المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[سورة البقرة (2) : آية 248] - التحرير والتنوير - جـ ٢

[ابن عاشور]

فهرس الكتاب

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 142]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 143]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 144]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 145]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 146]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 147]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 148]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 149 إِلَى 150]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 151]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 152]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 153 إِلَى 154]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 155 إِلَى 157]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 158]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 159 إِلَى 160]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 161 إِلَى 162]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 163]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 164]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 165]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 166 إِلَى 167]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 168 إِلَى 169]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 170]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 171]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 172]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 173]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 174]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 175]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 176]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 177]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 178]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 179]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 180]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 181]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 182]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 183 الى 184]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 185]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 186]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 187]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 188]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 189]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 190]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 191]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 192]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 193]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 194]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 195]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 196]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 197]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 198]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 199]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 200 إِلَى 202]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 203]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 204 إِلَى 206]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 207]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 208 إِلَى 209]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 210]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 211]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 212]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 213]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 214]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 215]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 216]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 217]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 218]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 219]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 220]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 221]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 222]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 223]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 224]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 225]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 226 إِلَى 227]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 228]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 229]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 230]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 231]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 232]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 233]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 234]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 235]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 236 إِلَى 237]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 238]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 239]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 240]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 241]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 242]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 243 إِلَى 244]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 245]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 246]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 247]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 248]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : الْآيَات 249 الى 251]

- ‌[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 252]

الفصل: ‌[سورة البقرة (2) : آية 248]

وَالْبَسْطَةُ اسْمٌ مِنَ الْبَسْطِ وَهُوَ السِّعَةُ وَالِانْتِشَارُ، فَالْبَسْطَةُ الْوَفْرَةُ وَالْقُوَّةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَسَيَجِيءُ كَلَامٌ عَلَيْهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ فِي الْأَعْرَافِ [69] .

وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ من كَلَام النَّبِي، فَيَكُونُ قَدْ رَجَعَ بِهِمْ إِلَى التَّسْلِيمِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، بَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهُمْ شَيْئًا مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

[248]

[سُورَة الْبَقَرَة (2) : آيَة 248]

وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)

أَرَادَ نَبِيئُهُمْ أَنْ يَتَحَدَّاهُمْ بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَار لَهُم شاوول مَلِكًا، فَجَعَلَ لَهُمْ آيَةً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهِيَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ التَّابُوتُ، أَيْ تَابُوتُ الْعَهْدِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي يَدِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى قِصَّةِ تَيْسِيرِ الله تَعَالَى إرجاع التَّابُوتِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِدُونِ قِتَالٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِلَسْطِينِيِّينَ أَرْجَعُوا التَّابُوتَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي قِصَّةٍ ذُكِرَتْ فِي سِفْرِ صَمْوِيلَ، حَاصِلُهَا أَنَّ التَّابُوتَ بَقِيَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ فِي بِلَادِ فِلَسْطِينَ مَوْضُوعًا فِي بَيْتِ صَنَمِهِمْ دَاجُونَ وَرَأَى الْفِلَسْطِينِيُّونَ آيَاتٍ مِنْ سُقُوطِ صَنَمِهِمْ عَلَى وَجْهِهِ، وَانْكِسَارِ يَدَيْهِ وَرَأْسِهِ، وَإِصَابَتِهِمْ بِالْبَوَاسِيرِ فِي أَشْدُودَ وَتُخُومِهَا، وَسُلِّطَتْ عَلَيْهِمُ الْجُرْذَانُ تُفْسِدُ الزُّرُوعَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ اسْتَشَارُوا الْكَهَنَةَ، فَأَشَارُوا عَلَيْهِمْ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ بِإِرْجَاعِهِ إِلَى إِسْرَائِيل لِأَنَّ إِلَهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ غَضِبَ لِتَابُوتِهِ وَأَنْ يُرْجِعُوهُ مَصْحُوبًا بِهَدِيَّةٍ: صُورَةِ خَمْسِ بَوَاسِيرَ مِنْ ذَهَبٍ، وَصُورَةِ خَمْسِ فِيرَانٍ مَنْ ذَهَبٍ، عَلَى عَدَدِ مُدُنِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ الْعَظِيمَةِ: أَشْدُودَ، وَغَزَّةَ، وَأَشْقَلُونَ، وَجَتْ، وَعَفْرُونَ. وَيُوضَعُ التَّابُوتُ عَلَى عَجَلَةٍ جَدِيدَةٍ تَجُرُّهَا بَقَرَتَانِ وَمَعَهُ صُنْدُوقٌ بِهِ التَّمَاثِيلُ الذَّهَبِيَّةُ، وَيُطْلِقُونَ الْبَقَرَتَيْنِ تَذْهَبَانِ بِإِلْهَامٍ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، فَفَعَلُوا وَاهْتَدَتِ الْبَقَرَتَانِ إِلَى أَنْ بَلَغَ التَّابُوتُ وَالصُّنْدُوقُ إِلَى يَدِ اللُّاوِيِّينَ فِي تُخُمِ بَيْتِ شَمْسٍ، هَكَذَا وَقَعَ فِي سِفْرِ صَمْوِيلَ غَيْرَ أَنَّ ظَاهِرَ سِيَاقِهِ أَنَّ رُجُوعَ التَّابُوتِ إِلَيْهِمْ كَانَ قبل تمْلِيك شاوول، وَصَرِيحُ الْقُرْآنِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِ السِّفْرِ بِمَا يُوَافِقُ هَذَا بِأَنْ تُحْمَلَ الْحَوَادِثُ عَلَى غَيْرِ تَرْتِيبِهَا فِي الذِّكْرِ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كِتَابِهِمْ. وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي

ص: 492

أَنَّ الْفِلَسْطِينِيِّينَ لَمَّا عَلِمُوا اتِّحَادَ الْإِسْرَائِيلِيِّينَ تَحْتَ مَلِكٍ عَلِمُوا أَنَّهُمْ مَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ إِلَّا لِقَصْدِ أَخْذِ الثَّأْرِ

مِنْ أَعْدَائِهِمْ وَتَخْلِيصِ تَابُوتِ الْعَهْدِ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَدَبَّرُوا أَنْ يُظْهِرُوا إِرْجَاعَ التَّابُوتِ بِسَبَبِ آيَاتٍ شَاهَدُوهَا، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ حِدَّةَ بني إِسْرَائِيل تفل إِذَا أُرْجِعَ إِلَيْهِمُ التَّابُوتُ بِالْكَيْفِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ آنِفًا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الرُّعْبُ حَصَلَ لَهُمْ قَبْلَ تَمْلِيكِ شَاوُلَ، وَابْتِدَاء ظُهُور الِانْتِصَار بِهِ.

وَالتَّابُوتُ اسْمٌ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ فَوَزْنُهُ فَاعُولٌ، وَهَذَا الْوَزْنُ قَلِيلٌ فِي الْأَسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ عَلَى وَزْنِهِ إِنَّمَا هُوَ مُعَرَّبٌ مِثْلَ نَاقُوسٍ وَنَامُوسٍ، وَاسْتَظْهَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنَّ وَزْنَهُ فَعَلُولٌ بِتَحْرِيكِ الْعَيْنِ لِقِلَّةِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي فَاؤُهَا وَلَامُهَا حَرْفَانِ مُتَّحِدَانِ: مِثْلَ سَلَسٌ وَقَلَقٌ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا أَثْبَتَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي مَادَّةِ تَوَبَ لَا فِي تَبَتَ.

