الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب فضائل القرآن:
قال البخارى1 رحمه الله: "كيف نزول2 الوحى؟ وأول ما نزل"، قال ابن عباس: المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله.
حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبى سلمه، قال: أخبرتني عائشة، وابن عباس قالا: لبث النبى صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة "عشرًا"3. اهـ.
ذكر البخارى رحمه الله كتاب فضائل القرآن بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم، فلهذا بدأ به. "ونحن قدمنا "الفضائل" قبل التفسير، وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها؛ ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه. والله المستعان"4. وقول ابن عباس في تفسير "المهيمن": إنما يريد به البخارى قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل:
1 في "كتاب فضائل القرآن" من "صحيحه""9/ 3".
2 كذا في "الأصول" كلها، وفي "البخاري" "9/ 3":"نزل"، قال الحافظ في "الفتح":"كذا لأبي ذر: "نزل" بلفظ الفعل الماضي، ولغيره: "كيف نزول الوحي" بصيغة الجمع". أهـ.
3 كذا في "الأصول"، وفي "البخاري":"عشر سنين".
قال الحافظ: "عشر سنين، كذا للكشميهني، ولغيره: "وبالمدينة عشرًا" بإبهام المعدود". اهـ.
4 وقع في "أ": "فلهذا بدأ به، فجرينا على منواله وسننه مقتدين به".
وما أثبته من "جـ" و"طـ" و"ل" وهي متأخرة عن "أ"، فهذا يدل على أن ابن كثير هو الذي غيَّر موضع "الفضائل"، فنقلها إلى أول الكتاب بدل آخره، وقد أحسن بذلك رحمه الله. والله أعلم.
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} [المائدة: 48]
قال الغمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: ثنا المثنى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية عن علي -يعني أبي طلحة، عن ابن عباس "في"1 قوله:{وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} ، قال: المهيمن الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله، وفى رواية: شهيدا عليه.
وقال سفيان الثورى وغير واحد من الأئمة، عن أبى اسحاق السبيعي، عن التميمى، عن ابن عباس:{وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه} قال: مؤتمنًا، وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصرى، وغير واحد من أئمة السلف.
وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال:"إذا رقب"2 الرجل الشىء وحفظه وشهده: "قد هيمن فلان عليه"، فهو مهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن، وفي أسماء الله تعالى:{الْمُهَيْمِنُ} [الحشر: 23] وهو الشهيد على كل شىء، الرقيب الحفيظ بكل شيء.
وأما الحديث الذى اسنده البخارى، أنه عليه السلام أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري3 دون
1 من "جـ".
2 في "جـ": "أرقب".
3 في "صحيحه""9/ 3- فتح".
وأخرجه النسائي في "الفضائل""رقم1" عن حسين بن محمد، وأحمد "2696" حدثنا حسن، يعني أبي موسى الأشيب قالَا: حدثنا شيبان، فذكره.
وهذا إسناد صحيح وقال المصنِّف في "تاريخه""5/ 257": "لم يخرجه مسلم".
وأخرج ابن الضريس في "فضائل القرآن""126" بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: "كان يقال: أنزل القرآن على نبي الله صلى الله عليه وسلم في ثماني سنين بمكة، وعشرًا بعدما هاجر، وكان قتادة يقول: "عشر بمكة وعشر بالمدينة".
مسلم، وإنما رواه النسائى من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى، وهو ابن "أبي"1 كثير، عن أبي سلمة عنهما.
وقال أبو عبيد2 القاسم بن سلام: حدثنا يزيد عن داود بن أبي هند
1 في "أ": "ابن كثير".
2 في "فضائل القرآن""ص222".
وأخرجه النسائي في "الفضائل""14، 15"، وابن أبي شيبة "10/ 533"، والطبري في "تفسيره""15/ 119، 30/ 166"، والحاكم "2/ 222" من طرقٍ عن داود بن أبي هند بسنده سواء.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه الذهبيّ؛ وهو كما قالَا.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور""4/ 205" لابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي.
وأخرج الطبرانيُّ في "الكبير""ج12/ رقم 12382" من طريق عمرو بن عبد الغفار، ثنا الأعمش، ثنا حسان أبو الأشرس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} قال: "أنزل القرآن جملةً واحدةًَ حتى وضع في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزله جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بجواب كلام العباد وأعمالهم".
