الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
-
1013 -
وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَا يَتَكَلَّمْ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ، رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
1013 -
(وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ)، أَيِ: الرَّجُلُ (يُصَلِّي فَسَلَّمَ)، أَيِ: ابْنُ عُمَرَ (عَلَيْهِ، فَرَدَّ الرَّجُلُ)، أَيْ: عليه السلام (كَلَامًا)، أَيْ: رَدًّا ذَا كَلَامٍ، وَالْمَعْنَى رَدُّ كَلَامٍ لَا رَدُّ إِشَارَةٍ (فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ: إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ: عَلَى أَحَدٍ (وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمُ، وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ) : وَلَعَلَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ الْحَقِيقِيِّ بِالْحُكْمِيِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْإِشَارَةِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِذَارِهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا يُشَارُ لِلْمَارِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ رَدِّ السَّلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، (رَوَاهُ مَالِكٌ) .
[بَابُ السَّهْوِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
1014 -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
(20)
بَابُ السَّهْوِ أَيْ: حُكْمُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ هُنَا، فَيَشْمَلُ: الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ لُغَةً: الْغَفْلَةُ عَنِ الشَّيْءِ، وَذَهَابُ الْقَلْبِ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَضِيَّتُهُ أَنَّ السَّهْوَ وَالنِّسْيَانَ مُتَرَادِفَانِ، أَوِ الْمُرَادُ: سُجُودُ السَّهْوِ وَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَنَا بِتَرْكِ وَاجِبٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
1014 -
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ ")، أَيْ: شَرَعَ وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: ذَكَرَ الْقِيَامَ لِلْغَالِبِ (" يُصَلِّي جَاءَ الشَّيْطَانُ ") : " أَلْـ " فِيهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ وَهُوَ إِبْلِيسُ أَوِ الشَّيْطَانُ الْمُسَلَّطُ عَلَى الْمُصَلِّينَ مِنْ مَرَدَتِهِ وَأَعْوَانِهِ (" فَلَبَسَ ") : بِالتَّخْفِيفِ وَيُشَدَّدُ، أَيْ: خَلَطَ (" عَلَيْهِ ") : وَشَوَّشَ خَاطِرَهُ، فِي النِّهَايَةِ: لَبَسْتُ الْأَمْرَ، بِالْفَتْحِ، أَلْبَسُهُ إِذَا خَلَطْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] وَرُبَّمَا شُدِّدَ لِلتَّكْثِيرِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا: هُوَ بِالتَّخْفِيفِ، أَيْ: خَلَطَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَشَبَّهَهَا عَلَيْهِ وَشَكَّكَهُ فِيهَا، نَقَلَهُ مِيرَكُ (" حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ ")، أَيْ: رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ غَيْرَهُمَا لِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ وَتَشَتُّتِ سِرِّهِ، (" فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ ")، أَيِ: التَّرَدُّدَ وَعَدَمَ الْعِلْمِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ (" أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ ")، أَيْ: وُجُوبًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَنَدْبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ (" سَجْدَتَيْنِ ")، أَيْ: لِلسَّهْوِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهُ لَا زِيَادَةَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ سَهَا بِأُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، (" وَهُوَ جَالِسٌ ") : بَعْدَ السَّلَامِ عِنْدَنَا وَقَبْلَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِيهِ تَفْصِيلٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذُكِرَ فِي الْفَتَاوَى الْخَاقَانِيَّةِ رَجُلٌ صَلَّى وَلَمْ يَدْرِ مَثَلًا أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ قَالَ: إِنْ كَانَ أَوَّلَ مَا سَهَا اسْتَأْنَفَ فَقِيلَ: أَوَّلُ مَا سَهَا فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ فِي سُنَّتِهِ، وَقِيلَ بَعْدَ بُلُوغِهِ، وَقِيلَ أَوَّلُ مَا سَهَا فِي عُمْرِهِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْمَشَايِخِ وَلَا يَتَحَرَّى مَا هُوَ الْأَحْرَى، فَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً مِنْ ثُنَائِيَّةٍ يُضِيفُ إِلَيْهَا أُخْرَى وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ وَقَعَ تَحَرِّيهِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَقْعُدُ وَيَتَشَهَّدُ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ تَحَرِّيهِ عَلَى شَيْءٍ أَخَذَ بِالْأَقَلِّ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مَثَلًا يَجْعَلُ كَأَنَّهُ صَلَّى رَكْعَةً فَيَقْعُدُ مَعَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالْقَعْدَةُ عَلَيْهِ فَرْضٌ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ.
1015 -
وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ "، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا، وَفِي رِوَايَتِهِ:" شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ".
ــ
1015 -
(وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ) : هُوَ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ ")، أَيْ: تَرَدَّدَ بِلَا رُجْحَانٍ فَإِنَّهُ مَعَ الظَّنِّ يَبْنِي عَلَيْهِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، (" فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا ") : تَمْيِيزٌ رَافِعٌ لِإِبْهَامِ الْعَدَدِ فِي كَمْ (" أَوْ أَرْبَعًا ")، أَيْ: مَثَلًا (" فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ ")، أَيْ: مَا يَشُكُّ فِيهِ وَهُوَ الرَّكْعَةُ الرَّابِعَةُ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (" وَلْيَبْنِ ") : بِسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِهِ (" عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ")، أَيْ: عَلِمَ يَقِينًا وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ (" ثُمَّ يَسْجُدْ ") : بِالْجَزْمِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ (" سَجْدَتَيْنِ ") : فِي الْأَزْهَارِ: وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَطْفًا عَلَى لِيَبْنِ، وَالرَّفْعُ خَبَرٌ أَوْ بِمَعْنَى الْأَمْرِ إِشَارَةً إِلَى الْمُغَايَرَةِ فِي الْحُكْمِ وُجُوبًا أَوْ نَدْبًا (" قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ") .
قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: مَوْضِعُهُ بَعْدَ السَّلَامِ، وَتَمَسُّكًا بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، قُلْتُ: الْحَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي وَافَقَهُمَا الْأَرْبَعَةُ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ فَالْعِلْمُ بِالْأَصَحِّ وَالْأَكْثَرِ أَوْلَى، ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَالَ مَالِكٌ - وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيِمٌ لِلشَّافِعِيِّ - إِنْ كَانَ السُّجُودُ لِنُقْصَانٍ قَدَّمَ وَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ أَخَّرَ، وَحَمَلُوا الْأَحَادِيثَ عَلَى الصُّورَتَيْنِ تَوْفِيقًا بَيْنَهُمَا، قُلْتُ: لَكِنْ أَبُو يُوسُفَ أَلْزَمَ مَالِكًا بِقَوْلِهِ: فَكَيْفَ إِذَا وَقَعَ نُقْصَانٌ وَزِيَادَةٌ؟ ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَاقْتَفَى أَحْمَدُ مَوَارِدَ الْحَدِيثِ وَفَصَلَ بِحَسْبِهَا فَقَالَ: إِنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَدَّمَ وَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا ثُمَّ تَدَارَكَهُ أَخَّرَ، وَكَذَا إِنْ فَعَلَ مَا لَا نَقْلَ فِيهِ، قُلْتُ: هُوَ أَيْضًا فِيمَا لَا نَقْلَ فِيهِ مُشْتَرَكُ الْإِلْزَامِ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي الْأَفْضَلِ لَا فِي الْجَوَازِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(" فَانْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا ") : تَعْلِيلٌ لِلْأَمْرِ بِالسُّجُودِ، أَيْ: فَإِنْ كَانَ مَا صَلَّاهُ فِي الْوَاقِعِ أَرْبَعًا فَصَارَ خَمْسًا بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِ رَكْعَةً أُخْرَى (" شَفَعْنَ ") : بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِهَا (" لَهُ صَلَاتَهُ ") : وَإِسْنَادُ الْفِعْلِ إِلَى الْخَمْسِ مَجَازِيٌّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: الضَّمِيرُ فِي " شَفَعْنَ " لِلرَّكَعَاتِ الْخَمْسِ، وَفِي " لَهُ " لِلْمُصَلِّي يَعْنِي: شَفَعَتِ الرَّكَعَاتُ الْخَمْسُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ بِالسَّجْدَتَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْآتِي: شَفَعَهَا هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، أَيْ: شَفَعَ الْمُصَلِّي الرَّكَعَاتِ الْخَمْسَ بِالسَّجْدَتَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ الرَّكْعَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّجْدَتَانِ لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ، كَانَتِ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَانِ نَافِلَةً لَهُ، أَيْ: وَصَارَتْ صَلَاتُهُ شَفْعًا بَاقِيًا عَلَى حَالِهِ، وَفِيهِ أَوْضَحُ رَدٍّ عَلَى مَنْ قَالَ: يَأْتِي بِرَكْعَةٍ سَادِسَةٍ حَتَّى تَصِيرَ صَلَاتُهُ شَفْعًا؛ انْتَهَى، وَفِيهِ أَنَّ الشَّفْعَ الْحُكْمِيَّ مَا يُنَافِي الشَّفْعَ الْحَقِيقِيَّ، وَأَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ، وَجَعَلَ كَلَامَ الطِّيبِيِّ بِالْمُحَالِ أَشْبَهَ، وَيُشْبِهُ أَنَّهُ مَا فَهِمَ كَلَامَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَهُوَ قَدْ أَرَادَ بِهِ الْمَجَازَ، (" وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ ") : قِيلَ نَصْبُهُ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ يَعْنِي: إِنْ كَانَ صَلَّى مَا يَشُكُّ فِيهِ لِإِتْمَامِ أَرْبَعٍ، وَقِيلَ: أَنَّهُ حَالٌ، أَيْ: إِنْ صَلَّى مَا شَكَّ فِيهِ حَالَ كَوْنِهِ مُتَمِّمًا لِلْأَرْبَعِ، فَيَكُونُ قَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، (" كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ ")، أَيْ: وَإِنْ صَارَتْ صَلَاتُهُ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ أَرْبَعًا كَانَتَا، أَيِ: السَّجْدَتَانِ تَرْغِيمًا، أَيْ: إِذْلَالًا لِلشَّيْطَانِ حَيْثُ أَتَى مَا أَبَى عَنْهُ لِلْعَيْنِ، قَالَ الْقَاضِي: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَسْجُدَ إِذِ الْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا، لَكِنَّ صَلَاتَهُ لَا تَخْلُو عَنْ أَحَدِ خَلَلَيْنِ: إِمَّا الزِّيَادَةُ وَإِمَّا أَدَاءُ الرَّابِعَةِ عَلَى التَّرَدُّدِ، فَيَسْجُدُ جَبْرًا لِلْخَلَلِ، وَالتَّرَدُّدُ لَمَّا كَانَ مِنْ تَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسِهِ سُمِّيَ جَبْرُهُ تَرْغِيمًا لَهُ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْحَدِيثُ مُتَّصِلٌ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَا يَضُرُّ تَقْصِيرُ مَنْ أَرْسَلَهُ ; لِأَنَّ الَّذِينَ وَصَلُوهُ حُفَّاظٌ مَقْبُولَةٌ زِيَادَتُهُمْ، (وَفِي رِوَايَتِهِ)، أَيْ: رِوَايَةِ مَالِكٍ بَدَلَ: " شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ "، (" شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ ")، أَيْ: لَمَّا بَنَى عَلَى الْيَقِينِ وَصَلَّى رَكْعَةً أُخْرَى، فَإِذَا صَارَتْ صَلَاتُهُ خَمْسًا شَفَعَهَا، أَيْ: جَعَلَ الْخَمْسَ شَفْعًا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ، لِأَنَّهَا تَصِيرُ سِتًّا بِهِمَا حَيْتُ أَتَى بِمُعْظَمِ أَرْكَانِ الرَّكْعَةِ وَهُوَ السُّجُودُ، فَكَأَنَّهُ أَتَى بِالرَّكْعَةِ السَّادِسَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ هُنَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُصَلِّي رَكْعَةً سَادِسَةً سَهْوٌ ظَاهِرٌ وَخَطَأٌ بَاهِرٌ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ هُنَا فِي الْمُقَدَّرِ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْمُحَقَّقِ، نَعَمْ كَلَامُهُ يُلَائِمُ الْحَدِيثَ الْآتِي، مَعَ أَنَّ ضَمَّ رَكْعَةٍ أُخْرَى مَنْدُوبٌ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: " «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيُلْقِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ تَامَّةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَةُ نَافِلَةً لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةً كَانَتِ الرَّكْعَةُ إِتْمَامًا لِلصَّلَاةِ، وَالسَّجْدَتَانِ مُرْغِمَتَانِ أَنْفَ الشَّيْطَانِ» "، وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِعَدَمِ وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا؛ انْتَهَى، وَهُوَ غَيْرُ مُحْتَمَلٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا فِي النَّظَرِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
1016 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ " قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ، وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
1016 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا» ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ: " زَادَ أَوْ نَقَصَ " عَلَى الشَّكِّ (فَقِيلَ لَهُ)، أَيْ: بَعْدَ أَنْ سَلَّمَ (أَزِيدَ) : بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهَامِ (فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: " وَمَا ذَاكَ؟ ") : أَوْ مَا ذَاكَ الْقَوْلُ أَوْ مَا سَبَبُ قَوْلِكَ هَذَا؟ يَعْنِي لِمَ تَقُولُونَ أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقِيلَ: " مَا " نَافِيَةٌ، وَذَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّذْكِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَصْدَرِ، أَوْ بِتَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ، (قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا) : وَهُوَ مَحْمُودٌ عِنْدَنَا عَلَى أَنَّهُ قَعَدَ فِي الرَّابِعَةِ وَإِلَّا يَتَحَوَّلُ الْفَرْضُ نَفْلًا، (فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَمَا سَلَّمَ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، وَلَا يُنَافِي هَذَا مَذْهَبَنَا أَنَّ السُّجُودَ قَبْلَ السَّلَامِ مُطْلَقًا، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِزِيَادَةِ الرَّكْعَةِ إِلَّا بَعْدَ السَّلَامِ حِينَ سَأَلُوهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ لِتَعَذُّرِهِ قَبْلَهُ.
قُلْتُ: مَا كَانَ السَّلَامُ مُتَعَذِّرًا بَعْدَ السُّجُودِ لِيَقَعَ السَّلَامُ آخِرًا قَصْدًا لِكَوْنِهِ رُكْنًا عِنْدَكُمْ، فَإِنَّ السَّلَامَ الْأَوَّلَ لَا يُعْبَأُ بِهِ لِعَدَمِ وُقُوعِهِ فِي مَحَلِّهِ، مَعَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ أَعَادَ السَّلَامَ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالسَّلَامِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَمِنَ الْغَرِيبِ قَوْلُ ابْنِ الْمَلَكِ لِأَنَّهُ عليه السلام عَلِمَ السَّهْوَ بَعْدَهُ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِهِ يَرُدُّهُ فَقَوْلُهُ عليه السلام فِي آخِرِ الْحَدِيثِ:" ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثُمَّ يَسْجُدْ "، وَالْكَلَامُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ كَانَ جَائِزًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَتَابَعُوهُ لِتَجْوِيزِهِمُ الزِّيَادَةَ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ كَانَ قَابِلًا لِذَلِكَ كَذَا قِيلَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّهُمْ سَلَّمُوا جَاهِلِينَ بِأَنَّ عَلَيْهِمْ سَهْوًا وَتَكَلَّمُوا مُعْتَقِدِينَ فَرَاغَ الصَّلَاةِ، فَلَمَّا عَادَ عليه السلام عَادُوا مَعَهُ، وَاغْتُفِرَ لَهُمْ مَا وَقَعَ مِنْهُمْ لِعُذْرِهِمْ؛ انْتَهَى، وَعَلَى مُقْتَضَى مَذْهَبِنَا أَنَّ الْمُتَابَعَةَ وَاجِبَةٌ فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَلَا إِشْكَالَ.
