المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحلقة الرابعة بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌ ‌الحلقة الرابعة بسم الله الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة

‌الحلقة الرابعة

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

أما بعد:

فقد أشرت فى حديث سابق إلى أن المسلم إذا عزم على الحج كان مخيرا بين أحد الأنساك الثلاثة وهى الإِفراد أو القران أو التمتع، كما أشرت إلى أنه لا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أن يتجاوز الميقات بدون إحرام. ومن السنة الاغتسال للإِحرام وهو غسل للنظافة لا للطهارة حتى الحائض والنفساء إذا أرادت الحج أو العمرة فإنها تغتسل عند إحرامها كذلك فقد روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه الأنصارى رضى اللَّه عنهما فى قصة حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: فخرجنا حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر رضى اللَّه عنهما فأرسلت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى واستثفرى بثوب وأحرمى" وإذا كان يشق على الإِنسان الاغتسال عند الميقات فلا بأس بأن يغتسل فى منزله بالمدينة المنورة مثلا أو فى الباخرة قبل الوصول إلى الميقات أو فى منزله قبل ركوب الطائرة متوجها إلى جدة وبعد الاغتسال يلبس ملابس الإِحرام وهى إزار

ص: 240

ورداء بالنسبة للرجل والأولاد الذكور أما النساء فليس لإِحرامهن ثوب معين بل تلبس المرأة ما شاءت من الثياب ما دام يسترها ولا يصف ولا يشف ما تحته.

وليس الإِحرام هو مجرد لبس الإِزار والرداء بل الإِحرام هو نية الدخول فى النسك. فلو لبس الإِزار والرداء قبل الوصول إلى الميقات فلا بأس لكن لا ينوى الإِحرام إلا من الميقات. وينبغى له أن يقلم أظافره ويزيل شعر إبطه وعانته، ولا بأس له أن يتطيب قبل الدخول فى النسك بطيب لا يدوم بعد أن يحرم إذا كان به زعفران. وينبغى أن يكون الإِحرام بعد صلاة فإنه ثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يحرم بعد الصلاة فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما واللفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال:"كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يركع بذى الحليفة ركعتين ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذى الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات ويقول: "لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير فى يديك والرغباء إليك والعمل" فلو لم يتمكن من الصلاة عند الإِحرام فلا شئ عليه. ولا يجوز أن يلبس المحرم شيئا مخيطا أو محيطا فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث عبد اللَّه ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجلا سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال: لا تَلْبَسُوا القُمُص ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد نعلين فليلبس

ص: 241

خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئا مَسَّه زعفران ولا وَرْسٌ" زاد البخارى فى رواية:"ولا تنتقب المرأة المحرمة ولا تلبس القفازين" كما روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث يعلى بن أمية رضى اللَّه عنه قال: كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم بالجعرانة إذ جاءه رجل أعرابى عليه جبة وهو متضمخ بالخَلوق فقال: يا رسول اللَّه! إنى أحرمت بالعمرة، وهذه عَليَّ! فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أما الطيب الذى بك فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة فانزعها ثم اصنع فى عمرتك ما تصنع فى حجك" فالتجرد من الثياب والملابس المخيطة أو المحيطة واستبدالها بإزار ورداء مظهر من مظاهر المساواة التامة بين جميع المسلمين بقطع النظر عن أجناسهم وبيئاتهم ولغاتهم ومنازلهم كما أن الحج رحلة كبرى يقطعها المؤمن فى مسيرته للَّه عز وجل ولذلك جعل الإسلام ملابس الحجاج أشبه ما تكون بالأكفان الذى يندرج الناس فيها عند الانتقال إلى الدار الآخرة. ولما كان أمر النساء مبنيا على الستر والابتعاد عن كل أسباب الافتتان أباح الشرع للمرأة أن تلبس الخيط أو المحيط الذى حرَّمه على المحرمين من الرجال فلها أن تلبس الثياب والقمص والسراويل والخفين والجوارب ولم تفرض الشريعة عليها فى إحرامها لونا معينا من الثياب غير ما يستر عورتها ولا يشف شيئا من بدنها، ونهاها عن أن تنتقب أو تلبس مخيطا لوجهها وحرَّم عليها فى إحرامها أن تلبس القفازين فى يديها. فقد روى البخارى فى

ص: 242

صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين" ويجوز أن تسدل جلبابها من رأسها على وجهها إذا كانت عند رجال أجانب عنها ليسوا من محارمها فقد روى أبو داود واللفظ له وابن ماجه بسند جيد من حديث الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عائشة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها قالت: كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم محرماتٌ فإذا جاوزُوا بنا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها. فإذا جَاوزُونا كشفناه" كما نهى الإسلام المرأة أن تلبس شيئا يثير الفتنة فقد روى أبو داود من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينهى النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورسُ والزعفران من الثياب. ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفر أو خز أو حلى أو سراويل أو قمص أو خف" كما يجوز للمحرم من الرجال أو النساء أن يستظل بما شاء من مظلة ما دام لا يغطى الرَّجُل رأسه فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث أم الحُصين رضى اللَّه عنها قالت: رأيت أسامة وبلالا رضى اللَّه عنهما وأحدهما آخذ بخطام ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة" وأباح الإسلام كذلك للمحرم أن يُغيِّر ملابس إحرامه متى شاء بملابس إحرام أخرى أو يغسلها إذا اتسخت، أو يلبس أكثر من إزار ورداء من البرد ونحوه

ص: 243

وله كذلك أن يغتسل متى شاء فقد روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من حديث أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يغسل رأسه وهو محرم" وفى رواية لمسلم من طريق عبد اللَّه بن حنين أن عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما والمسورَ بن مخرمة رضى اللَّه عنه اختلفا بالأبواء فقال عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما يغسل المحرم رأسه، وقال المسورُ بنُ مخرمة رضى اللَّه عنه: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلنى ابن عباس رضى اللَّه عنهما إلى أبى أيوب الأنصارى رضى اللَّه عنه أسأله عن ذلك فوجدته يغتسل بين القرنين (يعنى بين الخشبتين القائمتين على رأس البئر) وهو يستتر بثوب، قال: فسلَّمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد اللَّه بن حُنَين أرسلنى إليك عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما أسألك كيف كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب رضى اللَّه عنه يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لى رأسه ثم قال لإِنسان يَصُب: اصبُبْ فصَبَّ على رأسه ثم حرَّك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل".

وإلى حديث قادم إن شاء اللَّه

والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.

المدينة المنورة فى 17/ 11/ 1395 هـ

ص: 244