قال الهيثمي في "المجمع""7/ 140": "وفي إسناده عمرو بن عبد الغفار وهو ضعيف".
قلت: لم يتفَّرد به، فتابعه جرير بن عبد الحميد، وعمار بن رزيق، وأبو بكر بن عياش، والثوري، فرووه عن الأعمش بسنده سواء تامًّا ومختصرًا.
أخرجه النسائي "16"، وابن أبي شيبة "10/ 533"، والبزار =
عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القران جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك فى عشرين سنة، ثم قرأ:{وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا} [الإسراء: 106] هذا إسناد صحيح.
أما إقامته بالمدينة عشرا، فهذا مما لا خلاف فيه، وأما إقامته بمكة بعد النبوة، فالمشهور ثلاث عشرة سنة؛ لأنه عليه السلام أوحى إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح.
ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشر اختصارا فى الكلام، لأن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور فى كلامهم، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل عليه السلام "به عليه السلام"1.
فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به عليه السلام ميكائيل فى ابتداء الأمر يلقي إليه "الكلمة"2 والشيء، ثم قرن به جبريل، ووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن أنه ابتدئ بنزوله فى مكان شريف وهو البلد الحرام، كما أنه "كان"1 فى زمن شريف، وهو شهر رمضان، فاجتمع
= "ج3/ رقم 2290"، والحاكم "2/ 223" وقال:"صحيح الإسناد"، وتابعه منصور بن المعتمر عن سعيد بن جبير بسنده سواء.
أخرجه الطبري "30/ 166-167"، والحاكم "2/ 222، 530" وقال: "صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي.
وأخرجه الحاكم "2/ 530"، والطبري "30/ 166" من طريق حكيم بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه وقال:"صحيح على شرط الشيخين" ووافقه الذهبي! وليس كما قالَا؛ فلم يخرج الشيخان لحكيم بن جبير شيئًا، ثم هو ضعيف.
1 ساقط من "أ".
2 في "جـ": "الحكمة".
له شرف الزمان والمكان.
ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن فى شهر رمضان، لأنه ابتدئ بنزوله، ولهذا كان جبريل1 يعارض به رسول الله صلى الله عليه وسلم 2 في كل سنة في شهر رمضان؛ لما كانت السنة التي توفي فيه عارضه "به"2 مرتين تأكيدًا وتثبيتًا.
وأيضًا ففي "هذا"2 الحديث بيان أنه من القرآن مكى، ومنه مدنى؛ فالمكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعد الهجرة، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أى البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة.
وقد أجمعوا على سور أنها من المكى، وأُخَر أنها من المدنى، واختلفوا فى أُخَر. وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط فى تقييدها عسر ونظر، ولكن قال بعضهم: كل سورة فى أولها شىء من الحروف المقطعة فهى مكية، إلا البقرة وآل عمران، كما أن كلَّ سورة فيها:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فهى مدنية، وما فيه:{يَا أَيُّهَا النَّاس} فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكى، وقد يكون مدنيا كما فى البقرة:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين} [البقرة: 168] .
قال أبو3 عبيد: حدثنا أبو معاوية، ثنا من سمع الأعمش يحدث عن
1 ورد هذا من حديث فاطمة الزهراء، وأبي هريرة، وابن عباس، وتأتي أحاديثهم قريبًا، إن شاء الله.
2 ساقط من "أ".
3 في "الفضائل""ص222". =
إبراهيم عن علقمة: كل شىء فى القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فانه أنزل بالمدينة، وما كان منها:{يَا أَيُّهَا النَّاس} فانه أنزل بمكة.
ثم1 قال: حدثنا على بن معبد، عن أبى الملِيح، عن ميمون بن مهران، قال: ما كان فى القرآن: {يَا أَيُّهَا النَّاس} و {يَا بَنِي آدَم} فإنه مكي، وماكان:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فإنه مدنى.
ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين: مرة بالمدينة ومرة بمكة، والله أعلم. ومنهم من يستثنى من المكى آيات، يدعى أنها من المدنى، كما فى سورة الحج وغيرها.
والحق فى ذلك ما دلَّ عليه الدليل الصحيح، فالله أعلم.
وقال أبو عبيد2: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح،
= وأخرجه أيضًا ابن الضريس في "فضائل القرآن""26" قال: أنبأنا ابن نمير، قال: حدثنا أبو معاوية بسنده سواء.
هكذا رواه أبو معاوية، عن رجل، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قوله، ورواه قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله ابن مسعود فذكر مثله.
