المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب صفة الحج ودخول مكة - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ٤

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌باب صفة الحج ودخول مكة

‌باب صفة الحج ودخول مكة

ص: 92

1 -

عن جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حج، فخرجنا معه، حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس، فقال:"اغتسلى واستثفرى بثوب، وأحرمى" وصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى المسجد، ثم ركب القَصْواء، حتى إذا استوت به على البيداء أهل بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" حتى إذا أتينا البيت استلم الرُّكن، فرمل ثلاثا، ومشى أربعا ثم أتى مقام إبراهيم فصلى، ثم رجع إلى الرُّكن فاستلمه، ثم خرج من الباب إلى الصفا، فلما دَنَا من الصَّفا قرأ {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} "أبدَأ بما بَدَأ اللَّه به" فرقَى الصفا حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد اللَّه وكبَّره، وقال:"لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا اللَّه، أنْجَزَ وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" ثم دعا بين ذلك ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انْصَبَّتْ قدماه فى بطن الوادى سعَى، حتى إذا صعد مشى إلى المروة، ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا، فذكر الحديث وفيه: فلما كان يوم التروية توجه إلى منى، وركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصلى به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس فأجازَ حتى أتى

ص: 92

جدا، فدفع قبل أن تطلع الشمس، حتى أتى بطن مُحَسِّر،

عرفة، فوجد قُبةً قد ضربت له بنمِرة فنزَل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرُحِلتْ له، فأتَى بطنَ الوادى فخطب الناسَ، ثم أذَّن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخرات، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرَة قليلا حتى غاب القُرصُ، ودفع، وقد شنق للقصواء الزِّمام حتى إن رأسها ليصيب مَورِك رَحْله، ويقول بيده اليمنى "أيها الناس السَّكينَةْ، السكينة" كلما أتى حبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد، حتى أتى المزدلقة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يسبِّح بينهما شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلى الفجر حين تبيَّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبَّر وهلَّل، فلم يزل واقفا حتى أسفر فحَرَّك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى، التى تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات -يكبر مع كل حصاة منها- مثل حَصَى الخَذْفِ رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنحر فَنَحَرَ، ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. رواه مسلم مُطَوَّلًا.

ص: 93

[المفردات]

صفة الحج ودخول مكة: أى بيان مناسك الحج مرتبة وبيان كيفية وقوعها، وأوقاتها، وماذا يفعل عندما يصل إلى البيت.

حجَّ: أى حجة الوداع.

ولدت أسماء بنت عميس: أى محمد بن أبى بكر رضى اللَّه عنهم.

واغتسلى: أى غسل نظافة لا غسل طهارة كما تقدم.

واستثفرى بثوب: الاستثفار هو أن تشد المرأة على وسطها شيئا ثم تأخذ خرقة عريضة تجعل فى محل الدم وتشد طرفيها من ورائها ومن قدامها إلى ذلك الذى شدته فى وسطها. والمقصود منه التحفظ من انتشار الدم.

فى المسجد: أى مسجد الشجرة بذى الحليفة.

القصواء: بفتح القاف وسكون الصاد هى ناقة النبى صلى الله عليه وسلم، لقبت بذلك.

البيداء: هى المفازة التى تقع بعد ذى الحليفة من الجنوب كما تقدم.

أهلَّ: أى لبَّى.

استلم الركن: أى مسح الحجر الأسود بيده المباركة صلى الله عليه وسلم.

رمل ثلاثًا: أى أسرع فى المشى مع تقارب الخُطا. وهزَّ منكبيه

ص: 94

صلى اللَّه عليه وسلم فى الأشواط الثلاثة الأول.

ومشى أربعا: أى بدون إسراع، فى الأشواط الأربعة الباقية.

مقام إبراهيم: أى الحجر الذى كان يقوم عليه إبراهيم الخليل عليه السلام وهو ببنى البيت وقد أثَّرَتْ قدماه فيه فلا تزال باقية. آية من آيات اللَّه تعالى على حد قوله تعالى {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ} وفيه يقول أبو طالب فى لاميته:

وموطئ إبراهيم فى الصخر رطبة

على قدميه حافيا غير ناعل

فصلى: أى ركعتين وهى سنة الطواف.

ثم رجع إلى الركن: أى بعد صلاة ركعتى الطواف عاد إلى الحجر الأسود فمسحه بيده صلى الله عليه وسلم.

من الباب: أى باب بنى مخزوم الذى صار يسمى باب الصفا.

دنا من الصفا: أى اقترب منها. والمراد بالصفا الجبل المعروف بجوار البيت، والصفا جمع صفاة وهى الحجر الأملس.

بما بدأ اللَّه به: حيث قال {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} فبدأ اللَّه بذكر الصفا قبل ذكر المروة والمروة هو الجبل المعروف بجوار البيت.

ص: 95

فرقى الصفا: أى صعد على الصفا حتى رأى البيت.

فوحَّد اللَّه: أى قال: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له.

وكبَّره: أى عظَّمه.

أنجز وعده: أى حقق وعده لرسوله صلى الله عليه وسلم بنصره وتأييده ودخوله البيت آمنا.

ونصر عبده: أى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم.

وهزم الأحزاب: أى خذل الجماعات التى تحزبت ضد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ودمرهم.

دعا بين ذلك ثلاث مرات: أى كرر هذا الذكر ثلاث مرات.

ثم نزل إلى المروة: أى انحدر من جبل الصفا متجها إلى جهة المروة.

انصبت قدماه فى بطن الوادى: أى انحدرتا فى بطن الوادى وهو المنخفض بين الصفا والمروة.

سعى: أى رمل وهرول، وقد وُضِع على أول مكان الهرولة ومنتهاه أعمدة خضر تحدد مكان بطن الوادى، لتحديد محل الهرولة.

حتى إذا صعد: أى حتى إذا خرج من بطن الوادى وبدأ يرتفع إلى المروة.

مشى: أى بدون هرولة.

ففعل على المروة كما فعل على الصفا: أى من استقباله القبلة

ص: 96

وذكره اللَّه عز وجل بما ذكره به على الصفا وتكرير ذلك ثلاث مرات.

فذكر الحديث: أى فأتم الحديث.

وفيه: أى وفى بقية الحديث الذى ذكره.

يوم التروية: هو اليوم الثامن من ذى الحجة. وسمى بذلك لما كانوا يتروون فيه، إذ لم يكن بعرفة ماء.

فأجاز حتى أتى عرفة: أى فسار من منى متجاوزا المزدلفة فلم يقف بها حتى وصل إلى عرفة أى بالقرب منها.

قبة: أى خيمة.

ضُرِبت له: أى نصبت له صلى الله عليه وسلم.

بنمرة: هو موضع بجنب عرفات وليس من عرفات.

زاغت الشمس: أى زالت الشمس عن كبد السماء ودخل وقت صلاة الظهر.

فَرُحِلت له: أى جُعِلَ عليها رحلها ليخطب عليها صلى الله عليه وسلم.

فأتى بطن الوادى: أى منخفض نمرة، وهو محل مسجد نمرة وبعض هذا المسجد بنمرة وبعضه بعرفة.

ثم أذَّن: أى أمر المؤذن فأذن لصلاتى الظهر والعصر.

ثم أقام: أى أمر المؤذن فأقام لصلاة الظهر.

ثم أقام: أى أمر المؤذن فأقام لصلاة العصر جمعا لها فى وقت الظهر.

ص: 97

ولم يصل يينهما شيئا: أى ولم يتنفل بين صلاتى الظهر والعصر.

حتى أتى الموقف: أى عرفات أو المراد الموقف الذى عرف بموقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من عرفات.

إلى الصخرات: هى صخرات سُودٌ مفترشات فى أسفل الجبل المعروف بجبل الرحمة من عرفات.

حبل المشاة بين يديه: أى مجتمع المشاة أو طريق الرجَّالة ويطلق الحبل كذلك على الجبل الصغير.

حتى غاب القرص: أى اختفى قرص الشمس. وهذا تأكيد لقوله: حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلا.

ودفع: أى أفاض من عرفات ورحل منها.

وقد شنق للقصواء الزمام: أى لم يرخ لناقته العنان، بل كان يشد زمامها ويضيق عليها حتى لا تنطلق بسرعة.

مَوْرِكَ رَحله: المَورِك والمَوركَة هى المرفقة التى تكون عند قادمة الرَّحل ليضع الراكب رجله عليها ليستريح من وضع رجله فى الركاب. وإنما كان رأسها يصيب مورك رحله بسبب أنه صلى الله عليه وسلم كان ييالغ فى جذب رأسها إليه ليكفها عن سرعة السير وقد كانت ناقته نشيطة.

ويقول بيده: أى ويشير بيده.

السكينة السكينة: أى الزموا الرفق والطمأنينة والوقار فى

ص: 98

سيركم، وعدم المزاحمة.

كلما أتى حبلا أرخى لها: أى كلما واجهه فى طريقه جبل صغير أو مرتفع من الرمال أطلق لناقته العنان ليسهل عليها صعوده وتجاوزه.

المزدلفة: ويقال لها جمع، أما تسميتها بالمزدلفة فلأن الناس يزدلفون إلى اللَّه أى يتقربون إليه بالوقوف فيها وسميت جمعا لأن الناس يجتمعون بها. وفيها المشعر الحرام وقيل سميت المزدلفة لازدلاف آدم إلى حواء بها. كما قيل إنها سميت بجمع لأن آدم اجتمع مع حواء بها.

وإقامتين: أى إقامة للمغرب وإقامة للعشاء.

ولم يسبِّح بينهما شيئا: أى ولم يصل بينهما شيئا من النوافل.

حين تبيَّن له الصبح: فى نسخ بلوغ المرام: حتى تبين له الصبح والذى فى صحيح مسلم: حين تبين له الصبح. أى حين اتَّضح له الفجر وبزغ، والمراد أنه بادر بصلاة الصبح فى أول وقتها.

حتى أتى المشعر الحرام: أصل المشعر المعلَم وسمِّى هذا المكان الذى وقف عنده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المشعر لأن اللَّه تعالى جعله معلَما من معالم العبادة، ووصفه بالحرام لأنه من الحرم أو لحرمته. وهو جبيل

ص: 99

بالمزدلفة كان يقال له فى الجاهلية قُزَح وكان يسمى الميقدة لأن الناس كانوا يوقدون عنده.

حتى أسفر جدا: أى إسفارا بليغا وظهر نور النهار ظهورا قويا واقترب طلوع الشمس.

حتى أتى بطن محسِّر: هو واد بين المزدلفة ومنى سمى بذلك لأن الفيل حسِر فيه أى كَلَّ وأعيا. ومحسر من منى.

فحرك قليلا: أى أسرع السير قليلا أى بمقدار رمية حجر.

الجمرة الكبرى: هى جرة العقبة. سميت الجمرة لاجتمار الناس أى اجتماعهم عندها يقال: أجمر بنو فلان إذا اجتمعوا.

الجمرة التى عند الشجرة: هى جمرة العقبة، وهى حد منى من جهة مكة.

حصى الخذف: أى حصى صغار بحيث يمكن أن يرمى بإصبعين، والخَذْف فى الأصل مصدر سُمِّى به يقال: خذفت الحصاة ونحوها خذفا من باب ضرب أى رميتها بطرَفَى الإبهام والسبابة، وقدر حصى الجمار مثل حبة الباقلاء تقريبا.

من بطن الوادى: هذا هو المسنون فى رمى جمرة العقبة وإذا كان الرامى فى بطن الوادى كانت مكة عن يساره ومنى عن يمينه.

ص: 100

فأفاض إلى البيت: أى سار من منى إلى مكة فطاف طواف الإفاضة بالبيت العتيق. وهذا الطاف ركن من أركان الحج.

[البحث]

قال مسلم فى صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق ابن إبراهيم جميعا عن حاتم قال أبو بكر: حدثنا حاتم بن إسماعيل المدنى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فسأل عن القوم حتى انتهى إلىَّ، فقلت: أنا محمد بن على ابن حسين فأهوى بيده إلى رأسى فنزع زِرِّى الأعلى ثم نزع زِرِّى الأسفل ثم وضع كفَّه بين ثَدْيَىَّ وأنا يومئذ غلام شابٌّ فقال: مرحبا بك يا ابن أخى سَلْ عما شئت فسألته -وهو أعمى وحضر وقت الصلاة فقام فى نِساجةٍ مُلتَحِفًا بها، كلما وضعها على مَنْكِبِه رجع طرفاها إليه من صغرها، ورداؤه إلى جنبه على المِشجَب فصلى بنا- فقلت أخبرنى عن حَجَّة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال بيده فعقد تسعًا فقال: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن فى الناس فى العاشرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حاجٌّ، فقدم المدينة بشرٌ كثير كلهم يلتمس أن يأتَمَّ برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ويعمل مثل عمَلِه، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبى بكر، فأرسلَتْ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: كيف أصنع؟ قال: "اغتسلى، واستثفرى بثوب،

ص: 101

وأحرمى" فصلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به ناقته على البيداء نَظَرتُ إلى مد بصرى بين يديه من راكبٍ وماشٍ، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مِثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويلَه، وما عمل به من شئ عَمِلْنا بِه، فأهَلَّ بالتوحيد "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" وأهل الناسُ بهذا الذى يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم شيئا منه، ولزِم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تلبيته. قال جابر رضى اللَّه عنه: لَسنا نَنْوِى إلا الحجَّ، لَسْنَا نعرف العمرة، حتى إذا أتينا البيتَ معه استلم الركن، فرَمَلَ ثلاثا، ومشَى أربعا، ثم نَفذَ إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} فجعل المقام بينه وبين البيت "فكان أبى يقول: ولا أعلمه ذكره إلا عن النبى صلى الله عليه وسلم "كان يقرأ فى الركعتين قل هو اللَّه أحد وقل يا أيها الكافرون ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} أبدأ بما بدأ اللَّه به، فبدأ بالصفا فرَقِىَ عليه، حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوَحَّد اللَّه، وكبَّره، وقال لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، لا إله إلا اللَّه وحده، أنجز وعده، ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده،

ص: 102

ثم دعا بين ذلك، قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة، حتى إذا انصَبَّتْ قَدَمَاه فى بطن الوادى سَعى حتى إذا صَعدَتا مشَى حتى أتى المروة ففَعَل على المروة كما فعل على الصفا، حتى إذا كان آخِر طوافِه على المروة فقال:"لو أنى استقبَلْتُ من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى، وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هَدْيٌ فَليَحِلَّ ولْيَجْعَلْها عمرةً، فقام سراقة بن مالك بن جعْشُمٍ فقال: يا رسول اللَّه: ألِعَامِنَا هذا؟ أم لِأبَدٍ؟ فشَبَّك رسولا اللَّه صلى الله عليه وسلم أصابعه واحدة فى الأخرى وقال: "دخلت العمرة فى الحج، مرتين، لا بل لِأبدٍ أبَدٍ" وقدم عليٌّ من اليمن ببُدْن النبى صلى الله عليه وسلم فوجد فاطمة رضى اللَّه عنها ممَّن حَلَّ، ولبِسَتْ ثيابا صبِيغًا، واكتحَلَتْ فأنكر ذلك عليها، فقالت: إن أبى أمرنى بهذا، قال: فكان على يقول بالعراق: فذهبت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مُحَرِّشًا على فاطمة للذى صَنَعَتْ مستَفْتِيًا لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيما ذكرت عنه، فأخبرته أنى أنكرتُ ذلك عليها، فقال: "صدقتْ صَدَقتْ، ماذا قلتَ حين فَرَضت الحج؟ "قال:"قلت: اللهم إنى أهل بما أهل به رسولُك" قال "فإن معى الهدى فلا تحل" قال: فكان جماعة الهدى الذى قدم به على من اليمن، والذى أتَى به النبى صلى الله عليه وسلم مائة، قال: فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبى صلى الله عليه وسلم ومن كان معه هدى، فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب

ص: 103

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس وأمرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضرَبُ له بِنَمِرَة، فسار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام، كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية، فأجاز رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضُرِبتْ له بنمرة، فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرُحِلَت له، فأتى بطن الوادى، فخطب الناس، وقال:"إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شئ من أمر الجاهلية تحت قَدَمَىَّ موضوع، ودماء الجاهية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دَم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى بنى سعد فقتلته هُذَيْلٌ، ورِبَا الجاهلية موضوع، وأول رِبًا نضع ربانا رِبَا عباس ابن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه فى النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلنّ ذلك فاضْرِبُوهن ضربا غير مُبَرِّح، ولهنُّ عليكم رزقُهن وكِسوتهُن بالمعروف، وقد تركتُ فيكم ما لَن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب اللَّه، وأنتم تُسألون عنى فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلَّغت، وأدَّيتَ، ونصحتَ، فقال بإصبعه السبَّابة ورفعها إلى السماء ويَنكتُها إلى الناس: "اللهم اشهد، اللهم اشْهَدْ" ثلاث مرَّات،

ص: 104

ثم أذَّن ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حَبْلَ المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه ودفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقد شَنَقَ للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مَورِك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة، كَلَّما أتى حَبْلا من الحبال أرخَى لها قليلا حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين، ولم يُسَبِّح بينهما شيئا، ثم اضطجع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبَّره وهَلَّله ووَحَّدَه، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس، وأردف الفضل بن عباس، وكان رجلا حَسَنَ الشَّعر، أبيض وسيما، فلما دفع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّتْ به ظُعْنٌ يَجْرِينَ، فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يده على وجه الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشِّق الآخر ينظر فحول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر حتى أتى بطن محسر فحرك قليلا، ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى

ص: 105

الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذْف. رمى من بطن الوادى، ثم انصرف إلى المنجر فنحر ثلاثا وستين بيده ثم أعطى عليًّا فنَحَرَ ما غبر، وأشركه فى هديه، ثم أمر من كل بَدَنَة ببَضْعَة فجعلت فى قِدر، فَطُبِخَت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها، ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر، فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال:"انزعوا بنى عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم" فنَاوَلُوه دَلْوًا فشرب منه" ولا شك أن هذا الحديث أصل عظيم من الأصول التى وصفت حجة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإن كان قد ترك أشياء كصفة حلق رأسه صلى الله عليه وسلم بعد النحر، وعودته إلى منى، وبقية أعمال أيام التشريق. قال النووى: هو حديث عظيم مشتمل على جُمَل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد. وقال القاضى عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا أخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا. قال ولو تقصى لزيد على هذا العدد اهـ هذا وقد جاء فى هذا الحديث: فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر. وقد روى مسلم من حديث ابن عمر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهر بمنى" فحمل بعض أهل العلم

ص: 106

حديث ابن عمر على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعاد صلاة الظهر بمنى بعد أن صلاها بالمسجد الحرام. وفى هذا التأويل عدم رد أحد الحديثين وهما فى صحيح مسلم. وعلى كل حال فحديث جابر أشبه لفضل الصلاة فى المسجد الحرام.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الاغتسال للإحرام حتى للحائض والنفساء.

2 -

استحباب الإحرام بعد صلاة.

3 -

وجوب الإحرام من الميقات.

4 -

استحباب التلبية كلما ركب المحرم أو نزل أو علا جبلا أو هبط واديا.

