الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شَرعه وَألا تَأْخُذهُ فِيهِ لومة لائم وَألا يخَاف من أعدائه فقد قَالَ الله تَعَالَى إِنَّمَا ذَلِكُم الشَّيْطَان يخوف أولياءه فَلَا تخافوهم وخافون إِن كُنْتُم مُؤمنين (آل عمرَان 175) وَقَالَ تَعَالَى فترى الَّذين فِي قُلُوبهم مرض يُسَارِعُونَ فيهم يَقُولُونَ نخشى أَن تصيبنا دَائِرَة فَعَسَى الله أَن يَأْتِي بِالْفَتْح أَو أَمر من عِنْده فيصبحوا على مَا أَسرُّوا فِي أنفسهم نادمين (الْمَائِدَة 52) وَقَالَ سُبْحَانَهُ يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس فَلَا يقربُوا الْمَسْجِد الْحَرَام بعد عَامهمْ هَذَا وَإِن خِفْتُمْ عيلة فَسَوف يغنيكم الله من فَضله إِن شَاءَ الله إِن الله عليم حَكِيم (التَّوْبَة 28) وَالله الْمُوفق فتاوي الشَّيْخ ابْن عثيمين 1110
وجوب عَدَاوَة اليهو وَالْمُشْرِكين وَغَيرهم من الْكفَّار
31 -
الْحَمد لله وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله وعَلى آله وَصَحبه وَمن اهْتَدَى بهداه أما بعد فقد نشرت بعض الصُّحُف الْمَحَلِّيَّة عَن بعض النَّاس أَنه قَالَ (إننا لَا نَكُنْ
العداء للْيَهُود واليهودية وإننا نحترم جَمِيع الْأَدْيَان السماوية) وَذَلِكَ فِي معرض حَدِيثه عَن الْوَضع فِي الشرق الْأَوْسَط بعد الْعدوان الْيَهُودِيّ على الْعَرَب وَلما كَانَ هَذَا الْكَلَام فِي شَأْن الْيَهُود واليهودية يُخَالف صَرِيح الْكتاب الْعَزِيز وَالسّنة المطهرة وَيُخَالف العقيدة الإسلامية وَهُوَ تَصْرِيح يخْشَى أَن يغتر بِهِ بعض النَّاس رَأَيْت التَّنْبِيه على مَا جَاءَ فِيهِ من الْخَطَأ نصحا لله ولعباده فَأَقُول قد دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الْمُسلمين أَنه يجب على الْمُسلمين أَن يعادوا الْكَافرين من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين وَأَن يحذروا مَوَدَّتهمْ واتخاذهم أَوْلِيَاء كَمَا أخبر الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْمُبين الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه تَنْزِيل من حَكِيم حميد أَن الْيَهُود وَالْمُشْرِكين هم أَشد النَّاس عَدَاوَة للْمُؤْمِنين قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة وَقد كفرُوا بِمَا جَاءَكُم من الْحق (1) إِلَى قَوْله سُبْحَانَهُ قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ
قَالُوا لقومهم إِنَّا برءوا مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم العدواة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده (1) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين (2) وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُم وَإِخْوَانكُمْ أَوْلِيَاء إِن استحبوا الْكفْر على الْإِيمَان وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ (3) وَقَالَ عز وجل فِي شَأْن الْيَهُود ترى كثيرا مِنْهُم يتولون الَّذين كفرُوا لبئس مَا قدمت لَهُم أنفسهم أَن سخط الله عَلَيْهِم وَفِي الْعَذَاب هم خَالدُونَ وَلَو كَانُوا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالنَّبِيّ وَمَا أنزل إِلَيْهِ مَا اتخذوهم أَوْلِيَاء وكلن كثيرا مِنْهُم فَاسِقُونَ لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا (4)
الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى لَا تَجِد قوما يُؤمنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر يوادون من حاد الله وَرَسُوله وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبْنَاءَهُم أَو إخْوَانهمْ أَو عشيرتهم (1) الْآيَة والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَهِي تدل دلَالَة صَرِيحَة على وجوب بغض الْكفَّار من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين وعَلى وجوب معاداتهم حَتَّى يُؤمنُوا بِاللَّه وَحده وتدل أَيْضا على تَحْرِيم مَوَدَّتهمْ وموالاتهم وَذَلِكَ يَعْنِي بغضهم والحذر من مكائدهم وَمَا ذَاك إِلَّا لكفرهم بِاللَّه وعدائهم لدينِهِ ومعاداتهم لأوليائه وكيدهم لِلْإِسْلَامِ وَأَهله كَمَا قَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الأيات إِن كُنْتُم تعقلون هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور إِن تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِن
تصبكم سَيِّئَة يفروحوا بهَا وَإِن تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِن الله يما يعْملُونَ مُحِيط (1) فَفِي هَذِه الْآيَات الكريمات حث الْمُؤمنِينَ على بغض الْكَافرين ومعاداتهم فِي الله سُبْحَانَهُ من وُجُوه كَثِيرَة والتحذير من اتخاذهم بطانة وَالتَّصْرِيح بِأَنَّهُم لَا يقصرون فِي إِيصَال الشَّرّ إِلَيْنَا وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله تَعَالَى لَا يألونكم خبالا (2) والخبال هُوَ الْفساد والتخريب وَصرح سُبْحَانَهُ أَنهم يودون عنتنا والعنت الْمَشَقَّة وأوضح سُبْحَانَهُ أَن الْبغضَاء قد بَدَت من أَفْوَاههم وَذَلِكَ فِيمَا ينطقون بِهِ من الْكَلَام لمن تأمه وتعقله وَمَا تخفي صدروهم أكبر من الحقد والبغضاء وَنِيَّة السوء لنا أكبر مِمَّا يظهرونه ثمَّ ذكر سبحانه وتعالى أَن هَؤُلَاءِ الْكفَّار قد يتظاهرون بِالْإِسْلَامِ نفَاقًا ليدركوا مقاصدهم الخبيثة وَإِذا خلوا إِلَى شياطينهم عضوا على الْمُسلمين الأنامل من الغيظ ثمَّ ذكر عز وجل أَن الْحَسَنَات الَّتِي تحصل لنا من الْعِزّ والتمكين والنصر على الْأَعْدَاء وَنَحْو ذَلِك
تسوءهم وَأَن مَا حصل لنا من السوء كالهزيمة والأمراض وَنَحْو ذَلِك يسرهم وَمَا ذَلِك إِلَّا لشدَّة عداوتهم وبغضهم لنا ولديننا ومواقف الْيَهُود من الْإِسْلَام وَرَسُول الْإِسْلَام وَأهل الْإِسْلَام كلهَا تشهد لما دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات من شدَّة عداوتهم للْمُسلمين وَالْوَاقِع من الْيَهُود فِي عصرنا هَذَا وَفِي عصر النُّبُوَّة وَفِيمَا بَينهمَا من أكبر الشواهد على ذَلِك وَهَكَذَا مَا وَقع من النَّصَارَى وَغَيرهم من سَائِر الْكَفَرَة من الكيد لِلْإِسْلَامِ ومحاربة أَهله وبذل الجهود المتواصلة فِي التشكيك فِيهِ والتنفير مِنْهُ والتلبيس على متبعيه وإنفاق الْأَمْوَال الضخمة على المبشرين بالنصرانية والدعاة إِلَيْهَا كل ذَلِك يدل على مَا دلّت عَلَيْهِ الْآيَات الكريمات من وجوب بغض الْكفَّار جَمِيعًا والحذر مِنْهُم وَمن مكائدهم وَمن اتخاذهم بطانة فَالْوَاجِب على أهل الْإِسْلَام أَن ينتبهوا لهَذِهِ الْأُمُور الْعَظِيمَة وَأَن يعادوا ويبغضوا من أَمرهم الله بمعاداته وبغضه من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين حَتَّى يُؤمنُوا بِاللَّه وَحده ويلتزموا بِدِينِهِ الَّذِي بعث بِهِ نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَبِذَلِك
يحققون اتباعهم مِلَّة أَبِيهِم إِبْرَاهِيم وَدين مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم الَّذِي أوضحه الله فِي الْآيَة السَّابِقَة وَهِي قَوْله عز وجل قد كَانَت لكم أُسْوَة حَسَنَة فِي إِبْرَاهِيم وَالَّذين مَعَه إِذْ قَالُوا لقومهم إِنَّا برءاؤا مِنْكُم وَمِمَّا تَعْبدُونَ من دون الله كفرنا بكم وبدا بَيْننَا وَبَيْنكُم الْعَدَاوَة والبغضاء أبدا حَتَّى تؤمنوا بِاللَّه وَحده (1) وَقَوله تَعَالَى وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَومه إِنَّنِي بُرَآء مِمَّا تَعْبدُونَ إِلَّا الَّذِي فطرني فَإِنَّهُ سيهدين (2) وَقَوله عز وجل يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذين اتَّخذُوا دينكُمْ هزوا وَلَعِبًا من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَالْكفَّار أَوْلِيَاء وَاتَّقوا الله إِن كُنْتُم مُؤمنين (3) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَفِي قَوْله تَعَالَى لتجدن أَشد النَّاس عَدَاوَة للَّذين آمنُوا الْيَهُود وَالَّذين أشركوا (4) دلَالَة ظَاهِرَة على أَن جَمِيع الْكفَّار كلهم أَعدَاء للْمُؤْمِنين بِاللَّه سُبْحَانَهُ وبرسوله
مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَلَكِن الْيَهُود وَالْمُشْرِكين عباد الْأَوْثَان أَشَّدهم عَدَاوَة للْمُؤْمِنين وَفِي ذَلِك إغراء من الله سُبْحَانَهُ للْمُؤْمِنين على معادات الْكفَّار وَالْمُشْرِكين عُمُوما وعَلى تَخْصِيص الْيَهُود وَالْمُشْرِكين بمزيد من الْعَدَاوَة فِي مُقَابل شدَّة عداوتهم لنا وَذَلِكَ يُوجب مزِيد من الحذر من كيدهم وعداوتهم ثمَّ إِن الله سُبْحَانَهُ مَعَ أمره للْمُؤْمِنين بمعادات الْكَافرين أوجب على الْمُسلمين الْعدْل فِي أعدائهم فَقَالَ تَعَالَى يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا كونُوا قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلَا يجرمنكم شنئان قوم على أَلا تعدلوا اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى (1) فَأمر سُبْحَانَهُ الْمُؤمنِينَ أَن يقومُوا بِالْعَدْلِ مَعَ جَمِيع خصومهم ونهاهم أَن يحملهم بغض قوم على ترك الْعدْل فيهم وَأخْبر عز وجل أَن الْعدْل مَعَ الْعَدو وَالصديق هُوَ أقرب للتقوى وَالْمعْنَى أَن الْعدْل فِي جَمِيع النَّاس من الْأَوْلِيَاء والأعداء هُوَ أقرب إِلَى اتقاء غضب الله وعذابه وَقَالَ عز وجل إِن الله يَأْمر بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان وإيتاء ذِي الْقُرْبَى وَينْهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر وَالْبَغي
يعظكم لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ (1) وَهَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة من أجمع الْآيَات فِي الْأَمر بِكُل خير وَالنَّهْي عَن كل شَرّ وَلِهَذَا رُوِيَ أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم لما بعث عبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ إِلَى خَيْبَر ليخرص على الْيَهُود ثَمَرَة النّخل وَكَانَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قد عاملهم على نخيلها وأرضها بِنصْف ثَمَرَة النّخل وَالزَّرْع فخرص عَلَيْهِم عبد الله ثَمَرَة النّخل فَقَالُوا لَهُ إِن هَذَا الْخرص فِيهِ ظلم فَقَالَ لَهُم عبد الله رضي الله عنه وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّكُم لأبغض إِلَيّ من عدتكم من القردة والخنازير وَإنَّهُ لن يحملني بغضي لكم وحبي لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم على أَن أظلمكم فَقَالَ الْيَهُود بِهَذَا قَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض فالعدل وَاجِب فِي حق الْقَرِيب والبعيد وَالصديق والبغيض وَلَكِن ذَلِك لَا يمْنَع من بغض أَعدَاء الله ومعاداتهم ومحبة أَوْلِيَاء الله الْمُؤمنِينَ وموالاتهم عملا بالأدلة الشَّرْعِيَّة من الْكتاب وَالسّنة وَالله الْمُسْتَعَان أما قَول الْكَاتِب (وإننا نحترم جَمِيع الْأَدْيَان السماوية) فَهَذَا حق وَلَكِن يَنْبَغِي أَن يعلم القارىء أَن الْأَدْيَان السماوية قد