أخرجه البزار "ج3/ رقم 2186" وقال: "لا نعلم أحدًا أسنده إلا قيس، وغيره يرسله"، والبزار يشير إلى رواية أبي معاوية السابقة، لكن قيسًا لم ينفرد به كما قال، فتابعه الجراح بن مَلِيح الرؤاسي، فرواه عن الأعمش مثل رواية قيس. أخرجه الحاكم "3/ 18" من طريق يحيى بن معين، ثنا وكيع بن الجراح، عن أبيه.
وسنده صحيح.
1 في "الفضائل""ص222".
2 في "الفضائل""ص221".
عن على بن أبى طلحة قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين1 كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون2، والتغابن، و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء} ، و {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم} ، {وَالْفَجْرِ} ، {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى} ، و {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر} و {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا} 3 و {إِذَا زُلْزِلَت} ، و {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه} . وسائر ذلك بمكة.
هذا إسناد صحيح عن ابن أبى طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير.
وقد ذكر فى المدنى سورا فى كونها مدنية نظر. "وفاته"4 الحجرات والمعوذات.
الحديث الثاني:
وقال البخاري: حدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، ثنا معتمر، قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان، قال: أنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبى صلى الله عليه وسلم وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"من هذا"؟ أو كما قال، قالت: هذا دحيه، فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبى صلى الله عليه وسلم بخبر جبريل أو كما قال.
1 يعني: سورة محمد صلى الله عليه وسلم.
2 يعني: سورة الصف.
3 سقط من "أ" و"ط".
4 في "أ": "وما به"!!
قال أبي1: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد رضي الله عنه.
وهكذا رواه أيضا فى "علامات2 النبوة" عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في "فضائل أم سلمة" عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى، كلهم عن معتمر بن سليمان به.
والغرض من ايراده هذا الحديث هاهنا أن السفير بين الله وبين محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام، وهو ملك كريم، ذو وجاهة وجلالة ومكانة، كما قال تعالى:{نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193-194]، وقال تعالى:{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ، وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 19-22] .
فمدح الرب تبارك وتعالى عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا -صلوات الله وسلامه عليهما3، وسنستقصى الكلام على تفسير هذا المكان فى موضعه إذا وصلنا إليه، إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وفى الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة -رضى الله عنها، كما بينه مسلم رحمه الله، لرؤيتها هذا الملك العظيم، وفضيلة أيضا لدحية بن خليفة الكلبي،
1 القائل: هو معتمر بن سليمان.
2 من "صحيحه""6/ 629- فتح".
وأخرجه أيضًا في "فضائل القرآن""9/ 3"، ومسلم "2451/ 100" من طرق عن معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عثمان النهدي، عن أسامة ابن زيد، وعند مسلم زيادة في أوله.
3 في "أ": "صلى الله وسلم عليهما".
وذلك أن جبريل عليه السلام "كثيرًا"1 ما "كان يجيء"2 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على "صورته"3، وكان جميل الصورة -رضى الله عنه، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم يُنْسَبُون إلى كلب بن وبرة، وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، والله أعلم.
الحديث الثالث:
حدثنا عبد الله4 بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد المقبرى عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "ما من الانبياء نبى إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيت وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة".
ورواه أيضا فى "الاعتصام"، عن عبد العزيز بن عبد الله، ومسلم والنسائي عن قتيبة، جميعا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبى سعيد، عن أبيه
1 في "أ": "كان كثيرًا".
2 في "أ": "يأتي".
3 في "أ": "على صورة دحية".
4 القائل هو البخاري -رحمه الله تعالى، في "صحيحه""9/ 3- فتح".
وأخرجه أيضًا في "كتاب الاعتصام""13/ 247"، ومسلم "152/ 239"، والنسائي في "التفسير""149"، وفي "فضائل القرآن""2"، وأحمد "2/ 341، 451"، وأبو نعيم في "الحلية""10/ 233"، والبيهقي في "الكبرى""9/ 4"، وفي "الدلائل""7/ 129"، والبغوي في "شرح السنة""13/ 195-196" من طرقٍ عن الليث بن سعد، عن سعيد المقبرى، عن أبيه، عن أبى هريرة مرفوعًا فذكره.
قال أبو نعيم: "صحيح ثابت".
واسمه كيسان المقبرى به.