(وَفِي رِوَايَةٍ، قَالَ)، أَيْ: بَعْدَ الصَّلَاةِ (" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ")، أَيْ: فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ الْبَشَرِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ يُوحَى إِلَيَّ (" أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي ") : فَكَانَ حَقُّهُمْ أَنْ يُذَكِّرُوهُ بِالْإِشَارَةِ عِنْدَ إِرَادَةِ قِيَامِهِ إِلَى الْخَامِسَةِ، (" وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ ") : التَّحَرِّي: طَلَبُ الْحَرِيِّ: وَهُوَ اللَّائِقُ وَالْحَقِيقُ وَالْجَدِيرُ، أَيْ: فَلْيَطْلُبْ بِغَلَبَةِ ظَنِّهِ وَاجْتِهَادِهِ، أَيِ:(" الصَّوَابَ ") : قَالَ الطِّيبِيُّ: التَّحَرِّي: الْقَصْدُ، وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّلَبِ، وَالْعَزْمُ عَلَى تَحْصِيلِ الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ، وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ فِي (" فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ") : رَاجِعٌ إِلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ فَلْيَتَحَرَّ، وَالْمَعْنَى فَلْيُتِمَّ عَلَى ذَلِكَ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ بِأَنْ يَضُمَّ إِلَيْهِ رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَلْيَقْعُدْ فِي مَوْضِعٍ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُولَى وُجُوبًا، وَفِي مَكَانٍ يَحْتَمِلُ الْقَعْدَةَ الْأُخْرَى فَرْضًا، وَبَقِيَ حُكْمٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ اجْتِهَادٌ وَغَلَبَةُ ظَنٍّ فَلْيَبْنِ عَلَى الْأَقَلِّ الْمُسْتَيْقَنِ، كَمَا سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ، (" ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ ") : بِالْجَزْمِ، وَقِيلَ بِالرَّفْعِ (" سَجْدَتَيْنِ ") : وَ " ثُمَّ " لِمُجَرَّدِ التَّعْقِيبِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ وَلَوْ وَقَعَ تَرَاخٍ يَجُوزُ مَا لَمْ يَقَعْ مِنْهُ مُنَافٍ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ " ثُمَّ " بِمَعْنَى الْوَاوِ هُنَا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَصَرِيحُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ قَوْلَهُ: " بَعْدَمَا سَلَّمَ " رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إِذْ لَمْ يَرْوِهِ مُسْلِمٌ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُصَنِّفُ كَأَصْلِهِ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ كَثِيرًا لَكِنَّ عُذْرَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ اتِّفَاقَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى أَصْلِ إِخْرَاجِهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَيَا فِي كُلِّ أَلْفَاظِهِ، فَاسْتَحْضِرْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
قُلْتُ: هَذَا التَّقْدِيرُ وَقَعَ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيرٍ، إِذْ الِاعْتِرَاضُ أَنَّ قَوْلَهُ: بَعْدَ مَا سَلَّمَ، لَيْسَ إِلَّا مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، وَإِلَّا فَأَيُّ لَفْظٍ يَكُونُ لِمُسْلِمٍ يُؤَدِّي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَبْعُدُ غَايَةَ الْبُعْدِ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ مُسْلِمٍ بَعْدَ السَّلَامِ مَثَلًا، وَيَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ بِجَعْلِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ، وَلِذَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: إِنَّ الِاتِّحَادَ فِي اللَّفْظِ لَيْسَ عِبَارَةً عَنْ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ الْعِبَارَةُ، بَلْ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ اللَّفْظَانِ فِي الصَّوْغِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ، وَالِاتِّحَادُ فِي الْمَعْنَى أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَسُوقًا بِمَعْنًى، وَيَلْزَمُ مَا سَبَقَ لَهُ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ الْمُحَدِّثِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالتَّابِعِ، وَذَكَرُوا أَنَّ الشَّاهِدَ: حَدِيثٌ بِمَعْنَى حَدِيثٍ، وَالتَّابِعَ: مَا يَكُونُ بِلَفْظِهِ، وَذَكَرُوا فِي مِثَالِ الْمُتَابَعَةِ قَوْلَهُ عليه السلام:" «أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ» " وَجَعَلُوهُ مُتَابِعًا لِقَوْلِهِ: " «لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَاسْتَمْتَعُوا بِهِ» " وَذَكَرُوا شَاهِدًا لَهُ قَوْلَهُ: " «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» " فَأَحْسِنِ التَّأَمُّلَ؛ لَوْ بَلَغْتَ حَقِيقَةَ التَّحْقِيقِ بِمَعُونَةِ التَّوْفِيقِ.
1017 -
ــ
1017 -
(وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ: تَابِعِيٌّ مَشْهُورٌ، قَالَ مَوْلَانَا عِصَامُ الدِّينِ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ كَغِسْلِينَ، وَأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا الْعَلَمِيَّةُ، لَكِنْ قُيِّدَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ بِالْفَتْحِ، وَوَجْهُهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَالْعُجْمَةُ فِيهِ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بِلَادِ الْعَرَبِ، قُلْتُ: إِنَّهُ مَضْبُوطٌ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ وَالْأُصُولِ الْحَاضِرَةِ بِالْفَتْحِ، وَيُوَجَّهُ مَنْعُ صَرْفِهِ عَلَى رَأْيِ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي اعْتِبَارِ مُطْلَقِ الزَّائِدَيْنِ كَحَمْدُونَ وَعِلِّيُّونَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْجَعْبَرِيُّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، مَوْلَى أَنَسٍ، وُلِدَ لِسَنَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ، وَأَدْرَكَ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا، أُمَّةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْوَرَعِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، لَمَّا رَأَى أَنَّ الْجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتِ الثُّرَيَّا أَوْصَى وَقَالَ: يَمُوتُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، ثُمَّ أَنَا لِأَنَّهُ أَشْرَفُ مِنِّي فَمَاتَ قَبْلَهُ بِمِائَةِ يَوْمٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: أَمَّنَا، يَدْخُلُ فِيهِ حَرْفُ التَّعْدِيَةِ، فَيُفِيدُ مَعْنَى قَوْلِنَا: أَمَّنَا فَجَعَلَنَا مِنَ الْمُؤْتَمِّينَ بِصَلَاتِهِ، وَقَوْلُهُ: صَلَّى لَنَا؛ اللَّامُ فِيهِ قَائِمٌ مَقَامَ الْبَاءِ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ صَلَّى مِنْ أَجْلِنَا لِمَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ مِنْ فَائِدَةِ الْجَمَاعَةِ، وَيُصِيبُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَرَكَةِ بِسَبَبِ الِاقْتِدَاءِ، قُلْتُ: وَالْبَاءُ تُحْتَمَلُ أَيْضًا لِلسَّبَبِيَّةِ، فَتَكُونُ فِي مَعْنَى اللَّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ، (إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ عَلَى مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، يَأْتِ فِي رِوَايَةٍ: جَزَمَ بِالظُّهْرِ، وَفِي أُخْرَى بِالْعَصْرِ، قَالَ: وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ فِي الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ. وَالْعَشِيُّ: مِنْ حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَغِيبَ اهـ.
فَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِمَّا الْمَغْرِبُ وَإِمَّا الْعِشَاءُ غَيْرُ صَحِيحٍ رِوَايَةً وَدِرَايَةً، وَالْعَشِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ، وَضَبَطَهُ ابْنُ حَجَرٍ هُنَا وَقَالَ: بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مِنَ الْعُشَاءِ، وَهُوَ الظُّلْمَةُ، وَمِنْهُ عَشَا الْبَصَرُ وَأَظْلَمُ اهـ، وَقَدْ خَبَطَ خَبْطَ عُشْوَاءٍ، أَيْ: رَكَّبَهُ عَلَى غَيْرِ بَصِيرَةٍ، فَفِي الْقَامُوسِ: عَشَا النَّارَ رَآهَا لَيْلًا مِنْ بُعْدٍ فَقَصَدَهَا مُسْتَضِيئًا، وَالْعُشْوَةُ، بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ: تِلْكَ النَّارُ، وَرُكُوبُ الْأَمْرِ عَلَى غَيْرِ بَيَانٍ وَيُثَلَّثُ، وَبِالْفَتْحِ: الظُّلْمَةُ كَالْعُشْوَاءِ أَوْ مَا بَيْنَ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى رُبُعِهِ، وَالْعِشَاءُ: أَوَّلُ الظَّلَامِ أَوْ مِنَ الْمَغْرِبِ إِلَى الْعَتَمَةِ، أَوْ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ وَالْعَشِيَّةُ: آخِرُ النَّهَارِ، وَصَلَاةُ الْعَشِيِّ: الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ اهـ، وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ.
(- قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ)، أَيْ: تِلْكَ الصَّلَاةُ بِالْخُصُوصِ، (وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا -) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ أَوِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ قَالَ: وَإِحْدَى صَلَاتَيْهِ هُنَا الظُّهْرُ أَوِ الْعَصْرُ، كَمَا أَفْصَحَتْ بِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ، لَكِنْ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ أَيْضًا: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَلِصِحَّةِ الرِّوَايَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ وَاقِعَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَعَدِّدَةٌ، فَكَانَتْ مَرَّةً فِي الظُّهْرِ وَمَرَّةً فِي الْعَصْرِ، قُلْتُ: الْأَظْهَرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ مُتَّحِدَةٌ وَالصَّلَاةَ هِيَ الْعَصْرُ، فَإِنَّهَا مَجْزُومَةٌ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنَّمَا التَّرَدُّدُ فِي غَيْرِهَا فَيُتْرَكُ الشَّكُّ وَيُعْمَلُ بِالْمُتَيَقَّنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَالَ)، أَيْ: أَبُو هُرَيْرَةَ (فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ)، أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَأَتَى (إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ)، أَيْ: مَطْرُوحَةٍ وَمَوْضُوعَةٍ بِالْعَرْضِ، كَقَوْلِهِمْ: عَرَّضْتُ الْعُودَ عَلَى الْإِنَاءِ، (فِي الْمَسْجِدِ) ، أَيْ، بِمُقَدَّمِهِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا الْجِذْعُ الَّذِي كَانَ عليه السلام يَخْطُبُ مُسْتَنِدًا إِلَيْهِ قَبْلَ اتِّخَاذِ الْمِنْبَرِ اهـ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ: جِذْعًا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، لَكِنْ يَبْعُدُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِنَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، (فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ) : وَلَعَلَّ غَضَبَهُ لِتَأْثِيرِ التَّرَدُّدِ وَالشَّكِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَأَنَّهُ كَانَ غَضْبَانَ فَوَقَعَ لَهُ الشَّكُّ لِأَجْلِ غَضَبِهِ (وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ)، أَيْ: أَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ مِنْ فَوْقِ الْكَفِّ (وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى) : وَفِي نُسْخَةٍ: الْأَيْسَرِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ مِنْهُ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَلَا يُنَافِي مَا سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الِتَّشْبِيكِ فِي الْمُتَوَجِّهِ إِلَى الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ حُكْمًا وَثَوَابًا، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: تَشْبِيكُ الْأَصَابِعِ إِنْ كَانَ لِمَدِّ الْأَصَابِعِ وَالِاسْتِرَاحَةِ، أَوْ لِأَخْذِ الْيَدَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْجُلُوسِ، أَوْ لِوَضْعِ الْوَجْهِ أَوِ الرَّأْسِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ فَغَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنْ كَانَ لِلَعِبٍ فَمَكْرُوهٌ اهـ.