وَالتَّابُوتُ بِمَعْنَى الصُّنْدُوقِ الْمُسْتَطِيلِ: وَهُوَ صُنْدُوقٌ أُمِرَ مُوسَى عليه السلام بِصُنْعِهِ صَنَعَهُ بَصْلَئِيلُ الْمُلْهَمُ فِي صِنَاعَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالنُّحَاسِ وَنِجَارَةِ الْخَشَبِ، فَصَنَعَهُ مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ- وَهُوَ شَجَرَةٌ مِنْ صِنْفِ الْقَرَظِ- وَجَعَلَ طُولَهُ ذِرَاعَيْنِ وَنِصْفًا وَعَرْضَهُ ذِرَاعًا وَنِصْفًا وَارْتِفَاعَهُ ذِرَاعًا وَنِصْفًا، وَغَشَّاهُ بِذَهَبٍ مِنْ دَاخِلُ وَمِنْ خَارِجُ، وَصَنَعَ لَهُ إِكْلِيلًا مِنْ ذَهَبٍ، وَسَبَكَ لَهُ أَرْبَعَ حَلَقٍ مِنْ ذَهَبٍ عَلَى قَوَائِمِهِ الْأَرْبَعِ، وَجَعَلَ لَهُ عَصَوَيْنِ مِنْ خَشَبٍ مُغَشَّاتَيْنِ بِذَهَبٍ لِتَدْخُلَ فِي الْحَلَقَاتِ لِحَمْلِ التَّابُوتِ، وَجَعَلَ غِطَاءَهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَجَعَلَ عَلَى طَرِيقِ الْغِطَاءِ صُورَةً تَخَيَّلَ بِهَا اثْنَيْنِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مِنْ ذَهَبٍ بَاسِطِينَ أَجْنِحَتَهُمَا فَوْقَ الْغِطَاءِ، وَأَمَرَ اللَّهُ مُوسَى أَنْ يَضَعَ فِي هَذَا التَّابُوتِ لَوْحَيِ الشَّهَادَةِ اللَّذَيْنِ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُمَا وَهِيَ الْأَلْوَاحُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ [الْأَعْرَاف:

154] .

وَالسَّكِينَةُ فَعَيْلَةٌ بِمَعْنَى الِاطْمِئْنَانِ وَالْهُدُوءِ،

وَفِي حَدِيثِ السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ «عَلَيْكُمْ بِالسِّكِّينَةِ»

وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ بَرَكَةِ التَّابُوتِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ فِي حَرْبٍ أَوْ سِلْمِ كَانَتْ نُفُوسُهُمْ وَاثِقَةً بِحُسْنِ الْمُنْقَلَبِ، وَفِيهِ أَيْضًا كُتُبُ مُوسَى عليه السلام، وَهِيَ مِمَّا تَسْكُنُ لِرُؤْيَتِهَا نُفُوس الْأُمَّةِ وَتَطْمَئِنُّ لِأَحْكَامِهَا، فَالظَّرْفِيَّةُ عَلَى الْأَوَّلِ مَجَازِيَّةٌ، وَعَلَى الثَّانِي حَقِيقِيَّةٌ، وَوَرَدَ فِي حَدِيثِ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ إِطْلَاقُ السِّكِّينَةِ عَلَى شَيْءٍ شِبْهِ الْغَمَامِ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَلَعَلَّهَا مَلَائِكَةٌ يُسَمَّوْنَ بِالسِّكِّينَةِ.

وَالْبَقِيَّةُ فِي الْأَصْلِ مَا يَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ مُعْظَمِهِ، وَقَدْ بُيِّنَتْ هُنَا بِأَنَّهَا مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ، وَهِيَ بَقَايَا مِنْ آثَارِ الْأَلْوَاحِ، وَمِنَ الثِّيَابِ الَّتِي أَلْبَسَهَا مُوسَى أَخَاهُ

ص: 493

هَارُونَ، حِينَ جَعَلَهُ الْكَاهِنَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْحَافِظَ لِأُمُورِ الدِّينِ، وَشَعَائِرِ الْعِبَادَةِ

