الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهَذِهِ اللَّامُ كَثِيرٌ وُقُوعُهَا بَعْدَ مَادَّةِ الْإِرَادَةِ وَمَادَّةِ الْأَمْرِ. وَبَعْضُ الْقُرَّاءِ سَمَّاهَا (لَامَ أَنْ) - بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ- وَتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [26] .
فَقَوْلُهُ: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا مُتَعَلِّقٌ ب لِيُعَذِّبَهُمْ وَمُحَاوَلَةُ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ تَعَسُّفٌ وَعُطِفَ وَتَزْهَقَ عَلَى لِيُعَذِّبَهُمْ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ أَرَادَهُ الله لَهُم عِنْد مَا رَزَقَهُمُ الْأَمْوَالَ
وَالْأَوْلَادَ فَيُعْلَمُ مِنْهُ: أَنَّهُ أَرَادَ مَوْتَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ، فَيَسْتَغْرِقُ التَّعْذِيبُ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ حَيَاتَهُمْ كُلَّهَا، لِأَنَّهُمْ لَوْ آمَنُوا فِي جُزْءٍ مِنْ آخَرِ حَيَاتِهِمْ لَحَصَلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ انْتِفَاعٌ مَا بِأَمْوَالِهِمْ وَلَوْ مَعَ الشُّحِّ.
وَجُمْلَةُ: وَهُمْ كافِرُونَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذَا زُهِقَتِ النَّفْسُ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَقَدْ مَاتَ كَافِرًا.
وَالْإِعْجَابُ اسْتِحْسَانٌ مَشُوبٌ بِاسْتِغْرَابٍ وَسُرُورٍ مِنَ الْمَرْئِيِّ قَالَ تَعَالَى: وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ [الْمَائِدَة: 100] أَيِ اسْتَحْسَنْتَ مَرْأَى وَفْرَةِ عَدَدِهِ.
وَ (الزُّهُوقُ) الْخُرُوجُ بِشِدَّةٍ وَضِيقٍ، وَقَدْ شَاعَ ذِكْرُهُ فِي خُرُوجِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، وَسَيَأْتِي مِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذِه السُّورَة.
[56]
[سُورَة التَّوْبَة (9) : آيَة 56]
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56)
هَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ النِّفَاقِ. وَضَمَائِرُ الْجَمْعِ عَائِدَةٌ إِلَيْهِمْ، قُصِدَ مِنْهَا إِبْطَالُ مَا يُمَوِّهُونَ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ تَأْكِيدِ كَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِالْقَسَمِ عَلَى أَنَّهُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
فَمَعْنَى: إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أَيْ بَعْضٌ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ وَلَمَّا كَانَ الْمُخَاطَبُونَ مُؤْمِنِينَ، كَانَ التَّبْعِيضُ عَلَى اعْتِبَارِ اتِّصَافِهِمْ بِالْإِيمَانِ، بِقَرِينَةِ الْقَسَمِ لِأَنَّهُمْ تَوَجَّسُوا شَكَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَنَّهُمْ مِثْلُهُمْ.
وَالْفَرَقُ: الْخَوْفُ الشَّدِيدُ.
وَاخْتِيَارُ صِيغَةِ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: وَيَحْلِفُونَ وَقَوْلِهِ: يَفْرَقُونَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَأَنَّ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ.
وَمُقْتَضَى الِاسْتِدْرَاكِ: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَدْرَكُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْكُمْ، أَيْ كَافِرُونَ، فَحُذِفَ الْمُسْتَدْرَكُ اسْتِغْنَاءً بِأَدَاةِ الِاسْتِدْرَاكِ، وَذُكِرَ مَا هُوَ كَالْجَوَابِ عَنْ ظَاهِرِ حَالِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ تَظَاهُرٌ بَاطِلٌ وَبِأَنَّ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى التَّظَاهُرِ بِالْإِيمَانِ فِي حَال كفرهم: هم أَنَّهُمْ يَفْرَقُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَحَصَلَ إِيجَازٌ بَدِيعٌ فِي الْكَلَامِ إِذِ اسْتُغْنِيَ بِالْمَذْكُورِ عَنْ جُمْلَتَيْنِ مَحْذُوفَتَيْنِ.
وَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَفْرَقُونَ لِظُهُورِهِ، أَيْ يَخَافُونَ مِنْ عَدَاوَةِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ وَقِتَالِهِمْ إِيَّاهُمْ أَوْ إِخْرَاجِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا
[الْأَحْزَاب: 60، 61] .
وَقَوْلُهُ: وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ كَلَامٌ مُوَجَّهٌ لِصَلَاحِيَّتِهِ لِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَيْضًا وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ مُتَّصِفُونَ بِصِفَةِ الْجُبْنِ، وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ صِفَتِهِمُ الشَّجَاعَةُ وَالْعِزَّةُ، فَالَّذِينَ يَفْرَقُونَ لَا يَكُونُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَفِي مَعْنَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: قالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ [هود: 46] وَقَوْلُ مُسَاوِرِ بْنِ هِنْدٍ فِي ذَمِّ بَنِي أَسَدٍ:
زَعَمْتُمْ أَنَّ إِخْوَتَكُمْ قُرَيْشٌ
…
لَهُمْ إِلْفٌ وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَافُ
أُولَئِكَ أُومِنُوا جُوعًا وَخَوْفًا
…
وَقَدْ جَاعَتْ بَنُو أَسَدٍ وَخَافُوا
فَيَكُونُ تَوْجِيهًا بِالثَّنَاءِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَرُبَّمَا كَانَتِ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ عَقِبَهَا أَوْفَقَ بِهَذَا الْمَعْنَى. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اخْتِلَافَ الْخُلُقِ مَانِعٌ مِنَ المواصلة والموافقة.