الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
جمع القرآن:
"قال البخاري"1: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحرَّ2 بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء فى المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه. والله لو كلفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان عليَّ أثقل مما أمرنى به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبي بكر وعمر -رضى الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف3 وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى، لم أجدها مع غيره4 {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} حتى خاتمة براءة.
1 ساقط من "جـ" و"ط" و"ل".
2 يعني: اشتد.
3 اللخاف: بكسر اللام؛ جمع "لخفة"، وهي صفائح الحجارة الرقاق، وتجمع على "لُخُف" بضمتين.
4 يعني: مكتوبة، صرَّح به جماعة منهم الحافظ في "الفتح""9/ 15".
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنهم.
وقد روى البخاري1 هذا في غير موضع من كتابه، ورواه الإمام أحمد والترمذى والنسائي من طرق من الزهرى به.
وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق -رضى الله عنه، فإنه أقامه الله تعالى بعد النبي صلى الله عليه وسلم مقاما لا ينبغى لأحد من بعده: قاتل الاعداء من مانعى الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، وردَّ الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكَّنَ القارئ من حفظه كله، وكان هذا من سر قوله تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} .
فجمع الصديق الخير وكفَّ الشرور رضي الله عنه وأرضاه، ولهذا
1 في "صحيحه""9/ 10، 11 و13/ 183، 404- فتح".
وأخرجه أحمد "1/ 10 و5/ 188-189"، والترمذي "3103"، والنسائي في "فضائل القرآن"" 13، 20، 27" وأبو عبيد "ص152-153"، وابن حبان "4506" وأبو يعلى "58، 59، 60، 86"، وابن أبي داود في "المصاحف""ص7، 8، 9" وابن عبد البر في "التمهيد""8/ 279"، وأبو بكر الكلاباذي في "معاني الأخبار""ق210/ 2-211/ 1"، والبيهقي "2/ 40-41" من طرق عن إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت. فذكره.
وتابعه يونس بن يزيد، عن الزهري بسنده سواء.
أخرجه البخاري "13/ 404"، وابن أبي داود "9"، وأبو يعلى "66"، قال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح، وهو من حديث الزهريّ، لا نعرفه إلّا من حديثه".
رُوِيَ عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع "وابن1 مهدي" وقبيصة عن سفيان الثورى، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، عن عبد خير، عن على بن2 أبى طالب -رضى الله عنه- أنه قال3: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين.
هذا إسناد صحيح.
وقال أبو بكر بن أبى داود فى "كتاب4 المصاحف": حدثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه، أن أبا بكر رضي الله عنه هو الذى جمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: ختمه صحيح أيضًا، وكان عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- هو الذي تنبه لذلك لما استحرَّ القتل بالقرَّاء، أي: اشتد القتل وكثر في قرَّاء القرآن يوم اليمامة، يعنى: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه "من"5 بنى حنيفة، بأرض اليمامة فى حديقة الموت.
1 وقع في "أ": "ابن زيد" وهو خطأ واضح.
2 ساقط من "جـ".
3 أخرجه ابن أبي داود في "المصاحف""ص5" من طريق وكيع وأبي أحمد الزبيري، وعبدة بن سليمان، وقبيصة بن عقبة، وخلاد بن يحيى، كلهم من طريق الثوري، عن السدى الكبير، عن عبد خير، عن على، فذكره. وأخرجه ابن أبي شيبة "10/ 544" عن وكيع وحده.
وهذا سندٌ حسنٌ، والسدي مختلف فيه، ولا بأس به.
فتصحيح المصنِّف رحمه الله للسند فيه نوع تسامح. والله أعلم.
4 "ص6" وسنده منقطع؛ لأن عروة بن الزبير لم يدرك أبا بكر رضي الله عنه، فقول المصنِّف:"صحيح" فيه نظر، فكان ينبغي تقييده بأن يقول:"صحيح إلى عروة". والله أعلم.
5 ساقط من "أ" و"ط".
وذلك أن مسيلمة التفَّ معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهَّزَ الصديق لقتاله خالد بن الوليد فى قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامى لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القرَّاء من كبار الصحابة: يا خالد خلصنا؛ يقولون: ميَّزْنا من هؤلاء الأعراب، فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف، ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالا شديدا، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليه، وولى جيش الكفار فارًا، واتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا؛ وقتل الله مسيلمة وفرَّق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام.
ولكن قُتِلَ من القراء يومئذ قريب من خمسمائة رضي الله عنهم، فلهذا أشار عمر على الصديق بأن يجمع القرآن؛ لئلا يذهب منه "شيء"1 بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك فى مواطن القتال، فإذا كُتِبَ وحُفِظَ صار ذلك محفوظا، فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته، فراجعه الصديق قليلا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت فى ذلك، ثم صار إلى ما رأياه -رضى الله عنهم أجمعين، وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصارى.