وَهُوَ عَجِيبٌ ; لِأَنَّ التَّشْبِيكَ مُطْلَقٌ فِي الصَّلَاةِ وَحَالِ الْقَصْدِ إِلَيْهَا مَكْرُوهٌ، وَأَمَّا خَارِجَ الصَّلَاةِ وَلَوْ كَانَ لِلَعِبٍ فَمُبَاحٌ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، وَسَيَأْتِي مَعَ بَيَانِ أَنَّهَا وَاقِعَةٌ أُخْرَى، (وَخَرَجَتْ سَرَعَانُ النَّاسِ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ وَيُسَكَّنُ جَمْعُ: سَرِيعٍ، وَرُوِيَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ وَرُدَّ بِأَنَّهُ خَطَأٌ، وَفِي نُسْخَةٍ " الْقَوْمِ " بَدَلَ " النَّاسِ "، (مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: سَرَعَانُ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلُ خَرَجَتْ تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ " خَرَجَ سَرَعَانُ "، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْفَاعِلِيَّةِ حَتَّى يَحْتَاجَ إِلَى الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ، وَفِي النِّهَايَةِ: السَّرَعَانُ، بِفَتْحِ السِّينِ وَالرَّاءِ: أَوَائِلُ النَّاسِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ إِلَى الشَّيْءِ، وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الرَّاءِ نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْأَصِيلِيَّ ضَبَطَ بِضَمٍّ ثُمَّ إِسْكَانٍ كَأَنَّهُ جَمْعُ سَرِيعٍ، (فَقَالُوا: قَصُرَتْ) : بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ، أَيْ: صَارَتْ قَصِيرَةً، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا أَرْجَحُ وَأَكْثَرُ نَقَلَهُ الْعَسْقَلَانِيُّ، وَقِيلَ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ، أَيْ: إِنَّ اللَّهَ قَصَرَهَا (الصَّلَاةُ) : بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَوِ النِّيَابَةِ (وَفِي الْقَوْمِ) : أَيِ الْبَاقِي فِي الْمَسْجِدِ (أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَاهُ)، أَيْ: عَظَّمَاهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) ، مِمَّا وَقَعَ لَهُ أَنَّهُ سَهْوٌ أَوْ عَمْدٌ، فَـ " أَنْ يُكَلِّمَاهُ ": بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ ضَمِيرِ " هَابَاهُ " لِبَيَانِ أَنَّ الْمَقْصُودَ هَيْبَةُ تَكْلِيمِهِ، لَا نَحْوَ نَظَرِهِ وَاتِّبَاعِهِ، فَلَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الْحَسَنَ:" «كَانَ عليه السلام يَخْرُجُ عَلَى أَصْحَابِهِ فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ سِوَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ وَيَنْظُرُ إِلَيْهِمَا وَيَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا» "، قَالَ الطِّيبِيُّ، أَيْ: فَخَشِيَا أَنْ يُكَلِّمَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي نُقْصَانِ الصَّلَاةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِعْظَامًا لِمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنْ أَثَرِ الْغَضَبِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي رِوَايَةٍ سَنَدُهَا حَسَنٌ عَنْ ذِي الْيَدَيْنِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمَّا قَامَ عليه السلام تَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، (وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ)، أَيْ: كَانَتْ يَدَاهُ أَطْوَلُ مِنْ يَدَيِ الْقَوْمِ (يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَدْعُوهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ذَا الْيَدَيْنِ إِمَّا لِطُولِ يَدِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا كِنَايَةً عَنِ الْبَذْلِ وَالْعَمَلِ، قِيلَ: اسْمُهُ: خِرْبَاقٌ السُّلَمِيُّ الْحِجَازِيُّ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خِرْبَاقٌ لَقَبٌ لَهُ وَاسْمُهُ: عُمَيْرٌ وَيُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ، صَحَابِيٌّ حِجَازِيٌّ، شَهِدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ سَهَا فِي صَلَاتِهِ، وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا ذُو الشِّمَالَيْنِ، فِيمَا رَوَاهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ذُو الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ، وَإِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ هُوَ الَّذِي جَاءَ ذِكْرُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَأَنَّهُ الْخِرْبَاقُ، وَأَمَّا ذُو الشِّمَالَيْنِ فَإِنَّهُ: عُمَيْرُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: هُوَ خُزَاعِيٌّ قَدِمَ مَكَّةَ، أَبُوهُ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهَا، قَالَ: وَذُو الْيَدَيْنِ عَاشَ حَتَّى رَوَى عَنْهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ التَّابِعِينَ، وَحَدِيثُ سُجُودِ السَّهْوِ قَدْ شَهِدَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَعْوَامٍ، فَبِهَذَا تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ غَيْرُ ذِي الشِّمَالَيْنِ.
