الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحلقة الأولى
بسم اللَّه الرحمن الرحيم أيها الإِخوة المؤمنون السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
أما بعد:
فقد ذكر اللَّه تبارك وتعالى كثيرا من حِكَم الحج وأحكامه فى كتابه الكريم حيث يقول: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أو تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا
لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ}. وكما قال اللَّه عز وجل: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} وكما قال عز وجل {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} .
وقد جعل اللَّه تبارك وتعالى الحج أحد أركان الإسلام الخمسة وهى شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلا. وقد اشتلمت هذه الأركان الخمسة على الدرجة العليا من أصول أسباب سعادة الفرد والمجتمع فى شئون المعاش والمعاد إذ فى كل تشريع إلهى منافع جليلة، ومصالح جزيلة. تبنى الفرد الصالح والمجتمع الصالح وتهدى الأمة إلى سبيل الرشاد، وتدلها على ما يسمو بها إلى عز الدنيا وسعادة الآخرة، لقد أغنت الشريعة الإِسلامية بكل تشريعاتها الإِنسانية بكل ألوانها وبيئاتها وأجناسها ولغاتها وأوطانها. فلم يختص اللَّه تعالى بجليل تشريعاتها قوما دون قوم ولا جيلا دون جيل ولا قبيلا دون قبيل، وقد دلت التجارب على أن من استمسك بشريعة الإسلام ذاق حلاوة الأمن فى نفسه وماله وعرضه ودينه، واستشعر الاستقرار وراحة البال فى جميع شئونه المالية والنفسية والأخلاقية والإجتماعية. لا يحتاج المستمسك
بها إلى غيرها إذ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يخرج من الدنيا إلا وقد رسم للناس سبيل سعادتهم وطريق راحتهم وأمنهم ولم يترك صغيرا أو كبيرا من الخير إلا دل الإِنسانية عليه وأمرها به ولم يترك صغيرة أو كبيرة من الشر إلا حذر الإنسانية منه ونهاها عنه وكما أخبر بعض أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم علمهم كل شئ يحتاجون إليه فى مسيرتهم الدنيوية والأخروية. لقد علمهم كيف يأكلون وماذا يأكلون وماذا يمتنعون عنه من المآكل، وعلمهم كيف يشربون وماذا يشربون وماذا يمتنعون عنة من المشارب. وعلم الإِنسان كل حق عليه ليؤدى لكل ذى حق حقه. علّم الإِنسان كيف ينام وماذا يقول عند النوم وماذا يفعل أو يقول عند ما يستيقظ من النوم وكيف يركب دابته أو ركوبته وماذا يقول عند ركوبها؟ وكيف يمشى فى الطريق وماذا عليه من حق الطريق وماذا يقول إذا لقى إنسانا، كما علمه حق اللَّه تبارك وتعالى عليه وحق أنبيائه ورسله وحق والديه وحق نفسه وحق ذوى رحمه وحق جيرانه من أى لون ومن أى جنس ومن أى مذهب، وحق أصدقائه، وحق أمواله، وحق مماليكه وحق مواشيه وبهائمه، وحق جميع من يعول، لقد علم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الإنسانية كل شئ حتى كيف يدخل الإِنسان محل غائطه أو بوله وكيف يجلس عند قضاء حاجته من البول أو الغائط وأين يكون اتجاهه عند ذلك، يطبق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ذلك كتاب اللَّه، ويبين للناس
ما أنزل إليهم من عند اللَّه، إما بنص صريح، أو بقاعدة كلية تندرج تحتها من الجزئيات ما يجدُّ للناس فى كل زمان أو مكان فتشريع الإسلام يغنى عما سواه، لأنه تنزيل من الخالق العليم الخبير الحكيم، الذى يعلم ما يُصْلِح عباده وينفع خلقه، ولذلك كانت الأنظمة والقوانين التى يضعها الناس لأنفسهم لا تغنيهم وكانت دائما محتاجة للتعديل أو التبديل بقطع النظر عن ألوان واضعيها وثقافتهم إذ أن الإِنسان خاضع لبيئته وثقافته رغم أنفه، ولذلك لم يترك اللَّه تبارك وتعالى الناس يضعون لأنفسهم شرائع بل أنزل كتبه وأرسل رسله وبعث أنبياءه وفرض على أهل العلم ألّا يكتموه وألزمهم ببيانه وشرحه ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة، وإن اللَّه سميع عليم، وإن شرعة الحج قد اشتلمت على منافع عظيمة وفوائد جليلة فى نواح شتى: اقتصادية واجتماعية وأخلاقية وتعبدية وعلمية، وصحية، مما لا يحصيه إلا اللَّه، ولذلك أجمل الرب تبارك وتعالى هذه المنافع حيث قال:{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} .
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته
المدينة المنورة فى 14/ 11/ 1395 هـ.