5 -

استحباب استلام الحجر الأسود عند بدء الطواف.

6 -

استحباب الهرولة فى الأشواط الثلاثة الأول من طواف القدوم أو العمرة.

7 -

استحباب المشى بدون هرولة فى الأشواط الأربعة الأخرى من هذا الطواف.

8 -

استحباب صلاة ركعتى الطواف خلف مقام إبراهيم.

9 -

استحباب الرجوع إلى الحجر الأسود واستلامه بعد صلاة ركعتى الطواف.

10 -

استحباب الخروج إلى الصفا من باب بنى مخزوم الذى صار يسمى باب الصفا.

ص: 107

11 -

استحباب الصعود على الصفا واستقبال القبلة ورؤية البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات.

12 -

وجوب البدء بالصفا فى السعى بين الصفا والمروة.

13 -

استحباب الهرولة بين الميلين الأخضرين (فى بطن الوادى).

14 -

استحباب الصعود على المروة إذا انتهى إليها، واستقبال القبلة ورؤية البيت وتكرير الدعاء بالمأثور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات.

15 -

استحباب التوجه إلى منى فى يوم التروية للمفردين والقارنين والمتمتعين.

16 -

مشروعية الركوب فى التنقل للمشاعر.

17 -

استحباب صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر بمنى.

18 -

استحباب التوجه من منى إلى عرفات بعد طلوع الشمس يوم عرفة.

19 -

مشروعية ضرب الخيام فى المشاعر.

20 -

استحباب النزول بنمرة إلى وقت الزوال.

21 -

خطبة الإمام بعد زوال الشمس وصلاة الظهر والعصر قصرا وجمعا فى وقت الظهر بأذان واحد وإقامتين.

22 -

عدم مشروعية التنفل بين صلاتى الظهر والعصر فى يوم عرفة.

ص: 108

23 -

استحباب الوقوف عند الصخرات التى بأسفل جبل الرحمة.

24 -

استحباب استقبال القبلة عند الوقوف بعرفة.

25 -

وجوب الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس ومغيب القرص.

26 -

استحباب الإِفاضة من عرفات بعد غروب الشمس.

27 -

استحباب عدم السرعة فى السير من عرفة إلى مزدلفة وأن يكون السير بسكينة ووقار.

28 -

استحباب انرفق بركوبة الإنسان ولا سيما فى الإفاضة من عرفات.

29 -

كراهية صلاة المغرب والعشاء قبل الوصول إلى مزدلفة.

30 -

الجمع بين صلاة المغرب والعشاء فى مزدلفة وقت الوصول إليها بأذان واحد وإقامتين.

31 -

عدم مشروعية التنفل بين صلاتى المغرب والعشاء بمزدلفة.

32 -

استحباب الاضطجاع بعد صلاة العشاء بمزدلفة.

33 -

استحباب المبادرة بصلاة الفجر بمزدلفة فى أول وقتها بأذان وإقامة.

34 -

استحباب الوقوف عند المشعر الحرام بعد صلاة الصبح إلى قرب طلوع الشمس.

ص: 109

35 -

استحباب استقبال القبلة والدعاء والتكبير والتهليل عند الوقوف بالمشعر الحرام.

36 -

استحباب الإفاضة من مزدلفة إلى منى قيل طلوع الشمس.

37 -

استحباب الإسراع فى وادى محسر.

38 -

استحباب سلوك أيسر الطرق الموصلة إلى جمرة العقبة عند الوصول إلى منى.

39 -

وجوب رمى جمرة العقبة بسبع خصيات مثل حبة الباقلاء.

40 -

استحباب الرمى من بطن الوادى فتكون مكة عن يسار الرامى ومنى عن يمينه.

41 -

استحباب التكبير عند رمى الجمرة.

42 -

استحباب النحر لمن عليه النحر بعد رمى الجمرة يوم النحر.

43 -

لا يجوز نحر الهدى للمتمتعين والقارنين قبل يوم النحر.

44 -

استحباب الإِفاضة إلى البيت العتيق يوم النحر.

45 -

وجوب طواف الإِفاضة وهو ركن من أركان الحج.

ص: 110

2 -

وعن خزيمة بن ثابت رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا فَرَغَ من تلبيته فى حج أو عمرة سأل اللَّه رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار" رواه الشافعى بإسناد ضعيف.

ص: 110

[المفردات]

إذا فَرَغ من تلبيته: يحتمل أنه إذا انتهى من كل تلبية يلبيها، ويحتمل أنه إذا انتهى من وقت التلبية بأن وصل إلى جمرة العقبة فى الحج مثلا.

رضوانه: أى رضاه.

واستعاذ: استجار.

[البحث]

هذا الحديث قال عنه الحافظ فى تلخيص الحبير: وفيه صالح بن محمد بن أبى زائدة أبو داود الليثى وهو مدنى ضعيف. وأما إبراهيم ابن أبى يحيى الراوى عنه فلم ينفرد به بل تابعه عليه عبد اللَّه بن عبد اللَّه الأموى أخرجه البيهقى والدارقطنى اهـ.

ص: 111

3 -

وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "نحرت ههنا ومنى كلها منحر فانحروا فى رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ههُنا وجَمْع كلها موقف" رواه مسلم.

[المفردات]

نحرت: أصل النحر يكون بذبح البعير من لبته بطعنه فيها بالسكين. والذبح يكون لغير الإبل ويكون بقطع

ص: 111

الحلقوم والمرئ والودجين.

ههنا: يعنى المكان الذى نحر فيه صلى الله عليه وسلم بُدْنه يوم النحر بمنى.

ومنى كلها منحر: أى ويجوز النحر فى سائر أمكنة منى يعنى ما لم يؤد إلى إيذاء المسلمين.

فى رحالكم: أى فى خيامكم ومنازلكم.

ووقفت ههنا: أى عند الصخرات التى بأسفل جبل الرحمة.

وعرفة كلها موقف: أى ويجوز الوقوف فى أى مكان من عرفات ولا يجوز الوقوف بِعُرَنَة وهى ليست من عرفات كما أن مسجد نمرة به جزء ليس من عرفة.

ووقفت ههنا: أى عند المشعر الحرام بالمزدلفة.

وجمع: أى المزدلفة.

كلها موقف: أى يجوز الوقوف للدعاء والتكبير بعد صلاة الصبح بمزدلفة فى أى مكان منها.

[البحث]

قد أجمع علماء المسلمين على أن من وقف فى أى جزء كان من عرفات فى وقت الوقوف فقد صح وقوفه وأدرك هذا الركن من أركان الحج وقد روى ابن ماجه من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة" قال الحافظ فى تلخيص الحبير:

ص: 112

وفى إسناده القاسم بن عبد اللَّه بن عمر العمرى كَذَّبه أحمد، ورواه مالك فى الموطأ بلاغا بهذا اللفظ اهـ على أن الإجماع منعقد على أنه لا يجوز الوقوف ببطن عُرَنَة، ولا بوادى نمرة. فهما ليستا من عرفات، ونمرة يين طرف الحرم وطرف عرفة، وحديث الباب شاهد قوى على أن بعض أفعال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى الحج وغيره ليست للوجوب، بل قد تكون لبيان الجواز وتكون للاستحباب، كما قد تكون للإيجاب.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أنه يجوز أن تنحر الهدايا فى أى مكان من منى. ولا يختص النحر بمنحر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

2 -

أنه يجوز الوقوف فى أى جزء من عرفات، ولا يختص الوقوف بموقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند الصخرات.

3 -

أنه يجوز الوقوت بعد صلاة الصبح بالمزدلفة للدعاء والتكبير فى أى مكان منها، ولا يختص الوقوف بالمشعر الحرام.

4 -

أن بعض أفعال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليست للوجوب.

ص: 113

4 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى مكة دخلها من أعلاها، وخرج من أسفلها" متفق عليه.

ص: 113

[المفردات]

دخلها من أعلاها: أى من جهة كداء بفتح الكاف والدال الممدودة بعدها همزة. ويقال لها: الثنية العليا وهى التى تشرف على المعلاة والأبطح وهى التى يقال لها الحَجون بفتح الحاء وضم الجيم قال الحافظ فى الفتح: وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدى على ما ذكره الأزرقى. ثم سهل فى عصرنا هذا منها سنة إحدى عشرة وثمانمائة موضع ثم سهلت كلها فى زمن سلطان مصر الملك المؤيد فى حدود العشرين وثمانمائة. اهـ وقد سهلها أكثر ووسعها آل سعود فى عصر الملك فيصل بن عبد العزيز رحمه الله.

وخرج من أسفلها: أى من كُدًا بضم الكاف والقصر. ويقال لها: الثنية السفلى، وهى عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قُعَيقعَان. وفى مكة موضع آخر يقال له كُدَىَّ بضم الكاف وفتح الدال بعدها ياء على التصغير يخرج منه إلى جهة اليمن قال الحافظ فى الفتح: قال المحب الطبرى: حققه العذرى عن أهل المعرفة بمكة قال: وقد بنى عليها باب مكة الذى يدخل منه أهل اليمن اهـ.

ص: 114

[البحث]

روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يدخل مكة من الثنية العليا ويخرج من الثنية السفلى وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دخل مكة بن كَدَاء من الثنية العليا التى بالبطحاء وخرج من الثنية السفلى" وفى رواية للبخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كَدَاء من أعلى مكة. وقد قال البخارى: حدثنى محمود حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل عام الفتح من كَدَاء ويخرج من كُدًا من أعلى مكة. قال الحافظ فى القتح: كذا رواه أبو أُسامة فقلبه والصواب ما رواه عمرو وحاتم عن هشام: دخل من كداء من أعلى مكة: ثم ظهر لى أن الوهم فيه ممن دون أبى أسامة. فقد رواه أحمد عن أبى أسامة على الصواب اهـ. وقد اختلف العلماء فى سبب اختيار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الدخول من أعلى مكة فقيل: لأنه صلى الله عليه وسلم خرج منها مختفيا فى الهجرة فأراد أن يدخلها ظاهرا عليًّا. وقيل: إن أبا سفيان بن حرب قال للعباس رضى اللَّه عنه: لا أسلم حتى أرى الخيل تطلع من كداء فقلت: ما هذا؟ قال: شئ طلع بقلبى، وإن اللَّه لا يطلع الخيل هناك أبدا. قال العباس: فذكَّرت أبا سفيان بذلك لما دخل. قال الحافظ فى الفتح:

ص: 115

وللبيهقى من حديث ابن عمر قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر: كيف قال حسان؟ فأنشده:

عدمت بُنَيَّتِى إِنْ لم تَرَوها

تثِيرُ النَّقْعَ مَطْلَعُهَا كَدَاءُ

فتبسم وقال: "ادخلوها من حيث قال حسان".

وقد روى البخارى بسنده إلى هشام بن عروة قال: قال هشام: وكان عروة يدخل من كلتيهما من كداء وكُدًا وأكثر ما يدخل من كداء اهـ.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب دخول مكة من كَدَاء إن تيسر ذلك.

2 -

استحباب الخروج من مكة من كُدًا إن تيسر ذلك.

3 -

لا بأس بدخول مكة أو الخروج منها من أى جهة كانت.

ص: 116

5 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذى طُوًى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم" متفق عليه.

[المفردات]

بذى طُوًى: بضم الطاء وتفتح وتكسر أيضا. وهو واد بقرب مكة وهو المعروف بالزاهر وعنده بئر الزاهر.

ص: 116

[البحث]

هذا الحديث أخرجه البخارى فى باب الاهلال مستقبل القبلة من طريق نافع قال: كان أبى عمر رضى اللَّه عنهما إذا صلى بالغداة بذى الحليفة أمر براحلته فَرُحِلَت، ثم ركب فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبى حتى يبلغ المحرم ثم يمسك حتى إذا جاء ذا طُوًى بات به حتى يصبح فإذا صلى الغداة اغتسل. وزعم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. ثم أخرجه البخارى فى باب الاغتسال عند دخول مكة من طريق نافع قال: كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما إذا دخل أَدنَى الحرم أَمسك عن التلبية ثم يبيت بذى طوى ثم يصلى به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبى اللَّه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. وقد أخرجه البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: بات النبى صلى الله عليه وسلم بذى طوى حتى أصبح ثم دخل مكة. وكان ابن عمر رضى اللَّه عنهما يفعله. وفى لفظ لمسلم من طريق نافع أن ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان لا يقْدَمُ مكة إلا بات بذى طوى حتى يصبح ويغتسل. ثم يدخل مكة نهارا ويَذْكُرُ عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه فعله وفى لفظ لمسلم عن نافع أن عبد اللَّه حَدَّثَهُ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان ينزل بذى طوى ويبيت به حتى يصلى الصبح حين يَقْدَمُ مكة. ومُصَلَّى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ذلك على أكمة غليظة ليصر فى المسجد الَّذى بُنِىَ ثَمَّ، ولكن أسْفَلَ من ذلك على أكمة غليظة. وهذا ظاهر فى أن رسول اللَّه صلى اللَّه

ص: 117

عليه وسلم كان يحرص على دخول مكة نهارا. قال الحافظ فى الفتح: وأما الدخول ليلا فلم يقع منه صلى الله عليه وسلم إلا فى عمرة الجعرانة فإنه صلى الله عليه وسلم أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلا فقضى أمر العمرة ثم رجع ليلا فأصبح بالجعرانة كبائت. كما رواه أصحاب السنن الثلاثة من حديث مُحَرِّس الكعبى، وترجم عليه النسائى: دخول مكة ليلا اهـ وقد ترجم البخارى فقال: باب دخول مكة نهارا أَوْ ليلا" وساق حديث ابن عمر مع أنه لم يرد فيه الدخول ليلا.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب دخول مكة نهارا.

2 -

استحباب الاغتسال قبل دخول مكة.

ص: 118

6 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه كان يُقَبِّل الحجر الأسود ويسجد عليه. رواه الحاكم مرفوعا والبيهقى موقوفا.

[المفردات]

ويسجد عليه: أى يضع جبهته عليه.

[البحث]

أشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أن الشافعى والبيهقى أخرجا هذا الحديث موقوفا قال: ورواه الحاكم والبيهقى من حديث ابن

ص: 118

عباس قال: رأيتُ النبى صلى الله عليه وسلم فذكره مرفوعا ورواه أبو داود الطيالسى والدارمى وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو على بن السكن والبيهقى من حديث جعفر بن عبد اللَّه قال ابن السكن: رجل من بنى حميد من قريش حميدى، وقال البزار: مخزومى وقال الحاكم: هو ابن الحكم عن محمد بن عباد بن جعفر قال: رأيت محمد بن عباد بن جعفر قبَّل الحجر وسجد عليه، ثم قال: رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب يقبله ويسجد عليه. ثم قال رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعل. وهذا هو لفظ الحاكم ووهم فى قوله: إن جعفر ابن عبد اللَّه هو ابن الحكم فقد نص العقيلى على أنه غيره وقال فى هذا: فى حديثه وهم واضطراب اهـ وقول الصنعانى فى سبل السلام: وحديث عمر فى صحيح مسلم أنه قبَّل الحجر والتزمه وقال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بك حفيا" يؤيد هذا فيه نظر لأنه لا يلزم من التزام الحجر الأسود السجود عليه، بل المراد من التزامه أنه قبله وأطال فى تقبيله وقرب صدوه منه كأنه اعتنقه. لا أنه وضع جبهته عليه. على أن مسلما رحمه الله قال بعد أن أخرجه: وحدثنيه محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن عن سفيان بهذا الإسناد قال: "ولكنى رأيت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم بك حفيًا ولم يقل: والتزمه، على أن تقبيل الحجر الأسود دون زيادة فى ذلك هو السنة الثابتة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وبالأخص عمر بن

ص: 119

الخطاب رضى اللَّه عنه فقد روى البخارى فى صحيحه من حديث زيد بن أسلم عن أبيه قال: رأيت عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه قبل الحجر وقال: لولا أنى رأيت رسول اللَّه قبَّلَكَ ما قَبَّلْتُك. وفى لفظ للبخارى من حديث عابس بن ربيعة عن عمر رضى اللَّه عنه أنه جاء إلى الحجر الأسود فقَبَّله فقال: إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلْتُك. كما روى مسلم من حديث سالم أن أباه حدثه قال: قبَّل عمر بن الخطاب الحجر ثم قال: أما واللَّه لقد علمت أنك حجر ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث نافع عن ابن عمر أن عمر قبَّل الحجر وقال: إنى لأقبِّلك وإنى لأعلم أنك حجر، ولكنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبلك" وفى لفظ لمسلم من حديث عبد اللَّه بن سَرجِسَ قال: رأيت الأصبع (يعنى عمر بن الخطاب) يقبل الحجر الأسود ويقول: واللَّه إنى لأقبلك، وإنى أعلم أنك حجر، وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبَّلك ما قبلتك. وفى لفظ لمسلم من حديث عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر يقبل الحجر ويقول: إنى لأقبلك، وأعلم أنك حجر، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبلك لم أقبِّلْك.

قال الحافظ فى فتح البارى: (فائدة) فى البيت أربعة أركان. الأول له فضيلتان: كون الحجر الأسود فيه وكونه على قواعد

ص: 120

إبراهيم. وللثانى (يعنى به الركن اليمانى) الثانية فقط. وليس للآخرين شئ منهما. فلذلك يقبل الأول ويستلم الثانى فقط. ولا يقبل الآخران ولا يستلمان اهـ والاستلام المسح باليد والتقبيل بالفم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب استلام الحجر الأسود وتقبيله.

2 -

استحباب استلام الركن اليمانى دون تقبيله.

3 -

لا ينبغى استلام الركنين الآخرين ولا تقبيلهما.

ص: 121

7 -

وعنه رضى اللَّه عنه قال: أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرْمُلُوا ثلاثة أشواط ويمشوا أربعا ما بين الركنين" متفق عليه.

[المفردات]

وعنه: أى وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما.

أمرهم: أى أمر أصحابه الذين قدموا معه مكة فى عمرة القضاء.

أن يرملوا: أى أن يُهَروِلوا ويسرعوا، وأصله أن يحرك الماشى منكبيه فى مشيه.

أشواط: جمع شوط وهو الجرى مرة إلى الغاية والمراد هنا الطوفة حول الكعبة.

أربعا: أى أربعة أشواط.

ص: 121

ما بين الركنين: أى الركن اليمانى والركن الذى فيه الحجر الأسود.

