الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى قُصِدَ إِخْفَاؤُهَا لِيُحَافِظَ النَّاسُ عَلَى جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَرَّفَهَا بِاللَّامِ وَوَصَفَهَا فَكَيْفَ يَكُونُ مَجْمُوعُ هَذَيْنِ الْمُعَرَّفَيْنِ غَيْرَ مَفْهُومٍ وَأَمَّا قِيَاسُ ذَلِكَ عَلَى سَاعَةِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَفَاسِدٌ، لِأَنَّ كِلَيْهِمَا قَدْ ذُكِرَ بِطَرِيقِ الْإِبْهَامِ وَصَحَّتِ الْآثَارُ بِأَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ. هَذَا خُلَاصَةُ مَا يُعْرَضُ هُنَا فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أَمْرٌ بِالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ بِخُضُوعٍ، فَالْقِيَامُ الْوُقُوفُ، وَهُوَ رُكْنٌ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يُتْرَكُ إِلَّا لِعُذْرٍ، وَأَمَّا الْقُنُوتُ: فَهُوَ الْخُضُوعُ وَالْخُشُوعُ قَالَ تَعَالَى: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ [التَّحْرِيم: 12] وَقَالَ: إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً [النَّحْل: 120] وَسُمِّيَ بِهِ الدُّعَاءُ الْمَخْصُوصُ الَّذِي يُدْعَى بِهِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ أَوْ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، عَلَى خِلَافٍ بَيْنَهُمْ، وَهُوَ هُنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ،
وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَيَرُدُّ عَلَيْنَا فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا وَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا»
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ الرَّجُلَ إِلَى جَنْبِهِ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ. فَلَيْسَ قانِتِينَ هُنَا بِمَعْنَى قَارِئِينَ دُعَاءَ الْقُنُوتِ، لِأَنَّ ذَلِكَ الدُّعَاءَ إِنَّمَا سُمِّيَ قُنُوتًا اسْتِرْوَاحًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الْوُسْطَى بِصَلَاةِ الصُّبْحِ كَمَا
فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «دَعَا النَّبِيءُ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ شَهْرًا وَذَلِكَ بَدْءُ الْقُنُوتِ وَمَا كُنَّا نقنت» .
[239]
[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 239]
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكْباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239)
تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [الْبَقَرَة: 238] لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ حَالَةَ الْخَوْفِ لَا تَكُونُ عُذْرًا فِي تَرْكِ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَلَكِنَّهَا عُذْرٌ فِي تَرْكِ الْقِيَامِ لِلَّهِ قَانِتِينَ، فَأَفَادَ
هَذَا التَّفْرِيعُ غَرَضَيْنِ: أَحَدُهُمَا بِصَرِيحِ لَفْظِهِ، وَالْآخَرُ بِلَازِمِ مَعْنَاهُ.
وَالْخَوْفُ هُنَا خَوْفُ الْعَدُوِّ، وَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْحَرْبَ بِأَسْمَاءِ الْخَوْفِ فَيَقُولُونَ الرَّوْعُ وَيَقُولُونَ الْفَزَعُ، قَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وَتَحْمِلُنَا غَدَاةَ الرَّوْعِ جُرْدُ الْبَيْتِ.
وَقَالَ سَبْرَةُ بْنُ عُمَرَ الْفَقْعَسِيُّ:
وَنِسْوَتُكُمْ فِي الروع باد وجوهها
…
يُخَلْنَ إِمَاءً وَالْإِمَاءُ حَرَائِرُ
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّكُمْ لَتَكْثُرُونَ عِنْدَ الْفَزَعِ وَتَقِلُّونَ عِنْدَ الطَّمَعِ»
وَلَا يُعْرَفُ إِطْلَاقُ الْخَوْفِ عَلَى الْحَرْبِ قَبْلَ الْقُرْآنِ قَالَ تَعَالَى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ [الْبَقَرَة:
155] . وَالْمَعْنَى: فَإِنْ حَارَبْتُمْ أَوْ كُنْتُمْ فِي حَرْبٍ، وَمِنْهُ سَمَّى الْفُقَهَاءُ صَلَاةَ الْخَوْفِ الصَّلَاةَ الَّتِي يُؤَدِّيهَا الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ يُصَافُّونَ الْعَدُوَّ فِي سَاحَةِ الْحَرْبِ وَإِيثَارُ كَلِمَةِ الْخَوْفِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِتَشْمَلَ خَوْفَ الْعَدُوِّ وَخَوْفَ السِّبَاعِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيق، وَغَيرهَا.
وفَرِجالًا جَمْعُ رَاجِلٍ كَالصِّحَابِ ورُكْباناً جَمْعُ رَاكِبٍ وَهُمَا حَالَانِ مِنْ مَحْذُوفٍ أَيْ فَصَلُّوا رِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا وَهَذَا فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [الْبَقَرَة:
238] لِأَنَّ هَاتِهِ الْحَالَةَ تُخَالِفُ الْقُنُوتَ فِي حَالَةِ التَّرَجُّلِ، وَتُخَالِفُهُمَا مَعًا فِي حَالَةِ الرُّكُوبِ.
وَالْآيَةُ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْخُشُوعُ، لِأَنَّهَا تَكُونُ مَعَ الِاشْتِغَالِ بِالْقِتَالِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقِيَامُ.
وَهَذَا الْخَوْفُ يُسْقِطُ مَا ذُكِرَ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ هُنَا صَلَاةُ النَّاسِ فُرَادَى، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ إِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَأَظَلَّهُمُ الْعَدُوُّ وَلَمْ يَكُنْ حِصْنٌ بِحَيْثُ تَتَعَذَّرُ الصَّلَاةُ جَمَاعَةً مَعَ الْإِمَامِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِبَيَانِ صَلَاةِ الْجَيْشِ فِي الْحَرْبِ جَمَاعَةً الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِلنَّاسِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ صَلَاةَ الْخَوْفِ فُرَادَى عَلَى الْحَالِ الَّتِي يَتَمَكَّنُونَ مَعَهَا مِنْ مُوَاجَهَةِ الْعَدُوِّ، ثُمَّ شَرَعَ لَهُمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ جَمَاعَةً فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَأَيْضًا شَمِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ كُلَّ خَوْفٍ مِنْ سِبَاعٍ أَوْ قُطَّاعِ طَرِيقٍ أَوْ مِنْ سَيْلِ الْمَاءِ، قَالَ مَالِكٌ:
وَتُسْتَحَبُّ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُصَلُّونَ كَمَا وَصَفَ اللَّهُ وَيُعِيدُونَ، لِأَنَّ الْقِتَالَ فِي الصَّلَاةِ مُفْسِدٌ عِنْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أَرَادَ الصَّلَاةَ أَيِ ارْجِعُوا إِلَى الذِّكْرِ الْمَعْرُوفِ.
وَجَاءَ فِي الْأَمْنِ بِإِذَا وَفِي الْخَوْفِ بِإِنْ بِشَارَةً لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّهُمْ سَيَكُونُ لَهُمُ النَّصْرُ وَالْأَمْنُ.
وَقَوْلُهُ: كَما عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ الْكَافُ لِلتَّشْبِيهِ أَيِ اذْكُرُوهُ ذِكْرًا يُشَابِهُ مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ فِي تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْمُشَابَهَةِ