الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
55 /
حقيقة لا حول ولا قوة إلَاّ بالله
تقدّم الكلامُ على فضل قول: "لا حول ولا قوة إلَاّ بالله" تلك الكلمة العظيمة ذاتِ المعاني الجليلة والدلالات العميقة، وقد تنوّعت الأحاديث في الدلالة على تشريف هذه الكلمة وتعظيمِها، حيث أخبر صلوات الله وسلامه عليه أنَّها من أبواب الجنّة، وأنَّها من كنز تحت العرش، وأنَّها غِراس الجنَّة، وأنَّها من الباقيات الصالحات التي ينبغي للعبد أن يستكثر منها، ومرَّ معنا أيضاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله، وكلُّ هذا يدلُّ بجلاء على عِظم فضل هذه الكلمة ورِفعة شأنها، وأنَّها كلمةٌ عظيمةٌ جليلةٌ ينبغي على المسلمين أن يعنوا بها وأن يكثروا من قولها، وأن يعمروا أوقاتهم بكثرة تردادها لعِظم فضلها عند الله، ولكثرة ثوابها عنده، ولما يترتَّب عليها من خيرات متنوّعة، وأفضال متعدّدة في الدنيا والآخرة.
ومن الأمور اللازمة في هذا الباب والمتأكّدة على كلِّ مسلم أن يفهم مدلولَ هذه الكلمة ومعناها؛ ليكون ذكره لله بها عن علم وفهم وإدراكٍ لمدلول ما يذكر اللهَ به، أمَّا أن يردِّد المسلم كلاماً لا يفهم معناه، أو ألفاظاً لا يدرك مدلولها، فهذا عديمُ التأثير ضعيفُ الفائدة، ولهذا فإنَّه لا بدَّ على المسلم في هذا الذِّكر، بل وفي كلِّ ما يذكر الله به أن يكون عالماً بمعنى ما يقول، مدركاً لمدلوله؛ إذ بذلك يؤتي الذِّكرُ ثمارَه، وتتحقّقُ فائدتُه، وينتفع به الذاكر، وقد تقدّم معنا قولُ النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه: "ألا أدلُّك على كلمة من تحت العرش من
كنز الجنَّة؟ تقول: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله، فيقول الله عز وجل: أسلم عبدي واستسلم "1.
فهي كلمة إسلامٍ واستسلامٍ، وتفويض وتبرّؤٍ من الحَول والقوَّة إلَاّ بالله، وأنَّ العبدَ لا يملك من أمرِه شيئاً، وليس له حيلةٌ في دفعِ شرٍّ، ولا قوّةٌ في جلبِ خيرٍ إلَاّ بإرادة الله تعالى. فلا تحوّل للعبد من معصية إلى طاعة، ولا من مرض إلى صحة، ولا من وهنٍ إلى قوة، ولا من نقصان إلى كمال وزيادة إلَاّ بالله، ولا قوَّة له على القيام بشأن من شؤونه، أو تحقيق هدفٍ من أهدافه أو غاية من غاياته إلَاّ بالله العظيم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فأزِمَّةُ الأمور بيده سبحانه، وأمورُ الخلائق معقودة بقضائه وقدره، يصرفها كيف يشاء ويقضي فيها بما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء، على الوجه الذي يشاء من غير زيادة ولا نقصان، ولا تقدّم ولا تأخر، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النِّعمة والفضل، وله الثناء الحسن، شملت قدرتُه كلَّ شيء، {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونَ} 2، {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} 3، ومن كان هذا شانه فإنَّ الواجبَ الإسلامُ لألوهيته، والاستسلامُ لعظمته،
1 تقدّم (ص:298) .
2 سورة يس، الآية (82) .
3 سورة فاطر، الآية (2) .
وتفويض الأمور كلِّها إليه، والتبرؤُ من الحول والقوة إلَاّ به، ولهذا تعبّد اللهُ عبادَه بذكره بهذه الكلمة العظيمة التي هي باب عظيم من أبواب الجنَّة وكنز من كنوزها.