[البحث]

لم أجد فى البخارى ومسلم هذا الحديث بهذا اللفظ عن ابن عباس ولا عن غيره رضى اللَّه عنهم، وما رواه البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما فلفظه: فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا ما بين الركنين" فقوله فى حديث الباب "ويمشوا أربعا ما بين الركنين" وهم ظاهر. لأنَّ المراد من الحديث أنهم يرملون فى الأشواط الثلاثة الأول من الحجر الأسود إلى الركن اليمانى لأنهم يكونون فى مقابلة المشركين الذين ينظرونهم من هذه الناحية إلى جهة قعيقعان. فإذا صاروا بين الركنين اليمانيين غابوا عن أعين المشركين فأمرهم أن يمشوا ما بين الركنين بدون هرولة. أما الأشواط الأربعة الباقية فكانوا يمشون فيها من الحَجَر إلى الحَجَر. وقد قال الحافظ فى تلخيص الجبير عن هذا الحديث، عند البخارى ومسلم: ولفظهما: قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قومهم قد وهنتهم حمى يثرب، ولقوا منها شدة، فجلسوا بما يلى الحِجر، وأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين، ليرى المشركون جَلَدَهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. اهـ وقد عنون له البخارى فقال: باب كيف كان بدء الرَّمَل ثم ساق بسنده إلى ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قدم رسول اللَّه

ص: 122

صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه، فقال المشركون إنه يقْدَم عليكم وقد وهَنَهم حمَّى يثرب، فأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" أما مسلم فقد رواه عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما بلفظ: قال: قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة وقد وهنتهم حمى يثرب، قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى ولقُوا منها شدة فجلسوا مما صلى الحِجر، وأمرهم النبى صلى الله عليه وسلم أن يرملوا ثلاثة أشواط ويمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جَلَدَهُم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجْلَد من كذا وكذا. قال ابن عباس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم" وبهذا كله يتضح أن عبارة "ويمشوا أربعا" فى حديث الباب وهم كما ذكرت، ولاشك أنه قد ثبت أن ذلك كان فى عمرة القضية وأن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يمشوا ما بين الركنين حيث لا تقع عليهم أعين المشركين فإنهم ما كانوا فى تلك الجهة رفقا بالمسلمين، غير أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد رملوا بعد ذلك فى حجة الوداع من الحجر إلى الحجر فى الأشواط الثلاثة الأول والمسلمون يومئذ أقوياء قادرون فكان هذا نسخا لحديث ابن عباس هذا فى المشى بين الركنين. كما سيجئ فى بحث حديث ابن عمر الذى يلى هذا الحديث.

ص: 123

8 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما "أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعا" وفى رواية: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا طاف فى الحج أو العمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة" متفق عليه.

[المفردات]

أنه: أى ابن عمر رضى اللَّه عنهما.

الطواف الأول: أى طواف القدوم أو طواف العمرة.

خب: أى أسرع وهرول ورمل.

ثلاثًا: أى فى الثلاثة الأشواط الأول.

ومشى أربعا: أى ولم يرمل فى الأشواط الأربعة الباقية.

أول ما يقدم: أى طواف القدوم فى الحج أو طواف العمرة.

يسعى ثلاثة أطواف: أى يهرول فى الثلاثة الأشواط الأول.

ويمشى أربعة: أى ولا يهرول فى الأشواط الأربعة الباقية.

[البحث]

روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خَبَّ ثلاثًا ومشى أربعا، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وكان ابن عمر يفعل ذلك. كما روى البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما

ص: 124

أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف فى الحج والعمرة أول ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعة ثم يصلى سجدتين ثم يطوف بين الصفا والمروة. كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رأيت رسول اللَّه صلى اللَّه عليه حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف حين يَقْدَمُ يَخبُّ ثلاثة أطواف من السبع ولم يستثن فى هذه الروايات ما بين الركنين من الهرولة، وقد جاء التصريح بعدم استثناء شئ من الهرولة فى الأشواط الثلاثة الأول فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: رمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من الحَجَر إلى الحَجَر ثلاثًا ومشى أربعا. وفى لفظ لمسلم عن نافع أن ابن عمر رمل من الحَجَر إلى الحجر، وذكر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فعله، كما روى مسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أنه قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رمل الثلاثة أطواف من الحجر إلى الحجر. والقاعدة أنه يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فتكون هذه الأحاديث دالة على نسخ المشى بين الركنين فى الأشواط الثلاثة الأول كما تقدمت الإشارة إلى ذلك فى حديث ابن عباس المتقدم لأنَّ حديث ابن عباس كان عن أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى عمرة القضاء

ص: 125

وهذه الأحاديث كانت فى حجة الوداع التى حجها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه لم يحج بعد فرض الحج غيرها.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الرمل فى الأشواط الثلاثة الأول فى طواف القدوم وطواف العمرة.

2 -

أن السنة استيعاب الرمل لجميع هذه الأشواط الثلاثة.

3 -

نسخ ما ثبت فى حديث ابن عباس من المشى بين الركنين دون هرولة الذى كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أمرهم به فى عمرة القضاء.

4 -

ينبغى اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى أفعاله وإن لم تعلم حكمة الفعل.

ص: 126

9 -

وعنه رضى اللَّه عنه قال: لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت غير الركنين اليمانيين" رواه مسلم.

[المفردات]

وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما لأنه المذكور فى الحديث السابق. وقد أرجع الصنعانى فى سبل السلام الضمير هنا لابن عباس مع أنه لم يتقدم له ذكر فى الحديث السابق.

ص: 126

يستلم: أى يمسح بيده.

من البيت: أى من الكعبة المشرفة.

الركنين اليمانيين: أى ركن الحجر الأسود والركن اليمانى. وهما يمانيان لأنهما إلى جهة اليمن وهى جهة الجنوب.

[البحث]

لفظ هذا الحديث بتمامه فى صحيح البخارى ومسلم من طريق عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها؟ قال: ما هُنَّ يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين، ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة، ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تُهْلِلْ أنت حتى يكون يوم التروية. فقال عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما: أمَّا الأركان فإنى لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يمَسُّ إلا اليمانيين، وأما النعال السبتية فإنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يلبس النعال التى ليس فيها شَعَرٌ ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها، وأما الصفرة فإنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يصبغ بها فأنا أحب أن أصبغ بها، وأما الإهلال فإنى لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يهل حتى تنبعث به راحلته. وقد روى مسلم. من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أنه قال: لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستلم غير الركنين اليمانيين.

هذا وصنيع المصنف يوهم أن مسلم رحمه الله انفرد بإخراج حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما مع أنه قد إخرجه البخارى رحمه الله من طريق

ص: 127

سالم بن عبد اللَّه عن أبيه رضى اللَّه عنهما قال: لم أر النبى صلى الله عليه وسلم يستلم من البيت إلا الركنيين اليمانيين" وقد ساقه مسلم رحمه الله بلفظ من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه قال: "لم أر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يمسح من البيت إلا الركنيين اليمانيين" وفى لفظ: لم يكن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستلم من أركان البيت إلا الركن الأسود والذى يليه من مخبر دور الجُمَحِيِّين. وفى لفظ: ذَكَر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليمانى. وقد تقدم مزيد بحث يتعلق بهذا الحديث عند الكلام على الحديث السادس من أحاديث هذا الباب.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن السنة الثابتة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه لا يستلم من البيت عند الطواف غير الركنين اليمانيين.

2 -

أنه ينبغى التأسى برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلا يفعل فى الطواف إلا ما فعل صلى الله عليه وسلم.

ص: 128

10 -

وعن عمر رضى اللَّه عنه: أنه قَبَّل الحجر الأسود وقال: إنى أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ ما قَبَّلْتُكَ" متفق عليه.

[المفردات]

قبل الحجر الأسود: أى وضع فمه عليه.

ص: 128

لا تضر ولا تنفع: أى لا تؤثر بذاتك فى دفع ضر أَوْ جلب نفع، لأن ذلك للَّه وحده جل وعلا.

[البحث]

قد تقدم فى بحث الحديث السادس من هذا الباب ألفاظ هذا الحديث الثابت عن عمر رضى اللَّه عنه عند البخارى ومسلم، وقد روى البخارى من طريق الزبير بن عربى قال: سأل رجل ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن استلام الحجر فقال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله قال: قلت: أرأيتَ ان زُحمْتُ؟ أرأيت إن غُلِبْتُ؟ قال: اجعل أرأيتَ باليمن، رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يستلمه ويقبله" فالحجر الأسود يستلم ويقبل والركن اليمانى يستلم ولا يقَبَّل كما تقدم. وقول عمر رضى اللَّه عنه فى حديث الباب: إنك حجر لا تضر ولا تنفع. أراد رضى اللَّه عنه دفع ما قد يخطر من الخواطر الشيطانية بأن هذا التقبيل عبادة للحجر كما كان يفعل أهل الجاهلية، فبيَّن الفرق رضى اللَّه عنه بين ما كان يفعله أهل الجاهلية من اعتقادهم فى أن هذه الأحجار التى يعبدونها تنفعهم وتضرهم، وبين ما يفعله المسلمون من اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى تقبيل الحجر الأسود وهم يعتقدون أنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضرا لذاته. وأمَّا ما رواه البيهقى فى شعب الإيمان بأن عليا قال لعمر رضى اللَّه عنهما: بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع قال: وأين ذلك؟ قال فى كتاب اللَّه؟ قال: وأين ذلك

ص: 129

من كتاب اللَّه عز وجل؟ قال: قال اللَّه {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} قال: فلما خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فأخرج ذريته من صلبه فقررهم أنه الرب وهم العبيد ثم كتب ميثاقهم فى رق، وكان لهذا الحجر عينان ولسان فقال له: افتح فاك، فألقمه ذلك الرق، وجعله فى هذا الموضع وقال: تشهد لمن وافاك بالإِيمان يوم القيامة فقال عمر: أعوذ باللَّه أن أعيش فى قوم لستَ فيهم يا أبا الحسن" فإن أمارات الوضع ظاهرة عليه، وهو دس من بعض أهل الأهواء وقد ضعف هذا الأثر البيهقى، وذكره الحاكم من حديث أبى سعيد وفى سنده أبو هارون العبدى. قال الذهبى: ساقط وقال الحافظ ابن حجر فى تلخيص الحبير: حديث عمر أنه قال وهو يطوف بالركن: إنما أنت حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك ثم تقدم فقبله" متفق عليه من حديثه واللفظ لمسلم دون قوله فى آخره: ثم تقدم فقبَّله، وله عندهما طرق. والزيادة وهى قوله ثم تقدم فقبَّله رواها الحاكم من حديث أبى سعيد الخدرى عن عمر فى هذا الحديث مطولا، وفيه قصة لعلى، وفى إسناده أبو هارون العبدى وهو ضعيف جدًا اهـ وقد قال أحمد فى أبى هارون العبدى: ليس بشئ، وقال النسائى: ليس بثقة، وقال

ص: 130

الجوزجانى: كذاب مفتر.

وأما ما يحصل بسبب تقبيل الحجر من الثواب وهو نفع وتكفير السيئات وهو دفع ضرر فليس لذات الحجر بل للامتثال واتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وأما قول ملا على القارى: إنه لا يظن بأرباب العقول ولو كانوا كفارا أن يعتقدوا أن الحجر ينفع ويضر بالذات، إنما هم يعبدون الأحجار معللين بأن هؤلاء شفعاؤنا عند اللَّه، والفرق بيننا وبينهم أنهم كانوا يفعلون الأشياء من تلقاء أنفسهم ما أنزل اللَّه بها من سلطان بخلاف المسلمين فإنه يصلون إلى الكعبة بناء على ما أمر اللَّه ويقبِّلون الحجر بناء على متابعة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. أقول: إن قوله: لا يظن بأرباب العقول ولو كان كفارا أن يعتقدوا أن الحجر ينفع ويضر بالذات قول غير سديد فإن المفهوم الظاهر من سياق القرآن أن أهل الجاهلية كانوا يعتقدون أن هذه الأحجار تنفع وتضر لذاتها بل كانوا يعلقون تمام ويعتقدون أنها تدفع عنهم الشر، فلله در أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه وهو المحدِّث الملهم بشهادة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ونحن قد نرى ممن ينتسبون للإسلام من الجهلة من يتمسحون بأحجار بعض البنايات التى بنيت على قبور بعض المنتسبين للصلاح بل يطوفون حولها كما يطوف المسلم بالبيت العتيق، مع إجماع علماء الإسلام على أنه لا يجوز الطواف إلا حول الكعبة المشرفة فإن الطواف من خصائصها ولذلك قدمه اللَّه عز وجل على الصلاة

ص: 131

والاعتكاف فى المسجد الحرام فقال: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} وكما قال: {وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} .

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن المقصود من تقبيل الحجر الأسود هو الاتباع لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

2 -

يجب على كل مسلم أن يعتقد أن الحجر لا يضر ولا ينفع.

3 -

أنه لا يجوز تقبيل أى حجر سوى الحجر الأسود.

4 -

أنه ينبغى لأهل العلم أن يوضحوا للناس ما قد يحدث لهم من شبهات.

5 -

أنه قد يخشى على المسلم أن يقع فى أعمال أهل الجاهلية ولا يعصمه من ذلك إلا اتباع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ص: 132

11 -

وعن أبى الطُّفيل رضى اللَّه عنه قال: رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الركن بمِحْجَنِ معه، ويُقَبِّل المحجن" رواه مسلم.

[المفردات]

أبو الطفيل: هو عامر بن واثلة بن عبد اللَّه بن عمير بن جابر ابن حُميس بن جَزْء بن سعد بن ليث الليثى الكنانى.

ص: 132

أدرك ثمانى سنين من حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد ولد عام أحُد ورأى النبى صلى الله عليه وسلم، ونزل الكوفة وشهد مع على رضى اللَّه عنه مشاهده كلها فلما استشهد على رضى اللَّه عنه عاد إلى مكة فأقام بها إلى أن مات سنة مائة أو سنة عشر ومائة وهو آخر من مات من الصحابة على الاطلاق رضى اللَّه عنه.

الركن: أى الحجر الأسود.

بمحجن: هو عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له، ويحول بطرفها بعيره، ويحركه للمشى.

ويُقَبِّل المحجن: أى ويضع فمه على المحجن يعنى فى المكان الذى مس الحجر الأسود منه.

[البحث]

أخرج البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: طاف النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن ورواه مسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه بلفظ: طاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالبيت فى حجة الوداع على راحلته يستلم الحجر بمحجنه لأن يراه الناس، ولِيُشْرِفَ وليسألوه، فإن الناس غَشُوهُ.

ص: 133

كما روى مسلم من طريق نافع قال: رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده ثم قال يده وقال: ما تركته منذ رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعله. كما روى البخارى من حديث عبد اللَّه بن عباس رضى اللَّه عنهما قال: طاف النبى صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعير، كلما أتى الركن أشار إليه بشئ كان عنده وكبَّر.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن السنة أن يستلم الطائف الحجر بيده ويقبله.

2 -

فإن لم يتمكن من تقبيله استلمه بيده وقبل يده.

3 -

فإن لم يتمكن من استلامه بيده استلمه بعصا أو نحوها وقبَّل ما استلمه به.

4 -

فإن لم يتمكن من استلامه بعصا أو نحوها أشار إليه وكبَّر ولا يُقبِّل ما يشير إليه به.

ص: 134

12 -

وعن يعلى بن أمية رضى اللَّه عنه قال: طاف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مُضْطَبعًا بِبُرْدٍ أخْضَرَ" رواه الخمسة إلا النسائى وصححه الترمذى.

[المفردات]

يعلى بن أمية: هو يعلى بن أمية بن أبى بن عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة

ص: 134

ابن تميم وأمه منية بنت جابر من بنى عوف بن مازن بن منصور وكان يقال له يعلى بن منية كذلك. روى عنه ابنه صفوان أنه غزا جيش العسرة مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكان حليفا لبنى نوفل بن عبد مناف.

مضطبعا: الاضطباع هو أن يأخذ الرداء فيجعله تحت إبطه الأيمن ويلقى طرفيه على كتفه الأيسر من جهتَى صدره وظهره، ويكشف كتفه الأيمن.

برد: هو نوع من الثياب.

[البحث]

قال أبو داود: باب الاضطباع فى الطواف. حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن ابن جريج عن ابن يعلى عن يعلى قال: طاف النبى صلى الله عليه وسلم مضطعا ببرد أخضر، حدثنا أبو سلمة موسى ثنا حماد عن عبد اللَّه بن عثمان بن خُثَيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها على عواتقهم السرى" والاضطباع فى الطواف إنما هو من سنن طواف القدوم وطواف العمرة كالرمل إلا أن الرمل يكون فى الأشواط الثلاثة منه بخلاف الاضطباع فإنه يكون فى الأشواط السبعة. ثم إذا انتهى من هذا الطواف جعل الرداء على كتفيه جميعا

ص: 135

قبل أن يصلى ركعتى الطواف. هذا ولا ينبغى الاضطباع بالرداء قبل دخول المسجد الحرام لطواف القدوم أو العمرة.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الاضطباع بالرداء فى جميع أشواط طواف القدوم أو العمرة.

2 -

جواز لبس البرد الأخضر للرجال.

ص: 136

13 -

وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: كان يُهِلُّ منا المهل فلا يُنكَر عليه ويكبِّر المكبر فلا يُنكرُ عليه" متفق عليه.

[المفردات]

يهل منا المهل: أى يلبى منا الملبى ويرفع صوته بالتلبية.

فلا ينكر عليه: أى فلا يعيب أحد عليه.

ويكبر: أى يقول: اللَّه أكبر يعنى بدل التلبية أحيانا.

[البحث]

ساق البخارى هذا الحديث فى باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، لرد على من زعم أن المحرم يقطع التلبية إذا راح إلى عرفة. وقد أخرجه هو ومسلم من طريق محمد بن أبى بكر الثقفى أنه سأل أنس بن مالك رضى اللَّه عنه وهما غاديان من منى إلى عرفة: كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم مع رسول اللَّه

ص: 136

صلى اللَّه عليه وسلم؟ فقال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ويكبر منا المكبر فلا يُنكَر عليه" كما روى مسلم من طريق محمد ابن أبى بكر يعنى الثقفى قال: قلت لأنس بن مالك غداة عرفة ما تقول فى التلبية هذا اليوم؟ قال: "سرتُ هذا المسير مع النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه فمنا المكبر ومنا المهلل ولا يعيب أحدنا على صاحبه" وليس المراد من "المهلل" هو من يقول لا إله إلا اللَّه حيث إن التهليل هو قول لا إله إلا اللَّه، بل المراد من المهلل هو المهل أى من يرفع صوته بالتلبية كما جاء فى الرواية السابقة المتفق عليها، كما روى مسلم من حديث عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: غدونا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من منى إلى عرفات، منا الملبى ومنا المكبر وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: كنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى غداة عرفة فمنا المكبر ومنا المهلل" وقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أردف الفضل فأخبر الفضلُ أنه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. ويبدو أن أكثر الناس كانوا يكبرون ليلة بزدلفة حتى فهم بعض العامة أن التلبية تنتهى إذا دفع من عرفة وصار بعضهم ينكر على من يلبى ليلة مزدلفة فقد روى مسلم فى صحيحه من حديث عبد الرحمن بن يزيد أن عبد اللَّه (يعنى ابن مسعود) لَبَّى حين أفاض من جمع فقيل: أعرابى هذا؟ فقال عبد اللَّه: أنَسِيَ الناسُ أم ضَلُّوا: سمعت الذى أنزلت عليه

ص: 137

سورة البقرة يقول فى هذا المكان: "لبيك اللهم لبيك" وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن بن يزيد والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد اللَّه بن مسعود يقول بِجُمْع: سمعت الذى أنزلت عليه سورة البقرة ههنا يقول: "لبيك اللهم لبيك" ثم لَبَّى ولَبَّيْنا معه.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب التلبية يوم عرفة.

