المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب السجود وفضله] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٢

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ الْغُسْلِ]

- ‌[بَابُ مُخَالَطَةِ الْجُنُبِ وَمَا يُبَاحُ لَهُ]

- ‌[بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ]

- ‌[بَابُ تَطْهِيرِ النَّجَاسَاتِ]

- ‌[بَابُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ]

- ‌[بَابُ التَّيَمُّمِ]

- ‌[بَابُ الْغُسْلِ الْمَسْنُونِ]

- ‌[بَابُ الْحَيْضِ]

- ‌[بَابُ الْمُسْتَحَاضَةِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ الْمَوَاقِيتِ]

- ‌[بَابُ تَعْجِيلِ الصَّلَوَاتِ]

- ‌[بَابُ فَضِيلَةِ الصَّلَوَاتِ]

- ‌[بَابُ الْأَذَانِ]

- ‌[بَابُ فَضْلِ الْأَذَانِ وَإِجَابَةِ الْمُؤَذِّنِ]

- ‌[بَابُ تَأْخِيرِ الْأَذَانِ]

- ‌[بَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ السَّتْرِ]

- ‌[بَابُ السُّتْرَةِ]

- ‌[بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ مَا يُقْرَأُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ]

- ‌[بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ الرُّكُوعِ]

- ‌[بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ]

- ‌[بَابُ التَّشَهُّدِ]

- ‌[بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَفَضْلِهَا]

- ‌[بَابُ الدُّعَاءِ فِي التَّشَهُّدِ]

- ‌[بَابُ الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ]

- ‌[بَابُ مَا لَا يَجُوزُ مِنَ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ وَمَا يُبَاحُ مِنْهُ]

- ‌[بَابُ السَّهْوِ]

- ‌[بَابِ سُجُودِ الْقُرْآنِ]

- ‌[بَابُ أَوْقَاتِ النَّهْيِ]

الفصل: ‌[باب السجود وفضله]

بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ وَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ، مَعَ أَنَّهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضُوعُ صَحِيحًا وَالصَّحِيحُ مَوْضُوعًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ، قَالَ الْمَالِكِيُّ فِي قَوْلِهِ:" لَوْ مِتَّ مِتَّ " شَاهِدٌ عَلَى وُقُوعِ الْجَزَاءِ مُوَافِقًا لِلشَّرْطِ فِي اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى لَتَعَلُّقِ مَا بَعْدَهُ بِهِ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَتَعَرَّضُ فِيهَا لِلْفَضِيلَةِ لِتَوَقُّفِ الْفَائِدَةِ عَلَيْهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِنْ لُزُومِ الذِّكْرِ مَا لِلْعُمْدَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراء: 7] فَلَوْلَا قَوْلُهُ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ، وَقَوْلُهُ: لِأَنْفُسِكُمْ لَمْ يَكُنْ لِلْكَلَامِ فَائِدَةٌ، (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) .

ص: 717

885 -

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ؟ وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ أَحْمَدُ.

ــ

885 -

(وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَسْوَأُ النَّاسِ» )، أَيْ: أَقْبَحُهُمْ (سَرِقَةً) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتُفْتَحُ أَيْضًا عَلَى مَا فِي الْقَامُوسِ وَهُوَ مَصْدَرٌ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ تَمْيِيزٌ، قَالَ الرَّاغِبُ: السَّرِقَةُ أَخْذُ مَا لَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ فِي خَفَاءٍ، وَصَارَ ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ لِتَنَاوُلِ الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعٍ مَخْصُوصٍ وَقَدْرٍ مَخْصُوصٍ (الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ) : خَبَرُ (أَسْوَأُ) وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَالَ: أَسْوَأُ مُبْتَدَأٌ وَالَّذِي خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ: سَرِقَتُهُ اهـ.

وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ الْحَمْلَ بِلَوْنِ التَّقْدِيرِ صَحِيحٌ، وَبِوُجُودِهِ يُعْدَمُ، نَعَمْ هُنَا الْحَذْفُ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي كَمَا سَيَأْتِي (قَالُوا:«يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» ) : قِيلَ: جُعِلَ جِنْسُ السَّرِقَةِ نَوْعَيْنِ: مُتَعَارَفًا وَغَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَجُعِلَ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ أَسْوَأَ؛ لِأَنَّ أَخْذَ مَالِ الْغَيْرِ رُبَّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيَسْتَحِلُّ مِنْ صَاحِبِهِ أَوْ تُقْطَعُ يَدُهُ، فَيَتَخَلَّصُ مِنَ الْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ، بِخِلَافِ هَذَا السَّارِقِ فَإِنَّهُ سَرَقَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ الْجَوَابِ، وَأُبْدِلَ مِنْهُ الْعِقَابُ وَلَيْسَ فِي يَدِهِ إِلَّا الضَّرَرُ (رَوَاهُ أَحْمَدُ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ.

ص: 717

886 -

وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ " - وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ - قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ:" هُنَّ فَوَاحِشُ وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ "، قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ.

ــ

886 -

(وَعَنْ نُعْمَانَ بْنِ مُرَّةَ)، أَيِ: الرُّومِيُّ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدِينِيُّ تَابِعِيٌّ، وَقَدْ أَخْرَجَ فِي جُمْلَةِ الصَّحَابَةِ، كَذَا فِي الْجَامِعِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُصَنِّفُ فِي أَسْمَاءِ رِجَالِهِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" مَا تَرَوْنَ) ، أَيْ: تَعْتَقِدُونَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِضَمِّ التَّاءِ، أَيْ: تَظُنُّونَ (فِي الشَّارِبِ) ، أَيْ: لِلْخَمْرِ وَنَحْوِهَا (وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ وَذَلِكَ) ، أَيْ: هَذَا السُّؤَالُ (قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَقِيلَ: مَعْلُومٌ (فِيهِمُ الْحُدُودُ) ، أَيْ: آيَاتُهَا ( «قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " هُنَّ فَوَاحِشُ» ) ، أَيْ: ذُنُوبٌ كَبَائِرٌ (وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ)، أَيْ: أُخْرَوِيَّةٌ، أَوْ سَتَنْزِلُ أَوِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ ( «وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ» ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا ( «الَّذِي يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ» ) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ:" مِنْ صَلَاتِهِ " بِالْإِفْرَادِ، قَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ: أَسْوَأُ السَّرِقَةِ مُبْتَدَأٌ، وَالَّذِي يَسْرِقُ خَبَرُهُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ: سَرِقَةُ الَّذِي يَسْرِقُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ السَّرَقَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ جَمْعَ سَارِقٍ كَفَاجِرٍ وَفَجَرَةٍ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبُو قَتَادَةَ:«أَسْوَأُ النَّاسِ سَرَقَةً» اهـ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نُسْخَةِ الشَّيْخِ نُورِ الدِّينِ الْإِيجِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ، السَّرِقَةُ هُنَا أَيْضًا بِكَسْرِ الرَّاءِ، لَكِنْ يَقْتَضِي تَقْرِيرُ الطِّيبِيِّ فَتْحَهَا؛ إِذْ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ جَمْعٌ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَهُوَ بِالْكَسْرِ، وَقَدْ تُفْتَحُ ( «قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلَوَاتِهِ؟» ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: صَلَاتَهُ بِالْإِفْرَادِ ( «يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا» "، رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ) ، عَلَى مَا فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ، (وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ)، أَيْ: مَعْنَاهُ دُونَ لَفْظِهِ.

ص: 717

[بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ]

ص: 717

(14)

بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

887 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَلَا الشَّعْرَ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

[14]

- بَابُ السُّجُودِ وَفَضْلِهِ.