وفى هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبيٌ من الأنبياء، وعلى كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبى إلا أعطى -أى: من المعجزات- ما آمن عليه البشر، أى: ما كان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به، واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه فى زمانه.
وأما الرسول الخاتم للرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيا منه إليه منقولا الى الناس بالتواتر، ففى كل حينٍ هو كما أنزل، فلهذا قال:"فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". وكذلك وقع؛ فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته، ودوامها الى قيام الساعة واستمرار معجزته. ولهذا قال الله "تبارك و"1 تعالى:{تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وقال تعالى:{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] .
ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] ، ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين} [يونس: 38] ، وقصر التحدي على هذا المقام فى السور المكية، كما ذكرنا فى المدنية أيضا، كما فى سورة البقرة حيث يقول
1 من "جـ".
تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 23-24] ، وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله، وأنهم لا يفعلون ذلك فى المستقبل أيضا.
هذا وهم أفصح الخلق، وأعلمهم بالبلاغة والشعر، "وقريظ"1 الكلام وضروبه، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوى على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأخبار الصادقة، عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة المحكمة، كما قال تعالى:{وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام: 115] .
وقال الإمام أحمد بن حنبل2: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبى، ثنا محمد بن اسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظى، عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: قلت: لآتين أمير المؤمنين فلأسألنه عما سمعت العشية، قال: فجئته بعد العشاء فدخلت عليه، فذكر الحديث، قال: ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ "، قال:"فقال: "كتاب الله"3، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه
1 في "أ": "قريض"، وهما بمعنًى.
2 أخرجه أحمد في "المسند""1/ 91"، ومن طريقه ابن بشران في "الأمالي""ج1/ ق6/ 2" بسنده سواء. وهذا سند ضعيف جدًّا، وابن إسحاق مدلس، وقد استخدم ما يدل على التدليس قطعًا، ولكنه متابع كما يأتي، والحارث الأعور واهي الحديث.
3 في "أ": "في كتاب الله"؛ وحرف الجر مقحم، ليس في "الأصول" ولا في "المسند".
هلك -مرتين، قول فصل، وليس بالهزل، لا تخلقه الألسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفضل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم".
هكذا رواه الإمام أحمد.
وقد قال أبو عيسى الترمذي1: حدثنا عبد بن حميد، ثنا حسين
1 في "سننه""2906".
وأخرجه الدارميُّ "2/ 312-313"، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" -كما في "النكت الظراف""7/ 357"، وعنه ابن نصر في "قيام الليل""ص-57"، وابن أبي شيبة "10/ 482"، وأبو طاهر المخلص في "الفوائد""ج9/ ق204/ 1-2"، وابن الأنباري في "الوقف والابتداء""ق2/ 1-2"، والبيهقي في "الشعب""ج4/ رقم 1788"، والبغوي في "شرح السنة""4/ 437-438"، والشجري في "الأمالي""1/ 91" من طريق حمزة بن حبيب الزيات، عن أبي المختار الطائي، عن ابن أخي الحارث الأعور، عن الحارث، عن عليٍّ، فذكره.
قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال". اهـ.
قلت: وهذا سند ضعيف جدًّا، والحارث الأعور متروك الحديث.
وأبو المختار الطائي وابن أخي الحارث مجهولان، وما فهمه المصنف رحمه الله من كلام الترمذي أن العلة هي من حمزة الزيات، فبعيد، فلم يقصد الترمذي ذلك، وقوله:"إسناده مجهول" يبين ذلك بجلاء. ومع ذلك فقول المصنف رحمه الله: "ورواه محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته"، فهذا القول فيه شيء من التسامح يحتمل، لاختلاف السندين إلى الحارث. والله أعلم.
وله طرق أخرى وشواهد لا تقويه. سقتها في "التسلية".
ولا يصح الحديث موقوفًا أيضًا؛ لعدم صحة الأسانيد بذلك، وقول المصنف: "وقصارى هذا الحديث
…
إلخ"، ليس فيه تقوية الموقوف كما لا يخفى. والله أعلم.
ابن على الجعفى، ثنا حمزة الزيات، عن أبى المختار الطائى، عن ابن أخى الحارث الأعور، عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال:"وقد"1 فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إنى قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنها ستكون فتنة"، فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} [الجن: 1-2] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم". خذها اليك يا أعور، ثم قال:"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفى حديث الحارث مقال".