2 -

لا بأس على من كبَّر يوم عرفة أحيانا.

3 -

أن التلبية تستمر إلى رمى جمرة العقبة.

ص: 138

14 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: بعثنى النبى صلى الله عليه وسلم فى الثَّقَل أَوْ قال فى الضَّعَفَةٍ من جُمع بِلَيلٍ".

[المفردات]

الثَّقَل: بفتح الثاء والقاف هو فى الأصل متاع المسافر وأريد به هنا الضَّعَفَةً من النساء والصبيان والمرضى ونحوهم.

الضَّعَفَة: أى ضعفة أهله صلى الله عليه وسلم من النساء والصبيان ونحوهم، والضعفة جمع ضعيف، وجمعُ ضعيف على ضعفة نادر. قيل: ومثله: خبيث وخَبَيثَة ولا يكاد يوجد لهما ثالث.

ص: 138

من جمع: أى من مزدلفة.

بليال: أى قبل الفجر.

[البحث]

هذا الحديث رواه البخارى بألفاظ منها: بعثنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من جُمع بليل، ومنها: أنا ممن قدَّم النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة فى ضَعَفَة أهله. ومنها: بعثنى أَوْ قدِّمنى النبى صلى الله عليه وسلم فى الثَّقَل من جمع بليل" أما مسلم فرواه باللفظ الذى أورده المصنف هنا ثم أورده بلفظ: أنا ممن قدَّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ضعفة أهله. ثم أورده بلفظ: قال: كنت فيمن قدَّم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ضعفة أهله. ثم أخرجه بلفظ: قال: بعث بى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بِسَحَر من جَمْع فى ثَقَل نبى اللَّه صلى الله عليه وسلم".

[ما يفيده الحديث]

1 -

جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان والمرضى ونحوهم.

2 -

لا ينبغى لغير الضعفة الإفاضة من مزدلفة قبل صلاة الفجر والوقوف بالمشعر الحرام.

ص: 139

15 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها: استأذنت سودةُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة أن تدفع قبله وكانت ثَبْطَةً

ص: 139

(تعنى ثقيلة) فأذن لها" متفق عليهما.

[المفردات]

استأذنت سودة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى طلبت سودة بنت زمعة أم المؤمنين رضى اللَّه عنها من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يرخص لها فى الدفع من مزدلفة قبل الفجر.

أن تدفع قبله: أى أن تفيض من مزدلفة قبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

ثبطة: بفتح التاء وسكون الباء أو كسرها أى بطيئة الحركة كأنها تثبط بالأرض أى تشبث بها.

ثقيلة: أى من عظم جسمها رضى اللَّه عنها.

فأذن لها: أى فرخص لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى ذلك.

متفق عليهما: أى على حديث ابن عباس رقم 14 وحديث عائشة هذا رقم 15.

[البحث]

أورد البخارى هذا الحديث بلفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: استأذنت سودة النبى صلى الله عليه وسلم ليلة جَمع وكانت ثقيلة ثبطة فأذن لها" ثم أورده بلفظ عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: نزلنا المزدلفة فاستأذنت النبىَّ صلى الله عليه وسلم سودةُ أن تدفع قبل حَطْمَةِ الناس، وكانت امرأة بطيئة فأذن لها، فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن، ثم دفعنا بدفعه، فلأن أكون

ص: 140

استأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما استأذنت سودة أحبُّ إلىَّ من مفروحٍ به.

أما مسلم فقد أورد هذا الحديث أيضًا بألفاظ منها عن القاسم: عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: استأذنت سودةُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة تدفع قبله وقبل حطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة (يقول القاسم والثبطة الثقيلة) فأذن لها فخرجت قبل دفعه، وحَبَسنا حتى أصبحنا فدفعنا بدفعه، ولَأن أكون استأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة فأكون أدفع بإذنه أحبُّ إليَّ من مفروح به. وفى لفظ عن القاسم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كانت سودة امرأة ضخمة ثبطة فاستأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن تُفيض من جمع بليل فأذن لها فقالت عائشة فَلَيْتَنَى كنت استأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة، وكانت عائشة لا تفيض إلا مع الإمام. وفى لفظ عن القاسم عن عائشة قالت: وَدِدت أنى كنت استأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما استأذنته سودة فأصلى الصبح بمنى فأرمى الجمرة قبل أن يأتى الناس. فقيل لعائشة: فكانت سودة استأذنته؟ قالت: نعم، إنها كانت امرأة ثقيلة ثبطة فاستأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأذن لها. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث عبد اللَّه مولى أسماء عن أسماء رضى اللَّه عنها أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلى، فصلت ساعة، ثم قالت: يَابُنَىَّ: هل غاب القمر؟ قلت: لا. فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم: قالت: فارتَحِلوا،

ص: 141

فارتَحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة، ثم رجعت فصلت الصبح فى منزلها، فقلت لها: يا هَنْتَاه: ما أُرانا إلا قد غَلَّسْنا، قالت: يا بُنيّ إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أَذِنَ للظُّعْن والظعن النساء جمع ظعينة وهى المرأة فى الهودج، وقوله لها: يا هنتاه بسكون النون وفتحها وفى آخره هاء ساكنة وقد تضم أى يا هذه. وقد تستعمل بمعنى يا مغفلة أَوْ يا بَلْهَاء ولكن هذا ليس مرادا هنا بل المراد المعنى الأول أنها بمعنى يا هذه. كما روى مسلم من طريق عطاء أن ابن شوَّال أخبره أنه دخل على أم حبيبة فأخبرته أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث بها من جمع بليل. وفى لفظ لمسلم من طريق عمرو بن دينار عن سالم بن شوال عن أم حبيبة قالت: كنا نفعله على عهد النبى صلى الله عليه وسلم نُغَلِّسُ من جمع إلى منى.

[ما يفيده الحديث]

1 -

جواز الإفاضة من مزدلفة بليل للضعفة من النساء والصبيان ونحوهم.

2 -

جواز رمى جمرة العقبة لهؤلاء قبل صلاة الفجر.

ص: 142

16 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" رواه الخمسة إلا النسائى وفيه انقطاع.

[المفردات]

لنا: أى للذين قدِّمهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة إلى

ص: 142

منى من ثَقله صلى الله عليه وسلم.

الجمرة: يعنى جمرة العقبة يوم النحر.

[البحث]

هذا الحديث من رواية الحسن العرنى بضم العين وفتح الراء بعدها نون عن ابن عباس. والحسن هو ابن عبد اللَّه العرنى نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة وهو كوفى ثقة وهو من رجال البخارى ومسلم وإن كان البخارى لا يروى عنه إلا مقرونا بغيره. لكن قال يحيى بن معين: يقال: لم يسمع من ابن عباس. وقال أحمد بن حنبل: لم يسمع من ابن عباس شيئًا وقال أبو حاتم: ولم يدركه ولذلك قال المصنف هنا: وفيه انقطاع. والعجيب أن الحافظ وصفه هنا بهذا الوصف وقال: رواه الخمسة إلا النسائى مع أنه قال فى الفتح عند كلامه على حديث أسماء رضى اللَّه عنها الذى تقدم فى بحث الحديث السابق: وهو حديث حسن أخرجه أبو داود والنسائى والطحاوى وابن حبان من طريق الحسن العرنى، وهو بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون عن ابن عباس، وأخرجه الترمذى والطحاوى من طرق عن الحكم عن مقسم عنه، وأخرجه أبو داود من طريق حبيب عن عطاء وهذه الطرق يقوى بعضها بعضا ومن ثَمَّ صححه الترمذى وابن حبان اهـ.

وعلى كل حال فإن مثل هذا الحديث لا يقوى على معارضة حديث أسماء رضى اللَّه عنها المتفق عليه المصرح بأنها رمت قبل

ص: 143

صلاة الفجر وبينت أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن بذلك، وما جاء فى لفظ مسلم من حديث عائشة رضى اللَّه عنها: وددت أنى كنت استأذنت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما استأذنه سودة فأصلى الصبح بمنى فأرمى الجمرة قبل أن يأتى الناس" ولما سيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث، واللَّه أعلم.

ص: 144

17 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أرسل النبى صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت. رواه أبو داود وإسناده على شرط مسلم.

[المفردات]

ثم مضت: أى ثم سارت إلى البيت الحرام.

فأفاضات: أى طافت طواف الإفاضة.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا هارون بن عبد اللَّه، ثنا ابن أبى فُدَيك عن الضحاك يعنى ابن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: أرسل النبى صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت، وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تعنى عندها اهـ وقد أشار الحافظ فى التلخيص إلى أنه قد رواه كذلك الحاكم والبيهقى

ص: 144

من حديث الضحاك بن عفان عن هشام عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها. قال الحافظ: ورواه الشافعى: أنا داود بن عبد الرحمن والدراوردى عن هشام عن أبيه مرسلا، قال: وأخبرنى من أثق به مثله اهـ. ولا شك أن رجال حديث الباب كلهم من رجال مسلم وأكثرهم من رجال الشيخين، والضحاك بن عثمان وثقه أئمة كثيرون، وإن كان ابن عبد البر قال فيه: كان كثير الخطأ ليس بحجة. وعلى كل حال فهو من رجال مسلم كما ذكرت. وهذا الحديث يؤكده حديث سودة وأسماء وكلام عائشة رضى اللَّه عنهن المتقدم، وكلها أقوى من حديث ابن عباس رقم 16. واللَّه أعلم.

ص: 145

18 -

وعن عروة بن مُضَرِّس رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا هذه (يعنى بالمزدلفة) فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجُّه، وقضى تَفثه" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن خزيمة.

[المفردات]

عُرْوَةُ بن مُضَرِّس: هو عروة بن مضرس بن أوسٍ بن حارثة ابن لام الطائى، أسلم وصحب النبى صلى الله عليه وسلم،

ص: 145

وهو الذى بعث معه خالد بن الوليد بعيينة بن حصن لما أسره يوم البطاح مرتدا إلى أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنه. يعد فى الكوفيين من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

شهد صلاتنا هذه: أى حضر صلاة الفجر بمزدلفة.

فوقف معنا: أى بالمشعر الحرام بعد صلاة الصبح بمزدلفة.

حتى ندفع: أى حتى نفيض من مزدلفة إلى منى.

تم حجه: أى كمل حجه.

وقضى تَفثه: أى أدَّى ما عليه وأزال أدراته وأذهب شعثه وحل له أن يأخذ عن شاربه وأظفاره وشعر إبطه وعانته. فالتفث ما يفعله المحرم بالحج إذا حل كقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة، وأصل التفث الوسخ والأدران.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا مسدد ثنا يحيى عن إسماعيل ثنا عامر أخبرنى عروة بن مضرس الطائى قال: أتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالموقف يعنى بجمع قلت: جئت يا رسول اللَّه من جبل طئ أكْلَلْتُ مطِيتى وأتعبت نفسى واللَّه ما تركت من حبْل إلا وقفت عليه فهل لى من حج؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارًا فقد تَم حجه وقضى تفثه

ص: 146

قال الحافظ فى التلخيص: وصحح هذا الحديث الدارقطنى والحاكم والقاضى أبو بكر بن العربى على شرطهما. وقال فى فتح البارى وحديث عروة أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والدارقطنى والحاكم اهـ، ولا نزاع عند أهل العلم أن الوقوف بعرفة فى وقته ركن من أركان الحج، وقد أشار حديث عروة بن مضرس هذا إلى أن وقت عرفة يمتد إلى فجر يوم النحر، وقول اللَّه عز وجل {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} أمر إرشاد واستحباب لا أمر إيجاب لإِجماع أهل العلم على أن من وقف عند المشعر الحرام من غير ذكر فحجه تام، وإذا كان الذكر المذكور فى الكتاب ليس من صلب الحج فالموطن الذى يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضا، كما أجمع أهل العلم على أنه لو بات بالمزدلفة ووقف ونام عن الصلاة فلم يصلها مع الإمام حتى فاتته أن حجه تام. وقد نقل هذا الإجماع الطحاوى وابن قدامة كما ذكر الحافظ فى الفتح. وقد شذ بعض الناس فزعم أن من فاتته صلاة الصبح بمزدلفة مع الإمام أن الحج يفوته وكذلك شذ بعضهم فزعم أن الوقوف بمزدلفة ركن من أركان الحج، وقد استدل هؤلاء بحديث عروة بن مضرس هذا وبأنه قد جاء فى لفظ له عند أبى يعلى فى مسنده: ومن لم يدرك جمعا فلا حج له" قال الحافظ فى الفتح: وقد صنف أبو جعفر العقيلى جزءا فى إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبى عن عروة، وأن مطرفا كان يَهِم فى

ص: 147

المتون اهـ. كما ذكر الحافظ نحو هذا الكلام فى تلخيص الحبير.

ص: 148

19 -

وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس، ويقولون أشْرِقْ ثَبِيرُ، وإن النبى صلى الله عليه وسلم خالفهم ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس" رواه البخارى.

[المفردات]

لا يفيضون: أى لا يدفعون من مزدلفة.

أشرق ثبير: أى لتطلع الشمس على ثبير -وهو بفتح الثاء- وكسر الباء بعدها ياء ثم راء جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب من مزدلفة إلى منى وهو أعظم جبال مكة. قيل: إنه عرف باسم رجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه.

خالفهم: أى خالف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المشركين الذين لا يدفعون من مزدلفة حتى تطلع الشمس فأفاض قبل أن تطلع الشمس.

ثم أفاض: يحتمل أن فاعله هو عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه ويحتمل أنه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

[البحث]

أورد البخارى هذا الحديث فى باب مَن يَدْفَعُ من جمع من طريق شعبة عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون رحمه اللَّه تعالى

ص: 148

قال: شهدت عمر رضى اللَّه عنه صلى بجمع الصبحَ ثم وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس. ويقولون: أشرقْ ثبير، وإن النبى صلى الله عليه وسلم خالفهم، ثم أفاض قبل أن تطلع الشمس. وأورده فى أيام الجاهلية من رواية سفيان الثورى عن أبى إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر: إن المشركين كانوا لا يفيضون. الحديث. وقد تقدم فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب لفظ حديث جابر رضى اللَّه عنه عند مسلم: ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه، وكبَّره، وهلَّله، ووحَّده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس" وقد أورد البخارى فى باب متى يصلى الفجر بجمع من حديث عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه: ثم وقف حتى أسفر ثم قال: لو أن أمير المؤمنين أفاض الآن أصاب السنة، فما أدرى: أقَولُهُ كان أسرعَ أم دفع عثمان رضى اللَّه عنه فلم يزل يُلَبِّى حتى رمى جمرة العقبة. وهذا يدل على أن الإِسفار بالمشعر الحرام والإِفاضة قبل طلوع الشمس كان هدى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين رضى اللَّه عنهم، قال الحافظ فى الفتح: ونقل الطبرى الإِجماع على أن من لم يقف فيه حتى طلعت الشمس فاته الوقوف.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب الدفع من مزدلفة عند الإِسفار.

ص: 149

2 -

أن من لم يقف بالمشعر الحرام إلا بعد طلوع الشمس أنه لم يدرك فضل هذا الوقوف.

3 -

ينبغى مخالفة أعمال أهل الجاهلية.

ص: 150

20 -

وعن ابن عباس وأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهم قالا: لم يزل النبى صلى الله عليه وسلم يُلَبِّى حتى رمى جمرة العقبة. رواه البخارى.

[المفردات]

لم يزل يلبى: أى استمر يلبِّى أى يقول: لبيك اللهم لبيك الخ. وذلك فى طريقه من عرفة ومزدلفة إلى منى.

[البحث]

هذا الحديث رواه البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن أسامة رضى اللَّه عنه كان ردف النبى صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى قال: فكلاهما قال: لم يزل النبى صلى الله عليه وسلم يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وقوله "فكلاهما" يعنى أسامة بن زيد والفضل بن العباس رضى اللَّه عنهم. كما روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبى حتى رمى جمرة العقبة. وفى لفظ مسلم من طريق عيسى ابن يونس عن ابن جريج عن عطاء: فأخبرنى ابن عباس أن الفضل

ص: 150

أخبره الخ الحديث. وقد استشكل بعض الناس أن أسامة لم يرافق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من مزدلفة إلى منى لما رواه مسلم من حديث غريب أنه سأل أسامة رضى اللَّه عنه قال: قلت: فكيف فعلتم حين أصبحتم؟ قال: ردفه الفضل بن عباس وانطلقت أنا فى سُبَّاق قريش على رجلىَّ. إذ ليس فى هذا ما يمنع أن يكون أسامة قد حضر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل وصوله إلى الجمرة وشهده وهو يرميها وسمعه يلبى إلى أن رماها، ويؤكد ذلك ما رواه مسلم من حديث أم الحصين قالت: رأيت أسامة بن زيد وبلالا فى حجة الوداع وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبى صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة. وظاهر قول المصنف فى هذا الحديث: وعن ابن عباس وأسامة بن زيد رضى اللَّه عنهم قالا. يفهم منه أن ابن عباس يروى هذا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كما يرويه أسامة رضى اللَّه عنه. ولا شك أن عبد اللَّه بن عباس كان فى الضعفة الذين قدمهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة وإنه إنما يروى هذا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إما بواسطة الفضل أو بواسطة أسامة أو بواسطتهما جميعا. وما سقته فى صدر هذا الحديث يؤكد هذا. واللَّه أعلم. وقد تقدم مزيد بحث يتعلق بهذا الحديث عند الكلام على الحديث رقم 13 من أحاديث هذا الباب.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب استمرار التلبية إلى رمى جمرة العقبة.

ص: 151

2 -

أن الصحابى إذا أضاف شيئًا إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قُبل منه ولو لم يعرف طريق تحمله عنه صلى الله عليه وسلم هل كان بواسطة أو بغير واسطة؟ .

ص: 152

21 -

وعن عبد اللَّه بن مسعود رضى اللَّه عنه أنه جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة" متفق عليه.

[المفردات]

الجمرة: أى جمرة العقبة وهى الجمرة الكبرى.

هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة: أى هنا قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين رمى جمرة العقبة فجعل الكعبة عن يساره ومنى عن يمينه، وكان فى بطن الوادى وكنَّى عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالذى أنزلت عليه سورة البقرة.

