الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب المواقيت
1 -
عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم وَقَّتَ لأهل المدينة ذا الحُلَيفَةَ، ولأهل الشام الجُحْفَة ولأهل نجد قَرْن المنازل، ولأهل اليمن يَلَمْلَم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" متفق عليه.
[المفردات]
المواقيت: جمع ميقات والمراد به هنا ما حددته الشريعة من الأماكن التى لا يجوز أن يتجاوزها من أراد الحج أو العمرة إلا محرما، فهى الأماكن التى وقتتها وحددتها الشريعة للاحرام منها. وأصل التوقيت أن يجعل للشئ وقت يختص به ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا.
وقت لأهل المدينة ذا الحليفة: أى جعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفرض لهم ذلك الموضع ميقات الإِحرام، وذو الحليفة قرية بينها وبين المدينة نحو أربعة أميال وتسمى الآن "آبار على" وبها مسجد كان يعرف بمسجد الشجرة وقد جدد بناؤه، وقد أحرم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عنده.
الحجفة: هى قَرية كانت جنوبى شرق رابغ على نحو ميلين
تسمى مهيعة فأجحف السيل بها فسميت الجحفة ولما خربت ونضب ماؤها اتفق المسلمون على أن يكون الاحرام من رابغ بدلها لأنها قبلها بقليل وبها ماء للاغتسال. وبين رابغ والمدينة نحو 275 (كيلو متر).
نجد: هى ما ارتفع من بلاد العرب ومنه قول الأعشى:
نبى يرى ما لا يرون وذكره
…
أغار لعمرى فى البلاد وأنجدا
وكان أهل مكة يجعلون الطائف من نجد بدليل قول أبى طالب فى لاهيته معاتبا أبا سفيان:
تفر إلى نجد وبرد مياهه
…
وتزعم أنى لست عنكم بغافل
ولكن المصطلح عليه عند عامة العرب أن نجدا ما وقع من بلاد العرب شرقى جبل حضن ولذلك قيل: من رأى حَضَنا فقد أنجد يعنى دخل أرض نجد وحضن شرقى الطائف.
قرن المنازل: هو المعروف الآن بالسيل وهى قرية بها ماء على مرحلتين من مكة شرقيها وتوازى (وادى محرم) الواقع على طريق الطائف -الهدا- وعنده مسجد يحرم منه القادمون من الطائف ونجد إلى مكة عن طريق الْهَدَا.
يَلَمْلَم: ويقال فيه ألملم ويرمرم وهو بتهامة على مرحلتين من مكة جنوبا. وبالقرب منها الآن قرية السعدية يحرم الناس منها وتبعد عن مكة بحوالى 105 (كيلومتر) جنوبا.
هن لهن: أى هذه المواقيت للجماعات المذكورة.
ولمن أتى عليهن: أى ولمن مر على المواقيت المذكورة من غير أهل البلاد المذكورة.
من غيرهن: أى من غير الجماعات التى وقتت لها هذه المواقيت.
ممن أراد: أى قصد بمروره على هذه الأماكن.
ومن كان دون ذلك: أى ومن كان مسكنه أو عزمه على الحج أو العمرة أدنى لمكة من هذه المواقيت.
فمن حيث أنشأ: أى فإحرامه من المكان الذى عزم على النسك وهو فيه كأهل جدة وبحرة ونحوها من الأماكن التى تقع داخل المواقيت، فيكون إحرام الشخص من نفس المكان الذى يعزم فيه على أداء النسك.
حتى أهل مكة من مكة: أى حتى أهل مكة يحرمون لنسكهم من بيوتهم بمكة.
[البحث]
هذه المواقيت التى حددها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأهل الآفاق، فلا يجوز لمسلم يريد الحج أو العمرة أن يتجاوزها بدون
إحرام، وهذه الأماكن تختلف قُربًا وبُعدا عن مكة فأبعدها ذو الحليفة، وتمثل هذه المواقيت دائرة تحيط ببيت اللَّه الحرام مع اتساع الدائرة إلى الجهة الشمالية، وهى من أعظم أسباب تدريب المسلم عمليا على السلام، وإشعار الإنسانية كلها أن هذه المنطقة منطقة سلام، إذ أن المسلم بمجرد دخوله فى الإحرام ينبغى أن ينطبع بقوله عز وجل:{فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وقوله عز وجل: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} وهذه الاشارة الإسلامية تدمغ دعاة السلام المموه من الشيوعيين وأشباههم، وتبين أن السلام الحق إنما ينبع من دين الإسلام، الذى جعل التحية فى الدينا السلام وختام الصلاة السلام، وأهل الإسلام تحيتهم يوم يلقون ربهم سلام كما أن الاحرام من هذه المواقيت تعظيم لحرمة البيت العتيق.
وفى قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن" وفى لفظ للبخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما: "هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" دليل واضح على أن من مَرَّ بهذه المواقيت وهو يريد الحج أو العمرة وجب عليه الإحرام منها سواء كان من أهل المواقيت الأخرى أو لم يكن منها، فلو مرَّ الشامى أو اليمنى أو النجدى بذى الحليفة فهى ميقاته، وإنما يكون الميقات المحدد لأهل بلده هو إذا مرَّ به ولم يمر بميقات قبله، وقد جاء كذلك فى بعض ألفاظ هذا الحديث عند البخارى "هن لأهلهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم" وعند
مسلم: "هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن" فيدخل فى هذا العموم كل من مرَّ بهذه المواقيت ممن أراد الحج أو العمرة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أنه لا يجوز لمسلم يمر بميقات من هذه المواقيت أن يتجاوزه إلا محرما إذا كان يريد الحج أو العمرة.