ولهذا قال أبو بكر2 بن أبى داود: ثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد "ثنا"3 مبارك.....
1 ساقط من "أ".
2 في "كتاب المصاحف""ص10" وضعَّفَه المصنِّف بالانقطاع، وكذا قال في "مسند عمر""2/ 561"، ويضاف إليه أن المبارك بن فضالة مع ضعفه، فهو مدلس. والله أعلم.
3 في "أ": "ابن". وهو خطأ.
"ابن"1 فضالة عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، "فأمر"2 بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه فى المصحف.
وهذا منقطع؛ فإن الحسن لم يدرك عمر، ومعناه: أنه أشار بجمعه فجُمِعَ، ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه، كما:
رواه ابن أبى3 داود حيث قال: ثنا أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن طلحة الليثى، عن محمد بن عمرو، عن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن، كان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له فى ذلك، كما قال أبو بكر بن أبى داود:
حدثنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرنى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما استحرَّ القتل بالقرَّاء يومئذ، فَرِقَ4 أبو بكر -رضى الله عنه- أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه.
منقطع حسن.
ولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة -يعنى قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم} [التوبة: 128-129] إلى
1 في "أ": "عن". وهو خطأ.
2 في "أ": "ثم أمر". وفي "المصاحف": "وأمر".
3 في "المصاحف""ص6"، وتحسين المصنِّف إنما هو بسب أن لرواية عروة أصلًا صحيحًا، قد مَرَّ ذكره، فهو يقول:"منقطع حسن الإسناد".
4 يعني: خاف.
آخر الآيتين- مع أبى خزيمة الأنصارى1، وفى رواية: مع خزيمة بن ثابت الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين، لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه؛ لأنه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين في قصة الفرس
1 قال الحافظ في "الفتح""9/ 15": "قوله: "وجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى" وقع في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن إبراهيم بن سعد: "مع خزيمة بن ثابت" أخرجه أحمد والترمذي. ووقع في رواية شعيب عن الزهري كما تقدَّم في سورة التوبة: "مع خزيمة الأنصاري"، وقد أخرجه الطبراني في "مسند الشاميين" من طريق أبي اليمان عن شعيب، فقال فيه: "خزيمة بن ثابت الأنصاري". وكذا أخرجه ابن أبي داود من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، وقول من قال عن إبراهيم بن سعد: "مع أبي خزيمة" أصح، وقد تقدَّم البحث فيه في تفسير سورة التوبة، وأن الذي وجد معه آخر سورة التوبة، غير الذي وجد معه الآية التي في الأحزاب؛ فالأول اختلف الرواة فيه على الزهري، فمن قائل: "مع خزيمة"، ومن قائل: "مع أبي خزيمة"، ومن شاكٍّ فيه على الزهري، فمن قائل: "مع خزيمة"، والأرجح أن الذي وجد معه آخر سورة التوبة أبو خزيمة بالكنية، والذي وجد معه الآية من الأحزاب خزيمة.
وأبو خزيمة قيل: هو ابن أوس بن يزيد بن أصرم، مشهور بكنيته دون اسمه، وقيل: هو الحارث بن خزيمة، وأما خزيمة: فهو ابن ثابت ذو الشهادتين، كما تقدَّم صريحًا في سورة الأحزاب، وأخرج ابن أبي داود، من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال:"أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتهما، فقال عمر: وانا أشهد لقد سمعتمها، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا سورة من القرآن فألحقوها في آخرها"، فهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون قول زيد بن ثابت:"وجدتها مع أبي خزيمة لم أجدها مع غيره" أي: أول ما كتبت، ثم جاء الحارث بن خزيمة بعد ذلك، أو أن أبا خزيمة هو الحارث بن خزيمة لا ابن أوس".
الذي ابتاعها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأعرابى، فأنكر الأعرابى البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابى.
والحديث رواه "أهل1 السنن" وهو مشهور.
1 كذا! ولم يروه منهم إلّا أبو داود "3607"، والنسائي "7/ 301-302" من طريق الزهري، عن عمارة بن خزيمة، أن عمه حدثه، وهو من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم:
أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ابتاعه، فنادى الأعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس وإلّا بعته، فقام النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع نداء الأعرابي، فقال:"أو ليس قد ابتعته منك"؟ ، فقال الأعرابي: لا والله ما بعتكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"بلى قد ابتعته منك"، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي صلى الله عليه وسلم على خزيمة فقال:"بم تشهد"؟. فقال: بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادة خزيمة بشهادة رجلين.
وزاد أحمد وغيره:
فطفق الناس يلوذون بالنبي صلى الله عليه وسلم والأعرابي، وهما يتراجعان، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا يشهد أني بايعتك، فمن جاء من المسلمين قال للأعرابي: ويلك! النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليقول إلا حقًّا، حتى جاء خزيمة، فاستمع لمراجعة النبي-صلى الله عليه وسلم، ومراجعة الأعرابي، فطفق الأعرابي يقول: هلمَّ شهيدًا، يشهد أني بايعتك.
وأخرجه من هذا الوجه: أحمد "5/ 215، 216"، وابن سعد في "الطبقات""4/ 378-379"، ومحمد بن يحيى الذهلي في "جزئه"، كما في "الفتح""8/ 518"، وابن أبي عمر في "مسنده"، كما في =
وروى أبو جعفر1 الرَّازي عن الربيع، عن أبى العالية، أن أُبيَّ بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت.
وقد روى ابن وهب عن طلحة الليثى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عثمان شهد بذلك أيضًا.
وأمَّا قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف
= "المطالب العالية""4/ 93"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني""2085"، وعنه أبو الشيخ في "الأخلاق""45-46"، والطحاوي في "الشرح""4/ 126"، والحاكم "2/ 17"، والبيهقي "7/ 66 و10/ 145-146"، والخطيب في "المبهمات""ص120"، وابن بشكوال في "الغوامض""رقم109"، وابن عساكر في "تاريخ دمشق""ج5/ ق612".
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ورجاله باتفاق الشيخين ثقات، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.
وله طرق أخرى وشواهد، ذكرتها في "التسلية".
1 أخرجه ابن الضريس في "الفضائل""27"، وعبد الله بن أحمد في "زوائد المسند""5/ 134"، وابن أبي داود في "المصاحف""ص38"، والبيهقي في "الدلائل""7/ 138-139"، والخطيب في "التخليص""1/ 403"، والضياء في "المختارة""ج2/ رقم1155"، وابن مردويه في "تفسيره"، كما في "الدر المنثور""4/ 331"، وعنه الضياء في "المختارة""1156" من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبَيِّ بن كعب.
وقال المصنِّفُ في "سورة التوبة""4/ 180": "غريب" أ. هـ. ويشير بذلك إلى ضعف سنده، وأبو جعفر الرازي سيء الحفظ.
وصدور الرجال، وفى رواية: من العسب والرقاع والاضلاع، وفى رواية: من الاكتاف والأقتاب وصدور الرجال.
أمَّا العسب: فجمع عسيب، قال أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهرى: وهو من السعف فويق الكرب، لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللخاف: جمع لخفة، وهي القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب، وغير ذلك مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلَّقاه زيد هذا عن عسبه، وهذا من لخافه، ومن صدر هذا، أى: من حفظه، وكانوا أحرص شىء على أداء الأمانات، وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] ففعل صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رءوس الأشهاد، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال:"إنكم مسئولون عنى فما أنتم قائلون"؟.
قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت؛ فجعل يشير بأصبعه إلى السماء عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد". رواه مسلم1 عن جابر.
1 في "صحيحه""1218/ 147". وهو جزء من حديث جابر بن عبد الله الطويل في حجة الوداع.
وأخرجه أيضًا أبو داود "1905"، والنسائي "5/ 143، 240"، وابن ماجه "3074"، والدارمي "2/ 44-49" وآخرون مطوَّلًا ومختصرًا من طرق عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر، ولشيخنا أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني -حفظه الله، جزء ماتع في جمع طرقه، فيه نفائس على صغر حجمه -فجزاه الله خيرًا عن الإسلام وأهله، وأطال الله في عمره في عافية وستر. آمين.
وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب، وقال:"بلغوا عنى ولو 1 آية"، يعنى: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة، فليؤدها إلى من وراءه، فبلغوا عنه ما أمرهم به، فأدوا القرآن قرآنا، والسنة سنة، لم يلبسوا هذا بهذا.
ولهذا قال عليه السلام: "من كتب عنى سوى القرآن 2 فليمحه"، أى: لئلَّا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول صلى الله عليه وسلم إليهم إلا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة.
فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظهما كتاب الله فى الصحف؛ لئلَّا يذهب منه شىء بموت من تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده
1 أخرجه البخاري "6/ 496- فتح"، وقد مَرَّ تخريجه.
2 أخرجه مسلم "3004/ 72"، والنسائي في "الفضائل""33"، وأحمد "3/ 12، 21، 39، 56"، والدارمي "1/ 98"، وابن حبان "64"، والحاكم "1/ 126-127"، وآخرون من حديث عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا:"لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، وقد وهم في استدراكه على مسلم. والله أعلم.
محروسة معظَّمَةً مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين؛ لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت "عند"1 أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه، كما سنذكره إن شاء الله.
1 ساقط من "جـ".