المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر من اسمه عبد الصمد - قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان - جـ ٢

[ابن الشعار]

الفصل: ‌ذكر من اسمه عبد الصمد

/280 أ/

‌ذكر من اسمه عبد الصمد

[314]

عبد الصَّمد بن عبد الله بن الحسين المراغيُّ.

المنشئ الكاتب.

كان يكتب الإنشاء بمراغة للملكة ألغ خاتون بنت ركن الدين أقطاي، صاحبة مراغة.

كان من الموصوفين بالفصاحة والكتابة، ولم ير في زمانه أفصح لسانًا منه مع حسن خط، وسهولة عبارة، وأخذ من الأدب أو في حظ، وله رسائل وأشعار.

أنشدني من شعره أبو عبد الله محمد بن جعفر بن محمد الإربلي قال: أنشدني عبد الصمد الكاتب لنفسه، ولهذه الأبيات قصة:[من الطويل]

ألم تر للكفَّار فوزًا ونصرةً

كأنَّ زمان المسلمين قد انتهى؟

وغارت نجوم الدِّين وهي طوالعٌ

وهدِّم من إسلامنا المجد والبها

تولّى من الآفاق دين محمَّدٍ

سلامٌ على الإسلام حيث توجَّها

[315]

عبد الصَّمد بن عبد الله بن أحمد بن مسعود بن عبد الله بن إسماعيل بن أبي نصر بن محمَّد، أبو المآثر الأنصاريُّ المصريُّ:

ففيه شافعي فاضل، حافظ للمذهب، مناظر، وله معرفة بأصول الفقه، وصنَّف فيه كتابًا سمّاه:"أرواح الحقائق"، وعى ذهنه قطعة صالحة من التواريخ وأشعار أهل ديار مصر.

ص: 385

ولم يكن له في قرض الشعر حظ، إلَّا أنَّه يقول منه شيئًا نزرًا، ولم يتعدَّ البيتين أو الثلاثة، فأحببت أن أنبه على فضله ومعرفته، ولا أخلي الكتاب من ذكره.

وكان يتولَّى قضاء قليوب ونواحيها من أعمال ديار مصر، وبلغني أنَّه تولّى الوكالة بنصيبين، وظهر منه ظلم أوجب عزله عنها.

لقيت القاضي أبا المآثر بإربل سنة خمس وعشرين وستمائة، وسألته عن ولادته فقال: ولدت في شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وروى لي جملة من أشعار أهل بلده، واستفدت منه.

أنشدني لنفسه ما كتبه إلى جمال الدين أبي القاسم عبد الرحيم شيث الكاتب:

[من الوافر]

جمال الدِّين شوق العبد شوقٌ

يقصِّر عن عبارته اللِّسان

ولكن في ضميرك لي شهودٌ

عدولٌ لا يجرِّحها العيان

بقلبي منك حبٌّ ثبَّتته

أيادٍ سابغاتٌ وامتنان

فلا تخطب بقطع الكتب عتبى

فمثلكً عن معاتبتي يصان

[316]

عبد الصَّمد بن محمَّد بن المجلِّي بن محمَّد بن المجلِّي بن المنصور بن المبارك أبو عليِّ بن أبي عبد الله:

كانت ولادته بنصيبين ليلة النصف من شعبان سنة عشر وستمائة.

وكان جدّه المجلّى بن محمد إليه رئاسة نصيبين، والحكم فيها.

وأبو علي شاب يتوقد ذكاءً، متأدب في نفسه، لطيف، قرأ طرفًا من علم العربية على الرشيد أبي حفص عمر بن محمد الفرغاني، ويرجع إلى سلامة عقيدة، [و] قريحة في صناعة القريض، وله أشعار حسان، ومديح جيد، ومدح الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، فأنعم عليه إنعامًا سنيًّا.

قدم الموصل قاصدًا شيخها الإمام كمال الدين أبا المعالي موسى بن يونس بن محمد بن منعة بن مالك الفقيه الشافعي، ليقرأ عليه الفقه ونزل بالمدرسة

ص: 386

المولوية البدرية المطلة على دجلة- حرس الله منشئها- وهو ذو فضل واف وبشر وكياسة وسجاجة، وكان كثير التردد إلى مجلس الأمير الأصفهسلار، أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري السلطان، فيقبل عليه، ويبالغ في إكرامه، ويرفع من قدره.