2 -
أن من مرَّ بميقات من هذه المواقيت وهو لا يريد الحج أو العمرة فإنه لا يجب عليه الإحرام منه.
3 -
أن من أراد الحج أو العمرة وهو أقرب إلى مكة من الميقات فميقاته من مكان عزمه على النسك.
4 -
أن أهل مكة يحرمون لنسكهم من مكة ولا يلزمهم الخروج إلى الحل للإحرام منه.
2 -
وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل العراق ذاتَ عرْقٍ" رواه أبو داود والنسائى وأصله عند مسلم من حديث جابر إلا أن راويه شك فى رفعه. وفى صحيح البخارى أن عمر هو الذى وقت ذات عرق. وعند أحمد وأبى داود والترمذى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم وقَّت لأهل المشرق العقيق.
[المفردات]
ذات عِرق: قال الحافظ فى الفتح: سمى بذلك لأن فيه عِرقًا
وهو الجبل الصغير، وهى أرض سبخة تنبت الطرفاء بينها وبين مكة مرحلتان، والمسافة اثنان وأربعون ميلا، وهو الحد الفاصل بين نجد وتهامة.
شك فى رفعه: أى لم يجزم بأنه من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بل تردد: أهو من كلام جابر أم من كلام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
العقيق: قال الحافظ فى تلخيص الحبير: تنبيه: العقيق واد يدفق ماؤه فى عورى تهامة، قال الأزهرى: هو حذاء ذات عرق اهـ وهو واد مشهور، وهو أبعد عن مكة من ذات عرق. ويقع شرقيها وليس المراد به هنا العقيق الذى يقع غربى المدينة المنورة قادما. من ذى الحليفة وإن كان امتدادا له، فإن عقيق المدينة هو الذى روى البخارى فيه حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه سمع عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بوادى العقيق يقول: أتانى الليلة آت من ربى فقال: صل فى هذا الوادى المبارك، وقل عمرة فى حجة.
[البحث]
روى البخارى فى صحيحه من حديث عبد اللَّه بن عمر
رضى اللَّه عنه قال: لما فُتِح هذان المصران أتوا عمر رضى اللَّه عنه فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حدَّ لأهل نجد قَرْنًا، وهو جَورٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شَقَّ علينا، قال: فانظروا حَذْوَهَا من طريقكم، فحد لهم ذات عرق وهذا الحديث الصحيح الصريح يثبت أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يوقت لأهل العراق ذات عرق، وأن توقيتها إنما حدده الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه وقد قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى. وقد أجمع المسلمون عليه. أما حديث عائشة رضى اللَّه عنها الذى أورده المصنف هنا وحديث الحارث بن عمرو السهمى اللذان أخرجهما أحمد وأبو داود والنسائى بأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق فقد أشار الحافظ فى الفتح إلى أنه ضعيف وأنه لا يخلو طريق من طرقه عن مقال. وقال الحافظ فى الفتح: وروى الشافعى من طريق طاؤس قال: لم يوقت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذات عرق، ولم يكن حينئذ أهل المشرق، وقال فى الأم: لم يثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه حدَّ ذاتَ عِرق، وإنما أجمع عليه الناس، وهذا كله يدل على أن ميقات ذات عرق ليس منصوصا وبه قطع الغزالى والرافعى فى شرح المسند والنووى فى شرح مسلم وكذا وقع فى المدونة لمالك اهـ. وقد وقع فى مسلم من طريق أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما يسأل عن المُهَلِّ فقال: سمعت (ثم انتهى فقال: أراه يعنى
النبى صلى الله عليه وسلم وفى لفظ له من حديث أبى الزبير أنه سمع جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما يُسْألُ عن المُهَلِّ فقال: سمعت: أحسبه رفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: مُهَلٌ أهل المدينة من ذى الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومُهَلُّ أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم" ومعنى قوله فى اللفظ الأول ثم انتهى أن أبا الزبير قال سمعت جابرا ثم انتهى أى وقف عن رفع الحديث إلى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: أُراه -بضم الهمزة- أى أظنه رفع الحديث كما قال فى الرواية الأخرى: أحسبه رفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر فى أن أبا الزبير لم يجزم برفع الحديث إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. أما حديث ابن عباس عند أحمد وأبى داود والترمذى أن النبى صلى الله عليه وسلم وقت لأهل المشرق العقيق" فهو من طريق يزيد بن أبى زياد عن محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس عن ابن عباس فهو معلول لأن محمد بن على لا يعلم له سماع من جده كما قال مسلم فى الكنى. وفى حديث عمر رضى اللَّه عنه بتحديد ذات عرق لأهل العراق واجماع الصحابة رضى اللَّه عنهم على ذلك دليل على أنه إذا أحدثت طرق لا يمر أهلها بالمواقيت التى حددها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو كان مجيئها يشق عليهم فإنهم يحرمون من مكان يحاذى أقرب المواقيت إلى طريقهم فيحرم القادم من نجد عن طريق الطائف -الهدا- من وادى محرم، ويحرم القادمون من طريق الساحل من الجنوب من السعدية لأنها أقرب الأماكن ليلملم
وهى بحذائها من الطريق الجديد، وكما يحرم القادمون عن طريق رابغ منها دون الذهاب إلى الجحفة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن ميقات أهل العراق هو ذات عرق.
2 -
وأن مَن مَرَّ بين ميقاتين فإحرامه مما يحاذى أقربهما له من جهة أهله.
3 -
أنه لا يلزم من لم يكن طريقه على أحد المواقيت التى حددها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يأتى هذه المواقيت.