"قلت": لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته، على أنه وإن كان ضعيف الحديث "إلّا أنه"2 إمام في القراءة.
1 كذا في "جـ" و"ل" و"الترمذي". وفي "ا" و"ط": "أو قد".
2 في "أ": "فإنه".
والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد "كذبه"1 بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه "يتعمَّد"2 الكذب فى الحديث فلا، والله أعلم.
وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين على -رضى الله عنه، وقد وهم بعضهم فى رفعه، وهو كلام حسن3 صحيح، على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبى صلى الله عليه وسلم.
قال الإمام العلَمُ أبو عبيد القاسم بن سلَّام رحمه الله فى كتابة "فضائل4 القرآن": حدثنا أبو اليقظان عمار بن محمد الثورى أو غيره، عن إسحاق الهجرى، عن أبى الاحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم،
1 ساقط من "جـ".
2 في "ا": "تعمد".
3 يقصد: معناه، لا ثبوته.
4 "ق1/ 2".
وأخرجه ابن أبي شيبة "10/ 482-483"، وابن الضريس في "فضائل القرآن""58" مختصرًا، وابن حبان في "المجروحين""1/ 100"، وابن نصر في "قيام الليل""70"، والحاكم "1/ 555"، وأبو بكر الكلاباذي في "معاني الأخبار""ق209/ 2-238/ 1"، والبيهقي في "الشعب""ج4/ رقم 1786"، وأبو نعيم في "أخبار أصبهان""2/ 278"، والخطيب في "الجامع""1/ 107"، وابن الجوزي في "الواهيات""1/ 101"، والشجري في "الأمالي""1/ 84" من طرق عن إبراهيم بن مسلم الهجري عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعًا.
وعزاه السيوطي في "الدر المنثور""6/ 337" لابن الأنباري في "المصاحف"، ولا يصح كما يأتي ذكره.
إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن "تبعه"1، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أنى لا "أقول"2: الم، "حرف"3، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر".
وهذا غريب4 من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق
1 في "جـ": "اتبعه".
2 في "ل": "أقول لكم".
3 من هامش "أ"، وليس هذا الحرف في "جـ" و"طـ" و"ل"؛ ولعله:"عشر".
4 وقال ابن الجوزي: "لا يصح".
أما الحاكم فقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بصالح بن عمر"، وردَّه الذهبي بضعف الهجري، ونقل المنذري في "الترغيب" "2/ 354" أن الحاكم قال:"تفرَّدَ به صالح بن عمر، وهو صحيح". كذا! ولعله وَهْمٌ من المنذري رحمه الله؛ لأن صالح بن عمر قد تابعه أكثر من نفس، منهم:"عمار ابن محمد الثوري، وجرير بن عبد الحميد، وأبو معاوية، وابن عجلان، وابن فضيل، وابن الأجلح وغيرهم".
قلت: كل هؤلاء رووه عن الهجري بسنده مرفوعًا، وخالفهم جعفر بن عون، وأبو سنان الشيباني، وابن عيينة وغيرهم، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود موقوفًا.
أخرجه الدارمي "2/ 308، 310"، وعبد الرزاق "ج3/ رقم 6017"، وعنه الطبراني في "الكبير""ج9/ رقم 8646"، وهذا الاضطراب في الرفع والوقف من إبراهيم بن مسلم الهجري لأمرين:
الأول: لثقة من روى عنه الوجهين، فدلَّ على أن الاختلاف منه لا منهم. الثاني: إنه ضعيف الحفظ. ضعَّفه أبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وغيرهم، وقال البخاري والنسائي:"منكر الحديث".
ورواية الوقف أرجح لأمر ذكرته في "التسلية".
الهجرى، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس "بقوي"1، وقال أبو الفتح الأزدى: رفَّاع كثير الوهم.
قلت: فيحتمل -والله أعلم- أن يكون وَهِمَ فى رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه أخر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد2 أيضًا: حدثنا حجاج عن إسرائيل، عن أبى اسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: لا يُسأَلُ عبدٌ عن نفسه الا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله.
الحديث الرابع:
قال البخارى3: ثنا عمرو بن محمد، ثنا يعقوب بن ابراهيم، ثنا
1 في "أ": "بالقوي"، وفي "الجرح والتعديل" "1/ 1/ 132":"ليس بقوي، لين الحديث".
2 في "فضائل القرآن "ص21، 22".
