الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[سُورَة الْأَنْفَال (8) : آيَة 43]
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (43)
إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا [الْأَنْفَال: 42] فَإِنَّ هَذِهِ الرُّؤْيَا مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ زَمَانُ كَوْنِهِمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا لِوُقُوعِهَا فِي مُدَّةِ نُزُولِ الْمُسْلِمِينَ بِالْعُدْوَةِ مِنْ بَدْرٍ، فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ بَدَلٍ.
وَالْمَنَامُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى النَّوْمِ، وَيُطْلَقُ عَلَى زَمَنِ النَّوْمِ وَعَلَى مَكَانِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: فِي مَنامِكَ بِفعل يُرِيكَهُمُ، فالإراءة إراءة رُؤْيا، وأسندت الإراءة إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ رُؤْيَا النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَحْيٌ بِمَدْلُولِهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى، حِكَايَةً عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ قالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرى قالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصافات: 102] فَإِنَّ أَرْوَاحَ الْأَنْبِيَاءِ لَا تَغْلِبُهَا الْأَخْلَاطُ، وَلَا تَجُولُ حَوَاسُّهُمُ الْبَاطِنَةُ فِي الْعَبَثِ، فَمَا رُؤْيَاهُمْ إِلَّا مُكَاشَفَاتٌ رُوحَانِيَّةٌ عَلَى عَالَمِ الْحَقَائِقِ.
وَكَانَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم قَدْ رَأَى رُؤْيَا مَنَامٍ، جَيْشَ الْمُشْرِكِينَ قَلِيلًا، أَيْ قَلِيلَ الْعَدَدِ وَأَخْبَرَ بِرُؤْيَاهُ الْمُسْلِمِينَ فَتَشَجَّعُوا لِلِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ، وَحَمَلُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَزَالَ عَنْهُمْ مَا كَانَ
يُخَامِرُهُمْ مِنْ تَهَيُّبِ جَيْشِ الْمُشْرِكِينَ. فَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَا مِنَّةً مِنَ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَكَانَتْ قِلَّةُ الْعَدَدِ فِي الرُّؤْيَا رَمْزًا وَكِنَايَةً عَنْ وَهَنِ أَمْرِ الْمُشْرِكِينَ لَا عَنْ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ.
وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي رُؤْيَا النَّوْمِ دُونَ الْوَحْيِ، لِأَنَّ صُوَرَ الْمَرَائِي الْمَنَامِيَّةِ تَكُونُ رُمُوزًا لِمَعَانٍ فَلَا تُعَدُّ صُورَتُهَا الظَّاهِرِيَّةُ خُلْفًا، بِخِلَافِ الْوَحْيِ بِالْكَلَامِ.
وَقَدْ حَكَاهَا النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم لِلْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ رُؤْيَا النَّبِيءِ وَحْيٌ، وَقَدْ يَكُونُ النَّبِيءُ قَدْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى تَعْبِيرِهَا الصَّائِبِ، وَقَدْ يَكُونُ صَرَفَهُ عَنْ ذَلِكَ فَظَنَّ كَالْمُسْلِمِينَ ظَاهِرَهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ لِلْحِكْمَةِ. فَرُؤْيَا النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