أَيْ: كَيْفِيَّتِهِ، (وَفَضْلِهِ)، أَيْ: مَا وَرَدَ فِي فَضِيلَتِهِ؛ لِأَنَّهُ بِانْفِرَادِهِ عِبَادَةٌ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

887 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ) : جَمْعُ عَظْمٍ، أَيْ: أُمِرْتُ بِأَنْ أَضَعَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ السَّبْعَةَ عَلَى الْأَرْضِ إِذَا سَجَدْتُ (عَلَى الْجَبْهَةِ) : بَدَلٌ بِإِعَادَةِ الْجَارِ وَيَتْبَعُهَا الْأَنْفُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: الْجَبْهَةُ مَا بَيْنَ الْجَبِينَيْنِ، وَهُمَا جَانِبَا الرَّأْسِ، وَقَدَّمَهَا لِشَرَفِهَا وَلِحُصُولِ مَقْصُودِ السُّجُودِ الَّذِي هُوَ غَايَةُ الْخُضُوعِ بِهِمَا (وَالْيَدَيْنِ)، أَيِ: الْكَفَّيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ بُطُونِهِمَا لِخَبَرِ الْبَيْهَقِيِّ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ، وَجَعَلَ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَيَرْفَعُ مِرْفِقَيْهِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى رَاحَتَيْهِ» ( «وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ» ) : اعْلَمْ أَنَّ فِي مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ دُونَ أَنْفِهِ جَازَ بِالِاتِّفَاقِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَإِنْ وَضَعَ أَنْفَهُ وَحْدَهُ فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، " وَقَالَا ": لَا يَجُوزُ السُّجُودُ بِالْأَنْفِ وَحْدَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ بِجَبْهَتِهِ عُذْرٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ طَرَفِ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ، وَأَمَّا وَضْعُ الْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ فَسُنَّةٌ فِي السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَأَخَذَ أَئِمَّتُنَا مِنَ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ السَّبْعَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَضْعُ الْأَنْفِ، وَأَجَابُوا عَنِ الْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ فِي وُجُوبِ وَضْعِهِ الَّذِي قَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، كَخَبَرِ:«أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ» إِلَخْ، وَكَالْخَبَرِ الصَّحِيحِ:«كَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ» ، وَكَرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ:( «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» ) ، عَلَى الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفِهِ، وَالْيَدَيْنِ إِلَخْ، بِحَمْلِهَا عَلَى النَّدْبِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، نَعَمْ خَبَرُ " «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ» " مُرْسَلٌ، وَرَفْعُهُ لَا يَثْبُتُ اهـ.

وَالْمُرْسَلُ حُجَّةٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِثْلُ هَذَا بِالرَّأْيِ " وَلَا نَكْفِتُ " بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: بِالنَّصْبِ، أَيْ: نُهِينَا أَنْ نَضُمَّ وَنَجْمَعَ (الثِّيَابَ)، وِقَايَةً مِنَ التُّرَابِ (وَلَا الشَّعْرَ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَتُسَكَّنُ، (وَلَا) مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَقِيلَ: وَهُوَ الْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيرَ: وَأُمِرْتُ أَنْ لَا نَكْفِتَهُمَا بَلْ نَتْرُكُهُمَا حَتَّى يَقَعَا عَلَى الْأَرْضِ لِيَسْجُدَ بِجَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَالثِّيَابِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فَبِهَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: يُكْرَهُ عَقْصُ الشَّعْرِ وَعَقْدُهُ خَلْفَ الْقَفَا وَرَفْعُ الثِّيَابِ عِنْدَ السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ تَنْزِيهًا ضَمُّ شَعْرِهِ وَثِيَابِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِشُغْلٍ، وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْ كَفْتِهِمَا أَنْ يَعْقِصَ الشَّعْرَ أَوْ يَضُمَّهُ تَحْتَ عِمَامَتِهِ، وَأَنْ يُشَمِّرَ ثَوْبَهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أَوْ يَغْرِزَ عَذْبَتَهُ، وَحِكْمَةُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ، بِهَذَا قَالُوا، وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَيْضًا مُنَافَاةُ ذَلِكَ لِلْخُشُوعِ إِنْ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ لِهَيْئَةِ الْخَاشِعِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا.

قَالَ الْقَاضِي: قَوْلُهُ: أُمِرْتُ يَدُلُّ عُرْفًا عَلَى أَنَّ الْآمِرَ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ وَضْعِ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ فِي السُّجُودِ عَلَى الْأَرْضِ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ أَقْوَالٌ، فَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَضْعُ جَمِيعِهَا أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّ الْوَاجِبَ وَضْعُ الْجَبْهَةِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ عليه السلام اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي قِصَّةِ رِفَاعَةَ قَالَ:

ص: 718

فَلْيُمَكِّنْ جَبْهَتَهُ مِنَ الْأَرْضِ وَوَضْعُ الْأَعْظُمِ السِّتَّةِ الْبَاقِيَةِ سُنَّةٌ، وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرِ الْمُشْتَرِكِ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالنَّدَبِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا؛ وَلِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى " أَسْجُدَ " وَهُوَ قَوْلُهُ:" وَلَا نَكْفِتَ " لَيْسَ بِوَاجِبٍ وِفَاقًا، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يُرْسِلَ الشَّعْرَ وَالثَّوْبَ وَلَا يَضُمَّهُمَا إِلَى نَفْسِهِ وِقَايَةً لَهُمَا مِنَ التُّرَابِ وَالْكَفْتُ: الضَّمُّ.

قُلْتُ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَوُجُوبُ مَا يَجِبُ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ وَضْعُ أَحَدِ الْعُضْوَيْنِ مِنَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ لِوُقُوعِ اسْمِ السُّجُودِ عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ عَظْمَ الْأَنْفِ مُتَّصِلٌ بِعَظْمِ الْجَبْهَةِ مُتَّحِدٌ بِهِ، فَوَضْعُهُ كَوَضْعِ جُزْءٍ مِنَ الْجَبْهَةِ، وَعِنْدَ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وُجُوبُ وَضْعِهِمَا مَعًا لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلًا مَا يُصِيبُ أَنْفَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ: " لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينَ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ.

ص: 719

888 -

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يَبْسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

888 -

(وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ» ) : قَالَ الْمُظْهِرُ الِاعْتِدَالُ فِي السُّجُودِ أَنْ يَسْتَوِيَ فِيهِ، وَيَضَعَ كَفَّهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَرْفَعَ الْمِرْفَقَيْنِ عَنِ الْأَرْضِ، وَبَطْنَهُ عَنِ الْفَخِذَيْنِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ وَيَضَعَ كَفَّهُ إِلَخْ، لَيْسَ تَفْسِيرًا لِلِاعْتِدَالِ، بَلْ تَفْسِيرًا لِعَدَمِ الِانْبِسَاطِ فِي قَوْلِهِ:(وَلَا يَبْسُطْ) : وَهِيَ نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ أَيْ: لَا يَفْتَرِشْ فِي الصَّلَاةِ ( «أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ» )، أَيْ: كَافْتِرَاشِهِ، وَفِي نُسْخَةِ الْعَفِيفِ (ابْتِسَاطَ) مِنَ الِافْتِعَالِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: صَحَّ (انْبِسَاطَ) عَلَى وَزْنِ الِانْفِعَالِ خَرَجَ بِالْمَصْدَرِ إِلَى غَيْرِ لَفْظِهِ اهـ.

وَالظَّاهِرُ إِلَى غَيْرِ بَابِهِ فِي النِّهَايَةِ، أَيْ: لَا يَبْسُطْهُمَا فَيَنْبَسِطَ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي قَوْلِهِ: لَا يَنْبَسِطْ بِهَذَا لِلْأَكْثَرِ بِنُونٍ سَاكِنَةٍ قَبْلَ الْمُوَحَّدَةِ، وَلِلْحَمَوِيِّ يَبْتَسِطْ بِمُثَنَّاةٍ بَعْدَ مُوَحَّدَةٍ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَسَاكِرَ بِمُوَحِّدَةٍ سَاكِنَةٍ فَقَطْ، وَعَلَيْهَا اقْتَصَرَ صَاحِبُ الْعُمْدَةِ وَقَوْلُهُ: انْبِسَاطَ بِالنُّونِ فِي الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ، وَبِالْمُثَنَّاةِ فِي الثَّانِيَةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ، وَالثَّالِثَةُ تَقْدِيرُهَا: وَلَا يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ فَيَنْبَسِطَ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ اهـ.

وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأَوْلَى وَالثَّانِيَةِ لَا يَظْهَرُ لِوُجُودِ ذِرَاعَيْهِ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِنَزْعِ الْخَافِضِ وَهُوَ الْبَاءِ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هُوَ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَقْرُونًا بِعِلَّتِهِ؛ لِأَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ يُنَاسِبُ تَرْكَهُ فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ السُّيُوطِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَيُكْرَهُ ذَلِكَ لِقُبْحِ الْهَيْئَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْخُشُوعِ إِلَّا لِمَنْ أَطَالَ السُّجُودَ حَتَّى شَقَّ عَلَيْهِ اعْتِمَادُ كَفَّيْهِ، فَلَهُ وَضْعُ سَاعِدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ لِخَبَرِ: شَكَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَشَقَّةَ السُّجُودِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ:" «اسْتَعِينُوا بِالرُّكَبِ» "، رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مَوْصُولًا، وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ.

ص: 719

889 -

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

889 -

وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا سَجَدْتَ» ) ، أَيْ: أَرَدْتَ السُّجُودَ (فَضَعْ)، أَيْ: عَلَى الْأَرْضِ (كَفَّيْكَ)، أَيْ: مَضْمُومَتَيِ الْأَصَابِعِ مَكْشُوفَتَيْنِ حِيَالَ الْأُذُنَيْنِ، وَقِيلَ: حِذَاءَ الْمَنْكِبَيْنِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا كَمَا كَانَ يَفْعَلُهُ عليه السلام، وَلَا يَجِبُ كَشْفُهُمَا لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ:«أَنَّهُ عليه السلام صَلَّى فِي مَسْجِدِ بَنِيَ الْأَشْهَلِ، وَعَلَيْهِ كِسَاءٌ مُلَفَّعٌ بِهِ يَضَعُ يَدَيْهِ عَلَيْهِ تِقْيَةَ الْحَصَاءِ» ، نَعَمْ يُكْرَهُ سَتْرُ ذَلِكَ، (وَارْفَعْ)، أَيْ: مِنَ الْأَرْضِ أَوْ مِنْ جَنْبَيْكَ (مِرْفَقَيْكَ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيُعْكَسُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 719

890 -

وَعَنْ مَيْمُونَةَ رِضَى اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ:" «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ» "، هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، صَرَّحَ فِي: شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ.

وَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ» .

ــ

890 -

(وَعَنْ مَيْمُونَةَ) أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ( «قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ جَافَى» )، أَيْ: أَبْعَدَ وَفَرَّقَ (بَيْنَ يَدَيْهِ)، أَيْ: وَمَا يُحَاذِيهِمَا ( «حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً» ) : بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَلَدُ الضَّأْنِ أَكْبَرُ مِنَ السَّخْلَةِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَفِي الْقَامُوسِ الْبَهْمَةُ أَوْلَادُ الضَّأْنِ وَالْمَعِزِ ( «أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ» ) : وَفِي نُسْخَةٍ: بَيْنَ يَدَيْهِ (مَرَّتْ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْبَهْمَةُ بِالْفَتْحِ، وَلَدُ الضَّأْنِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، قَالَ الْأَشْرَفُ: الْبَهْمَةُ فِي الْحَدِيثِ كَانَتْ أُنْثَى بِدَلِيلِ أَرَادَتْ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي نَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ: جَازَ أَنْ يَكُونَ التَّأْنِيثُ لِأَجْلِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ، وَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ، وَفِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ نَظِيرُهُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَشَّافِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ نَمْلَةَ سُلَيْمَانَ كَانِتْ أُنْثَى لِقَوْلِهِ: قَالَتْ، وَلَا بُدُّ مِنَ التَّمْيِيزِ بِعَلَامَةٍ كَقَوْلِهِمْ حَمَامَةٌ ذَكَرٌ وَحَمَامَةٌ أُنْثَى، وَهُوَ وَهِيَ وَرَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: جَازَ أَنَّ التَّأْنِيثَ لِأَجْلِ التَّأْنِيثِ اللَّفْظِيِّ كَقَوْلِكَ: جَاءَتِ الظُّلْمَةُ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِذْ لَا حَاجَةَ هُنَا إِلَى تَمْيِيزٍ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ السِّكِّيتِ حَيْثُ قَالَ: هَذَا بَطَّةٌ ذَكَرٌ وَحَمَامَةٌ ذَكَرٌ وَهَذَا شَاةٌ ذَكَرٌ إِذَا عَنَيْتَ كَبْشًا، وَهَذَا بَقَرَةٌ إِذَا عَنَيْتَ ثَوْرًا فَإِنْ عَنَيْتَ أَنَّهَا أُنْثَى قُلْتَ هَذِهِ بَقَرَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ اهـ، نَعَمْ لَوْ جُوِّزَ أَنْ يُقَالَ: قَالَتْ طَلْحَةُ لَكَانَ لِلرَّدِّ وَجْهٌ، وَالْأَوْجَهُ أَنْ لَا يُقَالَ فَالْقَوْلُ مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا

فَإِنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمُرَادِ، (هَذَا)، أَيْ: هَذَا الْحَدِيثُ أَوْ هَذَا اللَّفْظُ (لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، كَمَا صَرَّحَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: كَمَا صَرَّحَهُ، أَيِ: الْبَغْوِيُّ (فِي: شَرْحِ السُّنَّةِ بِإِسْنَادِهِ) .

(وَلِمُسْلِمٍ)، أَيْ: لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ لِمُسْلِمٍ (بِمَعْنَاهُ)، أَيْ: بِمَعْنَى لَفْظِ حَدِيثِ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ (قَالَتْ)، أَيْ: مَيْمُونَةُ ( «كَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لَمَرَّتْ» ) : فَالِاعْتِرَاضُ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ وَاقِعٌ فِي الْجُمْلَةِ.

ص: 720

891 -

وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إِبِطَيْهِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

891 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ) : بِالتَّنْوِينِ (ابْنِ بُحَيْنَةَ) : بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَ يَاءٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ نُونٍ وَتَاءِ تَأْنِيثٍ، اسْمُ امْرَأَةِ مَالِكٍ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ النَّوَوِيُّ: الصَّوَابُ أَنْ يُنَوَّنَ مَالِكٌ، وَيُكْتَبَ (ابْنِ) بِالْأَلِفِ؛ لِأَنَّ (ابْنِ بُحَيْنَةَ) لَيْسَ صِفَةً لِمَالِكٍ، بَلْ " صِفَةً " لِعَبْدِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اسْمَ أَبِيهِ مَالِكٌ، وَاسْمَ أُمِّهِ بُحَيْنَةُ امْرَأَةُ مَالِكٍ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (قَالَ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ» ) ، أَيْ: وَسَّعَ وَفَرَّقَ (بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ)، أَيْ: يَظْهَرُ (بَيَاضُ إِبِطَيْهِ) : بِسُكُونِ الْبَاءِ قَالَهُ الْمُغْرِبُ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَتُكْسَرُ الْبَاءُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَخَذَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَيْضًا " «أَنَّهُ عليه السلام كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إِبِطَيْهِ» " أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ عليه السلام بَيَاضَ إِبِطِهِ حَقِيقَةً، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَكَانَ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، وَاعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ تَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ بِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ، بَلْ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ مُعْتَمَدٍ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بَيَاضَ إِبِطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَعْرٌ، فَإِنَّهُ إِذَا نُتِفَ بَقِيَ الْمَكَانُ أَبْيَضَ، وَإِنْ بَقِيَ فِي آثَارِ الشَّعْرِ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ جَمْعٌ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ:«كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَفْرَةِ إِبِطِهِ إِذَا سَجَدَ» ، وَالْعَفْرَةُ: بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ كَلَوْنِ عَفْرَةِ الْأَرْضِ، أَيْ: وَجْهِهَا وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَثَارَ الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَحَلَّ أَعْفَرَ إِذْ لَوْ خَلَا عَنْهُ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ أَعْفَرَ، نَعَمِ الَّذِي نَعْتَقِدُ فِيهِ عليه السلام أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِإِبِطِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ، بَلْ كَانَ نَظِيفًا طَيِّبَ الرَّائِحَةِ كَمَا ذُكِرَ فِي الصَّحِيحِ اهـ، وَوُجُودُ الشَّعْرِ مَعَ عَدَمِ الرَّائِحَةِ أَبْلَغُ فِي الْكَرَامَةِ كَمَا لَا يَخْفَى، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ص: 720