فهي كلمةٌ عظيمةٌ تعني الإخلاص لله وحده بالاستعانة، كما أنَّ كلمةَ التوحيد لا إله إلا الله تعني الإخلاص لله بالعبادة، فلا تتحقق لا إله إلا الله إلَاّ بإخلاص العبادة كلِّها لله، ولا تتحقّق لا حول ولا قوة إلَاّ بالله إلَاّ بإخلاص الاستعانة كلِّها لله، وقد جمع الله بين هذين الأمرين في سورة الفاتحة أفضل سورة في القرآن وذلك في قوله:{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ، فالأول تبرؤٌ من الشرك، والثاني تبرؤٌ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل، والعبادة متعلّقة بألوهية الله سبحانه، والاستعانة متعلّقة بربوبيّته، العبادةُ غاية، والاستعانة وسيلة، فلا سبيل إلى تحقيق تلك الغاية العظيمة إلَاّ بهذه الوسيلة: الاستعانة بالله الذي لا حول ولا قوة إلَاّ به، ولهذا يخطئ من يستخدمها في غير بابها، أو يجعلها في غير مقصودها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وذلك أنَّ هذه الكلمة (أي: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله) هي كلمة استعانة لا كلمة استرجاع، وكثيرٌ من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعاً لا صبراً"1.
وعلى هذا المعنى المُشار إليه يدور فهمُ السلف رحمهم الله لهذه الكلمة العظيمة، أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس رضي
1 الاستقامة (2/81) .
الله عنهما في "لا حول ولا قوة إلَاّ بالله" قال: "لا حول بنا على العمل بالطاعة إلَاّ بالله، ولا قوة لنا على ترك المعصية إلَاّ بالله".
وأخرج أيضاً عن زهير بن محمد أنَّه سئل عن تفسير "لا حول ولا قوة إلَاّ بالله"، قال:"لا تأخذ ما تحبُّ إلَاّ بالله، ولا تمتنع مما تكره إلَاّ بعون الله"1.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وقول: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله يوجب الإعانة؛ ولهذا سنَّها النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال المؤذِّن: حي على الصلاة، فيقول المجيب: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله، فإذا قال: حي على الفلاح، قال المجيب: لا حول ولا قوة إلَاّ بالله، وقال المؤمن لصاحبه: {وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللهُ لَا قُوَّةَ إِلَاّ بِاللهِ} 2، ولهذا يُؤمر بهذا من يخاف العين على شيء، فقوله: ما شاء الله، تقديره: ما شاء الله كان، فلا يأمن، بل يؤمن بالقدر، ويقول: لا قوة إلَاّ بالله، وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه المتفق عليه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هي كنز من كنوز الجنَّة"، والكنز مال مجتمع لا يحتاج إلى جمع، وذلك أنَّها تتضمّن التوكّل والافتقار إلى الله تعالى، ومعلوم أنَّه لا يكون شيء إلَاّ بمشيئة الله وقدرته، وأنَّ الخلق ليس منهم شيء إلَاّ ما أحدثه الله فيهم، فإذا انقطع القلب للمعونة منهم وطلبها من الله فقد طلبها من خالقها الذي لا يأتي بها إلَاّ هو
…
ولهذا يأمر الله بالتوكّل عليه
1 أوردهما السيوطي في الدر المنثور (5/393 ـ 394) .
2 سورة الكهف، الآية (39) .
وحده في غير موضع، وفي الأثر:"من سرَّه أن يكون أقوى الناس فليتوكّل على الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده"" اهـ1.
ولا ريب أنَّ أنفعَ الدعاء وأفضلَه للعبد هو طلبُه من الله العونَ على مرضاته والتوفيقَ لطاعته، وهو الذي علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم لِحِبِّه معاذ ابن جبل رضي الله عنه فقال:"يا معاذ، والله إني لأحبُّك، فلا تنسَ أن تقول دُبر كلِّ صلاة: اللَّهمَّ أَعِنِّي على ذكرِك وشكرك وحسن عبادتك"، وهذه كلمة استعانة كما هو الشأن في قول لا حول ولا قوة إلَاّ بالله، استعانةٌ بالله لتحقيق أفضل الغايات وأجلِّ المطالب على الإطلاق، عبادة الله سبحانه التي أوجد الخلقَ لتحقيقها، وخُلقوا للقيام بها، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"تأمَّلتُ أنفعَ الدعاء، فإذا هو سؤال العون على مرضاته، ثم رأيته في الفاتحة في {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} "2.
فاللهمَّ إيَّاك نعبد ولك نصلِّي ونسجد وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتَك ونخاف عذابك، ولا حول ولا قوة إلَاّ بك، فلا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا أقلَّ من ذلك، أنت ربُّ العالمين وإله الأولين والآخرين، لا إله إلَاّ أنت نستغفرك ونتوب إليك.
1 الفتاوى (13/321 ـ 322) .
2 مدارج السالكين لابن القيم (1/78) .