[البحث]

ساق المصنف رحمه الله هذا الحديث بتصرف وقد رواه البخارى ومسلم بعدة ألفاظ وكلها من طريق عبد الرحمن بن يزيد النخعى ففى لفظ للبخارى عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد اللَّه من بطن الوادى فقلت: يا أبا عبد الرحمن: إن ناسا يرمونها

ص: 152

من فوقها فقال: والذى لا إله غيره، هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم وفى لفظ للبخارى: عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى، جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ورامى بسبع وقال: هكذا رمى الذى أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم. وفى لفظ للبخارى عن عبد الرحمن ابن يزيد أنه حج مع ابن مسعود رضى اللَّه عنه فرآه يرمى الجمرة الكبرى بسبع حصيات فجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه ثم قال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ للبخارى من حديث عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود رضى اللَّه عنه حين رمى جمرة العقبة، فاستبطن الوادى حتى إذا حاذى بالشجرة اعتراضها فرمى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم قال: من ههنا والذى لا إله غيره قام الذى أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم. أما مسلم فقد رواه من حديث عبد الرحمن بن يزيد قال: رمى عبد اللَّه بن مسعود جمرة العقبة من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال: فقيل له: إن أناسا يرمونها من فوقها فقال عبد اللَّه بن مسعود: هذا والذى لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم عن عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع عبد اللَّه بن مسعود فأتى جمرة العقبة فاستبطن الوادى فاستعرضها فرماها من بطن الوادى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة قال: فقلت: يا أبا عبد الرحمن: إن

ص: 153

الناس يرمونها من فوقها فقال: هذا والذى لا إله غيره مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن بن يزيد أنه حج مع عبد اللَّه قال: فرمى الجمرة بسبع حصيات. وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه وقال: هذا مقام الذى أنزلت عليه سورة البقرة. وفى لفظ لمسلم من حديث عبد الرحمن ابن يزيد قال: قيل لعبد اللَّه إن ناسا يرمون الجمرة من فوق العقبة قال: فرماها عبد اللَّه من بطن الوادى ثم قال: من ههنا والذى لا إله غيره رماها الذى أنزلت عليه سورة البقرة. قال الحافظ فى الفتح: قال ابن المنير: خص عبد اللَّه سورة البقرة بالذكر لأنها التى ذكر اللَّه فيها الرمى فأشار إلى أن فعله صلى الله عليه وسلم مبين لمراد كتاب اللَّه تعالى، قلت: ولم أعرف موضع ذكر الرمى من سورة البقرة والظاهر أنه أراد أن يقول: إن كثيرا من أفعال الحج مذكور فيها فكأنه قال: هذا مقام الذى أنزلت عليه أحكام المناسك منبها بذلك على أن أفعال الحج توقيفية. وقيل: خص البقرة بذلك لطولها وعظم قدرها وكثرة ما فيها من الأحكام، أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة. واللَّه أعلم اهـ وقول الحافظ رحمه الله: ولم أعرف موضع ذكر الرمى من سورة البقرة إرشاد إلى وقوفه عند منتهى علمه رحمه الله وأعلى درجته. وإلا فإن ما قاله ابن المنير رحمه الله من ذكر الرمى فى سورة البقرة واضح وهو قوله عز وجل {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ

ص: 154

تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} فإنه يكاد يطبق أهل العلم على أن المراد بذكر اللَّه فى هذه الآية هو رمى الجمار. أما قول الحافظ رحمه الله: أو أشار بذلك إلى أنه يشرع الوقوف عندها بقدر سورة البقرة فغير واضح، لما علم أن الوقوف إنما يستحب بعد رمى الجمرة الدنيا والوسطى ولا يستحب الوقوف بعد رمى جمرة العقبة ولذلك قال البخارى: باب من رمى جمرة العقبة ولم يقف" قاله ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال باب إذا رمى الجمرتين يقوم ويُسهل مستقبل القبلة ثم ساق بسنده إلى ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إِثْرِ كل حصاة ثم يتقدم حتى يُسْهِل ليقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيَسْتَهِلُّ ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادى ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبى صلى الله عليه وسلم يفعله" وقوله: حتى يسهل أى حتى يصير فى السهل وقوله: فيستهل هو بمعناه هذا وقد نفل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أن حديث ابن مسعود رضى اللَّه عنه هذا إنما هو فى أفضلية مكان رمى جرة العقبة وإنه يجوز رميها من أى مكان حولها سواء جعلها عن يمينه أو يساره أو من فوقها أو من أسفلها أو

ص: 155

أو وسطها.

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب رمى جمرة العقبة من بطن الوادى.

2 -

استحباب التكبير مع كل حصاة.

3 -

استحباب الانصراف بعد رمى جمرة العقبة وعدم الوقوف.

4 -

يجوز أن يقال سورة البقرة.

ص: 156

22 -

وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: رمى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الجمرة يوم النحر ضُحًى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" رواه مسلم.

[المفردات]

ضحى: أى بعد طلوع الشمس وارتفاعها.

وأما بعد ذلك: الذى فى صحيح مسلم: وأما بعدُ: أى بعد يوم النحر فى أيام التشريق وليس فيه لفظ "ذلك".

فإذا زالت الشمس: أى لا يرمى إلا إذا زالت الشمس.

[البحث]

قال الحافظ فى الفتح: وتمتاز جمرة العقبة عن الجمرتين الأخريين بأربعة أشياء: اختصاصها بيوم النحر وأن لا يوقف عندها، وترمى ضحى وترمى من أسفلها استحبابا اهـ أما فى غير يوم النحر فتكون

ص: 156

هى الأخيرة فى رمى الجمار.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن الوقت المستحب لرمى جمرة العقبة هو بعد طلوع الشمس وارتفاعها يوم النحر.

2 -

أنه لا يجوز رمى الجمار بعد يوم النحر إلا بعد الزوال.

ص: 157

23 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم، ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة، فيقوم طويلا ويدعو، ويرفع يديه ثم يرمى الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال، فيسهل ويقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلا، ثم يرمى جمرة ذات العقبة من بطن الوادى ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفعله. رواه البخارى.

[المفردات]

الجمرة الدنيا: أى القريبة من مسجد الخيف وهى أوّل الجمرات التى ترمى من ثانى يوم النحر.

إثر كل حصاة: أى عند إطلاق كل حصاة من الحصى التى يرمى بها يكبر عقب رميها مباشرة.

ثم يتقدم: أى عن الجمرة.

ثم يسهل: أى يقصد السهل من الأرض الذى لا ارتفاع فيه

ص: 157

بعيدا عن مرمى الحصى حتى لا يصيبه.

فيقوم: أى فيقف.

فيستقبل القبلة: أى ولا يستقبل الجمرة.

فيقوم طويلا ويدعو ويرفع يديه: أى فيقف وقوفا طويلا قريبا من مقدار قراءة سورة البقرة يدعو اللَّه عز وجل ويرفع يديه فى الدعاء.

ثم يرمى الوسطى: أى الجمرة الوسطى وهى التى بين الجمرة الدنيا وبين جمرة العقبة، ولذللك سميت الوسطى.

يأخذ ذات الشمال: أى يمشى إلى جهة شماله.

فيسهل: أى يقصد السهل من الأرض بعيدا عن مرمى الحصى حتى لا يصيبه.

جمرة ذات العقبة: أى الجمرة ذات العقبة يعنى الجمرة التى عند العقبة.

ولا يقف عندها: أى عقيب رميها بخلاف ما فعل بعد رمى الجمرة الدنيا والجمرة الوسطى.

ثم ينصرف: أى عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما.

هكذا: أى مثل ما فعلت فى رمى الجمار قد فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد رأيته وهو يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم.

[البحث]

ساق البخارى رحمه الله حديث ابن عمر هذا بعدة ألفاظ قد

ص: 158

تختلف عما ساقه المصنف هنا، ففى لفظ: أنه كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلا، ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمى الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل. الحديث. وفى لفظ: كان يرمى الجمرة الدنيا بسبع حصيات، ثم يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم فيسهل، فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمى الجمرة الوسطى كذلك فيأخذ ذات الشمال فيسهل، ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا فيدعو ويرفع يديه ثم يرمى الجمرة ذات العقبة. الحديث. وفى لفظ يسنده إلى الزهرى عن الزهرى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التى تلى مسجد منى يرميها بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة. ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو، وكان يطيل الوقوف. ثم يأتى الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات يكبر كلما رمى حصاة. ثم ينحدر ذات اليسار مما يلى الوادى فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو، ثم يأتى الجمرة التى عند العقبة فيرميها بسبع حصيات يكبر عند كل حصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها، قال الزهرى: سمعت سالم بن عبد اللَّه يحدث بمثل هذا عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم. وكان ابن عمر يفعله. قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على هذا المتن الأخير: ولا اختلاف بين أهل الحديث أن الإسناد بمثل هذا السياق موصول، وغايته أنه من تقديم المتن على

ص: 159

بعض السند وإنما اختلفوا فى جواز ذلك، وأغرب الكرمانى فقال: هذا الحديث من مراسيل الزهرى ولا يصير بما ذكره آخرا مسندا لأنه قال: يحدث بمثله لا بنفسه، كذا قال: وليس مراد المحدث بقوله فى هذا بمثله إلا نفسه وهو كما لو ساق المتن بإسناد ثم عقبه بإسناد آخر ولم يعد المتن بل قال: بمثله. ولا نزاع بين أهل الحديث فى الحكم بوصل مثل هذا. وكذا عند أكثرهم لو قال: بمعناه. خلافا لمن يمنع الرواية بالمعنى. وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيلى عن ابن ناجية عن محمد بن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر وقال فى آخره: قال الزهرى: سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبى صلى الله عليه وسلم. فعرف أن المراد بقوله: مثله. نفسه، وإذا تكلم المرء فى غير فنه أتى بهذه العجائب اهـ.

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب الترتيب عند رمى حصى الجمار فى أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم جمرة العقبة.

2 -

مشروعية التكبير عند رمى كل حصاة.

3 -

استحباب استقبال القبلة بعد رمى الدنيا والوسطى والقيام طويلا للدعاء.

4 -

مشروعية رفع اليدين عند الدعاء.

5 -

استحباب التباعد من موضع الرمى عند القيام للدعاء حتى لا يصيبه الحصى عند رمى غيره.

ص: 160

6 -

أن السنة ترك القيام بعد رمى جمرة العقبة.

7 -

وأن الرمى لابد وأن يكون بسبع حصيات. وأن تكون مثل حصى الخذف كما قيدته رواية جابر فى الحديث الأول من أحاديث هذا الباب.

ص: 161

24 -

وعنه رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه! قال فى الثالثة: "والمقصرين" متفق عليه.

[المفردات]

وعنه: أى وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما.

المحلقين: أى الذين يحلقون رءوسهم عند التحلل من الحج أو العمرة.

قالوا: أى أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الذين سمعوا منه الدعاء للمحلقين.

والمقصرين يا رسول اللَّه: أى واشمل بدعائك المقصرين كذلك أى الذين يُقَصِّرُون من شعر رءوسهم عند التحلل من الحج أو العمرة ولا يحلقونها مكتفين بالتقصير منها.

قال فى الثالثة: أى فى دعائه للمحلقين للمرة الثالثة.

ص: 161

والمقصرين: أى قال: اللهم ارحم المحلقين والمقصرين.

[البحث]

أشار البخارى رحمه الله إلى أن قصة هذا الحديث وقعت فى حجة الوداع فقال: باب الحلق والتقصير عند الإحلال ثم ساق من حديث نافع قال: كان ابن عمر رضى اللَّه عنهما يقول: حلق رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى حجته ثم ساق من طريق ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال.: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "اللهم ارحم المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: قال والمقصرين. وقال الليث حدثنى نافع: رحم اللَّه المحلقين مرة أو مرتين قال: وقال عبيد اللَّه حدثنى نافع: وقال فى الرابعة والمقصرين. ثم ساق البخارى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: وللمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: وللمقصرين. قالها ثلاثا. قال: "وللمقصرين" كما أخرج البخارى من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: حلق فى حجة الوداع وأناس من أصحابه وقصَّر بعضهم، أما مسلم فقد روى حديث الدعاء للمحلقين من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما بنفس اللفظ الأول الذى أخرجه به البخارى ثم ساقه مسلم من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: رحم

ص: 162

اللَّه المحلقين "قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "رحم اللَّه المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "رحم اللَّه المحلقين" قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه؟ قال: "والمقصرين" وجاء فى لفظ لمسلم: فلما كانت الرابعة قال: والمقصرين" أما حديث أبى هريرة فقد أخرجه مسلم بلفظ: قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: "اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين" قالوا: يا رسول اللَّه وللمقصرين؟ قال: "وللمقصرين" ثم ساق مسلم من طريق أم الحصين رضى اللَّه عنها أنها سمعت النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة" وبذلك يتضح أن المصنف رحمه الله قد ساق لفظ الحديث بتصرف. قال الحافظ فى الفتح: معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلقين مرتين وعطف المقصرين عليهم فى المرة الثالثة. ثم بين الحافظ أن كونها فى الرابعة -كما جاء فى بعض الروايات هو أن قوله: والمقصرين معطوف على مقدر تقديره: يرحم اللَّه المحلقين وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلقين ثلاث مرات صريحا فيكون دعاؤه للمقصرين فى الرابعة. قال: وقد رواه أبو عوانة فى مستخرجه من طريق الثورى عن عبيد اللَّه بلفظ: قال فى الثالثة: "والمقصرين" والجمع بينهما واضح بأن من قال فى الرابعة فعلى ما شرحناه ومن قال فى الثالثة أراد أن قوله:

ص: 163

"والمقصرين" معطوف على الدعوة الثالثة أو أراد بالثالثة مسألة السائلين فى ذلك اهـ هذا وتفضيل الحلق على التقصير إنما هو للمفردين والقارنين والمتمتعين إذا أرادوا التحلل يوم النحر وكذلك للمعتمرين فى غير عمرة التمتع أما فى عمرة التمتع فالمستحب فيها التقصير حتى يبقى فى رأسه شعر يحلقه فى الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربا. وقد قال البخارى: باب تقصير المتمتع بعد العمرة ثم ساق من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبالصفا والمروة ثم يحلوا ويحلقوا أو يقصروا".

هذا وليس على النساء حلق، فالمشروع فى حقهن التقصير بالإجماع، وقد نقل غير واحد من أهل العلم أنه يحرم على المرأة أن تحلق شعر رأسها. قال الحافظ فى الفتح: وللترمذى من حديث على: نهى أن تحلق المرأة رأسها. وقال فى تلخيص الحبير: حديث: ليس على النساء حلق وإنما يقصرن. أبو داود والدارقطنى والطبرانى من حديث ابن عباس وإسناده حسن.

وقواه أبو حاتم فى العلل، والبخارى فى التاريخ، وأعله ابن القطان، وردّ عليه ابن المواق فأصاب اهـ وسيجئ الكلام على هذا الحديث بعد ثلاثة أحاديث.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن الحلق أفضل من التقصير فى التحلل من الإحرام.

ص: 164

2 -

وأن التقصير يجزئ عن الحلق فى التحلل.

3 -

ينبغى أن يعم الحلق أو التقصير جميع الرأس.

4 -

مشروعية الدعاء لمن فعل الأفضل ولمن فعل المفضول.

5 -

استحباب تكرير الدعاء للمسارعين فى الخيرات.

ص: 165

25 -

وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقف فى حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح؟ قال: "اذبح ولا حرج" فجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمى؟ قال: "ارم ولا حرج" فما سئل يومئذ عن شئ قُدَّم ولا أُخِّر إلا قال: "افعل ولا حرج" متفق عليه.

[المفردات]

وقف فى حجة الوداع: أى بمنى يوم النحر على ناقته صلى الله عليه وسلم عند جمرة العقبة بعد الزوال لتعليم بقية مناسك الحج.

فجعلوا: أى الحجاج الذين قدموا أو أخروا بعض أعمال يوم النحر على بعض.

يسألونه: أى يستفتونه فى تقديم بعض الأعمال يوم النحر على بعض.

لم أشعر: أى لم أفطن أن الذبح قبل الحلق.

ص: 165

قبل أن أذبح: يعنى الهدى.

اذبح ولا حرج: أى لا إثم عليك فى تأخير الذبح عن الحلق فإذا ذبحت بعد الحلق فعملك صحيح.

فجاء آخر: أى فجاء رجل آخر يسأل النبى صلى الله عليه وسلم.

لم أشعر: أى لم أفطن أن الرمى قبل النحر.

فنحرت قبل أن أرمى: أى ذبحت الهدى قبل أن أرمى جمرة العقبة.

ارم ولا حرج: أى ارم جمرة العقبة ولا إثم عليك فى تقديم الذبح على الرمى.

فما سئل يومئذ: أى فما سئل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى موقفه فى ذلك اليوم.

عن شئ قدم ولا أخر: أى عن عمل من أعمال الحج فى يوم النحر قدم على غيره من هذه الأعمال ولا عن عمل أَخِّر على غيره من هذه الأعمال.

إلا قال: افعل ولا حرج: أى إلا أجاز التقديم أو التأخير وأنه لإ إثم على فاعله.

[البحث]

روى البخارى ومسلم حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما بعدة ألفاظ محصلها السؤال عن أربعة أشياء وهى الحلق قبل الذبح، والحلق قبل الرمى والنحر قبل الرمى والإفاضة قبل الرمى ففى لفظ لهما: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقف فى حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاءه رجل فقال: لم أشعر الخ الحديث

ص: 166

باللفظ الذى ساقه المصنف وفى لفظ للبخارى: رأيت النبى صلى الله عليه وسلم عند الجمرة وهو يسأل فقال رجل يا رسول اللَّه: نحرت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج، قال آخر: يا رسول اللَّه: حلقت قبل أن أنحر قال: انحر ولا حرج" الحديث. وفى لفظ للبخارى: وقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على ناقته. وفى لفظ لمسلم: وقف رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على راحلته فطفق ناس فيقول القائل منهم يا رسول اللَّه إنى لم أكن أشعر أن الرمى قبل النحر فنحرت قبل الرمى فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فارم ولا حرج قال: وطفق آخر يقول: إنى لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر فيقول: انحر ولا حرج. قال فما سمعته يُسْأَلُ يومئذ عن أمر ما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: افعلوا ذلك ولا حرج" وفى لفظ لمسلم: قال سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة فقال يا رسول اللَّه إنى حلقت قبل أن أرمى فقال: "ارم ولا حرج" وأتاه آخر فقال: إنى ذبحت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج، وأتاه آخر فقال: إنى أفضت إلى البيت قبل أن أرمى قال: ارم ولا حرج" قال: فما رأيته سئل يومئذ عن شئ إلا قال: افعلوا ولا حرج" كما روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمى قال: "لا حرج" قال: حلقت قبل أن أذبح قال: "لا حرج" قال: ذبحت قبل أن أرمى قال

ص: 167

"لا حرج" وفى لفظ للبخارى ومسلم عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قيل له فى الذبح والحلق والرمى والتقديم والتأخير فقال: "لا حرج" وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: سئل النبى صلى الله عليه وسلم فقال: رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج قال: حلقت قبل أن أنحر قال: لا حرج. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال: اذبح ولا حرج قال: رميت بعد ما أمسيت فقال: لا حرج. وقوله فى حديث ابن عباس رميت بعد ما أمسيت لا يفيد أن رميه كان بالليل لأن المساء يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام. وفى صدر هذا الحديث ما يفيد أن هذا السؤال كان يوم النحر بمنى، فيؤكد أن رمى هذا السائل لم يكن بالليل، وأن مراده بالمساء هو ما بعد الزوال. ولعل سبب كل هذه الأسئلة أنهم علموا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رمى أولا ثم نحر ثم حلق ثم أفاض إلى البيت وسمعوا: قوله: لتأخذوا عنى مناسككم فظنوا أن عملهم الذى خالفوا فيه ترتيب النبى صلى الله عليه وسلم باطل فسألوا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبين لهم أنه لا حرج عليهم فيما فعلوا مما يؤكد أن بعض أفعال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ليست للوجوب، لكن ينبغى لمن خالف ترتيبه ترتيب النبى صلى الله عليه وسلم أن يسأل أهل العلم فى ذلك ليبينوا ما يجب وما

ص: 168

لا يجب، وما يبطل العمل وما لا يبطله على حد قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وسيأتى مزيد بحث لهذه المسألة فى حديث المسور بن مخرمة الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.

