الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحلقة الخامسة
بسم اللَّه الرحمن الرحيم. أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته أما بعد:
فقد تحدثت فى حديث سابق عما يفعله الإِنسان إذا أراد الإِحرام وأشرت إلى أن الإِنسان يصير محرما بنية الدخول فى النسك الذى يريد ويتأكد ذلك بالتلبية من الميقات فإذا أراد الحج وحده أى مفردا قال: اللهم إنى أريد الحج فيسره لى وتقبله منى لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك" وإذا أراد الحج والعمرة جميعا ليصير قارنا قال: اللهم إنى أريد الحج والعمرة فيسرهما لى وتقبلهما منى. لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وإذا أراد أن يكون متمتعا قال: اللهم إنى أريد العمرة متمتعا بها إلى الحج فيسرها لى وتقبلها منى، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك. وله أن يقول: اللهم إنى أريد العمرة فيسرها لى وتقبلها منى ثم يلبى دون أن يقول: متمتعا بها إلى الحج. وبمجرد الإِتيان بهذه النية والتلبية يصير الإِنسان محرما، وإِذا كان يخاف على نفسه من عائق يحول بينه وبين تمام النسك فليشترط عند الإِحرام ويقول: اللهم إِنى أريد الحج إن كان مفردا أو أريد الحج والعمرة إن كان قارنا أو أريد العمرة متمتعا بها إلى الحج إن كان متمتعا فيسره لى وتقبله منى وإن حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى. وفائدة هذا الاشتراط أنه إذا حبسه حابس فى الطريق حلَّ ولا شئ عليه.
فإذا صار الإِنسان محرما تأكد فى حقه الامتناع عن كل رفث وفسوق وعصيان وجدال مما يخقص من حجه أو يذهب بأجره ولذلك يقول الرب تبارك وتعالى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} والرفث هو غشيان النساء ودواعيه من المباشرة أو التقبيل أو نحو ذلك. والفسوق هو عصيان اللَّه عز وجل بأى صورة من صور المعاصى، ولما كان الحج يكتنفه ضرورة مخالطة الناس ومزاحمتهم فى الأسفار والمشاعر والمنازل والموارد فقد طلب الإسلام من المسلم الذى أحرم بالحج أو العمرة أن يبتعد عن المخاصمة والمنازعة والمجادلة مع أى أحد من الناس وقد بشر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من ترك مجادلة الناس ومُمَارَاتَهُم وإن كان محقا ببيت فى ربض الجنة، فقد روى أبو داود واللفظ له وابن ماجه والترمذى وحسَّنه من حديث أبى أمامة الباهلى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أنا زعيم ببيت فى ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا فعلى الحاج أن يتجنب كل ما يؤذى أحدا من المسلمين وأن يصون لسانه إلا من الخير، وأن يحفظ سمعه فلا يستمع إلا ما يرضى اللَّه عز وجل، وأن يحفظ بصره فلا يتتبع به العورات وأن يحفظ يده فلا تبطش فى ضرر أحد، وأن يصون رجله فلا تخطو فى أذية أحد، وأن يجعل فى فكره دائما قول اللَّه عز وجل:{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} .
