الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كما هو معلوم عند أصحاب كل الأديان، وعليّ وغيره في هذا الكون مخلوق لله، أوجده بعد أن لم يكن، لا يملك أحد لنفسه ضراً ولا نفعاً. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (1) .
ثانياً: اعتقادهم في النبوات:
يجحد الباطنيون النبوات، وينكرون المعجزات، ويزعمون أنها من قبيل السحر والطلاسم، ويفسرون النبوة بأنها عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوّة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات، كما قد يتفق ذلك لبعض النفوس الزكية في المنام حين تشاهد في مجاري الأحوال في المستقبل إما صريحاً بعينه أو مدرجاً تحت مثال يناسبه مناسبة ما، فيفتقر فيه إلى التعبير، لأن النبي هو المستعد لذلك في اليقظة (2) .
ويزعمون أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها، كما لا تستكمل النطفة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر، فكذلك هذه القوة كمالها أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت (3) .
ومن هذا التصور الرديء اعتقدوا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض على النبي لا أنه شخص يتنقل من علو إلى سفل.
وعلى هذا فهم يعتقدون أن القرآن الكريم تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هو جبريل، وسمي كلام الله مجازاً.
(1) سورة الزمر:67
(2)
فضائح الباطنية ص 41.
(3)
فضائح الباطنية ص 41.
ومن اعتقاداتهم التي بينها الغزالي أنهم قالوا: كل نبي لشريعته مدة، فإذا انصرمت مدته بعث الله نبياً آخر ينسخ شريعته. وحددوا لشريعة كل نبي سبعة أئمة (1) ، أولهم النبي الناطق، ثم الأساس الصامت، ثم السوس، ومعنى الناطق أن شريعته ناسخة لما قبله، ومعنى الصامت أن يكون قائماً على ما أسسه غيره.
قالوا: ولكل نبي سوس، والسوس هو الباب إلى علم النبي في حياته والوصي بعد وفاته، والإمام لمن هو في زمانه، ومن هنا زعموا أن آدم سوسه شيئاً، وهو الثاني، ويسمى من بعده متماً ولاحقاً وإماماً، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم وسوسه علي بن أبي طالب، وقد استتم دوره بجعفر بن محمد.
فإن الثاني من الأئمة الحسن بن عليّ، والثالث الحسين بن علي، والرابع علي بن الحسين، والخامس محمد بن علي، والسادس جعفر بن محمد، وقد استتموا سبعة معه، وصارت شريعته ناسخة، وهكذا يدور الأمر أبد الدهر (2) .
وفي مثل هذه الضلالات يقول علماؤهم:
((ويعتبر الإمام محمد بن إسماعيل أول الأئمة المستورين والناطق السابع، لأن إمامته كانت بداية دور جديد في تاريخ الدعوة الإسماعيلية، قام بنسخ الشريعة التي سبقته، فجمع بين النطق والإمامة، ورفع التكاليف الظاهرية
(1) حددها الغزالي بسبعة أعمار أي سبعة قرون، ولعل التحديد بسبعة أئمة أوضح، إذا إنهم بنوا نسخ الشرائع وقيام القيامة بعد الإمام السابع دائماً.
(2)
فضائح الباطنية ص 42- 44، وقد قال - بعد أن ذكر أشياء كثيرة تركتها اختصاراً واكتفاء بما ذكرته - قال:((هذا ما نقل عنهم مع خرافات كثيرة أهملنا ذكرها ضنة بالبياض أن يسود بها)) .
للشريعة، فنادى بالتأويل واهتم بالباطن)) (1) .
إلى أن يقول حاكياً عن أحد دعاتهم في ضمن فضائل محمد بن إسماعيل: ((وعطلت بقيامه ظاهر شريعة محمد صلى الله عليه وسلم)(2) .
ووصف مصطفى غالب محمد بن إسماعيل بأنه القيامة الكبرى (3) ، لاكتمال الدور به، والابتداء من جديد.
ويقول النوبختي وهو من أعرف الناس بهم:
((وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذي أمر فيه بنصب علي بن أبي طالب عليه السلام للناس بغدير خم، فصارت الرسالة في ذلك اليوم في علي بن أبي طالب، واعتلوا في ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كنت مولاه، فعليّ مولاه)) ، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة، وتسليم منه في ذلك لعلي بن أبي طالب بأمر الله عز وجل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان مأموناً لعلي محجوجاً به
…
)) إلى أن يقول:
((وزعموا أن محمد بن إسماعيل حيّ لم يمت، وأنه في بلاد الروم، وأنه القائم المهدي، معنى القائم عندهم أنه يبعث برسالة وشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم
…
)) إلى أن يقول:
((واعتلوا في نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وتبديلها بأخبار رووها عن أبي عبد الله جعفر بن محمد أنه قال: ((لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً)) .
وأنه قال: ((إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء))
(1) أعلام الإسماعيلية ص 450.
(2)
المصدر السابق ص 453.
(3)
المصدر السابق ص 452.
ونحو ذلك من أخبار القائم)) (1) .
وسبب نقل هذا الكلام إنما هو لإيضاح إصرار الباطنية على نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن ما يظهره مصطفى غالب وغيره من عتاة الباطنية من التلاعب بمعاني الكلام إنما هو خداع للناس وستر لهذه العقيدة الخبيثة التي ترد ما أخبر الله به من إتمام الدين إلى أن تقوم القيامة وينتهي هذا الكون ومن فيه ولا يبقى إلا وجه الله عز وجل.
ولا يخفى على القارئ اللبيب ما في آخر كلام النوبختي من عبارات تتفق مع هوى الشيعة الغلاة منهم حول القرآن الكريم.
وأما استدلالهم بأن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، بمعنى يظهر شخص ينسخه، فلا شك أنه كلام يدل على قصر عقولهم، فإن الإسلام والحال ما ذكروا لا يبقى غريباً فقط بل إنه لا يبقى له أي وجود
…
فكيف يسمونه غريباً وقد انمحى ونسخ، وحاشا أن يتم ذلك.
وكلامهم إنما هو تأويل للحديث، وكذب على الله ورسوله أن يكون المراد من معنى الحديث ما ذكروا، بل إنه يدل على قلة المتمسكين به والعاملين بأحكامه وتعاليمه كما كان في بدء أمره كذلك.
وأما أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم يبشر في هذا الحديث بنسخ شريعته، فإنه لا حقيقة لهذا المقصود إلا في أفهام سخفاء العقول.
وأوَّلوا معجزات الأنبياء تأويلات باطنية، فثعبان موسى أي غلبته عليهم، وإظلال الغمام أي الإمام الذي نصبه موسى لإرشادهم، ومعنى عدم الأب لعيسى
(1) فرق الشيعة ص 64 - 95.