892 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:" «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

892 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ)، أَيْ: أَحْيَانًا (فِي سُجُودِهِ) : يَحْتَمِلُ مَعَ التَّسْبِيحِ وَبِدُونِهِ (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ) : لِلتَّأْكِيدِ وَمَا بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِأَنْوَاعِهِ أَوْ بَيَانُهُ، وَيُمْكِنُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ: أَعْنِي (دِقَّهُ) : بِالْكَسْرِ أَيْ دَقِيقَهُ وَصَغِيرَهُ (وَجِلَّهُ) : بِكَسْرِ الْجِيمِ، وَقَدْ تُضَمُّ أَيْ جَلِيلَهُ وَكَبِيرَهُ، قِيلَ: إِنَّمَا قُدِّمَ الدِّقُّ عَلَى الْجِلِّ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ يَتَصَاعَدُ فِي مَسْأَلَتِهِ، أَيْ: يَتَرَقَّى؛ وَلِأَنَّ الْكَبَائِرَ تَنْشَأُ غَالِبًا مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا، فَكَأَنَّهَا وَسَائِلُ إِلَى الْكَبَائِرِ، وَمِنْ حَقِّ الْوَسِيلَةِ أَنْ تُقَدَّمَ إِثْبَاتًا وَرَفْعًا (وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) : الْمَقْصُودُ الْإِحَاطَةُ (وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ)، أَيْ: عِنْدَ غَيْرِهِ تَعَالَى، وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ تَعَالَى:{يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7](رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 721

893 -

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ:«فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخْطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

893 -

(وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ) : ضِدُّ صَادَفْتُ، أَيْ: طَلَبْتُ فَمَا وَجَدْتُ ( «رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ» ) : مُتَعَلِّقٌ بِفَقَدْتُ، وَالْمَعْنَى اسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أَجِدْهُ بِجَنْبِي عَلَى فِرَاشِهِ (فَالْتَمَسْتُهُ)، أَيْ: طَلَبْتُهُ بِالْيَدِ قِيلَ: فَمَدَدْتُ يَدِي مِنَ الْحُجْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ (فَوَقَعَتْ يَدِي) : بِالْإِفْرَادِ ( «عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ» ) : قَالَ الْقَاضِي: يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَلْمُوسَ لَا يُفْسَدُ وُضُوءُهُ، إِذِ اللَّمْسُ الِاتِّفَاقِيُّ لَا أَثَرَ لَهُ؛ إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا اسْتَمَرَّ عَلَى السُّجُودِ، قَالَ الْأَشْرَفُ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَانَ بَيْنَ اللَّامِسِ وَالْمَلْمُوسِ حَائِلٌ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوَافِقُ مَذْهَبَنَا (وَهُوَ فِي الْمَسْجَدِ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ، أَيْ: فِي السُّجُودِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي حُجْرَتِهِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَسْجِدَ الْبَيْتِ بِمَعْنَى مَعْبَدِهِ، وَالْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: فِي الْمَسْجِدِ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي السَّجْدَةِ، وَفِي بَعْضِهَا فِي السُّجُودِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ جَعَلَ أَصْلَ الْمِشْكَاةِ وَهُوَ " فِي السَّجْدَةِ "، ثُمَّ قَالَ: وَفِي نُسْخَةٍ (الْمَسْجِدِ) وَهُوَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى فِي بَعْضِ نَسْخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا " السُّجُودِ "، وَالَّذِي فِي أَكْثَرِهَا مَا فِي مُسْلِمٍ اهـ.

وَوَجْهُ الْغَرَابَةِ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْمِشْكَاةِ عَلَى مَا فِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ الْمَقْرُوءَةِ الْمُطَابِقَةِ لِمَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ جَعَلَهَا نُسْخَةً، وَالنُّسْخَةَ الَّتِي هِيَ مَوْجُودَةٌ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ جَعَلَهَا أَصْلًا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فِي مُسْلِمٍ، مَعَ أَنَّهَا لَيْسَ فِي نُسْخَةِ الْمِشْكَاةِ أَصْلًا (وَهُمَا)، أَيْ: قَدَمَاهُ (مَنْصُوبَتَانِ)، أَيْ: قَائِمَتَانِ ثَابِتَتَانِ (وَهُوَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنِّي) : بِسُكُونِ الْيَاءِ وَيُفْتَحُ ( «أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» )، أَيْ: مِنْ فِعْلٍ يُوجِبُ سَخَطَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أُمَّتِي (وَبِمُعَافَاتِكَ)، أَيْ: بِعَفْوِكَ وَأَتَى بِالْمُغَالَبَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، أَيْ: بِعَفْوِكَ الْكَثِيرِ (مِنْ عُقُوبَتِكَ) : وَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ السَّخَطِ، وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ بِصِفَاتِ الرَّحْمَةِ لِسَبْقِهَا وَظُهُورِهَا " مِنْ " صِفَاتِ الْغَضَبِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) : إِذْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَكَ شَيْئًا، فَلَا يُعِيذُهُ مِنْكَ إِلَّا أَنْتَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بَدَأَ بِالْمُعَافَاةِ ثُمَّ بِالرِّضَا، فَيَكُونُ الِابْتِدَاءُ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ، ثُمَّ بِصِفَاتِ الذَّاتِ، ثُمَّ بِالذَّاتِ مُتَرَقِّيًا اهـ.

وَكَذَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّدَلِّي مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ إِلَى صِفَاتِ الْأَفْعَالِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَكَسَهُ لِيَكُونَ مِنْ بَابِ التَّرَقِّي إِذْ صِفَاتُ الذَّاتِ أَجَلُّ وَأَفْخَمُ اهـ، فَغَفْلَةٌ عَنِ الْخَتْمِ بِالذَّاتِ، إِذَا لَا يَصِحُّ مَعَهُ التَّدَلِّي، كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ بَيَّنَ الْأُمُورَ الثَّلَاثَةَ، ( «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: الْأَصْلُ فِي الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى، أَيْ: لَا أُطِيقُ أَنْ أُثْنِيَ عَلَيْكَ كَمَا تَسْتَحِقُّهُ (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ) : " مَا " مَوْصُولَةٌ

ص: 721

أَوْ مَوْصُوفَةٌ، وَالْكَافُ بِمَعْنَى " مِثْلَ "، قَالَهُ الطِّيبِيُّ (وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: لَا أُطِيقُ أَنْ أَعُدَّ وَأُحْصِرَ فَرْدًا مِنْ أَفْرَادِ الثَّنَاءِ الْوَاجِبِ لَكَ عَلَيَّ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَذَرَّةٍ إِذْ لَا تَخْلُو لَمْحَةٌ قَطُّ مِنْ وُصُولِ إِحْسَانٍ مِنْكَ إِلَيَّ، وَكُلُّ ذَرَّةٍ مِنْ تِلْكَ الذَّرَّاتِ لَوْ أَرَدْتُ أَنْ أُحْصِيَ مَا فِي طَيِّهَا مِنَ النِّعَمِ لَعَجَزْتُ لِكَثْرَتِهَا جِدًّا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [النحل: 18] فَأَنَا الْعَاجِزُ عَنْ قِيَامِ شُكْرِكَ فَأَسْأَلُكَ رِضَاكَ وَعَفْوَكَ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: وَفِي جَعْلِ الشَّارِحِ الْكَافَ بِمَعْنَى " مِثْلَ " وَأَنَّهُ زَائِدٌ بَعُدَ أَيُّ بُعْدٍ - فَبَعِيدٌ، أَيْ: بَعِيدٌ وَلَمْ يَقُلِ الشَّارِحُ بِزِيَادَتِهِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ (عَلَى نَفْسِكَ) : أَيْ: ذَاتِكَ بِقَوْلِكَ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.