وقد نبهت إلى أن أعمال الحاج المفرد وأعمال القارن لا تختلف
فهما متفقان فى كل شئ إلا أن القارن عليه هدى والمفرد لا يجب عليه الهدى فإذا أحرم المفرد أو القارن من الميقات أكثر من التلبية كلما علا مرتفعا من الأرض أو هبط واديا أو لقى ركبا أو نزل منزلا وليكثر من ذكر اللَّه تبارك وتعالى وليرفع صوته بالتلبية بالقدر الذى لا يضره حتى يصل إلى مكة، ويستحب له الاغتسال قبل دخولها إذا لم يشق عليه ذلك فإذا وصل إلى المسجد الحرام بدأ فطاف بالبيت طواف القدوم سبعة أشواط يرمل فى الثلاثة الأول منها ويمشى فى الأربعة الباقية. يبتدئ كل شوط بالحجر الأسود ويختم به وكلما صار مقابلا للحجر الأسود استقبله واستلمه بيمينه ويُقَبِّله إن تيسر له ذلك ويقول عند استلامه: بسم اللَّه، واللَّه أكبر، فإذا لم يتيسر له تقبيله استلمه بيده أو بعصماه وقَبَّل ما استلمه به، فإن شق عليه استلامه أشار إليه وكبَّر، ولا يُقَبِّلُ ما يشير به، ويستحب له قبل البدء فى طواف القدوم أن يضطبع بردائه حتى يطوف جميع أشواط هذا الطواف وهو مضطبع بردائه والاضطباع أن يجعل الرداء تحت إبطه الأيمن وطرفى الرداء على عاتقه الأيسر ليكون عاتقه الأيمن مكشوفا. ولا يستحب هذا الاضطباع إلا فى أول طواف للقادم بالحج أو العمرة فلا يضطبع فى غير طواف القدوم أو طواف العمرة فإذا فرغ المفرد أو القارن من طواف القدوم جعل الرداء على عاتقيه جميعا ثم يصلى ركعتى الطواف أمام مقام إبراهيم إن تيسر له ذلك لقوله تبارك وتعالى:
{وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فإن كان المكان مزدحما ولم يتيسر له صلاة الركعتين عند مقام إبراهيم صلاهما فى أى مكان من المسجد الحرام ويسن أن يقرأ فى الركعة الأولى منهما بعد فاتحة الكتاب بسورة قل يا أيها الكافرون وفى الركعة الثانية بعد الفاتحة بسورة قل هو اللَّه أحد فإذا فرغ من ركعتى الطواف قصد الحجر الأسود فاستلمه ثم يخرج إلى الصفا من باب الصفا إن تيسر له ذلك فإن لم يتيسر له الخروج من باب الصفا خرج من أى باب حتى يصعد على جبل الصفا ويستقبل القبلة ويقول: لا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شئ قدير. لا إله إلا اللَّه وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ثم يدعو بما شاء ويكرر ذلك الدعاء والذكر ثلاث مرات ثم يبتدئ السعى فينزل إلى جهة المروة، ويسرع بين العَلَمين الأخضرَين، فإذا وصل المروة صعد عليها ويكرر الذكر الذى ذكره على الصفا فوق المروة ثلاث مرات مستقبلا القبلة ثم يعود إلى الصفا ثم يرجع إلى المروة حتى يختم السعى سبعة أشواط من الصفا إلى المروة شوط ومن المروة إلى الصفا شوط فيكون السابع منتهيا عند المروة. ويستحب أن يكثر من الدعاء والذكر فى طوافه وسعيه. فإذا فرغ المفرد أو القارن من السعى أقام بمكة محرما حتى يخرج بهذا الإِحرام إلى منى فى اليوم الثامن من ذى الحجة وهو يوم التروية فيصلى بمنى الظهر
والعصر والمغرب والعشاء والفجر كل صلاة فى وقتها لكنه يصلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين والعشاء ركعتين ثم بعد طلوع الشمس من يوم عرفة يتوجه إلى عرفة. ويصلى فيها الظهر والعصر فى وقت الظهر كل صلاة منها يصليها ركعتين قصرا، ويؤذن للصلاتين هاتين أذانا واحدا ويقيم لكل منهما إقامة. ثم يقف بعرفة. وأما الذى أحرم بالعمرة متمتعا بها إلى الحج فإنه عندما يصل إلى مكة يطوف طواف العمرة سبعة أشواط على نفس الصورة التى يعملها المفرد أو القارن فى طواف القدوم ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك على نفس الصورة التى سعى بها المفرد أو القارن إلا أن هذا الطواف والسعى بالنسبة للمتمتع يسمى طواف العمرة وسعى العمرة وليس على المتمتع طواف القدوم. وطواف العمرة وسعيها فرض لازم بالنسبة للمتمتع أما طواف القدوم بالنسبة للمفرد والقارن فهو سنة فإذا طاف المتمتع طواف العمرة وسعى لها بين الصفا والمروة قص شعره وتحلل من الإِحرام ولبس ملابس الحل وأقام بمكة حلالا يباح له كل ما كان محرما عليه بالإحرام من مس الطيب ومباشرة أهله وغير ذلك من الحلال الذى كان محرما عليه بالإحرام. فإذا كان يوم التروية وهو اليوم الثامن من ذى الحجة أحرم بالحج من منزله أى من المسجد الحرام أو من أى مكان تيسر له ثم يخرج إلى منى فيصلى فيها الظهر والعصر والمغرب والعشاء وفجر يوم عرفة على نفس الصورة التى يفعلها المفرد والقارن ثم بعد طلوع