دَخلهَا من التحريف والتغيير مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله سُبْحَانَهُ مَا عدا دين الْإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ نبيه وخليله وَخيرته من خلقَة نَبينَا وإمامنا وَسَيِّدنَا مُحَمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فقد حماه الله وَحفظه من التَّغْيِير والتبديل وَذَلِكَ بحفظه لكتابه الْعَزِيز وَسنة رَسُوله الْأمين عَلَيْهِ من ربه أفضل الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم حَيْثُ قَالَ الله عز وجل إِنَّا نَحن نزلنَا الذّكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون (1) فقد حفظ الله الدّين وصانه من مَكَائِد الْأَعْدَاء بجهابذة نقاد أُمَنَاء ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وَكذب المفترين وَتَأْويل الْجَاهِلين فَلَا يقدم أحد على تَغْيِير أَو تَبْدِيل إِلَّا فضحه الله وأبطل كَيده أما الْأَدْيَان الْأُخْرَى فَلم يضمن حفظهَا سُبْحَانَهُ بل استحفظ عَلَيْهَا بعض عباده فَلم يستطيعوا حفظهَا فَدَخلَهَا من التَّغْيِير والتحريف مَا الله بِهِ عليم كَمَا قَالَ عز وجل إِنَّا أنزلنَا التَّوْرَاة فِيهَا هدى وَنور يحكم بهَا النَّبِيُّونَ الَّذين أَسْلمُوا للَّذين هادوا والربانيون والأحبار بِمَا
استحفظوا من كتاب الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء (1) وَقَالَ عز وجل يَا أَيهَا الرَّسُول لَا يحزنك الَّذين يُسَارِعُونَ فِي الْكفْر من الَّذين قَالُوا آمنا بأفواههم وَلم تؤمن قُلُوبهم وَمن الَّذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخَرين لم يأتوك يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه (2) الْآيَة وَقَالَ عز وجل فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ (3) وَقَالَ تَعَالَى وَإِن مِنْهُم لفريقا يلوون ألسنتهم بِالْكتاب لتحسبوه من الْكتاب وَمَا هُوَ من الْكتاب وَيَقُولُونَ هُوَ من عِنْد الله وَمَا هُوَ من عِنْد الله وَيَقُولُونَ على الله الْكَذِب وهم يعلمُونَ (4) والآيات فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة أما مَا كَانَ من الْأَدْيَان السماوية السَّابِقَة سليمَة من التَّغْيِير والتبديل فقد نسخه الله
ببعث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وإنزاله الْقُرْآن الْكَرِيم فَإِن الله سُبْحَانَهُ أرسل رَسُوله مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم إِلَى النَّاس كَافَّة وَنسخ بِشَرِيعَتِهِ سَائِر الشَّرَائِع وَجعل كِتَابه الْكَرِيم مهيمنا على سَائِر الْكتب السماوية فَالْوَاجِب على جَمِيع أهل الأَرْض من الْجِنّ وَالْإِنْس سَوَاء كَانُوا من الْيَهُود أَو النَّصَارَى أَو غَيرهم من سَائِر أَجنَاس بني آدم وَمن سَائِر أَجنَاس الْجِنّ أَن يدخلُوا فِي دين الله الَّذِي بعث بِهِ خَاتم الرُّسُل إِلَى النَّاس عَامَّة وَأَن يلتزموا بِهِ ويستقيموا عَلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ دين الْإِسْلَام الَّذِي لَا يقبل الله من أحد دينا سواهُ كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم وَمن يكفر بآيَات الله فَإِن الله سريع الْحساب فَإِن حاجوك فَقل أسلمت وَجْهي لله وَمن اتبعن وَقل للَّذين أُوتُوا الْكتاب والأميين أأسلمتم فَإِن أَسْلمُوا فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا عَلَيْك البلاع وَالله بَصِير بالعباد (1) وَقَالَ عز وجل قُولُوا آمنا بِاللَّه وَمَا أنزل إِلَيْنَا وَمَا