ص: 722

894 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

894 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» ) : أَسْنَدَ الْقُرْبَ إِلَى الْوَقْتِ، وَهُوَ لِلْعَبْدِ مَجَازًا، أَيْ: هُوَ فِي السُّجُودِ أَقْرَبُ مِنْ رَبِّهِ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى: أَقْرَبُ أَكْوَانِ الْعَبْدِ وَأَحْوَالِهِ مِنْ رِضَا رَبِّهِ وَعَطَائِهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، وَقِيلَ: أَقْرَبُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الْخَبَرِ لِسَدِّ الْحَالِ مَسَدَّهُ، " وَهِيَ (وَهُوَ سَاجِدٌ)، أَيْ: أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ حَاصِلٌ فِي حَالِ كَوْنِهِ سَاجِدًا ( «فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ» ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ حَالَةَ السُّجُودِ تَدُلُّ عَلَى غَايَةِ تَذَلُّلٍ، وَاعْتِرَافٍ بِعُبُودِيَّةِ نَفْسِهِ وَرُبُوبِيَّةِ رَبِّهِ، فَكَانَ مَظِنَّةَ الْإِجَابَةِ فَأَمَرَهُمْ بِإِكْثَارِ الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، قَالَ: وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ كَثْرَةِ السُّجُودِ عَلَى طُولِ الْقِيَامِ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَأَحْمَدُ.

ص: 722

895 -

وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ، فَلِيَ النَّارُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

895 -

(وَعَنْهُ) : أَيْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ» ) : ذُكِرَ تَلْمِيحًا لِقِصَّةِ أَبِيهِ آدَمَ مَعَ الشَّيْطَانِ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُمَا (السَّجْدَةَ)، أَيْ: آيَتَهَا (فَسَجَدَ)، أَيِ: ابْنُ آدَمَ التَّالِي وَالْمُسْتَمِعُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ، وَرَغْبَةً فِي طَاعَتِهِ ( «اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ» )، أَيِ: انْصَرَفَ وَانْحَرَفَ مِنْ عِنْدِ الْقَارِئِ الَّذِي يُرِيدُ وَسْوَسَتَهُ إِلَى جَانِبٍ آخَرٍ، لِتَحَلِّيهِ بِذَلِكَ الْقُرْبِ، وَتَخَلِّي الشَّيْطَانِ بِأَقْبَحِ الْبُعْدِ، وَكُلُّ مَنْ عَدْلَ لِجَانِبٍ فَهُوَ مُعْتَزِلٌ، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَتِ الْمُعْتَزِلَةُ مُعْتَزِلَةً لِاعْتِزَالِ أَوَائِلِهِمُ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ، لَمَّا سَمِعُوهُ يُقَرِّرُ خِلَافَ مُعْتَقَدِهِمُ الْفَاسِدِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ يُقَرِّرُونَ عَقِيدَتَهُمْ فَقَالَ: مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ اعْتَزَلُوا عَنَّا فَسُمُّوا بِذَلِكَ، (يَبْكِي، يَقُولُ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: هُمَا حَالَانِ مِنْ فَاعِلِ اعْتَزَلَ مُتَرَادِفَتَانِ، أَيْ: بَاكِيًا وَقَائِلًا أَوْ مُتَدَاخِلَتَانِ، أَيْ: بَاكِيًا قَائِلًا (يَا وَيْلَتَى) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَصْلُهُ: يَا وَيْلِي، فَقُلِبَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ تَاءً، وَزِيدَتْ بَعْدَهَا أَلْفٌ لِلنُّدْبَةِ، وَالْوَيْلُ: الْحُزْنُ وَالْهَلَاكُ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يَا حُزْنِي وَيَا هَلَاكِي احْضُرْ، فَهَذَا وَقْتُكَ وَأَوَانُكَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: نِدَاءُ الْوَيْلِ لِلتَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْكَرَامَةِ وَحُصُولِ اللَّعْنِ وَالْخَيْبَةِ لِلْحَسَدِ عَلَى مَا حَصَلَ لِابْنِ آدَمَ بَيَانُهُ، ( «أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ» )، أَيِ: امْتَنَعْتُ تَكَبُّرًا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ وَاسْتِحْقَارًا لِآدَمَ عليه السلام عَنْ أَنْ يَسْجُدَ إِلَيْهِ، أَيْ: يُجْعَلَ قِبْلَةً لِلسُّجُودِ إِذْ هُوَ لَمْ يَكُنْ بِوَضْعِ جَبْهَةٍ، بَلْ

ص: 722

انْحِنَاءٍ، أَوْ وَضْعِ جَبْهَةٍ لَكِنْ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا آدَمُ فَإِنَّمَا جُعِلَ قِبْلَةً فَقَطْ كَالْكَعْبَةِ (فَلِيَ النَّارُ) : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَاجِبٌ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا، وَظَاهِرُ الْمُقَابَلَةِ أَنَّهُ كَانَ مَأْمُورًا بِالسُّجُودِ لِلَّهِ تَعَالَى وَكَانَ آدَمُ قِبْلَةً فَأَبَى جَوَازَ كَوْنِهِ قِبْلَةً لَهُ لِقِيَاسٍ فَاسِدٍ أَظْهَرَهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .

ص: 723

896 -

وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، قَالَ:«كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: " سَلْ "، فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: " أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ "، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