وأخرجه الطبراني في "الكبير""ج9/ رقم 8657" من طريق شعبة عن أبي إسحاق بسنده سواء بلفظ:$"من أحب أن يعلم أنه يحب الله ورسوله فلينظر، فإن كان يحب القرآن، فهو يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم".
قال الهيثمي في "المجمع""7/ 165": "رجاله ثقات".
قلت: وسنده صحيح.
3 في "الفضائل""9/ 3- فتح".
وأخرجه مسلم "3016/ 2"، والنسائي في "فضائل القرآن""8"، وأحمد "3/ 236" من طريق يعقوب بن إبراهيم بسنده سواء.
وأخرجه ابن حبان "44" من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عن عبد الرحمن ابن إسحاق، عن الزهري، عن أنس نحوه.
وسنده صحيح.
أبى عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: أخبرنى أنس بن مالك أن الله تَابَعَ الوحى على رسوله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحى، ثم توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده.
وهكذا رواه مسلمٌ عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد، وحسن الحلواني وعبد بن حميد والنسائي عن، اسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى به.
ومعناه: أن الله تعالى تَابَعَ نزول الوحى على رسوله صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شىء، كل وقت بما يحتاج اليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الاولى التى كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى:{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} [العلق: 1] ، فإنه استلبث الوحى بعدها حينا، يقال قريبا من سنتين وأكثر، ثم حمى الوحى وتتابع، وكان أول شىء نزل بعد تلك الفترة:{يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ} [المدثر: 1-2] .
الحديث الخامس:
حدثنا أبو1 نعيم، ثنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا يقول: إشتكى "النبي"2 صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة
1 قائل هذا هو البخاري رحمه الله في "الفضائل""9/ 3-فتح".
2 في "ا": "رسول الله".
فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك الا تركك، فأنزل الله تعالى:{وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} .
وقد رواه البخارى فى "غير1 موضع" أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أُخَرٍ عن سفيان وهو الثورى، وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن الأسود بن قيس العبدى، عن جندب بن عبد الله البجلي به. "وسيأتي"2 الكلام على هذا الحديث فى تفسير سورة الضحى، "إن شاء الله"3.
والمناسبة فى ذكر هذا الحديث والذى قبله فى فضائل القرآن، أن الله تعالى له برسوله صلى الله عليه وسلم عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحى متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرَّقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.
1 من "صحيحه" في "التهجد""3/ 8"، وفي "التفسير""8/ 170، 171".
وأخرجه مسلمٌ "1797/ 114، 115"، والنسائي في "التفسير""701"، والترمذي "3345"، وأحمد "4/ 312، 313"، وسعيد بن منصور في "تفسيره""ق188/ 1"، والحميدي "777"، وابن جرير "30/ 148"، والطبراني في "الكبير""ج2/ رقم 1709، 1710، 1711، 1712"، والبيهقي في "الدلائل""7/ 58، 59"، والبغوي في "تفسيره""8/ 453" من طرقٍ عن الأسود بن يزيد، عن جندب بن عبد الله، فذكره.
قال الترمذي: "حسن صحيح".
2 في "أ": "وقد تقدَّم". وهذا بناءً على ما قدمناه، أن "الفضائل" كانت في آخر التفسير، ثم قدَّمَها الحافظ المصنف رحمه الله.
3 من "جـ" و"طـ" و"ل".
قال البخارى1 رحمه الله: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، قرآنا عربيا بلسان عربى مبين، حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهرى، أخبرنى أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا.
هذا الحديث قطعة2 من حديث سيأتى قريبا الكلام عليه، ومقصود البخارى منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب.
ولهذا قال أبو بكر بن أبى داود3: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد ثنا شيبان "عن"4 عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يملينَّ فى مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف.
وهذا إسناد صحيح.
وقال أيضا5: حدثنا إسماعيل بن أسد، ثنا هوذة، ثنا عوف عن
1 في "الصحيح" هنا كلمة "باب"، وجرى المصنّف على إغفالها.
2 يأتي تخريجه في "جمع القرآن" إن شاء الله تعالى.
3 في "المصاحف""ص11"، وإسناده صحيح كما قال المصنف رحمه الله، وأخرجه ابن أبي داود أيضًا قال: حدثنا عبد الله بن محمد الزهريّ، قال: حدَّثَنَا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت عبد الملك بن عمير يحدِّث عن عبد الله بن المغفل، عن عمر بن الخطاب مثله.