وظاهر قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "لا حرج" يفيد رفع الإثم وإجزاء الفعل وإنه لا شئ عليه فى هذا العمل الذى عمل، وإن كان الأفضل له أن يرتب بترتيب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن السنة تقديم الرمى ثم النحر -ممن عليه هدى- ثم الحلق ثم طواف الإِفاضة.

2 -

وأنه يجوز تقديم بعض هذه الأعمال على بعض.

3 -

وأنه لا يلزم من قدم بعض هذه الأعمال على بعض شئ.

4 -

وأن أفعال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قد تكون للإيجاب وقد تكون للاستحباب.

ص: 169

26 -

وعن المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك" رواه البخارى.

[المفردات]

المسور بن مخرمة: هو المسور بن مخرمة بن نوفل بن أُهيب ابن عبد مناف بن زهرة الزهرى القرشى

ص: 169

أبو عبد الرحمن، له صحبة، وأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وقد ولد المسور بمكة بعد الهجرة بسنتين، وكان فقيها من أهل العلم والدين، ولم يزل مع خاله عبد الرحمن فى أمر الشورى، وكان هواه فيها مع على، وأقام بالمدينة إلى أن قتل عثمان رضى اللَّه عنه ثم سار إلى مكة فلم يزل بها حتى توفى معاوية وكره بيعة يزيد، وأقام مع ابن الزبير بمكة حتى قدم الحصين بن نمير إلى مكة فى جيش من الشام ورمى بيت اللَّه بحجر المنجنيق فقتل المسور عندما أصابه حجر منجنيق وهو يصلى بالحِجر فى مستهل ربيع الأول من سنة أربع وستين وهو ابن اثنتين وستين سنة رضى اللَّه عنه. وقد كان يوم الحديبية ابن أربع سنوات إذ كانت الحديبية فى ذى القعدة من السنة السادسة للهجرة.

وأمر أصحابه بذلك: أى وأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا قبل أن يحلقوا.

[البحث]

هذا قطعة من حديث طويل جدا رواه البخارى فى

ص: 170

كتاب الشروط فى باب الشروط فى الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط من طريق عبد اللَّه بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرنى الزهرى قال أخبرنى عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية. الحديث. وأورده البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر مقتصرا على هذه القطعة التى أوردها المصنف هنا قال البخارى: حدثنا محمود حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن المسور رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نحر قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك. وأورد البخارى فى باب ما يجوز من الشروط فى الإسلام والأحكام والمبايعة" فى أول كتاب الشروط من صحيحه بعض الحديث الطويل دون هذه القطعة التى ذكرها المصنف قال البخارى: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب قال: أخبرنى عروة بن الزبير أنه سمع مروان والمسور بن مخرمة رضى اللَّه عنهما يخبران عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: لما كاتب سهيل ابن عمرو يومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبى صلى الله عليه وسلم أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. الحديث. قال الحافظ فى الفتح عند كلامه على قطعة الحديث التى أوردها البخارى فى باب النحر قبل الحلق فى الحصر: هذا طرف من الحديث الطويل الذى أخرجه المصنف فى الشروط

ص: 171

من الوجه المذكور هنا. ولفظه فى أواخر الحديث: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر بقية الحديث. وفيه قول أم سلمة للنبى صلى الله عليه وسلم: اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، فخرج فنحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه. وعرف بهذا أن المصنف أورد القدر المذكور هنا بالمعنى، وأشار بقوله فى الترجمة "فى الحصر" إلى أن هذا الترتيب يختص بحال من أحصر اهـ وقال الحافظ فى الفتح عند كلامه على الحديث الطويل: هذه الرواية بالنسبة إلى مروان مرسلة لأنه لا صحبة له وأما المسور فهى بالنسبة إليه أيضا مرسلة لأنه لم يحضر القصة، وقد تقدم فى أول الشروط من طريق أخرى عن الزهرى عن عروة أنه سمع المسور ومروان يخبران عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكر بعض الحديث، وقد سمع المسور ومروان من جماعة من الصحابة شهدوا هذه القصة كعمر وعثمان وعلى والمغيرة وأم سلمة وسهل بن حنيف، وغيرهم، ووقع فى نفس هذا الحديث شئ يدل على أنه عمر اهـ ولفظ الحديث الطويل عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق قال النبى صلى الله عليه وسلم: إن خالد بن الوليد بالغميم فى خيل لقريش طليعة، فخذوا ذات اليمين، فواللَّه ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بفترة الجيش فانطلق يركض نذيرا لقريش، وسار النبى صلى الله عليه وسلم حتى

ص: 172

إذا كان بالثنية التى يُهْبَطُ عليهم منها بركت به راحلته، فقال الناس: حَلْ حَلْ فَأَلَحَّتْ، فقالوا: خَلأت القصواء، خلأت القصواء ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل" ثم قال: والذى نفسى بيده لا يسألونى خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُمات اللَّه إلا أعطتهم إياها" ثم زجرها فوثبت، قال: فَعَدَلَ عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ قليل الماء يَتَبَرَّضُهُ النّاس تَبَرُّضًا، فلم يُلَبِّثه الناسُ حتى نزحوه، وشُكِى إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم العطش، فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فواللَّه ما زال يَجيشُ لهم بالرِّىِّ حتى صدروا عنه. فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيْل بن ورقاء الخزاعى فى نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل تهامة. فقال: إنى تركت كعب بن لؤى، وعامر ابن لؤى نزلوا أَعْدَاد مياه الحديبية ومعهم العُوذُ المطافيل، وهم مقاتلون وصَادُّوك عن البيت، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إِنَّا لم نجئ لقتال أحد، ولكنَّا جئنا معتمرين. وإن قريشا قد نَهِكَتْهُمُ الْحَربُ وأضَرَّتْ بهم، فإن شاؤا مَادَدْتُهُم مُدَّة، ويُخَلُّوا بينى وبين الناس فإن أظْهر، فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد جَمُّوا، وإن هم أبوا فوالذى نفسى بيده لأقاتلنَّهم على أمرى هذا حتى تنفرد سالفتى، وَلَيُنَفِّذنَّ اللَّهُ أمره" فقال بديل: سَأبَلِّغُهُم ما تقول، قال: فانطلق حتى أتى قريشا، قال إنا قد

ص: 173

جئناكم من هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشئ، وقال ذوو الرأى منهم هاتِ ما سمعته يقول: قال: سمعته يقول كذا وكذا فحدثهم بما قال النبى صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال: أى قَوم: ألستم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: أوَلَستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: فهل تَتَّهِمُونى؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ فَلمَّا بَلَّحُوا عَلَىَّ جئتكم بأهلى وولَدى ومن أطاعنى؟ قالوا: بلى. قال: فإن هذا قد عَرَضَ لكم خطَّة رُشْد اقبلوها، ودعونى آتيه، قالوا ائته. فأتاه فجعل يكلم النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم نَحْوا من قوله لبُدَيل. فقال عروة عند ذلك: أى محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فإنى واللَّه لأرى وجوها، وإنى لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويَدعُوك فقال له أبو بكر: امْصُصْ بِبَظْر اللات، أنحن نَفِرُّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ فقال: مَن ذا؟ قالوا: أبو بكر. قال: أما والذى نفسى بيده لولا يد كانت لك عندى لم أجزك بها، لأجبْتُك، قال: وجعل يُكَلِّم النبى صلى الله عليه وسلم، فكلما تكلم أخذ بلحيته والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس النبى صلى الله عليه وسلم ومعه السيف، وعليه المِغْفَر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبى صلى الله عليه وسلم ضرب يده بِنَعْلِ السيف، وقال له: أخِّر يدك عن لحية رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-

ص: 174

فرفع عروة رأسه فقال: مَن هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة.

فقال: أى غُدَرُ، ألست أسعى فى غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قوما فى الجاهلية، فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم: أما الإسلام فأقبل وأما المال فلست منه فى شئ، ثم إن عروة جعل يرمُقُ أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فواللَّه ما تَنَخَّمَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نُخَامَة إلا وقعت فى كف رجل منهم فَدَلَكَ بها وَجْهَهُ وجِلْدَهُ وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحِدُّون إليه النظر تعظيما له، فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أى قوم: واللَّه لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشى، واللَّه إن رأيتُ ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدا، واللَّه إن تنخم نخامة إلا وقعت فى كف رجل منهم، فَدَلَك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النظر تعظيما له، وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها. فقال رجل من بنى كنانة: دَعُونى آتيه، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: هذا فلان، وهو من قوم يعظمون البدن. فابْعَثُوهَا له، فبُعِثَتْ له، واستقبله الناس يلبُّون، فلما رأى ذلك قال: سبحان اللَّه ما ينبغى لهؤلاء أن يُصدُّوا عن البيت، فلما رجع

ص: 175

إلى أصحابه قال: رأيت البُدنَ قد قُلِّدَت وَأُشْعِرَتْ، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت، فقام رجل منهم يقال له: مِكْرَزُ بن حفص فقال: دعونى آتيه، فقالوا: ائته، فلما أشرف عليهم قال النبى صلى الله عليه وسلم: هذا مكرز وهو رجل فاجر، فجعل يكلم النبى صلى الله عليه وسلم، فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو قال معمر فأخبرنى أيوب عن عكرمة أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبى صلى الله عليه وسلم: لقد سَهُلَ لكم من أمْرِكم، قال معمر: قال الزهرى فى حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابا فدعا النبى صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبى صلى الله عليه وسلم: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، قال سهيل: أمَّا الرحمن فواللَّه ما أدرى ما هو؟ ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: واللَّه لا نكتبها إلا بسم اللَّه الرحمن الرحيم فقال النبى صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم، ثم قال: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه. فقال سهيل: واللَّه لو كنا نعلم أنك رسول اللَّه ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: واللَّه إنى لرسول اللَّه وإن كَذَّبتُمُونى، اكتب محمد بن عبد اللَّه قال الزهرى: وذلك لقوله: لا يسألونى خطة يعظمون فيها حرمات اللَّه إلا أعطيتهم إياها، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: على أن تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف به، فقال سهيل: واللَّه لا يتحدث العرب أنَّا

ص: 176

أُخِذْنا ضَغطةً ولكن ذلك من العام القابل. فكتب، فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك مِنَّا رَجُلٌ وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، قال المسلمون: سبحان اللَّه! كيف يُرَدُّ إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يَرْسُفُ فى قيوده وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهُرِ المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أوَّل ما أُقاضيك عليه أن ترده إلىَّ. فقال النبى صلى الله عليه وسلم: إنّا لم نقض الكتاب بعدُ، قال: فواللَّه إذًا لم أُصالِحْك على شئ أبدًا. قال النبى صلى الله عليه وسلم: فأجِزْهُ لى. قال: ما أنا بِمُجِيزِه لك. قال: بلى فافعل، قال: ما أنا بفاعل! قال مكرز: بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أى معشر المسلمين: أُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت مسلما، ألَا ترون ما قد لقيتُ! وكان قد عُذِّب عذابا شديدا فى اللَّه. قال: فقال عمر بن الخطاب: فأتيت نبى اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: ألستَ نبى اللَّه حقا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى. قلتُ: فلم نعطى الدَّنِيَّةَ فى ديننا إذًا؟ قال: إنى رسول اللَّه، ولستُ أعصيه، وهو ناصِرى. قلتُ: أوَلَيس كنت تحدثنا أنا سنأتى البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟ قال: قلتُ: لا. قال: فإنَّك آتيه، ومُطوِّفٌ به قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبا بكر: أليس هذا نبى اللَّه حقا؟ قال: بلى. قلتُ: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال:

ص: 177

بلى. قلتُ: فَلِمَ نُعطِي الدَّنِيَّة فى ديننا إذًا؟ قال: أيها الرجل: إنه لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وليس يعصى ربه، وهو ناصره، فاستمسك بِغَرْزِهِ، فواللَّه إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنَّا سنأتى البيت ونطوف به؟ قال: بلى. أفَأخْبَرَكَ أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال فإنك آتيه ومُطوِّفٌ به. قال الزهرى: قال عمر: فعملت لذلك أعمالا، قال: فلما فَرَغَ من قضية الكتاب قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا" قال: فواللَّه ما قام منهم رجل حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقى من الناس. فقالت أم سلمة يا نبى اللَّه: أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَك وَتَدْعُوَ حالِقَك فَيَحلقَك. فخرج فلم يكلم أحدا منهم حتى فعل ذلك. نحر بُدْنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتى كاد بعضهم يقتل بعضا غمًّا، ثم جاءه نسوة مؤمنات، فأنزل اللَّه تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ} حتى بلغ (بعصم الكوافر) فطلق عمر يومئذ امرأتين، كانتا له فى الشِّرك. فتزوج إحداهما معاوية أبن أبى سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثم رجع النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فجاءه أبو بَصير -رجل من قريش- وهو مسلم فأرسلوا فى طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذى جعلت لنا؟ فدفعه إلى

ص: 178

الرجلين، فخرجا به حتى بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: واللَّه إنى لأرى سيفك هذا يا فلان جيدا، فاستله الآخر فقال: أجَلْ. واللَّه إنه لجيد، لقد جربْتُ به ثم جربت. فقال أبو بصير: أرنى أنظر إليه، فأمكنه منه فضربه حتى بَرَدَ، وفرَّ الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يَعْدو فقال رسول صلى الله عليه وسلم حين رآه: لقد رأى هذا ذُعْرًا، فلما انتهى إلى النبى صلى الله عليه وسلم قال: قُتِلَ واللَّه صاحبى وإنى لمقتول فجاء أبو بصير فقال: يا نبى اللَّه: قد واللَّهِ أوْفَى اللَّه ذمتك، قد رددتنى إليهم، ثم أنجانى اللَّه منهم، قال النبى صلى الله عليه وسلم: ويل أمِّهِ مِسْعَرَ حربٍ لو كان له أحد، فلما سمع ذلك عَرَفَ أنه سَيَرُدُّه إليهم فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وينفلت منهم أبو جندل ابن سهيل فلحق بأبى بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبى بصير حتى اجتمعت منهم عِصَابَةٌ، فواللَّه ما يسمعون بعير لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسَلَتْ قريش إلى النبى صلى الله عليه وسلم تُنَاشِدُهُ باللَّه والرحم لما أرسل فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبى صلى الله عليه وسلم إليهم، فأنزل اللَّه:{وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} حتى بلغ {الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} وكانت حميتهم أنهم لم يقِرُّوا أنه نبى اللَّه، ولم يقرُّوا ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. وقوله فى هذا

ص: 179

الحديث: بقترة الجيش أى بغبرة الجيش. وقوله: حَلْ حَلْ هى كلمة زجر للناقة لتنهض. وقوله: خلأت القصواء أى امتنعت عن السير وحرنت والقصواء هى ناقة النبى صلى الله عليه وسلم. وقوله: يَتَبَرَّضُهُ الناس تبرضًا أى يتتبعونه قليلا قليلا. والبرض الماء القليل. وقوله: كانوا عَيبَة نصح رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أى موضع سره وأصل العيبة الوعاء الذى تحفظ فيه الأشياء. وقوله: قد جَمُّوا أى استراحوا. وقوله: حتى تنفرد سالفتى أى ينقطع عنقى. وسالفتا الحنق جانباه. وقوله: بَلَّحوا أى عجزوا. وقوله: أوشابا أى أخلاطا لا يتماسكون. وقوله: بظر اللات. البظر هو ما يقطع من فرج المرأة عند الختان. واللات صنم من أصنام أهل الجاهلية. وقوله: ابتدروا أمره أى سارعوا وتسابقوا إلى امتثاله. وقوله: فاستمسك بغرزه أى بركابه وهو كناية عن شدة اتباعه والحرص على الاقتداء به. وقوله: نحر بدنه أى ذبح هديه والبُدْن جمع بَدَنة وهى الناقة التى يتقرب بها إلى اللَّه عز وجل، وقد يطلق على البقرة كذلك. وقوله: أبو بصير رجل من قريش أى بالحلف وإلا فهو ثقفى لكنه كان حليف قريش.

هذا والأمر فى الباب بتقديم النحر على الحلق محمول على الاستحباب أو على أنه خاص بالمحصر كما أشار إليه البخارى رحمه الله أو منسوخ بما ثبت من قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع لمن قدم أو أخر من هذه الأعمال: افعل ولا حرج. واللَّه أعلم.

ص: 180

وقد سبق قلم الصنعانى فى سبل السلام فقال: فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق وتقَدَّمَ قريبا أن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح اهـ مع أنه لم يتقدم قط ولم يرو أبدا أن المشروع تقديم الحلق قبل النحر إذ أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نحر ثم حلق لكنه قال لمن قدم أو أخر: افعل ولا حرج. فلا يقال إذن: إن المشروع تقديم الحلق قبل الذبح.

ص: 181

27 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا رميتم وحلقتم فقد حَلَّ لكم الطِّيبُ وكلُّ شئ إلا النساء" رواه أحمد وأبو داود وفى إسناده ضعف.

[المفردات]

إذا رميتم: أى جمرة العقبة يوم النحر بعد النزول من مزدلفة.

حل لكم الطيب: أى أبيح لكم أن تتطيبوا بأى نوع من الطيب الذى كان محرما عليكم وقت الإحرام.

وكل شئ: أى من لبس القميص والعمامة والخف وسائر المخيط والمحيط وغير ذلك مما كان محرما عليكم وقت الإحرام.

إلا النساء: أى إلا قربان الزوجات.