أنشدني لنفسه يمدح المولى الملك الرحيم، بدر الدنيا والدين، عضد الإسلام والمسلمين، أبا الفضائل أتابك، غرس أمير المؤمنين- خلّد الله ملكه- وأنشده إياها بظاهر البلد، بالجوسق المحروس، في جمادى، سنة إحدى وثلاثين وستمائة من حفظه:[من الوافر]

[ألا] يا مالكًا أمست سطاه

يذلُّ لعزِّها الخطب الجسيم

ومن أضحت به الدُّنيا إذا ما

دهى عوجٌ تقرُّ وتستقيم

بك افتخرت ملوك الأرض وطرًا

فأنت البدر حيث هم النُّجوم

سموت علًا على كلِّ البرايا

فما لك في النَّدى يومًا قسيم

وجدت على رقيق نداك عفوًا

ببرءٍ عنده يشفى السَّقيم

فيمَّم بابك المحروس لمّا

غدا يحدو به الحبُّ القديم

وباتت نفسه تشكو إليه

غرامًا لا يقرُّ لها غريم

فقال لها رويدك فاستقرِّي

فهذا المالك الملك الرَّحيم

بلغت بقربه أقصى الأماني

ونالك عزُّ دولته المقيم

فبشرى بالَّذي قد نلت بشرى

فهذا الفخر والشَّرف العظيم

وأنشدني لنفسه من قصيدة أولها: [من الطويل]

أيا ساكنًا بين الحشا والضَّمائر

تعطف فإنَّ الصَّبر ليس بضائر

ويا من إذا ما شاء فتَّر لوعتي

بنظرة وصلٍ بالجفون الفواتر

تصدَّق بوعدٍ يجعل اليأس قربةً

من الوصل أو طيفٍ لكسري جابر

فوجدي مقيمٌ والتَّجلُّد راحلٌ

وعمري مضى والسِّتر ليس بسائر

ويا عاذلي لا تلحني في معذِّبي

فإنِّي على السُّلوان لست بقادر

يجور على ضعفي لأنِّي في الهوى

وحيدٌ ولكن [ليس] عندي بجائر

ويقتلني بالهجر منه تغلُّبًا

وإن كنت أزري في القتال بعامر

ص: 387

وكم كسر الأبطال لا بمثقَّفٍ

ولا بالسيُّوف المرهفات البواتر

ولكن بسحرٍ في الجفون كمينه

بياض خدودٍ لا بياض خناجر

وأنشدني لنفسه وقد ودّع أهله وصديقًا، فبكى عند ذلك:[من الطويل]

ترحَّلت عن صحبي وقلبي لديهم

رهينٌ ونار الشَّوق في القلب تلذع

وودَّعت صفو العيش عند وداعهم

فلا عضو إلَّا وهو منِّي مجدَّع

أينكر هذا أو ألام على البكا

وقلبي من فرط الصَّبابة موجع؟

وأعظم من هذا الذي قد ذكرته

فراق فلان الدين والعين تدمع

وأنشدني لنفسه وقد طلب منه بعض أصحاب الأمير أمين الدين أبي المكارم لؤلؤ بن عبد الله البدري، أن يعرِّض بذكره عند الأمير، وكان الأمير قد وعد ذلك الشخص أن يزوجه، فنظم هذه الأبيات في المعنى المقترح عليه:[من الطويل]

أمالك رقِّي من له النَّهي والأمر

ومن نطقه درٌّ وإنعامه بحر

ومن هو كهفٌ للعفاة وملجأٌ

إذا نابهم خطبٌ ومال بهم دهر

تصدَّق على المملوك واسمع مقاله

فأنت الذي يسمو به النَّظم والنَّثر

عبيدك يرجو منك إنجاز وعده

فليس له عمّا وعدت به صبر

ولا يرتجي إلَّا سماحك شافعًا

ليشفعه إذ قد أضرَّ به الوتر

وأنشدني لنفسه جوابٍ كتاب، ورد من صديق له:[من الكامل]