وسنده صحيح أيضًا.
4 في "أ": "ابن" وهو تصحيف.
5 يعني: ابن أبي داود في "المصاحف""ص11"، وسنده صحيح.
عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام، أقعدَ له نفرا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم فى اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى:{قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون} [الزمر: 28]، وقال تعالى:{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ، بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 192-195]، وقال تعالى:{وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103]، وقال تعالى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} [فصلت: 44] ، الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم ذكر البخارى1 رحمه الله حديث يعلى بن أمية، أنه كان يقول: ليتنى أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ينزل عليه الوحى، فذكر الحديث "فى"2 الذى سأل عمَّن أحرم بعمرة، وهو متضمّخٌ بطيب وعليه جُبَّةٌ، قال: فنظر رسول الله ساعة ثم "فَجِئَه"3 الوحى، فأشار عمر إلى يعلى، أى: تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سُرِّيَ عنه فقال:"أين الذى سألنى عن العمرة آنفا"؟ فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.
وهذا الحديث رواه جماعة من طرقٍ عديدة، والكلام عليه فى "كتاب الحج"، ولا تظهر مناسبة4 ما بينه وبين هذه الترجمة، ولا يكاد، ولو
1 ويأتي تخريجه عند الآية "196" من سورة البقرة، إن شاء الله تعالى.
2 ساقط من "جـ".
3 في "جـ": "جاءه".
4 وصدق يرحمه الله.
قال الحافظ في "الفتح""9/ 10".
ذُكِرَ فى الترجمة التى قبلها لكان أظهر وأبين، والله أعلم.
"قال المؤلف1 الشيخ عماد الدين ابن كثير رحمه الله، فيما وُجِدَ على ظهر الجزء الأول من "تفسيره":
فائدة جليلة حسنة:
ثبت في "الصحيحين" عن أنس رضي الله عنه قال: جمع القرآن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم أربعة، كلهم من الأنصار: أُبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فقيل له: من أبو زيد؟ قال:
= "وقد خفي وجه دخوله في هذا الباب على كثير من الأئمة حتى قال ابن كثير في "تفسيره": ذِكْرُ هذا الحديث في الترجمة التي قبلها أظهر وأبين، فلعل ذلك وقع من بعض النُّسَّاخ. وقيل: بل أشار المصنف بذلك إلى أن قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} لا يستلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أرسل بلسان قريش فقط لكونه منهم، بل أرسل بلسان جميع العرب؛ لأنه أرسل إليهم كلهم، بدليل أنه خاطب الأعرابي الذي سأله بما يفهمه، بعد أن نزل الوحي عليه بجواب مسألته، فدلَّ على أن الوحي كان ينزل عليه بما يفهمه السائل من العرب، قرشيًّا كان أو غير قرشي، والوحي أعم من أن يكون قرآنًا يتلى أو لا يتلى. قال ابن بطال: مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله -متلوًّا كان أو غير متلوٍّ- إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه صلى الله عليه وسلم بُعِثَ إلى الناس كافة عربًا وعجمًا وغيرهم؛ لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي، وهو يبلِّغُه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم، ولذا قال ابن المنير: كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة ولسان واحد". أ. هـ.
1 ساقط من "أ" و"ط" واستدركته من "ل" وحاشية "جـ".
أحد عمومتي. وفي لفظٍ للبخاريِّ عن أنس، قال:"لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه".
قلت: أبو زيد هذا ليس بمشهور؛ لأنه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدر، وسماه بعضهم:"سعيد بن عبيد".
ومعنى قول أنس: "لم يجمع القرآن"، يعني: من الأنصار سوى هؤلاء، وإلا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن: كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم.
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري رحمه الله: "قد عُلِمَ بالاضطرار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدَّم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ليؤم الناس أقرؤهم"، فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم، لما قدمه عليهم".
نقله أبو بكر ابن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعري.
وحكى القرطبيُّ في أوائل "تفسيره" عن القاضي أبي بكر الباقلاني، أنه قال بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا:"فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن: عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص، فقول أنس: لم يجمعه غير أربعة؛ يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا من في رسول الله غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال: وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبى صلى الله عليه وسلم، لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم".
قال القرطبي: "لم يذكر القاضي ابن مسعود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن". آخر الفائدة"1.
1 إلى هنا انتهى السقط الذي نبهنا عليه في هامش "1" في الصفحة السابقة.