لَمْ تُخْطِئْ وَلكنهَا أَو همتهم قِلَّةَ الْعَدَدِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مَرْغُوبُهُمْ وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ حَاصِلٌ، وَهُوَ تَحَقُّقُ النَّصْرِ، وَلَوْ أُخْبِرُوا بِعَدَدِ الْمُشْرِكِينَ كَمَا هُوَ لَجَبُنُوا عَنِ اللِّقَاءِ فَضَعُفَتْ أَسْبَابُ النَّصْرِ الظَّاهِرَةُ الْمُعْتَادَةُ الَّتِي تُكْسِبُهُمْ حُسْنَ الْأُحْدُوثَةِ. وَرُؤْيَا النبيء لَا تخطىء، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ جَارِيَةً عَلَى الصُّورَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْخَارِجِ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَهَذَا هُوَ الْغَالِبُ، وَخَاصَّةً قَبْلَ ابْتِدَاءِ نُزُولِ الْمَلَكِ بِالْوَحْيِ، وَقَدْ تَكُونُ رُؤْيَا النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم رَمْزِيَّةً وَكِنَايَةً كَمَا فِي حَدِيثِ رُؤْيَاهُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَيُقَالُ لَهُ: اللَّهُ خَيْرٌ، فَلَمْ يَعْلَمِ الْمُرَادَ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ خَذْلَ الْمُشْرِكِينَ وَهَزْمَهُمْ أَرَى نَبِيئَهُ الْمُشْرِكِينَ قَلِيلًا كِنَايَةً بِأَحَدِ أَسْبَابِ الِانْهِزَامِ، فَإِنَّ الِانْهِزَامَ يَجِيءُ مِنْ قِلَّةِ الْعَدَدِ. وَقَدْ يُمْسِكُ النَّبِيءُ عليه الصلاة والسلام عَنْ بَيَانِ التَّعْبِيرِ الصَّحِيحِ لِحِكْمَةٍ، كَمَا
فِي حَدِيثِ تَعْبِيرِ أَبِي بَكْرٍ رُؤْيَا الرَّجُلِ الَّذِي قَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَوْلِ النَّبِيءِ لَهُ: «أَصَبْتَ بَعْضًا وَأَخْطَأْتَ بَعْضًا»
وَأَبَى أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ مَا أَصَابَ مِنْهَا وَمَا أَخْطَأَ. وَلَوْ أَخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ لِيُخْبِرَ الْمُؤْمِنِينَ بأنّهم غالبون الْمُشْركُونَ لَآمَنُوا بِذَلِكَ إِيمَانًا عَقْلِيًّا لَا يَحْصُلُ مِنْهُ مَا يَحْصُلُ مِنَ التَّصْوِيرِ بِالْمَحْسُوسِ، وَلَوْ لَمْ يُخْبِرْهُ وَلَمْ يُرِهِ تِلْكَ الرُّؤْيَا لَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسِبُونَ لِلْمُشْرِكِينَ حِسَابًا كَبِيرًا. لِأَنَّهُمْ مَعْرُوفُونَ عِنْدَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَقْوَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكَثِيرٍ.
وَهَذِهِ الرُّؤْيَا قَدْ مَضَتْ بِالنِّسْبَةِ لِزَمَنِ نُزُولِ الْآيَةِ، فَالتَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ لِاسْتِحْضَارِ حَالَةِ الرُّؤْيَا الْعَجِيبَةِ.
وَالْقَلِيلُ هُنَا قَلِيلُ الْعَدَدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: كَثِيراً. أَرَاهُ إِيَّاهُمْ قَلِيلِي الْعَدَدِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُكَاشَفَةِ النَّوْمِيَّةِ كِنَايَةً عَنِ الْوَهَنِ وَالضَّعْفِ. فَإِنَّ لُغَةَ الْعُقُولِ وَالْأَرْوَاحِ أَوْسَعُ من لُغَة
التخاطب، لِأَنَّ طَرِيقَ الِاسْتِفَادَةِ عِنْدَهَا عَقْلِيٌّ مُسْتَنِدٌ إِلَى مَحْسُوسٍ، فَهُوَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ الْعَقْلِيِّ الْمَحْضِ وَبَيْنَ الِاسْتِفَادَةِ اللُّغَوِيَّةِ.
وَأخْبر ب «قَلِيل» و «كثير» وَكِلَاهُمَا مُفْرَدٌ عَنْ ضَمِيرِ الْجَمْعِ لِمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ [آلِ عِمْرَانَ: 146] .
وَمَعْنَى: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ أَنَّهُ لَوْ أَرَاكَهُمْ رُؤْيَا مُمَاثِلَةً لِلْحَالَةِ الَّتِي تُبْصِرُهَا الْأَعْيُنُ لَدَخَلَ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ الْفَشَلُ، أَيْ إِذَا حَدَّثَهُمُ النَّبِيءُ بِمَا رَأَى، فَأَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنْ لَا يَدْخُلَ نُفُوسَهُمْ هَلَعٌ، وَإِنْ كَانَ النَّصْرُ مَضْمُونًا لَهُمْ.