وصل الكتاب فمرحبًا بوصوله

فنفى هموم القلب عند حلوله

وقرأته فوجدت فيه فصاحةً

تزري على قسٍّ بحسن فصوله

واشتقت كاتبه فصار مصون ما

ء العين حين قرأت من مبذوله

وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

وما كنت أرجو من عدوٍّ إذا جرت

نوىً بيننا نجفو فكيف من الخلِّ

فإن يكن التَّقصير منِّي فتائبٌ

إليه وإلَّا فهو في أوسع الحلِّ

وأنشدني قوله: [من الطويل]

وحقّ عهودٍ بيننا ما تأخَّرت

مكاتبتي عنكم ملالًا ولا جفا

ولكنَّ شوقي حين أشرحه لكم

لهيبٌ ونارٌ والفراق قد انتفى

ص: 388

ولم يجتمع شوقٌ مع الطرس لحظةً

وهذا هو العذر الذي لن يكيَّفا

وأنشدني لنفسه وقد جاءه من صديق له كتاب: بمن المتقارب]

أتاني كتابك يا مالكي

فهيَّج قلبي لذكراكم

وضاعف شوقي وزاد الغرام

جنونًا إلى حسن رؤياكم

فأنشدت حين تأمَّلته

ولم أك والله أنساكم

لئن غبت عنك فإنَّ الفؤاد

مشوقٌ إلى طيب لقياكم

وأنشدني لنفسه: [من الطويل]

بنفسي أفدِّي كلَّ ضيمٍ بمؤمنه

وإن حرمتني لذَّة النَّوم والسِّنه

وإن قبحت بالهجر يومًا فطالما

أتت بوصالٍ لم تزل فيه محسنه

وأنشدني لنفسه يرثى عمَّه، ويعزي والده، وأنفذها إليه، ووالده بنصيبين، وعبد الصمد يقيم بالموصل:[من الطويل]

ولمَّأ أتى ما صمَّ سمعي بذكره

وإن كننت في حال الحقيقة أسمع

شققت ردائي حسرةً وندامةً

ولو شقَّ منِّي القلب ما كنت أقنع

وأضحى به صبري يغيض وأدمعي

تفيض ونار الحزن في القلب تلذع

وذاك قليلٌ في فراق أحبَّتي

وقد كنت أرجو الاجتماع وأطمع

وكنت إذا حدَّثت قلبي ببعدهم

يكاد من الوجد المبرح يصدع

فكيف نوىً لا أستلذٌّ لأجلها

بعمر ولو كان الَّذي أتوقع

ولكن أسلِّي النَّفس عمّا أصابها

بقاؤك لي إذ من بقائك مقنع

وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى والده بنصيبين، وعبد الصمد بسنجار: بمن الكامل]

وافي الكتاب وفي فؤادي لوعةٌ

لم يلقها أحدٌ من العشّاق

فقرأته والنار تحرق مهجتي

والدَّمع منسكبُّ من الآماق

وشكوت من ألم الفراق وبعض ما

لاقيته من شدَّة الأشواق

وسألت من جرت النَّوى بقضائه

ما بين مشتاقٍ إلى مشتاق

دعوى غريبٍ طالبٍ لقبوله

أن يعقب الإبعاد يوم تلاقي

ص: 389

وأنشدني أيضًا لنفسه: [من الوافر]

أروحي كم يعنِّفني العذول

وما لي عن محبَّتكم نصول

فوجدي تضرب الأمثال فيه

وحسنك لا يعدّ له عديل

فيا من وجهها شمسٌ وبدرٌ

وقامتها كغصن نقًا يميل

وخدٌّ يخجل التُّفّاح منه

وريقٌ منه يجري السَّلسبيل

وطرفٌ في الصِّناعة بابليٌّ

وخصرٌ مثل عاشقها نحيل

لئن حرَّمت من وصلي حلالًا

فإنِّي في خيامكن قتيل

فيا لله من ليلٍ تقضَّى

وجادت باللِّقاء به الطُّلول

فأحييت الصَّباح بلثم خدٍّ

ووصلٍ عنده يشفى العليل

وبتُّ أراقب البدرين فيه

ولا واشٍ ينمُّ ولا عذول

فبدرٌ يقطع الأفلاك سيرًا

وبدر الحسن عندي لا يزول

فلمّا أن دنا التَّوديع منه

وصدري قد أحاط به الغليل

أخذت عهوده قسمًا بوصلٍ

وأكد صدقه وعدٌ جميل

ص: 390