الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
38/
من فضائل التسبيح في السُّنَّة
تناولت فيما سبق بيان فضل التسبيح وعظيم أجره، وأنَّه مِن أفضلِ الأذكار المأثورة، ومِن أنفع العبادات المشروعة، ومِن أجلِّ الطاعات التي يحبُّها اللهُ من عباده، وقد أوردتُ جملةً طيِّبةً من النصوص القرآنيَّة الكريمة الدّالة على ذلك.
ولعلّ من المناسب هنا أن نقف على بعض النصوص النبويّة الواردة في فضل التسبيح والدّالة على عظيم شأنه ورفيع مكانته. إذ السنّة مليئةٌ بالنصوص الدّالة على عظيم شأن التسبيح، وشريف قدره، وجزيل ثواب أهله، وبيان ما أعدّ الله لهم من أجورٍ كريمةٍ، وأفضالٍ عظيمةٍ، وعطايا جمَّةٍ. وقد تضمّنت تلك النصوص الدلالةَ على ذلك من وجوهٍ كثيرةٍ:
ومن ذلك أنَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ التسبيح أفضل الكلام وأحبُّه إلى الله، وقد سبق أنْ مرَّ معنا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم:"أحبُّ الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر"1.
وثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذرٍّ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل: أيُّ الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لِعباده: سبحان الله وبحمده"2.
وفي لفظ آخر للحديث أنَّ أبا ذرّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا
1 صحيح مسلم (رقم:2137) .
2 صحيح مسلم (رقم:2731) .
أُخبرُك بأحبِّ الكلام إلى الله؟ قلتُ: يا رسول الله أخبرني بأحبِّ الكلام إلى الله. قال: إنَّ أحبَّ الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده"1. فدلّ هذا الحديث على عظيم مكانة هذه الكلمة عند الله عز وجل.
ومِن فضائل التسبيح ما أخبر به النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائة مرّة حُطَّت عنه ذنوبُه ولو كثُرت. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرّة حُطَّت خطاياه وإن كانت مِثلَ زَبَدِ البحر"2.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ من قالها في الصّباح مائة مرّة وفي المساء مائة مرّة، لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ مَن قال مثل ذلك وزاد عليه. فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مَن قال حين يُصبحُ وحين يُمسي: سبحان الله وبحمده مائة مرّة لم يأتِ أحدٌ يومَ القيامة بأفضلَ مما جاء به، إلاّ أَحدٌ قال مثل ما قال أو زاد عليه"3.
وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنَّ من قالها في يومٍ مائة مرّة كُتبت له ألفُ حسنةٍ أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئةٍ، والحسنةُ بِعشر أمثالها. روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيَعجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يومٍ ألفَ
1 صحيح مسلم (رقم:2731) .
2 صحيح البخاري (رقم:6405)، وصحيح مسلم (رقم:2691) .
3 صحيح مسلم (رقم:2692) .
حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جلسائِه: كيف يكسب أحدُنا ألفَ حسنة؟ قال: يسبِّح مائة تسبيحة فيُكتبُ له ألفُ حسنةٍ أو يُحطُّ عنه ألفُ خطيئةٍ" 1.
ومما ورد في فضل التسبيح إخبار النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن ثِقل التسبيح في الميزان يوم القيامة مع خفّة ويسر العمل به في الدنيا. ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرّحمن، خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم "2.
وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: "كلمتان" هي خبرٌ مقَدَّمٌ مُبتَدَؤُه "سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"، قال بعض أهل العلم:"والنكتة في تقديم الخبر تشويقُ السّامع إلى المبتدأ، وكلَّما طال الكلام في وصف الخبر حسُن تقديمه؛ لأنَّ كثرةَ الأوصاف الجميلة تزيد السّامع شوقاً"3. وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بثلاثة أوصاف جميلةٍ عظيمةٍ، وهي أنَّهما حبيبتان إلى الرحمن خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان.