فَإِنْ قُلْتَ: هَذَا يَقْتَضِي أنّ الإراءة كَانَتْ مُتَعَيِّنَةً وَلِمَ يَتْرُكِ اللَّهُ إِرَاءَتَهُ جَيْشَ الْعَدُوِّ فَلَا تَكُونَ حَاجَةٌ إِلَى تَمْثِيلِهِمْ بِعَدَدٍ قَلِيلٍ، قُلْتُ: يَظْهَرُ أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم رَجَا أَنْ يَرَى رُؤْيَا تَكْشِفُ لَهُ عَنْ حَالِ الْعَدُوِّ، فَحَقَّقَ اللَّهُ رَجَاءَهُ، وَجَنَّبَهُ مَا قَدْ يُفْضِي إِلَى كَدَرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ لَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَعْلِمَ رَبَّهُ عَنْ حَالِ الْعَدُوِّ.
وَالْفَشَلُ: الْجُبْنُ وَالْوَهَنُ. وَالتَّنَازُعُ: الِاخْتِلَافُ. وَالْمُرَادُ بِالْأَمْرِ الْخُطَّةُ الَّتِي يَجِبُ اتِّبَاعُهَا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ مِنْ ثَبَاتٍ أَوِ انْجِلَاءٍ عَنِ الْقِتَالِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْأَمْرِ لِلْعَهْدِ وَهُوَ أَمْرُ الْقِتَالِ وَمَا يَقْتَضِيهِ.
وَالِاسْتِدْرَاكُ فِي قَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ رَاجِعٌ إِلَى مَا فِي جُمْلَةِ: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً مِنَ الْإِشْعَارِ بِأَنَّ الْعَدُوَّ كَثِيرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَأَنَّ الرُّؤْيَا قَدْ تُحَاكِي الصُّورَةَ الَّتِي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ فِي مَرَائِي الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ تُحَاكِي الْمَعْنَى الرَّمْزِيَّ وَهُوَ الْغَالِبُ فِي مِرَائِي غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ، مِثْلَ رُؤْيَا مَلِكِ مِصْرَ سَبْعَ بَقَرَاتٍ، وَرُؤْيَا صَاحِبَيْ يُوسُفَ فِي السِّجْنِ، وَهُوَ الْقَلِيلُ فِي مِرَائِي الْأَنْبِيَاءِ مِثْلَ رُؤْيَا النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ هَزَّ سَيْفًا فَانْكَسَرَ فِي يَدِهِ، فَمَعْنَى الِاسْتِدْرَاكِ رَفْعُ مَا فُرِضَ فِي قَوْلِهِ: وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً. فَمَفْعُولُ سَلَّمَ وَمُتَعَلِّقُهُ مَحْذُوفَانِ إِيجَازًا إِذْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ وَالتَّقْدِيرُ: سَلَّمَكُمْ مِنَ الْفَشَلِ وَالتَّنَازُعِ بِأَنْ سَلَّمَكُمْ مِنْ سَبَبِهِمَا، وَهُوَ إِرَاءَتُكُمْ وَاقِعَ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَى كَثْرَةِ الْعَدُوِّ يُلْقِي فِي النُّفُوسِ تَهَيُّبًا لَهُ وَتَخَوُّفًا مِنْهُ، وَذَلِكَ يُنْقِصُ شَجَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُوَفِّرَ لَهُمْ مُنْتَهَى الشَّجَاعَةِ.
وَوُضِعَ الظَّاهِرُ مَوْضِعَ الْمُضْمَرِ فِي قَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَلَكِنَّهُ سَلَّمَ، لِقَصْدِ زِيَادَةِ إِسْنَادِ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّهُ بِعِنَايَتِهِ، وَاهْتِمَامًا بِهَذَا الْحَادِثِ.