعلقة بإقامة الدين ليست لأهل الكتاب خاصة، بل لكل أمة تقيم دين الله، إقامة جادة، فإن أهل القرى التي أهلكها الله من قبل أهل الكتاب لو أقاموا الدين وآمنوا واتقوا لفتح الله لهم بركات من السماء والأرض.

ص: 192

وكذلك هذه الأمة، أمة محمد صلى الله عليه وسلم موعودة بذلك، وقد وقع في تاريخها مرارًا وتكرارًا حين أقامت دين الله، ففي عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم حين كان الدين مقامًا في الدولة، كانت تُثل عروش ممالك الدنيا ودولها شرقًا وغربًا، وتلفظ بركاتها وكنوزها وخيراتها في أيدي المسلمين، فكانوا سادة العالم وأرباب خيراته وغلاته، وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عدي بن حاتم الذي رواه الإمام البخاري:«أما قطع السبيل فإنه لا يأتي عليك إلا قليل، حتى يخرج العير إلى مكة بغير خفير. وأما العيلة فإن الساعة لا تقوم حتى يطوف أحدكم بصدقته، ولا يجد من يقبلها» (1) الحديث.

فيقول راوي الحديث عدي بن حاتم رضي الله عنه: فلقد رأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئًا حتى تبلغ هذا البيت، وكان عدي بن حاتم رضي الله عنه لم يدرك تحقق النبوءة الثانية وهي فيضان المال، ولكنه كان رضي الله عنه يحلف بالله لتكونن (2) .

(1) صحيح البخاري في الزكاة، باب «الصدقة قبل الرد» (2 / 222) .

(2)

راجع سير أعلام النبلاء (3 / 164) .

ص: 193

وبالفعل كانت بعد عدي بن حاتم رضي الله عنه في عهد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز حيث فاض المال في عهده حتى لم يوجد من يأخذ الصدقة؛ عن عمر بن أسيد قال: "والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح حتى يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس"(1) .

(1) سير أعلام النبلاء (5 / 131) .

ص: 194

إن ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم من ظهور الأمن حتى رأي عدي بن حاتم راوي الحديث صدق بشارته، ورأى المرأة من العراق حاجة تؤم مكة تقطع الصحارى والقفار الموحشة وحيدة لا تخاف حتى تصل البيت، إنما كان ذلك الأمن المطمئن حين أقيمت شعائر الدين في دولة الإسلام في عهد الخلفاء الراشدين، وما ذلك إلا لظهور دولة الإسلام المقيمة لدين الله، فكان الأمن الذي لا يعرفه العالم اليوم ولا يشهد له مثيلًا، ولقد تعاقبت دول في تاريخ الإسلام وتفاوتت في إقامة الدين إلا أنا نرى بشهادة التاريخ أن الأمن كان حليف كل دولة أقامت دين الله بين أمصارها وأفرادها، وجعلته نظام حكمها، ونراه يقل ويضمحل إلى أن يتلاشى حين يقل ويتراخى موقف الحكام من إقامة الدين وربما ينقلبون على دينهم، فيقلب الله عليهم الأمن خوفًا، أما فيضان المال في عهد عمر فليس لكثرة الفتوح في عهده، فالفتوح في عهده كما هي في عهد من سبقه، وليس ذلك ناتج عن حسن تخطيط لاقتصاد الدولة، وإنما كان السبب الأول والأخير هو إقامة دين الله وشعائره في عهد عمر فقد أحيا رضي الله عنه مواقيت الصلاة بعد أن أميتت، ورد المظالم، وعزل العمال الظلمة، وأقام الدين (1) إقامة شهدت

(1) راجع سير أعلام النبلاء للذهبي (5 / 125) .

ص: 195

له بها الرعية كلها برها وفاجرها، وشهد له بها التاريخ إلى يومنا الحاضر. فكان ذلك الرغد من العيش بسبب ذلك.

أما عند ترك إقامة الدين أو التخلف والتقهقر عنها فإن الله سبحانه وتعالى يعاقب تلك الأمة المسلمة التي تنكرت لدينها بإلباسها لباس الجوع والخوف، وتنكيد عيشها، وثل عروش ملكها، وينزل سبحانه وتعالى بها من أليم عقابه وشدة بأسه ما لا ينزله بالدول الكافرة ابتداءً، وذلك أن هذه الدولة المسلمة عرفت ثم أنكرت وآمنت ثم كفرت، ووصلت إلى الأمن والعز والرغد بدين الله وطاعتها لله ثم جحدت بعد ذلك؛ فيذيقها الله بذلك ما لا يذيق الكافرين وذلك أن الله سبحانه وتعالى "يعاقب على الكفران بالنعمة ما لا يعاقب على الكفر، وعلى الكنود ما لا يعاقب على الجحود"(1) .

وهذا القرآن يبين لنا حال الدولة التي تنكرت للدين وإقامته ومدى تأثير ذلك عليها قال - تعالى -: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (2) .

(1)«ردة ولا أبا بكر لها» للندوي (45، 26،27) .

(2)

النحل: 112

ص: 196

وقال - تعالى -: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (1) .

وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن إقامة الدين سبب لحفظ ملك الأمة الإسلامية وعزها وأن الله سبحانه وتعالى يمكن به الحاكم المسلم ويؤيده، وأنه لا ينزع الملك منه إلا إذا ترك إقامة الدين، وأن من يتخلى عن إقامة الدين يبعث الله له من يسومه سوء العذاب.

عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (2) .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما بعد يا معشر قريش، فإنكم أهل هذا الأمر - يعني الخلافة - ما لم تعصوا الله فإذا عصيتموه بعث عليكم من يلحاكم كما يُلحى هذا القضيب» (3) .

ولقد صدق ابن المعتز حين قال:

الملك بالدين يبقى والدين بالملك يقوى

(1) الأنفال: 53

(2)

رواه البخاري وأحمد، صحيح البخاري، المناقب، مناقب قريش (5 / 13) .

(3)

رواه أحمد في المسند (6 / 176) رقم الحديث 4380

ص: 197

ومما ورد في السنة مما يشهد بأن إقامة الدين ليست سببًا في حصول التمكين في الحكم والسلطة والنصر فحسب بل يتعدى بحصولها التمكين حتى يصل إلى التمكين من معايش الأرض بكثرة بركتها وسلامتها من الآفات والكوارث والمكدرات والمنغصات؛ وفي حديث أبي أمامة رضي الله عنه في نزول عيسى ابن مريم وإقامة دين الله في الأرض أكبر شاهد على ذلك. قال رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (

«فيكون عيسى ابن مريم عليه السلام في أمتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مقسطًا، يدق الصليب، ويذبح الخنزير ويضع الجزية، ويترك الصدقة، فلا يُسعى على شاة ولا بعير وترفع الشحناء والتباغض، وتنزع حمة كل ذات حمة، حتى يُدخل الوليد يده في الحية فلا تضره، وتُفِرُ الوليدةُ الأسد فلا يضرها، ويكون الذئب في الغنم كأنه كلبها، وتُملأ الأرض من السِّلم كما يملأ الإناء من الماء، وتكون الكلمة واحدة فلا يعبد إلا الله، وتضع الحرب أوزارها وتكون الأرض كفاثور الفضة تنبت نباتها بعهد آدم، حتى يجتمع النفر على القطف من العنب فيشبعهم، ويجتمع النفر على الرمانة فتشبعهم» (1) .

(1) سنن ابن ماجه في الفتن (2 / 1360 ـ 1362) رقم الحديث 4077

ص: 198

(1) الحديث أخرجه النقاش في «فوائد العراقيين» كما قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير وقال عن الحديث «صحيح» (2 / 728) رقم الحديث 3919 وكلا الحديثين السابقين لهما معاني واردة في الصحيح راجع صحيح مسلم في كتاب الإيمان (2 / 189ـ193) .

ص: 199

وسبب كل ذلك الرغد في العيش والبركة وزوال الأخطار حتى من الحيوانات، والتمكين من كل شئ في الأرض هو إقامة الدين في الأرض فقد أقام عيسى ابن مريم - على نبينا وعليه الصلاة والسلام - دين الله في الأرض كلها ولم يبق منها بقعة إلا كانت على الإسلام، فانعدمت مساحة المعاصي على الأرض التي كانت تكدر العيش، وتقتل الطيور في أوكارها، فرجع ذلك التسخير الذي سخره الله للإنسان في كل شيء في الأرض من قبل، وهكذا يحصل دائمًا حين يقام الدين على مساحة أكبر من الأرض ولو لم تستوعب الأرض جميعًا فيحصل من التمكين وهناءة العيش وبركته قريبًا من هذا، والذئب حين رعى الغنم في عهد عمر بن عبد العزيز ليس ذلك بكذب ولا أساطير وإنما حقيقة من حقائق التمكين حين يُقام الدين، تشهد لها نصوص القرآن، وصحاح السنة، وسجلات التاريخ. فقد ذكر ابن سعد في الطبقات وأبو نعيم في الحلية عن مالك بن دينار قال:(لما ولي عمر بن عبد العزيز رحمه الله قالت رعاة الشاء في رؤوس الجبال: من هذا الخليقة الصالح الذي قام على الناس؟ قال: فقيل لهم: وما أعلمكم بذلك؟ قالوا إنه إذا قام خليفة صالح كفت الذئاب والأسد عن شائنا)(1)

(1) وقد ساق هذه الحادثة بالسند الإمام الآجري في كتابه (أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز) ، وحكم محقق الكتاب على السند بالصحة. (أخبار عمر أبي حفص) تحقيق عبد الله العسيلان (50) .

ص: 200

وذكر ابن كثير بالإسناد عن حماد بن زيد عن موسى بن أعين الراعي - وكان يرعى الغنم لمحمد بن عيينة - قال: كانت الأسد والغنم والوحوش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاة منها ذئب، فقلت: إنا لله، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك، قال: فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة (1) .

(1) البداية والنهاية لابن كثير (5 / 211) ، طبعة دار البيان للتراث، وأشار ابن كثير إلى أن هذا روي عن حماد من غير وجه، وأن له شاهدا آخر عن غير حماد

ص: 201