قِيلَ: وَمِنْ ذَلِكَ عَصَا مُوسَى. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَقِيَّةُ مَجَازًا عَنِ النَّفِيسِ مِنَ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يُحَافِظُونَ، عَلَى النَّفَائِسِ فَتَبْقَى كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ:

بَقِيَّةُ قِدْرٍ من قدور توورثت

لِآلِ الْجُلَاحِ كَابِرًا بَعْدَ كَابِرِ

وَقَدْ فُسِّرَ بِهَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ رُوَيْشِدٍ الطَّائِيِّ:

إِنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ تَأْتِينِي بَقِيَّتُكُمْ

فَمَا عَلَيَّ بِذَنْبٍ مِنْكُمْ فَوْتُ

أَيْ تَأْتِينِي الْجَمَاعَةُ الَّذِينَ تَرْجِعُونَ إِلَيْهِمْ فِي مَهَامِّكُمْ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ إِطْلَاقُ التَّلِيدِ عَلَى الْقَدِيمِ مِنَ الْمَالِ الْمَوْرُوثِ.

وَالْمُرَادُ مِنْ آلِ مُوسَى وَآلِ هَارُونَ أَهْلُ بَيْتِهِمَا مِنْ أَبْنَاءِ هَارُونَ فَإِنَّهُمْ عُصْبَةُ مُوسَى لِأَنَّ مُوسَى لَمْ يَتْرُكْ أَوْلَادًا، أَوْ مَا تَرَكَهُ آلُهُمَا هُوَ آثَارُهُمَا، فَيَئُولُ إِلَى مَعْنَى مَا تَرَكَ مُوسَى وَهَارُونُ وَآلُهُمَا، أَوْ أَرَادَ مِمَّا تَرَكَ مُوسَى وَهَارُونُ فَلَفْظُ آلٍ مُقْحَمٌ كَمَا فِي قَوْلِهِ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ [غَافِر: 46] .

وَهَارُونُ هُوَ أَخُو مُوسَى عليهما السلام وَهُوَ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ مِنْ سِبْطِ لَاوِي وُلِدَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ أَطْفَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْ مُوسَى، وَلَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى بِالرِّسَالَةِ أَعْلَمَهُ بِأَنَّهُ سَيُشْرِكُ مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ فَيَكُونُ كَالْوَزِيرِ لَهُ، وَأُوحِيَ إِلَى هَارُونَ أَيْضًا، وَكَانَ مُوسَى هُوَ الرَّسُولَ الْأَعْظَمَ، وَكَانَ مُعْظَمُ وَحْيِ اللَّهِ إِلَى هَارُونَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَارُونَ أَوَّلَ كَاهِنٍ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا أَقَامَ لَهُمْ خِدْمَةَ خَيْمَةِ الْعِبَادَةِ، وَجَعَلَ الْكِهَانَةَ فِي نَسْلِهِ، فَهُمْ يَخْتَصُّونَ بِأَحْكَامٍ لَا تُشَارِكُهُمْ فِيهَا بَقِيَّةُ الْأُمَّةِ، مِنْهَا تَحْرِيمُ الْخَمْرِ عَلَى الْكَاهِنِ، وَمَاتَ هَارُونُ سَنَةَ ثَمَانٍ أَوْ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ قَبْلَ الْمَسِيحِ، فِي جَبَلِ هُورَ عَلَى تُخُومِ أَرْضِ أَدُومَ فِي مُدَّةِ التِّيهِ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ مِصْرَ.

وَقَوْلُهُ: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ حَالٌ مِنَ (التَّابُوتِ)، وَالْحَمْلُ هُنَا هُوَ التَّرْحِيلُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ [التَّوْبَة: 92] لِأَنَّ الرَّاحِلَةَ تَحْمِلُ رَاكِبَهَا وَلِذَلِكَ تُسَمَّى حُمُولَةً

وَفِي حَدِيثِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ: «وَكَانَتِ الْحُمُرُ حُمُولَتَهُمْ»

وَقَالَ النَّابِغَةُ:

ص: 494