[البحث]

هذا والحديث رواه أبو داود من طريق الحجاج عن الزهرى عن

ص: 181

عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شئ إلا النساء قال أبو داود: هذا حديث ضعيف، الحجاج لم ير الزهرى ولم يسمع منه اهـ وأشار الحافظ فى تلخيص الحبير إلى أنه قد رواه أحمد وأبو داود والدارقطنى والبيهقى لكن قال الحافظ: من حديث الحجاج بن أرطأة عن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا: إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شئ إلا النساء" لفظ أحمد، ولأبى داود: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شئ إلا النساء" وفى رواية للدارقطنى إذا رميتم وحلقتم وذبحتم فقد حل لكم كل شى إلا النساء" ومداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس وقال البيهقى: إنه من تخليطاته. اهـ وقد علمت أن سند أبى داود من طريق الحجاج عن الزهرى. قال البيهقى: وقد روى هذا فى حديث لأم سلمة مع حكم آخر لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به قال الحافظ فى التلخيص: وأشار بذلك إلى ما رواه أبو داود والحاكم والبيهقى من طريق محمد بن إسحاق حدثنى أبو عبيدة بن عبد اللَّه بن زمعة عن أبيه عن أمه زينب عن أم سلمة قالت: كانت الليلة التى يدور إلىَّ فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مساء ليلة النحر، فكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عندى فدخل علىَّ وهب بن زمعة ورجل من بنى أمية متقمصين فقال لهما: أفضتما؟ قالا: لا. قال: فانزعا

ص: 182

قميصكما فنزعاه، فقال وهب: ولِمَ يا رسول اللَّه؟ فقال: هذا يوم رخص فيه لكم إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدى إن كان لكم، فقد حللتم من كل شئ حرمتم منه إلا النساء، حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا بالبيت. قال البيهقى: لا أعلم أحدا من الفقهاء قال بهذا الحديث اهـ قلت: وقد حاول بعض دُعاة الشذوذ فى عصرنا أن يحملوا الناس على هذا الأمر ويفرضوا على من لم يطف بالبيت يوم النحر أن يعود محرما كما كان بعد أن تحلل حتى يطوف بالبيت، وقد تقدم فى الحديث رقم (17) من هذا الباب ما رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أرسل النبى صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذى يكون رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم تعنى عندها. ولا شك أنه يثبت أن ليلة أول يوم من أيام التشريق لم تكن لأم سلمة رضى اللَّه عنها ولعل هذا من أهم ما حمل جميع الفقهاء وأهل العلم على عدم العمل به.

هذا وقد نقل الاجماع على أن من رمى جمرة العقبة وحلق فقد حل له، كل شئ إلا النساء، وأهل العلم يقولون: إن رمى جمرة العقبة والحلق والتقصير والطواف بالبيت يحل للمحرم كل شئ كان محرما عليه بالإحرام حتى النساء. وأنه إذا فعل اثنين منها فقد حل له كل شئ إلا النساء ولو رمى الجمرة وطاف أو طاف وحلق أو قصر أو رمى الجمرة وحلق أو قصر حل له كل شئ إلا النساء فيجوز له

ص: 183

إذا طاف ورمى أن يلبس ثيابه قبل الحلق أو التقصير ويتطيب ثم يفعل النسك الثالث لتحل له زوجته ولو طاف وحلق أو قصر جاز له أن يلبس ثيابه ويتطيب ثم يرمى الجمرة وهو لابس ثيابه من المخيط أو المحيط والعمامة والخف لكنه لا يقرب زوجته إلا بعد أن يفعل النسك الثالث وهو رمى الجمرة. أما النحر فلا يتعلق به التحلل. وقد تقدم فى الحديث الخامس من باب الإحرام وما يتعلق به أن عائشة رضى اللَّه عنها كانت تطيب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل أن يطوف بالبيت. واللَّه أعلم.

ص: 184

28 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" رواه أبو داود بإسناد حسن.

[المفردات]

ليس على النساء حلق: أى عند التحلل من الإحرام.

وإنما يقصرن: أى وإنما يأخذن من ضفائرهن قدر الأنملة من كل ضفيرة أو نحو ذلك.

[البحث]

تقدم فى بحث الحديث الرابع والعشرين من هذا الباب أن المشروع فى حق النساء التقصير بالاجماع وأنه نقل غير واحد من

ص: 184

أهل العلم أنه يحرم على المرأة أن تحلق شعر رأسها، وإن حديث ابن عباس هذا رواه أبو داود والدارقطنى والطبرانى من حديث ابن عباس بإسناد حسن وأنه قد قواه أبو حاتم فى العلل، والبخارى فى التاريخ، وأن ابن القطان أعله وأن المصنف قال فى تلخيص الحبير: ورد عليه ابن المواق فأصاب.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن المرأة تكتفى عند التحلل من الإحرام بالأخذ من شعرها ولا تحلقه.

2 -

حرص الإسلام على أن تحتفظ المرأة بزينتها لزوجها.

3 -

أنه لا يوجد فى الإسلام ما يناقض الفطرة.

ص: 185

29 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن العباس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه استأذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يبيت بمكة ليالى منى من أجل سقايته فأذن له" متفق عليه.

[المفردات]

استأذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى طلب منه الإذن والرخصة له.

أن يبيت بمكة ليالى منى: أى فى البيتوتة بالليل بمكة ليالى أيام التشريق التى من حقها أن تكون البيتوتة فيها بمنى للحجاج وهى ليلة الحادى عشر والثانى عشر

ص: 185

والثالث عشر من ذى الحجة لغير المتعجلين أو ليلة الحادى عشر والثانى عشر للمتعجلين.

من أجل سقايته: أى من أجل مسئوليته عن سقاية الحجيج من زمزم فكانوا يغترفونه بالليل ويجعلونه بالحياض سبيلا للحجاج. والسقاية تطلق على الموضع المتخذ لسقى الناس وعلى ما كانت قريش تفعله من إعداد الماء للشاربين من الحجاج فى الجاهلية. وكان عبد مناف يحمل الماء فى الروايا والقرب إلى مكة ويسكبه فى حياض من جلد بفناء الكعبة للحُجَّاج، ثم فعله ابنه هاشم من بعده، ثم عبد المطلب، فلما حفر زمزم كان يشترى الزبيب فينبذه فى ماء زمزم ويسقى الناس، ثم ولى السقاية من بعد عبد المطلب ابنه العباس وهو يومئذ من أحدث إخوانه سنا فلم تزل بيده حتى قام الإسلام وهى بيده فأقرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم معه وصارت بعده لِعَقِبِه وقد كانوا يجعلونه نبيذا فيخلطون به التمر أو الزبيب حتى يطيب طعمه ولا يكون مسكرا، وأطلقت السقاية فى سورة يوسف فى قوله تعالى {جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ} على صواع

ص: 186

الملك لأنه كان يسقى به ويكال به. وقال عطاء فى قوله تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ} قال: سقاية الحاج زمزم.

فأذن له: أى فرخص له أن يبيت بمكة ليالى منى.

[البحث]

أورد البخارى رحمه الله هذا الحديث فى باب سقاية الحاج بهذا اللفظ المتفق عليه، وأورده فى باب هل يبيت أهل السقاية وغيرهم بمكة ليالى منى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما بلفظ رخص وبلفظ أن النبى صلى الله عليه وسلم أذن وباللفظ الذى أورده المصنف هنا المتفق عليه. قال الحافظ فى الفتح: مقصوده بالغير من كان له عذر من مرض أو شغل كالحطابين والرعاء اهـ وظاهر لفظ رخص ولفظ أذن ولفظ استأذن العباس النبى صلى الله عليه وسلم فأذن له يشعر بأن وجوب المبيت بمنى ليالى أيام التشريق كان أمرا مستقرا فى نفوسهم، وأنه قد يرخص لأصحاب الأعذار ممن يشتغلون بشئون الحجاج كالسقاة ونحوهم مما يضطرهم عملهم للمبيت خارج منى، ولذلك استأذن العباس رضى اللَّه عنه فأذن له رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وقد روى البخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس يا فضل: اذهب إلى أمك فأت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها. فقال: "اسقنى" قال:

ص: 187

يا رسول اللَّه إنهم يجعلون أيديهم فيه. قال: "اسقنى" فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح" ثم قال: "لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه" يعنى عاتقه وأشار إلى عاتقه صلى الله عليه وسلم.

وقد سقتُ فى بحث الحديث الأول من هذا الباب لفظ حديث جابر عند مسلم: ثم ركب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: "انزعوا بنى عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه" وقد أخرج مسلم من طريق بكر بن عبد اللَّه المزنى قال: كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابى فقال: ما لى أرى بنى عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ أمِنْ حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد للَّه ما بنا من حاجة ولا بخل، قدم النبى صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال:"أحسنتم وأجملتم، كذا فاصنعوا" فلا نريد تغيير ما أمر به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. هذا وقد قال البخارى: وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس رضى اللَّه عنهم أخر النبى صلى الله عليه وسلم الزيارة إلى الليل قال الحافظ فى الفتح: وصله أبو داود والترمذى وأحمد من طريق سفيان وهو الثورى عن أبى الزبير به اهـ وهو يشعر بأنه لا بأس بالنزول إلى مكة والطواف فى ليالى أيام التشريق على أن

ص: 188

يكون المبيت والمستقر أكثر الليل بمنى.

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب المبيت بمنى ليالى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر لمن لم يتعجل وليلتى الحادى عشر والثانى عشر لمن تعجل.

2 -

الترخيص لذوى الأعذار من السقاة ونحوهم فى المبيت خارج منى فى محل أعمالهم ولا شئ عليهم.

ص: 189

30 -

وعن عاصم بن عدى رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاة الإبل فى البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد ليومين، ثم يرمون النَّفْر" رواه الخمسة وصححه الترمذى وابن حبان.

[المفردات]

عاصم بن عدى: هو عاصم بن عدى بن الجد بن العجلان كان يكنى أبا بكر وقيل كان يكنى أبا عبد اللَّه. ذكر ابن سعد فى الطبقات أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى بدر خلَّف عاصم بن عدى على قباء وأهل العالية لشئ بلغه عنهم وضرب له بسهمه وأجره فكان كمن شهدها. وشهد

ص: 189

عاصم بن عدى أحدا والخندق والمشاهد كلها مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وبعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع مالك ابن الدُّخشُم فأحرقا مسجد الضرار ببنى عمرو بن عوف بقباء بالنار، ومات سنة خمس وأربعين بالمدينة فى خلافة معاوية رضى اللَّه عنه وهو ابن خمس عشرة ومائة سنة رضى اللَّه عنه.

أرخص: أى وسَّع وأذن وأباح.

لرعاة الإبل: أى المشتغلين برعى الإبل من الحجاج.

فى البيتوتة عن منى: أى فى أن يبيتوا حيث يعملون ولو كانوا بعيدين عن منى.

ثم يرمون يوم النحر: أى يرمون جمرة العقبة يوم النحر.

ثم يرمون الغد ليومين: أى ثم يرمون الجمار الثلاث مرتين فى يوم واحد: مرة عن اليوم الحادى عشر ومرة عن اليوم الثانى عشر.

ثم يرمون يوم النفر: أى ثم يرمون الجمار الثلاث يوم الثالث عشر وهو يوم النفر أى الدفع والخروج من منى لمن لم يتعجل.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة القعنبى عن مالك ح وحدثنا ابن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرنى مالك عن عبد اللَّه بن

ص: 190

أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم عن أبيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاة الإبل فى البيتوتة يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد ومن بعد الغد ليومين ويرمون يوم النفر" حدثنا مسدد ثنا سفيان عن عبد اللَّه ومحمد ابنى أبى بكر عن أبيهما عن أبى البداح بن عدى عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدَعوا يوما اهـ ولا شك فى صحة هذه الأسانيد قال الحافظ فى التلخيص: حديث عاصم بن عدى أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى، ويرموا يوم النحر جمرة العقبة، ثم يرموا يوم النفر الأول" مالك والشافعى عنه وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من حديث مالك عن عبد اللَّه بن أبى بكر بن حزم عن أبيه عن أبى البداح بن عاصم بن عدى عن أبيه به. ورواه الترمذى من حديث ابن عيينة عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن أبيه عن أبى البداح بن عدى عن أبيه ثم قال: رواه مالك فقال: عن أبى البداح بن عاصم بن عدى وحديث مالك أصح، وقال الحاكم: من قال: عن أبى البداح بن عدى فقد نسبه إلى جده. انتهى. ولفظ مالك أرخص لرعاء الإبل فى البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر ثم يرمون الغد وَمِنْ بعد الغد ليومين، ثم يرمون يوم النفر ولأبى داود والنسائى فى رواية: رخص للرعاء أن يرموا يوما ويدعوا يوما. اهـ.

ص: 191

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب المبيت بمنى ليالى التشريق الثلاث لمن لم يتعجل، وليلتى الحادى عشر والثانى عشر لمن تعجل فى يومين.

2 -

الترخيص لذوى الأعذار من الرعاة ونحوهم فى ترك المبيت بمنى ولا شئ عليهم.

3 -

أنه يجب رمى جمرة العقبة يوم النحر.

4 -

أنه يجوز لذوى الأعذار أن يجمعوا رمى يومين فى يوم واحد من أيام التشريق ولا شئ عليهم.

ص: 192

31 -

وعن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: خَطَبَنَا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم النحر" الحديث. متفق عليه.

[المفردات]

خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى وقف فينا خطيبا صلى الله عليه وسلم.

يوم النحر: أى يوم عيد الأضحى يعنى بمنى ليعلم الناس بعض مبادئ الإِسلام، ويفتى السائلين عن مناسك الحج ولاسيما أفعال يوم النحر للحجاج.

الحديث: أى أكمل الحديث.

[البحث]

هذا الحديث أورده مسلم فى سياق شأن تغليظ تحريم الدماء

ص: 192

والأعراض والأموال دون أن يسوق كامل لفظه وقد أخرجه البخارى "فى باب الخطبة أيام منى" من كتاب الحج بلفظ: عن أبى بكرة رضى اللَّه عنه قال: خطبنا النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر قال "أتدرون أى يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم. فسكت حتى ظنَنَّا أنه سيسميه بغير اسمه، قال:"أليس يوم النحر؟ " قلنا: بلى قال: "أى شهر هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله. أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال:"أليس ذو الحجة؟ " قلنا: بلى. قال: "أى بلد هذا؟ قلنا: اللَّه ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سَيُسَمِّيه بغير اسمه. قال: "أليست بالبلدة الحرام؟ " قلنا: بلى. قال "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، فى شهركم هذا، فى بلدكم هذا، إلى يوم تَلْقَون ربكم. ألا هل بلَّغتُ؟ " قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد فَلْيُبَلِّغ الشاهدُ الغائبَ، فرُبَّ مُبَلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدى كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض" وقد روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى من حديث عَبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما أنه شهد النبى صلى الله عليه وسلم يخطب يوم النحر" الحديث. وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم بمنى. وذكر الحديث بنحو حديث أبى بكرة رضى اللَّه عنه ثم قال البخارى: وقال هشام بن الغاز: أخبرنى نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما: وقف النبى صلى الله عليه وسلم-

ص: 193

يوم النحر بين الجمرات فى الحجة التى حج، بهذا" قال الحافظ فى الفتح: قوله: بهذا أى بالحديث الذى تقدم. ولا معارضة بين قوله فى الحديث المتقدم، قام النبى صلى الله عليه وسلم بمنى وقوله فى هذا: وقف النبى صلى الله عليه وسلم يوم النحر بين الجمرات فإن قوله بمنى مطلق، فيحمل على المقيد فيتعين يوم النحر وقد جاء فى حديث ابن عباس عند البخارى التنصيص كذلك على أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطب يوم النحر ولفظه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر. الحديث بنحو حديث أبى بكرة وابن عمر رضى اللَّه عنهم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

مشروعية الخطبة يوم النحر.

2 -

أن الخطبة يوم النحر من شعار الحج.

ص: 194

32 -

وعن سَرَّاءَ بنت نبهان رضى اللَّه عنها قالت: خَطَبَنَا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الرُّءوس فقال: "أليس هذا أوسط أيام التشريق؟ " الحديث. رواه أبو داود بإسناد حسن.

[المفردات]

سَرَّاء بنت نبهان: هى بفتح السين وتشديد الراء الممدودة. ووالدها نبهان بفتح النون وسكون الباء. وهى غنوية. وكانت ربة بيت فى الجاهلية. وذكرها

ص: 194

ابن سعد فى الطبقات فى تسمية غرائب نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات رضى اللَّه عنهن وقد روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن الغنوى وساكنة بنت الجعد الغنوية.

خطبنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أى قام فينا خطيبا صلى الله عليه وسلم.

يوم الرءوس: هو اليوم الذى يلى يوم النحر فهو الحادى عشر من ذى الحجة. قال الحافظ فى الفتح: "تنبيه": لستة أيام من ذي الحجة أسماء: الثامن يوم التروية، والتاسع: عرفة والعاشر النحر، والحادى عشر القر، والثانى عشر النفر الأول والثالث عشر النفر الثانى اهـ ويقال يوم الرءوس لثانى أيام النحر أيضا.

أيام التشريق: أى أيام تقديد اللحم وهى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة وقد يلحق بها يوم النحر فيدخل فى جملة أيام التشريق.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار ثنا أبو عاصم ثنا ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن حدثتنى جدتى سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت فى الجاهلية قالت: خَطَبَنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم الرءوس فقال: "أى يوم هذا؟ " قلنا: اللَّه ورسوله أعلم قال:

ص: 195

"أليس أوسط أيام التشريق؟ " قال أبو داود: وكذلك قال عم أبى حرة الرقاشى أنه خطب أوسط أيام التشريق اهـ. وقال ابن سعد فى الطبقات: أخبرنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم عن ربيعة بن عبد الرحمن الغنوى قال: حدثتنى جدتى سراء بنت نبهان وكانت ربة بيت فى الجاهلية أنها سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول فى اليوم الذى يدعون "الرءوس" الذى يلى يوم النحر: "أى يوم هذا" قالوا: اللَّه ورسوله أعلم قال: هذا أوسط أيام التشريق" قال: "أتدرون أى بلد هذا؟ " قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. قال: هذا المشعر الحرام. ثم قال: لَعَلِّى لا ألقاكم بعد عامى هذا، ألا إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم حرام بعضكم على بعض كحرمة يومكم هذا فى بلدكم هذا فليبلغ أدناكم أقصاكم حتى تلقوا ربكم فيسألكم عن أعمالكم" قالت: ثم خرج إلى المدينة فلم يمكث إلا أياما حتى مات. صلوات اللَّه عليه ورحمته وبركاته.

هذا وإذا كانت أيام التشريق هى الحادى عشر والثانى عشر والثالث عشر من ذى الحجة فإن أوسط أيام التشريق هو الثالث عشر، ورواية حديث سراء بنت نبهان عن ابن سعد تنص على أن يوم الرءوس هو اليوم الذى يلى يوم النحر وهو أول أيام التشريق وقد ذكر الصنعانى فى سبل السلام أن يوم الرءوس ثانى يوم النحر بالاتفاق اهـ فيحمل قوله صلى الله عليه وسلم عن يوم الرءوس: أوسط أيام التشريق. على معنى أنه أفضلها، أو يحمل على إلحاق فيكون اليوم

ص: 196

الثانى من أيام النحر هو أوسطها لا على سبيل التحديد بل التقريب لأن الثانى لا يكون وسط الأربعة إلا بمعنى أنه داخل فى جملتها. وقد يفهم من كلام للحافظ ابن حجر فى الفتح على أن يوم الرءوس هو اليوم الذى يلى يوم النحر أو الذى يليه يعنى الحادى عشر أو الثانى عشر. واستنبط ذلك من ترجمة البخارى فى باب الخطبة أيام منى إذ قال الحافظ رحمه الله: فلعل المصنف أشار إلى ما ورد فى بعض طرق الحديث كما عند أحمد من طريق أبى حرة الرقاشى عن عمه فقال: كنت آخذا بزمام ناقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى أوسط أيام التشريق أذود عنه الناس، فذكر نحو حديث أبى بكرة، فقوله فى أوسط أيام التشريق يدل أيضا على وقوع ذلك أيضا فى اليوم الثانى أو الثالث. اهـ. واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

مشروعية الخطبة فى أوسط أيام التشريق.

2 -

استحباب نشر العلم والحرص على ذلك وبخاصة فى موسم الحج.

ص: 197

33 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" رواه مسلم.

ص: 197

[المفردات]

وبين الصفا والمروة: أى وسعيك بين الصفا والمروة.

يكفيك: أى يسعك ويجزئ عنك.

لحجكِ وعمرتكِ: أى لكونك قارنة.

[البحث]

المفهوم من أخبار رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى الحج أن القارن أو المفرد يكفيه سعى واحد -سبعة أشواط- بين الصفا والمروة. وهو مخير أن يفعله بعد طواف القدوم أو بعد طواف الإفاضة، فإن سعى المفرد أو القارن بعد طواف القدوم فلا سعى عليه بعد طواف الإفاضة، وإن لم يسع بعد طواف القدوم وجب عليه السعى بعد طواف الإفاضة. أما المتمتع فلا بد أن يسعى بعد طواف العمرة وبعد طواف الإفاضة وأنه لا يكفيه سعى واحد، فهو ليس مثل القارن أو المفرد. ولا نزاع فى أن طواف القدوم للقارن أو المفرد لا يغنيه عن طواف الإفاضة إذ أن طواف الإفاضة بعد النزول من عرفات ركن من أركان الحج لا يصح الحج إلا به ويسمى أيضا طواف الصدر وطواف الركن وطواف الزيارة. وقد أفادت بعض روايات مسلم أن عائشة رضى اللَّه عنها كانت قارنة، وإن كانت عندما أحرمت من ذى الحليفة كانت تلبى بالعمرة وحدها لكنها لما حاضت بسرف أمرها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن تدخل الحج على عمرتها لتكون قارنة حتى لا يلزمها طواف العمرة قبل الحج وهو غير

ص: 198

متيسر لها بسبب حيضها. وأنها لما أفاضت من عرفة ومزدلفة ورمت الجمرة وطهرت من الحيض طافت بالبيت وسعت بين الصفا والمروة وأفهمها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن طوافها وسعيها هذا يكفيها لحجها وعمرتها لأنها اعتبرت قارنة ولا يعكر على هذا أنها قالت لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: يا رسول اللَّه: أيصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك واحد. فأعمرها من التنعيم، فقد صرح جابر بن عبد اللَّه رضى اللَّه عنه بأنه أجابها لذلك تطييبا لخاطرها ومسارعة فى هواها رضى اللَّه عنها، وإليك ألفاظ هذه الروايات التى ساقها مسلم رحمه الله فى صحيحه فقد أخرج من حديث عائشة رضى اللَّه عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من كان معه هَدْى فليهل بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعا. قالت: فَقَدِمْتُ مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فشكوتُ ذلك إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: انقُضى رأسك، وامتشطى، وأهَلِّى بالحج، ودَعِى العمرة، قالت: ففعلت، فلما قضينا الحج أرسلنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبى بكر إلى التنعيم، فاعتمرت فقال: هذه مكان عمرتك، فطاف الذين أهَلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة ثُمَّ حَلُّوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا، ومعنى قوله: ودعى العمرة أى اتركى التمتع وفى

ص: 199

لفظ لمسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها: أنها أهلت بعمرة فقَدِمَتْ ولم تطف بالبيت حتى حاضت، فنسَكَت المناسك كلها وقد أهلت بالحج، فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم يوم النفر:"يسعك طوافك لحجك وعمرتكِ" فأبت فبعث بها مع عبد الرحمن إلى التنعيم فاعتمرت بعد الحج، وفى لفظ لمسلم. عن عائشة رضى اللَّه عنها أنها حاضت بِسَرِفَ فتطهرت بعرفة فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك. وفى لفظ لمسلم عن جابر رضى اللَّه عنه أنه قال: "أقبلنا مهلين مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بحج مفرد وأقبلت عائشة رضى اللَّه عنها بعمرة حتى إذا كنا بِسرف عَرَكَتْ حتى إذا قدمنا طفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يحل منا من لم يكن معه هدى قال: فقلنا: حِلُّ ماذا؟ قال: الحِلُّ كله، فواقعنا النساء وتطيبنا بالطيب ولبسنا ثياينا، وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثم أهللنا يوم التروية، ثم دخل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على عائشة رضى اللَّه عنها فوجدها تبكى، فقال: ما شأنك؟ قالت: شأنى أنى قد حضت، وقد حل الناس ولم أحْلِل، ولم أطُف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال: إن هذا أمر كتبه اللَّه على بنات آدم فاغتسلى، ثم أهلى بالحج، فَفَعَلَتْ، ووقفت المواقف، حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة ثم قال: قد حللتِ من حجك وعمرتك جميعا، فقالت: يا رسول اللَّه إنى أجد فى نفسى

ص: 200

أنى لم أطف بالبيت حتى حججتُ، قال:"فاذهب بها يا عبد الرحمن فأعْمِرْها من التنعيم وذلك ليلة الحَصْبَة". وقوله فى الحديث: عركت أى حاضت. وقوله ليلة الحصبة أى ليلة نزولهم بالمحصب استعدادا للرحيل للمدينة وفى لفظ لمسلم من حديث جابر ابن عبد اللَّه أن عائشة رضى اللَّه عنها فى حجة النبى صلى الله عليه وسلم أهلت بعمرة، قال مسلم: وساق الحديث بمعنى حديث الليث (يعنى اللفظ المتقدم) وزاد فى الحديث قال: وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم رجلا سهلا إذا هَوِيَتِ الشئ تابَعَهَا عليه فأرسلها مع عبد الرحمن بن أبى بكر فأهلت بعمرة من التنعيم. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال: "خرجنا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج معنا النساءُ والوِلْدَانُ فلما قدِمنا مكة طُفنا بالبيت وبالصفا والمروة فقال لنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "من لم يكن معه هدى فَليحللْ، قال: قلنا: أى الحِلِّ؟ قال: "الحلُّ كلُّه" قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب، ومَسِسنا الطيب. فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة فأمرنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن نشترك فى الإبل والبقر كل سبعة منا فى بَدَنة. وفى لفظ لمسلم من حديث جابر رضى اللَّه عنه قال:"لم يطف النبى صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافا واحدا" ومراده بقوله: ولا أصحابه يعنى القارنين مثله صلى الله عليه وسلم والمفردين.

ص: 201

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن القارن والمفرد يكفيه طواف واحد (سبعة أشواط) بعد النزول من منى وسعى واحد بعد هذا الطواف أو بعد طواف القدوم.

2 -

أن المتمتع لا بد أن يطوف للعمرة ويسعى لها بعد طوافه هذا، ثم لا بد وأن يطوف طوافا آخر لحجه بعد النزول من منى ولا بد أن يسعى بعد هذا الطواف أيضا.

3 -

أن المرأة إذا أحرمت بعمرة ثم حاضت وخشيت أن يتأخر طهرها جاز لها أن تدخل الحج على عمرتها لتصير قارنة وتترك التمتع.

4 -

استحباب مجاملة الزوجة والإحسان إليها بما لا يعارض شريعة اللَّه.

5 -

جواز وقوف المرأة بعرفات وهى حائض أو نفساء وكذلك مبيتها بمزدلفة ووقوفها بالمشعر الحرام للدعاء وكذلك رميها للجمار.

6 -

يجوز الاكتفاء بطواف العمرة عن طواف الوداع وإن فصل بينهما السعى بين الصفا والمروة.

7 -

جواز إطلاق عبارة النسك الواحد على القران لأن أعماله أعمال نسك واحد وإن كان فى الحقيقة يجمع نسكين.

8 -

اشتراط الطهارة فى صحة الطواف.

ص: 202

34 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يَرْمُلْ فى السَّبْع الذى أفاض فيه" رواه الخمسة إلا الترمذى وصححه الحاكم.

[المفردات]

لم يرمل: أى لم يهرول ويسرع.

فى السبع: أى فى الأشواط السبعة.

الذى أفاض فيه: أى الذى طافه فى طواف الإِفاضة.

[البحث]

قد تقدم فى الحديث الثامن من أحاديث هذا الباب لفظ حديث ابن عمر عند البخارى ومسلم: أنه كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا" وفى رواية: "رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إذا طاف فى الحج أو العمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ويمشى أربعة" وقد سقتُ فى بحثه لفظ مسلم: عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبَّ ثلاثا ومشى أربعا. وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة وكان ابن عمر يفعل ذلك" كما سقتُ ما رواه البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا طاف فى الحج والعمرة أوَّل ما يقدم فإنه يسعى ثلاثة أطواف بالبيت ثم يمشى أربعة. الحديث. وهذه

ص: 203

الألفاظ تفيد أنه لا رمل فى طواف الإفاضة ولا فى طواف الوداع، ولا فى أى طواف آخر ما عدا طواف القدوم وطواف العمرة. وحديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما هنا يؤكد هذا المعنى. واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أنه لا رمل فى طواف الإفاضة.

ص: 204

35 -

وعن أنس رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم رقد رقدة بالمُحَصَّب ثم ركب إلى البيت فطاف به" رواه البخارى.

[المفردات]

صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء: أى بالأبطح وكأنه صلى الله عليه وسلم رمى بعد الزوال يوم النفر ثم نفر فنزل الأبطح فصلى به الظهر وبقية هذه الصلوات الأربع.

رقد رقدة: أى يهجع هجعة ويضطجع وقتا غير طويل.

بالمحصب: هى البطحاء التى بين مكة ومنى وهى ما انبطح من الوادى واتسع ويقال لها المحصب والمعرس والأبطح وحدُّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. وهو خيف بنى كنانة، الذى تعاهدت قريش وتقاسموا على الكفر وإخراج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-

ص: 204

وبنى هاشم وبنى المطلب من مكة إلى هذه الشعب حيث كتبوا بينهم صحيفة بذلك.

ثم ركب إلى البيت: أى ركب ناقته وذهب إلى البيت الحرام.

فطاف به: أى فطاف بالبيت طواف الوداع.

[البحث]

أجمع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج. وسيأتى بحث ذلك فى الكلام على حديث عائشة الذى يلى هذا الحديث أما طواف الوداع فقد فعله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأمر به كما سيأتى فى حديث ابن عباس الذى يلى حديث عائشة رضى اللَّه عنها.

ص: 205

36 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها أنها لم تكن تفعل ذلك: أى النزول بالأبطح وتقول: إنما نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه كان منزلا أسمح لخروجه" رواه مسلم.

[المفردات]

لم تكن تفعل ذلك أى النزول بالأبطح: يعنى بعد نفرها من منى. والأبطح هو المحصب كما تقدم قريبا.

لأنه: أى الأبطح الذى نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وصلى فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء كما تقدم فى الحديث السابق.

ص: 205

كان منزلا أسمح لخروجه: أى أسهل لخروجه من مكة قافلا إلى المدينة.

[البحث]

هذا الحديث رواه البخارى أيضا فى باب المحصب عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: إنما كان منزلا ينزله النبى صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه. تعنى بالأبطح. وفى لفظ لمسلم عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج" كما روى البخارى ومسلم من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: ليس التحصيب بشئ إنما هو منزل نزله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. كما روى مسلم من حديث أبى رافع رضى اللَّه عنه قال: لم يأمرنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أنزل الأبطح حين خرج من منى ولكنى جئت فضربت فيه قبته فجاء فنزل. وفى لفظ لمسلم عن أبى رافع: وكان على ثقل النبى صلى الله عليه وسلم. ويظهر من هذا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أبا رافع رضى اللَّه عنه بالنزول فيه. لكن لعل أبا رافع فهم من كلام سمعه من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قبل ذلك بيوم أنه صلى الله عليه وسلم نازل غدا بخيف بنى كنانة. فقد روى مسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: ننزل غدا إن شاء اللَّه بخَيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وفى لفظ لمسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال لنا رسول اللَّه

ص: 206

-صلى الله عليه وسلم ونحن بمنى: "نحن نازلون غدًا بخيف بنى كنانة حيث تقاسموا على الكفر. وذلك إن قريشًا وبنى كنانة تحالفت على بنى هاشم وبنى المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يُسْلِمُوا إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعنى بذلك المحصب. قال النووى: وكان نزوله صلى الله عليه وسلم هناك شكرا للَّه تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وإظهار دين اللَّه اهـ. لكن بعض الخلفاء كانوا ينزلون بالمحصب إذا نفروا من منى بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقد روى البخارى فى صحيحه من طريق خالد بن الحارث قال: سئل عبيد اللَّه عن المحصب فحدثنا عبيد اللَّه عن نافع قال: نزل بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعمر وابن عمر. وعن نافع أن ابن عمر رضى اللَّه عنهما كان يصلى بها يعنى المحصب الظهر والعصر أحسبه قال: والمغرب. قال خالد لا أشك فى العشاء، ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن النبى صلى الله عليه وسلم. كما روى مسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون بالأبطح. وقد ذكرت فى بحث الحديث السابق إجماع العلماء على أن النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع ليس من مناسك الحج. غير أن نزول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيه ونزول الخليفتين الراشدين أبى بكر وعمر رضى اللَّه عنهما فيه بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يدل على استحباب ذلك لمن تيسر له لما فى من التذكير بنعمة اللَّه بإظهار رسوله صلى الله عليه وسلم على أعدائه الذين كانوا قد حصروه فيه، وإظهار دين اللَّه عز وجل على دين المشركين من قريش وبنى كنانة وغيرهم.

ص: 207

[ما يفيده الحديث]

1 -

استحباب النزول بالأبطح بعد النفر من منى قبل طواف الوداع لمن تيسر له النزول به.

2 -

أنه لا شئ على من لم ينزل بالمحصب قبل طواف الوداع.

3 -

استحباب سلوك الطرق التى تكون أسمح للخروج من مكة بعد الحج.

ص: 208

37 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: أُمر الناسُ أن يكون آخِر عَهْدِهم بالبيت إلا أنه خُفِّف عن الحائض" متفق عليه.

[المفردات]

أُمِرَ الناسُ: أى أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الحجاج والمعتمرين.

أن يكون آخر عهدهم بالبيت: أى أن يكون آخر عملهم إذا أرادوا العودة إلى بلادهم أن يطوفوا بالبيت طواف الوداع.

إلا أنه خفف عن الحائض: أى إلا أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خفف عن الحائض فرخص لها فى ترك طواف الوداع.

[البحث]

روى مسلم فى صحيحه من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما، قال: كان الناس ينصرفون فى كل وجه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:

ص: 208

لا يَنْفِرَنَّ أحدٌ حتى يكون آخر عهْدِه بالبيت" وقد روى البخارى ومسلم واللفظ للبخارى عن عائشة رضى اللَّه عنها أن صفية بنت حُيّىِّ زوج النبى صلى الله عليه وسلم حاضت فذُكر ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: "أحَابِستنا هى؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال:"فلا إذَن" وفى لفظ للبخارى من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: رُخص للحائض أن تنفر إذا أفاضت. قال الحافظ فى الفتح: وقد روى أبو داود الطيالسى فى مسنده قال: حدثنا هشام هو الدستوائى عن قتادة عن عكرمة قال: اختلف ابن عباس وزيد بن ثابت فى المرأة إذا حاضت وقد طافت بالبيت يوم النحر فقال زيد: يكون آخر عهدها بالبيت وقال ابن عباس: تنفر إن شاءت فقالت الأنصار: لا نتابعك يا ابن عباس وأنت تخالف زيدا. فقال: سلوا صاحبتكم أم سليم، فسألوها فقالت: حضت بعد ماطفت بالبيت فأمرنى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أنفر. اهـ وقد روى البخارى هذه القصة مختصرة عن طريق عكرمة أن أهل المدينة سألوا ابن عباس رضى اللَّه عنهما عن امرأة طافت، ثم حاضت. قال لهم: تنفر. قالوا: لا نأخذ بقولك وندع قول زيد. قال: إذا قدمتم المدينة فَسَلُوا. فقدموا المدينة فسألوا، فكان فيمن سألوا أم سليم فذكرت حديث صفية، ورواها مسلم من طريق طاوس قال: كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت: تفتى أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت؟ فقال له

ص: 209

ابن عباس: إمَّا. لا، فَسَلْ فلانة الأنصارية هل أمرها بذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قال فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول: ما أراكَ إلا قد صدقت.

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب طواف الوداع.

2 -

يجب أن يكون طواف الوداع بعد الفراغ من جميع المناسك.

3 -

يجوز للحائض والنفساء ترك طواف الوداع ولا شئ عليها.

ص: 210

38 -

وعن ابن الزبير رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام. وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى هذا مائة صلاة" رواه أحمد وصححه ابن حبان.

[المفردات]

ابن الزبير: هو عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنهما فهو المراد عند الإطلاق.

فى مسجدى هذا: أى فى المسجد النبوى الشريف بالمدينة المنورة.

فيما سواه: أى فيما عداه من المساجد.

[البحث]

روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه أن

ص: 210

رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" وقال البزار: حدثنا أحمد بن عبدة ثنا حماد بن زيد عن حبيب المعلم عن عطاء بن أبى رباح عن ابن الزبير أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة. قال البزار: اختلف على عطاء ولا نعلم أحدا قال: فإنه يزيد عليه مائة إلا ابن الزبير، ورواه عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء عن ابن عمر، ورواه ابن جريج عن عطاء عن أبى سلمة عن أبى هريرة أو عائشة، ورواه ابن أبى ليلى عن عطاء عن أبى سلمة عن أبى هريرة اهـ قال الهيثمى: رواه أحمد والبزار ولفظه: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام وصلاة فى المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة. والطبرانى بنحو البزار ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وقال البزار: حدثنا إبراهيم بن جميل ثنا محمد بن يزيد ابن شداد ثنا سعيد بن سالم القداح ثنا سعيد بن بشر عن إسماعيل ابن عبيد اللَّه عن أم الدرداء عن أبى الدرداء قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "فضل الصلاة فى المسجد الحرام على غيره مائة ألف صلاة وفى مسجدى ألف صلاة، وفى مسجد بيت المقدس خمسمائة صلاة، قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ مرفوعا إلا بهذا الإسناد اهـ. وقد حسن ابن عبد البر إسناد هذا الحديث.

ص: 211

والظاهر من هذا أن الصلاة فى المسجد الحرام بمائة ألف صلاة فى غير المساجد الثلاثة، والصلاة فى المسجد النبوى بألف صلاة فى غير المساجد الثلاثة أيضا، والصلاة فى المسجد الأقصى بخمسمائة صلاة فى غير المساجد الثلاثة كذلك، واللَّه أعلم. ويتساءل كثير من الناس عن الزيادة التى ألحقت بالمسجد النبوى بعد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن هذا الفضل يشملها، فإنها داخلة فى مسمى مسجد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولم يزل الناس من عهد عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يصلون الجمعة والجماعة فى الزيادة، ولا حَجْر على فضل اللَّه، ولا شك أن المراد بالأفضلية والخيرية هو فى الثواب على الصلاة الواحدة فى هذه المساجد لا أن الصلاة الواحدة فيها تجزئ عن هذا العدد من الفوائت واللَّه أعلم.

ص: 212