أنزل إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب والأسباط وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم لَا نفرق بن أحد مِنْهُم وَنحن لَهُ مُسلمُونَ فَإِن آمنُوا بِمثل مَا آمنتم بِهِ فقد اهتدوا وَإِن توَلّوا فَإِنَّمَا هم فِي شقَاق فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم (1) وَقَالَ تَعَالَى وَمن يبتغ غير الْإِسْلَام دينا فَلَنْ يقبل مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَة من الخاسرين (2) وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْمَائِدَة بَعْدَمَا ذكر التَّوْرَاة الْإِنْجِيل يُخَاطب نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وأنزلنا إِلَيْك الْكتاب بِالْحَقِّ مُصدقا لما بَين يَدَيْهِ من الْكتاب ومهيمنا عَلَيْهِ فاحكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم عَمَّا جَاءَك من الْحق لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا وَلَو شَاءَ الله لجعلكم أمة وَاحِدَة وَلَكِن ليَبْلُوكُمْ فِي مَا آتَاكُم فاستبقوا الْخيرَات إِلَى الله مرجعكم جَمِيعًا فينبئكم بِمَا كُنْتُم فِيهِ تختلفون وَأَن احكم بَينهم بِمَا أنزل الله وَلَا تتبع أهواءهم واحذرهم أَن يفتنوك عَن بعض مَا أنزل الله إِلَيْك فَإِن توَلّوا فَاعْلَم أَنما يُرِيد الله أَن يصيبهم بِبَعْض ذنوبهم وَإِن
كثيرا من النَّاس لفاسقون أَفَحكم الْجَاهِلِيَّة يَبْغُونَ وَمن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون (1) فَفِي هَذِه الْآيَات الكريمات الدّلَالَة الظَّاهِرَة والبرهان الْقَاطِع على وجوب الحكم بَين الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر النَّاس بِمَا أنزل الله على نبيه مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وعَلى أَنه لَا إِسْلَام لأحد وَلَا هِدَايَة إِلَّا بِاتِّبَاع مَا جَاءَ بِهِ وَأَن مَا يُخَالف ذَلِك فَهُوَ فِي حكم الْجَاهِلِيَّة وَأَنه لَا حكم أحسن من حكم الله وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف واكتب لنا فِي هَذِه الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة إِنَّا هدنا إِلَيْك قَالَ عَذَابي أُصِيب بِهِ من أَشَاء ورحمتي وسعت كل شَيْء فسأكتبها للَّذين يَتَّقُونَ وَيُؤْتونَ الزَّكَاة وَالَّذين هم بِآيَاتِنَا يُؤمنُونَ الَّذين يتبعُون الرَّسُول النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يجدونه مَكْتُوبًا عِنْدهم فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل يَأْمُرهُم بِالْمَعْرُوفِ وينهاهم عَن الْمُنكر وَيحل لَهُم الطَّيِّبَات وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم فَالَّذِينَ آمنُوا بِهِ وعزروه ونصروه وَاتبعُوا النُّور الَّذِي أنزل مَعَه أُولَئِكَ
هم المفلحون (1) فَفِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة الدَّلِيل الْقَاطِع وَالْحجّة الدامغة على عُمُوم بعثة النَّبِي صلى الله عليه وسلم للْيَهُود وَالنَّصَارَى وَأَنه بعث بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُم وَأَنه لَا يحصل الْفَلاح لكل من كَانَ فِي زَمَانه من الْأُمَم وَهَكَذَا مَا بعد ذَلِك إِلَى قيام السَّاعَة إِلَّا بِالْإِيمَان بِهِ وَنَصره وتعزيزه وَاتِّبَاع النُّور الَّذِي أنزل مَعَه ثمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ بعد ذَلِك تَأْكِيد للمقام وبيانا لعُمُوم الرسَالَة قل يَا أَيهَا النَّاس إِنِّي رَسُول الله إِلَيْكُم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ يحيي وَيُمِيت فآمنوا بِاللَّه وَرَسُوله النَّبِي الْأُمِّي الَّذِي يُؤمن بِاللَّه وكلماته واتبعوه لَعَلَّكُمْ تهتدون (2) وَمن هَذِه الْآيَة وَمَا قبلهَا من الْآيَات يَتَّضِح لكل عَاقل أَن الْهِدَايَة والنجاة والسعادة إِنَّمَا تحصل لمن آمن بِمُحَمد صلى الله عليه وسلم وَاتبع مَا جَاءَ بِهِ من الْهدى بل هُوَ الْكَافِر حَقًا وَله النَّار يَوْم الْقِيَامَة كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ
وَمن يكفر بِهِ من الْأَحْزَاب فَالنَّار موعده (1) وَقَالَ تَعَالَى وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة للنَّاس بشيرا وَنَذِيرا (2) وَقَالَ تَعَالَى تبَارك الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا (3) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر بن عبد الله رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَعْطَيْت خمْسا لم يعطهم أحد من الْأَنْبِيَاء قبلي نصرت بِالرُّعْبِ مسيرَة شهر وَجعلت لي الأَرْض مَسْجِدا وَطهُورًا فأيما رجل من أمتِي أَدْرَكته الصَّلَاة فَليصل وَأحلت لي الْغَنَائِم وَلم تحل لأحد من قبلي وَأعْطيت الشَّفَاعَة وَكَانَ النَّبِي يبْعَث إِلَى قومه خَاصَّة وَبعثت إِلَى النَّاس عَامَّة وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالَّذِي نَفسِي
بِيَدِهِ لَا يسمع بِي أحد من هَذِه الْأمة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثمَّ يَمُوت وَلم يُؤمن بِالَّذِي أرْسلت بِهِ إِلَّا كَانَ من أهل النَّار والآيات وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنى كَثِيرَة وَأَرْجُو أَن يكون فِيمَا ذَكرْنَاهُ دلَالَة ومقنع للقارىء على وجوب معاداة الْكَفَرَة من الْيَهُود وَغَيرهم وبغضهم فِي الله وَتَحْرِيم مَوَدَّتهمْ واتخاذهم أَوْلِيَاء وعَلى نسخ جَمِيع الشَّرَائِع السماوية مَا عدا شَرِيعَة الْإِسْلَام الَّتِي بعث الله بهَا خَاتم النَّبِيين وَسيد الْمُرْسلين وَإِمَام الْمُتَّقِينَ نَبينَا مُحَمَّد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعَلى سَائِر النَّبِيين وَالْمُرْسلِينَ وَجَعَلنَا من اتباعهم بِإِحْسَان إِلَى يَوْم الدّين إِنَّه على كل شَيْء قدير وَلَيْسَ معنى نسخ الشَّرَائِع السَّابِقَة أَنَّهَا لَا تحترم أَو أَنه يجوز التنقص مِنْهَا لَيْسَ هَذَا الْمَعْنى هُوَ المُرَاد وَإِنَّمَا المُرَاد رفع مَا قد يتوهمه بعض النَّاس أَنه يسوغ اتِّبَاع شَيْء مِنْهَا أَو أَن من انتسب إِلَيْهَا من الْيَهُود أَو غَيرهم يكون على هدى بل هِيَ شرائع مَنْسُوخَة لَا يجوز اتِّبَاع شَيْء مِنْهَا لَو علمت على التَّحْقِيق وسلمت من التَّغْيِير والتبديل فَكيف وَقد جهل الْكثير مِنْهَا لما أَدخل فِيهَا من تَحْرِيف أَعدَاء الله الَّذين يكتمون الْحق وهم يعلمُونَ ويكذبون على الله
وعَلى دينه مَا تَقْتَضِيه أهواؤهم ويكتبون الْكتب من عِنْدهم وبأيديهم وَيَقُولُونَ إِنَّهَا من عِنْد الله وَبِذَلِك يعلم كل من لَهُ أدنى علم وبصيرة أَن الْوَاجِب على جَمِيع الْمُكَلّفين من الْجِنّ وَالْإِنْس أَن يدخلُوا فِي دين الله الَّذِي هُوَ الْإِسْلَام وَأَن يلتزموه وَأَنه لَا يسوغ لأحد الْخُرُوج عَن ذَلِك لَا إِلَى يَهُودِيَّة وَلَا إِلَى نَصْرَانِيَّة وَلَا إِلَى غَيرهَا بل الْمَفْرُوض على جَمِيع الْمُكَلّفين من حِين بعث الله نبيه وَرَسُوله مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم إِلَى قيام السَّاعَة هُوَ الدُّخُول فِي الْإِسْلَام والتمسك بِهِ وَمن اعْتقد أَنه يسوغ لَهُ الْخُرُوج عَن شَرِيعَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم كَمَا وسع الْخضر الْخُرُوج عَن شَرِيعَة مُوسَى كليم الرَّحْمَن عليه الصلاة والسلام فَهُوَ كَافِر بِإِجْمَاع أهل الْعلم يُسْتَتَاب وَتبين لَهُ الْأَدِلَّة فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل عملا بِمَا تقدم من الْآيَات القرآنية وَالْأَحَادِيث النَّبَوِيَّة الدَّالَّة على عُمُوم رِسَالَة مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم إِلَى جَمِيع الثقلَيْن وَالله الْمُسْتَعَان وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل ونسأله عز وجل أَن يثبتنا على دينه وَأَن يصلح أَحْوَال الْمُسلمين جَمِيعًا وَأَن يمن على عباده بِالدُّخُولِ فِي دينه وَالْكفْر بِمَا خَالفه إِنَّه على كل شَيْء قدير وَصلى الله وَسلم على عَبده