896 -

(وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ)، أَيِ: الْأَسْلَمِيِّ (قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ) : مِنَ الْبَيْتُوتَةِ، أَيْ: أَكُونُ فِي اللَّيْلِ (مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ لَهُ فِي سَفَرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِمَّا فِي السِّفْرِ أَوِ الْحَضَرِ، وَالْمُرَادُ بِالْمَعِيَّةِ: الْقُرْبُ مِنْهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُ نِدَاءَهُ إِذَا نَادَاهُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ (فَأَتَاهُ) : أَيْ: فَأَجَاءَهُ (بِوَضُوئِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ، أَيْ: مَاءِ وَضُوئِهِ وَطَهَارَتِهِ (وَحَاجَتِهِ)، أَيْ: سَائِرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ نَحْوِ: سِوَاكٍ وَسِجَّادَةٍ (فَقَالَ لِي)، أَيْ: فِي مَقَامِ الِانْبِسَاطِ قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، أَوْ فِي مَقَامِ الْمُكَافَأَةِ لِلْخِدْمَةِ (سَلْ)، أَيِ: اطْلُبْ مِنِّي حَاجَةً، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أُتْحِفُكَ بِهَا فِي مُقَابَلَةِ خِدْمَتِكَ لِي؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ شَأْنُ الْكِرَامِ، وَلَا أَكْرَمَ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم، وَيُؤْخَذُ مِنْ إِطْلَاقِهِ عليه السلام الْأَمْرَ بِالسُّؤَالِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَكَّنَهُ مِنْ إِعْطَاءِ كُلِّ مَا أَرَادَ مِنْ خَزَائِنِ الْحَقِّ، وَمِنْ ثَمَّ عَدَّ أَئِمَّتُنَا مِنْ خَصَائِصِهِ عليه السلام أَنَّهُ يَخُصُّ مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ، كَجَعْلِهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَتَيْنِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَكَتَرْخِيصِهِ فِي النِّيَاحَةِ لِأُمِّ عَطِيَّةَ فِي آلِ فُلَانٍ خَاصَّةً، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لِلشَّارِعِ أَنْ يَخُصَّ مِنَ الْعُمُومِ مَا شَاءَ، وَبِالتَّضْحِيَةِ بِالْعِنَاقِ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ ابْنُ سَبْعٍ فِي خَصَائِصِهِ وَغَيْرُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْطَعَهُ أَرْضَ الْجَنَّةِ يُعْطِي مِنْهَا مَا شَاءَ لِمَنْ يَشَاءُ، قُلْتُ: أَسْأَلُكَ ( «فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ» )، أَيْ: كَوْنِي رَفِيقًا لَكَ إِلَى الْجَنَّةِ: بِأَنْ أَكُونَ قَرِيبًا مِنْكَ مُتَمَتِّعًا بِنَظَرِكَ (قَالَ) : وَفِي نُسْخَةٍ: فَقَالَ (أَوَ) : بِسُكُونِ الْوَاوِ وَتُفْتَحُ (غَيْرَ ذَلِكَ) : بِالنَّصْبِ وَيُرْفَعُ، قَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى} [الأعراف: 98] يَعْنِي: عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي " أَوَ " وَأَمَّا " أَهْلُ " فَمَرْفُوعٌ لَا غَيْرُ، وَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ، أَيْ: تَسْأَلُ ذَلِكَ، أَوَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ، أَوْ مَسْئُولُكَ ذَلِكَ، أَوَغَيْرَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ، فَأَوْ عَطْفٌ عَلَى مُقَرَّرٍ، فَيَجُوزُ فِي (غَيْرَ) النَّصْبُ وَالرَّفْعُ بِحَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، وَقِيلَ: الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَ (غَيْرَ) نُصِبَ، فَالْمَعْنَى: أَثَابِتٌ أَنْتَ فِي طَلَبِكَ أَمْ لَا؟ ، وَتَسْأَلُ غَيْرَهُ وَهَذَا ابْتِلَاءٌ وَامْتِحَانٌ لِيَنْظُرَ هَلْ يَثْبُتُ عَلَى ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ فَإِنَّ الثَّبَاتَ عَلَى طَلَبٍ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ مِنْ أَتَمِّ الْكَمَالَاتِ، (قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ) ، أَيْ: سُؤَالِي مُرَافَقَتَكَ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنٍ أَوْ عَاطِفَةٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ: مَسْئُولِي ذَلِكَ لَا أَتَجَاوَزُ عَنْهُ، قُلْتُ: سُبْحَانَ مَنْ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ حُسْنِ الْخِدْمَةِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ، (قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ) ، أَيْ: كُنْ لِي عَوْنًا فِي إِصْلَاحِ نَفْسِكَ لِمَا تَطْلُبُ (بِكَثْرَةِ السُّجُودِ) : فِي الدُّنْيَا حَتَّى تُرَافِقَنِي فِي الْعُقْبَى قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ الْعَالِيَةَ لَا تَحْصُلُ، بِمُجَرَّدِ السُّجُودِ، بَلْ بِهِ مَعَ دُعَائِهِ عليه السلام لَهُ وَلَّاهَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِي قَوْلِهِ " عَلَى نَفْسِكَ " إِيذَانٌ بِأَنَّ نَيْلَ الْمَرَاتِبِ الْعَلِيَّةِ، إِنَّمَا يَكُونُ بِمُخَالَفَةِ النَّفْسِ الدَّنِيَّةِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: أَوْ بِسُكُونِ الْوَاوِ، وَقَالَ مُحْيِيِ الدِّينِ: بِفَتْحِهَا، فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ تَقْتَضِي مَعْطُوفًا عَلَيْهِ وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ " تَدَّعِي " فِعْلًا، وَالْمَعْنَى عَلَيَّ: الْأَوَّلُ سَلْ غَيْرَ ذَلِكَ، فَأَجَابَ: هُوَ ذَاكَ أَيْ مَسْئُولِي ذَلِكَ " لَا أَنْتَهِي " عَنْهُ، وَعَلَى الثَّانِي: أَتَسْأَلُ هَذَا وَهُوَ شَاقٌّ وَتَتْرُكُ مَا هُوَ أَهْوَنُ مِنْهُ؟ فَأَجَابَ سُؤَالِي ذَلِكَ لَا أَتَجَاوَزُ عَنْهُ، فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِلَفْظِ ذَلِكَ إِشَارَةً إِلَى بُعْدِهِ لِيَنْتَهِيَ السَّائِلُ عَنْهُ امْتِحَانًا مِنْهُ، فَلَمَّا عَلِمَ تَصْمِيمَهُ عَلَى عَزْمِهِ، أَجَابَ بِقَوْلِهِ:" أَعْنِي "، وَفِيهِ أَنَّ مُرَافَقَةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنَّةِ لَا تَحْصُلُ إِلَّا بِقُرْبٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ص: 723

897 -

وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ، قَالَ:«لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً، قَالَ مَعْدَانُ: " ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ» "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

ــ

897 -

(وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ) : وَيُقَالُ: ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ شَامِيٌّ ثِقَةٌ قَالَهُ فِي التَّقْرِيبِ، ( «قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ» ) ، " بِالرَّفْعِ عَلَى صِفَةِ الْعَمَلِ وَكَذَلِكَ ( «يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ» ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْمَلُهُ جَوَابًا لِلْأَمْرِ، وَيُدْخِلُنِي بَدَلًا مِنْهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَعْدَانَ لَمَّا كَانَ مُعْتَقِدًا لِكَوْنِ الْأَخْبَارِ سَبَبًا لِعَمَلِهِ صَحَّ ذَلِكَ (فَسَكَتَ)، أَيْ: ثَوْبَانُ (ثُمَّ سَأَلْتُهُ) : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي زَمَانٍ آخَرَ، وَأَنْ تَكُونَ ثُمَّ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ (فَسَكَتَ) : كَأَنَّهُ يَسْتَبِينُ رَغْبَتَهُ لِخَطَرِ هَذَا الْمَسْئُولِ (ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ)، أَيْ: ثَوْبَانُ (سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ وَقَعَ لَهُ التَّثْلِيثُ فِي السُّؤَالِ أَيْضًا (فَقَالَ) : صلى الله عليه وسلم ( «عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» )، أَيِ: الْزَمْ كَثْرَتَهُ (لِلَّهِ تَعَالَى) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ السُّجُودَ لِلصَّلَاةِ أَوْ لِلتِّلَاوَةِ أَوْ لِلشُّكْرِ ( «فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً» " قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ.

ص: 724

الْفَصْلُ الثَّانِي

898 -

عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ رضي الله عنه قَالَ: " «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي.

898 -

(عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ)، أَيْ: أَرَادَ السُّجُودَ ( «وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ» ) وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ (وَإِذَا نَهَضَ)، أَيْ: أَرَادَ النُّهُوضَ وَهُوَ الْقِيَامُ ( «رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ) : وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَضَعَّفَ النَّوَوِيُّ الشَّطْرَ الثَّانِيَ؛ وَلِهَذَا مَذْهَبُنَا الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسَنُّ أَنْ يَعْتَمِدَ فِي قِيَامِهِ عَلَى بَطْنِ رَاحَتَيْهِ، وَأَصَابِعُهُ مَبْسُوطَةٌ عَلَى الْأَرْضِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِيَامِ مِنَ السُّجُودِ، وَيُقَاسُ بِهِ الْقِيَامُ مِنَ الْقُعُودِ وَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ ضَعِيفٌ، وَكَذَا خَبَرُ:«كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْهَضُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ» ، وَكَذَا خَبَرُ عَلِيٍّ رضي الله عنه: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ لَا يَعْتَمِدَ بِيَدَيْهِ إِلَّا الشَّيْخُ الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَسْتَطِعُ، وَكَذَا قَوْلُ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ: رَأَيْتُ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ - وَعَدَّهُمْ - يَقُومُونَ عَلَى صُدُورِ أَقْدَامِهِمْ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ عَطِيَّةَ هَذَا ضَعِيفٌ.

قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ الرِّوَايَةَ إِذَا كَثُرَتْ تَنْتَقِلُ مِنَ الضَّعْفِ إِلَى الْقُوَّةِ، كَيْفَ وَقَدْ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ الْحَدِيثَ الَّذِي فِي الْأَصْلِ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَجَلُّ مَنِ النَّوَوِيِّ، فَمَنَعَ وُجُودَ هَذَا النَّصِّ كَيْفَ يَصِحُّ الْقِيَامُ الْمَذْكُورُ الَّذِي ظَاهِرُ الْفَرْقِ، وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي وَسِيطِ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ، «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ وَضَعَ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ كَمَا يَضَعُ الْعَاجِزُ» ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ حَدِيثٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يَصِحُّ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ أَيْضًا:«كَانَ صلى الله عليه وسلم إِذَا نَهَضَ نَهَضَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذَيْهِ» ، قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ: وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ هَذِهِ مُوَافِقَةٌ لِمَا قَبْلَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا رَفْعَ يَدَيْهِ تَعَيَّنَ نُهُوضُهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ؛ إِذْ لَمْ يَبْقَ مَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمَا، وَقَوْلُهُ: وَاعْتَمَدَ عَلَى فَخِذِهِ أَيِ اعْتَمَدَ بِيَدِهِ عَلَى فَخِذِهِ يَسْتَعِينُ بِذَلِكَ عَلَى النُّهُوضِ.

ص: 724

899 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ وَلْيَرْفَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ:" حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا "، وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ.

ــ

899 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ» ) : نَهْيٌ، وَقِيلَ: نَفْيٌ ( «كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ» )، أَيْ: لَا يَضَعْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ شُبِّهَ ذَلِكَ بِبُرُوكِ الْبَعِيرِ، مَعَ أَنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رِجْلَيْهِ؛ لِأَنَّ رُكْبَةَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلِ، وَرُكْبَةَ الدَّوَابِّ فِي الْيَدِ، وَإِذَا وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا فَقَدْ شَابَهَ الْإِبِلَ فِي الْبُرُوكِ (وَلْيَضَعَ) : بِسُكُونِ اللَّامِ وَتُكْسَرُ ( «يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ» ) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: كَيْفَ هِيَ عَنْ بُرُوكِ الْبَعِيرِ، ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، وَالْبَعِيرُ يَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ؛ وَالْجَوَابُ: الرُّكْبَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَمِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ فِي الْيَدَيْنِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : قَالَ مِيرَكُ: وَهَذَا لَفْظُهُ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ (وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: سَنَدُهُ جَيِّدٌ (قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ) : مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ (حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى أَنَّ الْأَحَبَّ لِلسَّاجِدِ أَنْ يَضَعَ رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ، لِمَا رَوَاهُ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ بِعَكْسِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ عِنْدَ أَرْبَابِ النَّقْلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَوَجْهُ كَوْنِهِ أَثْبَتَ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ صَحَّحُوهُ، وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ أَنَّ فِي سَنَدِهِ شَرِيكًا الْقَاضِيَ، وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ؛ لِأَنَّ مُسْلِمًا رَوَى لَهُ فَهُوَ عَلَى شَرْطِهِ عَلَى أَنَّ لَهُ طَرِيقَيْنِ آخَرَيْنِ فَيَجْبُرُهُمَا، (وَقِيلَ: هَذَا) ، أَيْ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَنْسُوخٌ) .

قَالَ مِيرَكُ: نَاقِلًا عَنِ التَّصْحِيحِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: هَذَا الْحَدِيثُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ:«كُنَّا نَضَعُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ الرُّكْبَتَيْنِ، فَأَمَرَنَا بِوَضْعِ الرُّكْبَتَيْنِ قَبْلَ الْيَدَيْنِ» ، رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، فَلَوْلَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَابِقًا عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ النَّسْخُ مَرَّتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ آخِرُهُ انْقَلَبَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَضَعُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ يُخَالِفُ آخِرَهُ، فَإِنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ فَقَدْ بَرَكَ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، فَإِنَّ الْبَعِيرَ يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذَا لَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ يَبْقَ اعْتِمَادٌ عَلَى رِوَايَةِ رَاوٍ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً، ثُمَّ قَالَ، فَإِنْ قِيلَ: رُكْبَتَا الْبَعِيرِ فِي يَدَيْهِ لَا فِي رِجْلَيْهِ، فَهُوَ إِذَا بَرَكَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، فَهَذَا هُوَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، قُلْتُ: هَذَا فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ.

الْأَوَّلُ: أَنَّ الْبَعِيرَ إِذْ بَرَكَ فَإِنَّهُ يَضَعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا، وَتَبْقَى رِجْلَاهُ قَائِمَتَيْنِ، وَإِذَا نَهَضَ فَإِنَّهُ يَنْهَضُ بِرِجْلَيْهِ أَوَّلًا، وَتَبْقَى يَدَاهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ عليه السلام وَفَعَلَ خِلَافَهُ اهـ، وَفِيهِ أَنَّهُ مَحَلُّ النِّزَاعِ، ثُمَّ قَالَ: فَكَانَ عليه السلام أَوَّلُ مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الْأَرْضِ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَيْهَا، وَأَوَّلُ مَا يُرْفَعُ عَنِ الْأَرْضِ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى مِنْهَا، فَكَانَ يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَ رَأْسَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، قُلْتُ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ التَّأْوِيلِ، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا عَكْسُ فِعْلِ الْبَعِيرِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم نَهَى فِي الصَّلَاةِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالْحَيَوَانَاتِ، فَنَهَى عَنْ بُرُوكٍ كَبَرُوكِ الْبَعِيرِ، وَالْتِفَاتٍ كَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ، وَافْتِرَاشٍ كَافْتِرَاشِ السَّبْعِ، وَإِقْعَاءٍ كَإِقْعَاءِ

ص: 725

الْكَلْبِ، وَنَقْرَةٍ كَنَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَرَفْعِ الْأَيْدِي حَالَ السَّلَامِ كَأَذْنَابِ الْخَيْلِ الشُّمْسِ بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْمِيمِ، جَمْعُ شَمُوسٍ، أَيْ: صَعْبٍ قُلْتُ: قَيْدُ حَالِ السَّلَامِ تَأْوِيلٌ فِي مَذْهَبِ الْقَائِلِ، وَأَمَّا عِنْدَنَا فَمُطْلَقٌ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ دُونَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ قَالَ: فَحَالُ الْمُصَلِّي مُخَالِفٌ لِحَالِ الْحَيَوَانَاتِ، الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: رُكْبَتَا الْبَعِيرِ فِي يَدَيْهِ كَلَامٌ لَا يُعْقَلُ وَلَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الرُّكْبَةُ فِي الرِّجْلَيْنِ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى الَّتِي فِي الْيَدَيْنِ رُكْبَةٌ، فَتَجَوُّزٌ أَوْ تَغْلِيبٌ، قُلْتُ: فَيَجُوزُ التَّجْوِيزُ لِتَصْحِيحِ الْكَلَامِ حِينَ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ، مَعَ أَنَّ صَاحِبَ الْقَامُوسِ قَالَ: الرُّكْبَةُ بِالضَّمِّ مَوْصِلُ مَا بَيْنَ أَسْفَلِ أَطْرَافِ الْفَخِذِ وَأَعَالِي السَّاقِ، أَوْ مِرْفَقُ الذِّرَاعِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ قَالَ: الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَقَالَ: فَلْيَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ مِنْهُ، قُلْتُ: هَذَا حُكْمٌ غَرِيبٌ وَأَمْرٌ عَجِيبٌ، وَمَنْ تَأَمَّلَ بُرُوكَ الْبَعِيرِ، وَعَلِمَ نَهْيَهُ عليه السلام عَنْ بُرُوكٍ كَبُرُوكِ الْبَعِيرِ، عَلِمَ أَنَّ حَدِيثَ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ هُوَ الصَّوَابُ اهـ، وَلَمْ يَظْهَرْ وَجْهُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَنَا الْعَمَلُ بِالْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَمَذْهَبَ مَالِكٍ الْعَمَلُ بِالثَّانِي، وَلِكُلٍّ وَجْهٌ وَلَمَّا تَكَافَأَ الْحَدِيثَانِ فِي أَصْلِ الصِّحَّةِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: لَمْ يَظْهَرْ لِي تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمَذْهَبَيْنِ مِنْ حَيْثُ السُّنَّةُ اهـ.

وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا وَإِنْ لَمْ نَقُلْ بِالنَّسْخِ؛ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَيْهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ الْأَوَّلُ أَصَحُّ فَقُدِّمَ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي قَالَ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، وَأَيْضًا فَهُوَ أَرْفَقُ بِالْمُصَلِّي وَأَحْسَنُ فِي الشَّكْلِ وَرَأْيِ الْعَيْنِ.

ص: 726

900 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: " «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

ــ

900 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» ) : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّطَوُّعِ عِنْدَنَا (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي)، أَيْ: ذُنُوبِي أَوْ تَقْصِيرِي فِي طَاعَتِي (وَارْحَمْنِي)، أَيْ: مِنْ عِنْدِكَ لَا بِعَمَلِي: أَوِ ارْحَمْنِي بِقَبُولِ عِبَادَتِي (وَاهْدِنِي) : لِصَالِحِ الْأَعْمَالِ أَوْ ثَبِّتْنِي عَلَى دِينِ الْحَقِّ (وَعَافِنِي) : مِنَ الْبَلَاءِ فِي الدَّارَيْنِ، أَوْ مِنَ الْأَمْرَاضِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ (وَارْزُقْنِي) : رِزْقًا حَسَنًا أَوْ تَوْفِيقًا فِي الطَّاعَةِ، أَوْ دَرَجَةً عَالِيَةً فِي الْآخِرَةِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ فِيهِ: رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ:" وَاجْبُرْنِي "، أَيِ: اجْبُرْ كَسْرِي، وَأَزِلْ فَقْرِي، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ: " وَارْفَعْنِي، أَيْ: فِي الدَّارَيْنِ.

ص: 726

901 -

وَعَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ:" رَبِّ اغْفِرْ لِي» ". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

901 -

(وَعَنْ حُذَيْفَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: " رَبِّ اغْفِرْ لِي» " رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) : مِنْ حَدِيثٍ أَطْوَلَ مِنْهُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَلَفْظُهُمَا:" «رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي» " مُكَرَّرًا ثَلَاثًا، نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ الشَّيْخِ، (وَالدَّارِمِيُّ) .

ص: 726

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

902 -

عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ، قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

902 -

(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ) : بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، ابْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ، الْأَوْسِيِّ، الْمَدَنِيِّ، أَحَدِ النُّقَبَاءِ، نَزِيلِ حِمْصٍ، مَاتَ أَيَّامَ مُعَاوِيَةَ كَذَا نَقَلَهُ مِيرَكُ عَنِ التَّقْرِيبِ (قَالَ:«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَقْرَةِ الْغُرَابِ» ) : بِفَتْحِ النُّونِ يُرِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي تَخْفِيفِ السُّجُودِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْكُثُ فِيهِ إِلَّا قَدْرَ

ص: 726

وَضَعَ الْغُرَابُ مِنْقَارَهُ فِيمَا يُرِيدُ أَكْلَهُ ( «وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ» ) : وَهُوَ أَنْ يَضَعَ سَاعِدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فِي السُّجُودِ (وَأَنْ يُوَطِّنَ) : بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهَا ( «الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ» ) : يُقَالُ: أَوْطَنَ الْأَرْضَ وَوَطَّنَهَا وَاسْتَوْطَنَهَا إِذَا اتَّخَذَهَا وَطَنًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي النِّهَايَةِ، عَنِ الْحُلْوَانِيِّ: أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الصَّوْمِ عَنْ أَصْحَابِنَا، يُكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَ فِي الْمَسْجِدِ مَكَانًا مُعَيَّنًا يُصَلِّي فِيهِ ; لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَصِيرُ لَهُ طَبْعًا فِيهِ، وَتَثْقُلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْعِبَادَةُ إِذَا صَارَتْ طَبْعًا فَسَبِيلُهَا التَّرْكُ، وَلِذَا كُرِهَ صَوْمُ الْأَبَدِ اهـ، فَكَيْفَ مَنِ اتَّخَذَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ فَاسِدٍ؟ اهـ.

وَفِي النِّهَايَةِ: قِيلَ مَعْنَاهُ أَنْ يَأْلَفَ الرَّجُلُ مَكَانًا مَعْلُومًا مِنَ الْمَسْجِدِ مَخْصُوصًا بِهِ يُصَلِّي فِيهِ، كَالْبَعِيرِ لَا يَأْوِي عَنْ عَطَنٍ إِلَّا إِلَى مَبْرَكٍ دَمِثٍ قَدْ أَوْطَنَهُ وَاتَّخَذَهُ مُنَاخًا، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنْ يَبْرُكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ إِذَا أَرَادَ السُّجُودَ مِثْلَ بُرُوكِ الْبَعِيرِ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي: لَا يَصِحُّ هُنَا لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِهِ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ أُرِيدَ هَذَا الْمَعْنَى لَمَا اخْتُصَّ النَّهْيُ بِالْمَكَانِ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا ذُكِرَ قَالَ: عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْأَوَّلُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَحِكْمَتُهُ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الشُّهْرَةِ، وَالرِّيَاءِ، وَالسُّمْعَةِ، وَالتَّقَيُّدِ بِالْعَادَاتِ، وَالْحُظُوظِ، وَالشَّهَوَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ آفَاتٌ، أَيْ آفَاتٌ فَتَعَيَّنَ الْبُعْدُ عَمَّا أَدَّى إِلَيْهَا مَا أَمْكَنَ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي " صَحِيحَيْهِمَا، قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ.

وَعَنْ أَبِي عُمَرَ مَرْفُوعًا: " «إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا تَنْقُرْ نَقْرًا» " رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ حَذَفَ لَفْظَ:" مِنَ الْأَرْضِ " وَمِنَ الْعَجَبِ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: أَنَّهُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، نَعَمْ لَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى ضَعِيفَةٌ أَخْرَجَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُلَقِّنِ.

ص: 727

903 -

وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: يَا عَلِيُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

ــ

903 -

(وَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " يَا عَلِيُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي» ) : الْمَقْصُودُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لِوُقُوعِ النَّصِيحَةِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعَ كُلِّ مُؤْمِنٍ كَذَلِكَ (لَا تُقْعِ) : بِضَمِّ التَّاءِ (بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) : قِيلَ: الْإِقْعَاءُ أَنْ يُلْصِقَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَيَنْصِبَ سَاقَيْهِ، وَيَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْكَلْبِ، وَقِيلَ: أَنْ يَضَعَ أَلْيَتَيْهِ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَقِيلَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ نَاصِبًا قَدَمَيْهِ وَفَخِذَيْهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، قَالَ: إِقْعَاءُ الْكَلْبِ فِي نَصْبِ الْيَدَيْنِ، وَإِقْعَاءُ الْآدَمِيِّ فِي نَصْبِ الرُّكْبَتَيْنِ إِلَى صَدْرِهِ، وَذَكَرَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ، أَيْ: لَا تَجْلِسْ عَلَى أَلْيَتَيْكَ نَاصِبًا فَخِذَيْكَ ; لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ، أَوْ لَا تَجْلِسْ عَلَى عَقِبَيْكَ ; لِأَنَّ هَذَا مَكْرُوهٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، لَكِنْ وَرَدَ فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ: الْإِقْعَاءُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ سُنَّةٌ، وَزَعَمَ الْخَطَّابِيُّ حُرْمَتَهُ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ - ضَعِيفٌ، (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) .

ص: 727