وقد خُصَّ لفظ الرحمن بالذِّكر هنا؛ لأنَّ المقصود من الحديث بيانُ سِعة رحمة الله تعالى على عباده حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل، والأجر العظيم، فما أيسرَ النطق بهاتين الكلمتين على اللسان، وما أعظم أجر ذلك وثوابه عند الكريم الرحمن، وقد وُصفت الكلمتان في الحديث بالخفّة والثقل، الخفّةِ على اللسان
1 صحيح مسلم (رقم:2698) .
2 صحيح البخاري (رقم:6406)، وصحيح مسلم (رقم:2694) .
3 فتح الباري لابن حجر (13/540) .
والثقلِ في الميزان، لبيان قلّة العمل وكثرة الثواب. فما أوسعَ فضلَ الله، وما أعظمَ عطاءَه.
ومن فضائل هذه الكلمة العظيمة، ما رواه الترمذي، وابن حبّان، والحاكم، وغيرهم، من طريق أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرست له نخلةٌ في الجنَّةِ "1، وله شاهدان:
أحدهما: من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما موقوفاً، خرّجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه2.
والآخر: من حديث معاذ بن سهل مرفوعاً، خرّجه الإمام أحمد في مسنده3.
ومن فضائل هذه الكلمة ما رواه الطبراني، والحاكم، من حديث نافع بن جُبير بن مطعم، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن قال سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالها في مجلس ذكرٍ كانت كالطّابع يطبع عليه، ومَن قالها في مجلس لغوٍ كانت كفَّارة له".
1 سنن الترمذي (رقم:3464)، وصحيح ابن حبان (رقم:826،827) ، ومستدرك الحاكم (1/501)، وصححه العلاّمة الألباني في السلسلة الصحيحة (رقم:64) .
2 المصنف (6/56) .
3 المسند (3/440) .
قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وصحّحه العلاّمة الألبانيُّ1.
وروى الترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "مَن جلس في مجلس فكثُر فيه لغَطُه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلاّ أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلاّ غُفر له ما كان في مجلسه ذلك"2.
فهذه جملةٌ من الأحاديث الواردة في التسبيح والدّالة على عظيم فضله وثوابه عند الله، وفي أكثر هذه الأحاديث قُرن مع التسبيح حمدُ الله تعالى؛ وذلك لأنَّ التسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، والتحميدُ فيه إثباتُ المحامد كلّها لله عز وجل، والإثبات أكملُ مِنَ السّلب، ولهذا لم يَرِد التسبيحُ مجرّداً، لكن ورد مقروناً بما يدلّ على إثبات الكمال، فتارةً يُقرنُ بالحمد كما في هذه النصوص، وتارةً يُقرنُ باسم من الأسماء الدّالة على العظمة والجلال، كقول: سبحان الله العظيم، وقول: سبحان ربّي الأعلى، ونحو ذلك3.
والتنزيه لا يكون مدحاً إلاّ إذا تضمّن معنىً ثبوتيًّا، ولهذا عندما نزَّه الله تبارك وتعالى نفسه عمّا لا يليق به ممّا وصفه به أعداء الرُّسل
1 المعجم الكبير (رقم:1586) ، والمستدرك (1/537)، والسلسلة الصحيحة (رقم:81) .
2 سنن الترمذي (رقم:3433)، وصحيح ابن حبان (رقم:594) ، والمستدرك (1/536)، وصححه العلامة الألباني في صحيح الجامع (رقم:6192) .
3 انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (ص:204) .
سلَّم على المرسلين الذين يثبتون لله صفات كماله ونعوت جلاله على الوجه اللاّئق به، وذلك في قوله تعالى:{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ} 1، وفي هذه الآية أيضاً حمد الله نفسه بعد أن نزّهها؛ وذلك لأنَّ الحمدَ فيه إثباتُ كمال الصفات، والتسبيحَ فيه تنزيه الله عن النّقائص والعيوب، فجمع في الآية بين التنزيه عن العيوب بالتسبيح وإثبات الكمال بالحمد، وهذا المعنى يرِد في القرآن والسنّة كثيراً، فالتسبيحُ والحمدُ أصلان عظيمان وأساسان متينان يقوم عليهما المنهجُ الحقُّ في توحيد الأسماء والصفات، وبالله وحده التوفيق.
1 سورة الصافات، الآيات (180 ـ 182) .