وَكَانَ الزُّهْرِيُّ مَعَ عِلْمِهِ بِالْمَغَازِي وَجَلَالَةِ قَدْرِهِ يَقُولُ: إِنَّ ذَا الْيَدَيْنِ هُوَ ذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ، وَإِنَّ قِصَّةَ السَّهْوِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ ثُمَّ أُحْكِمَتِ الْأُمُورُ، قَالَ: وَذَلِكَ وَهْمٌ مِنْهُ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا يُوجِبُ رَدَّ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَتِهِ خَاصَّةً، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ تَرَكُوهُ لِاضْطِرَابِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ لَهُ إِسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إِمَامًا عَظِيمًا، فَإِنَّ الْغَلَطَ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ بَشَرٌ، وَالْكَمَالُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم (قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ) : بِالْخِطَابِ (أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟) : بِالْوَجْهَيْنِ وَأَمَّا بِفَتْحَتَيْنِ فَمُتَعَدٍّ فَـ " مِنْ " فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النساء: 101] إِمَّا زَائِدَةٌ أَوْ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ: شَيْئًا مِنَ الصَّلَاةِ، وَيُؤَيِّدُهُ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِضَمٍّ فَكَسْرٍ، وَقِرَاءَةُ الزُّهْرِيِّ بِذَلِكَ مَعَ تَشْدِيدِ الصَّادِ مِنْ " قَصَّرَ " الْمُضَعَّفِ، فَهَذَانَ مُتَعَدِّيَانِ اتِّفَاقًا وَدَخَلَتْ مِنْ فِي حَيِّزِهِمَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ أَنَّ الْفَتْحَتَيْنِ أَيْضًا نُسْخَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أُصُولِنَا وَيَأْبَى عَنْهَا أَيْضًا قَوْلُهُ:(فَقَالَ: " لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْتَصَرْ ") : بِالْوَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ (فَقَالَ)، أَيْ: بَعْدَ تَرَدُّدِهِ بِقَوْلِ السَّائِلِ (" أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ ! ")، أَيْ: أَتَقُولُونَ كَقَوْلِهِ، أَوْ أَكَانَ كَمَا يَقُولُ؟ وَفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ قَوْلِهِ:" فَلَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ "، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اهـ.
فَلَمَّا جَزَمَ بِالنِّسْيَانِ اسْتَثْبَتَ عليه السلام فَقَالَ: أَوَقَعَ مِنِّي أَنِّي تَرَكْتُ نِصْفَ الصَّلَاةِ كَمَا يَقُولُ؟ وَعَدَلَ عَنْ قَالَ لِتَصْوِيرِ صُورَةِ الْحَالِ الْمَاضِيَةِ حَتَّى يَسْتَحْضِرَ وَيَتَأَمَّلَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي تَسْمِيَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ذَا الْيَدَيْنِ بِهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّلْقِيبِ لِلتَّعْرِيفِ دُونَ التَّهْجِينِ، (فَقَالُوا: نَعَمْ) : وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: صَدَقَ، لَمْ تُصَلِّ إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَحِينَئِذٍ تَيَقَّنَ عليه السلام أَنَّهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِمَّا لِتَذَكُّرِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِمْ عَدَدَ التَّوَاتُرِ، أَوْ لِإِخْبَارِ اللَّهِ لَهُ بِالْحَالِ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بِقَوْلِهِمْ: نَعَمْ عَلَى جَوَازِ الْكَلَامِ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَمَا قَالَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ عليه السلام كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُصَحَّحَةُ، أَنَّهُ يَجِبُ إِجَابَتُهُ فِي الصَّلَاةِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَإِنْ كَثُرَ، وَلَا تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ، وَحِينَئِذٍ لَا يُحْتَاجُ إِلَى مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا نَعَمْ، بَلْ أَوْمَئُوا بِالْإِشَارَةِ، ثُمَّ رَأَيْتُ رِوَايَةً صَحِيحَةً أَنَّهُمْ أَوْمَئُوا، أَيْ: نَعَمْ، (فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ) .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَحَوَّلَ عَنِ الْقِبْلَةِ سَهْوًا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ؛ قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَحَوُّلِ الْقِبْلَةِ: نَعَمْ هَذَا يَرِدُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنْسُوخَاتِ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فَتَقَدَّمَ أَيْ: مَشَى إِلَى مَحَلِّ صَلَاتِهِ إِمَّا لِقُرْبِهِ فَلَمْ يَمْشِ إِلَّا خُطْوَتَيْنِ، وَإِمَّا لِبُعْدِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ تَتَوَالَ خُطُوَاتُهُ فَهِيَ وَاقِعَةُ حَالٍ فِعْلِيَّةٌ مُحْتَمَلَةٌ، فَلَا دَلِيلَ فِيهَا لِجَوَازِ الْفِعْلِ الْكَثِيرِ الْمُتَوَالِي فِي الصَّلَاةِ، قُلْتُ: مَعْنَاهُ تَقَدَّمَ
لِلْإِمَامَةِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّكَلُّفَاتِ الْعَجِيبَةِ وَالتَّفْرِيعَاتِ الْغَرِيبَةِ وَفِي قَوْلِهِ: فَصَلَّى مَا تَرَكَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَوْضَحُ حُجَّةٍ عَلَى بَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي زَعْمِهِ أَنَّ سَلَامَ التَّحَلُّلِ سَهْوًا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَمَا رَوَوْهُ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ، مُنْقَطِعٌ عَلَى أَنَّ سَبَبَهُ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، قُلْتُ: وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٍ فِي الْمَذْهَبِ (ثُمَّ سَلَّمَ) : قَالَ الْقَاضِي: دَلَّ حَدِيثُ عَطَاءٍ عَلَى تَقْدِيمِ السُّجُودِ عَلَى السَّلَامِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى تَأْخِيرِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: كُلٌّ فِعْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَّا أَنَّ تَقْدِيمَ السُّجُودِ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ، وَقَالَ: قِصَّةُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ، وَحِينَئِذٍ لَمْ يُحْكَمْ أَمْرُ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَزَلْ نَسْخُ الْكَلَامِ اهـ.
وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَسْخِ الْكَلَامِ نَسْخُ جَمِيعِ مَا وَقَعَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يُرَجَّحُ الْأَصَحُّ وَالْأَبْيَنُ وَالْأَقْيَسُ، فَإِنَّهُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الصَّلَاةِ خَارِجٌ عَنْهَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ بِدُونِهِ إِجْمَاعًا، مَعَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ، حَتَّى لَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ عِنْدَنَا يَجُوزُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ، وَمَا أَبْعَدَ قَوْلَ ابْنِ حَجَرٍ " ثُمَّ "، بِمَعْنَى " الْوَاوِ " وَقَعَ سَهْوًا أَيْضًا اهـ، وَفِيهِ جَرَاءَةٌ عَظِيمَةٌ كَمَا لَا يَخْفَى.
(ثُمَّ كَبَّرَ)، أَيْ: بَعْدَ السَّلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: فَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ "، وَبِهَا أَخَذَ مَنْ قَالَ: لَا بُدَّ فِي سُجُودِ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَالْجُمْهُورُ اكْتَفَوْا بِتَكْبِيرَةِ السُّجُودِ أَخْذًا بِمَا فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَبِأَنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ فَلَا يُعْمَلُ بِهَا، (وَسَجَدَ)، أَيْ: لِلسَّهْوِ (مِثْلَ سُجُودِهِ)، أَيْ: لِلْفَرْضِ مِنَ الصَّلَاةِ، يَعْنِي: لَبِثَ فِيهِ مَا لَبِثَ فِي سَجْدَةِ الْفَرْضِ، وَغَلَطَ مَنْ قَالَ: أَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ لِقَوْلِهِ: (أَوْ أَطْوَلَ) : أَيْ: أَكْثَرَ (ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ) : أَغْرَبَ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَوَجْهُ غَرَابَتِهِ أَنَّ الْجُلُوسَ حَالَةٌ غَيْرُ الرَّفْعِ، (وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ) : أَيْ لِلْهُوِيِّ (وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ) : لِلْفَرْضِ (أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) : الضَّمِيرُ الْمَفْعُولُ إِلَى ابْنِ سِيرِينَ وَالْمَسْئُولُ عَنْهُ قَوْلُهُ: (ثُمَّ سَلَّمَ؟) : وَقَوْلُهُ (فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ) : جَوَابُ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ سُؤَالِهِمْ (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ)، أَيْ: بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَا يُقَالُ هَذَا مُنْقَطِعٌ لَا يَحْتَجُّ بِهِ ; لِأَنَّ ابْنَ سِيرِينَ لَمْ يُدْرِكْ عِمْرَانَ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُتَّصِلٌ كَمَا يَأْتِي عَنْ مُسْلِمٍ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَشْهَدُ لِسَجْدَتَيِ السَّهْوِ إِنْ سَجَدَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ.
قُلْتُ: لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّشَهُّدِ نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثٍ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الثَّانِي، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ، عِنْدَ قَوْلِ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ: ثُمَّ يَتَشَهَّدُ -: أَشَارَ إِلَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ يَرْفَعُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَّا رَفْعُ الْقَعْدَةِ فَلَا، ثُمَّ قِيلَ: حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَلِذَا لَمْ يَسْتَأْنِفُوا، وَقِيلَ: أَحْكَامُ هَذَا الْحَدِيثِ خُصَّتْ بِمَنْ شَهِدَ تِلْكَ الصَّلَاةِ فَلَمْ تَقُمِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ يَوْمَئِذٍ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَعُذِرُوا فِي مَبْدَأِ أَمْرِ السَّهْوِ فِيمَا فَعَلُوا، وَقَالُوا: وَكَانَ الْحُكْمُ فِيمَا امْتُحِنُوا بِهِ يَوْمَئِذٍ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَغَيَّرَتْ أَحْكَامُ تِلْكَ الْحَادِثَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ اتَّفَقَا عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْهُ، فَلَا يُنَافِيهِ خُلُوُّ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ ذِكْرِ وَضْعِ الْيَدِ وَالتَّشْبِيكِ، وَطُرُقُ حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كَثِيرَةٌ جِدًّا، حَتَّى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَيْسَ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ أَكْثَرَ مِنْهُ طُرُقًا إِلَّا قَلِيلًا اهـ، فَهُوَ مِنْ قِسْمِ الْمُسْتَفِيضِ الْمُسَمَّى بِالْمَشْهُورِ، (وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ) .
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ سَهَا بِأَشْيَاءَ مُتَعَدِّدَةٍ فِي صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَزِدْ عَلَى سَجْدَتَيْنِ، فَإِنَّهُ عليه السلام سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ، وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: يَلْزَمُهُ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي
خَبَرِ: " «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» " لِأَنَّهُ ضَعِيفٌ مُنْقَطِعٌ، وَبِفَرْضِ صِحَّتِهِ وَوَصَلِهِ هُوَ مُئَوَّلٌ وَمُعَارَضٌ بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ الَّذِي هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ، (وَفِي أُخْرَى)، أَيْ: رِوَايَةٌ أُخْرَى (لَهُمَا) : أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَدَلَ: " لَمْ أَنْسَ ")، أَيْ: مَكَانَ " لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ ": " كُلُّ ذَلِكَ ") ، أَيْ: كُلٌّ مِنَ النِّسْيَانِ وَالْقَصْرِ (" لَمْ يَكُنْ ") : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا فَقَالَ فَعَلْتُهُ، أَوْ قَالَ مَا فَعَلْتُهُ، وَفِي ظَنِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلَافُ مَا ظَنَّ لَمْ يَأْثَمْ لِأَنَّهُ عليه السلام قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ وَقَدْ كَانَ السَّهْوُ، (فَقَالَ)، أَيْ: ذُو الْيَدَيْنِ (قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) : يَعْنِي: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَلَكِنْ لَا أَدْرِي قَصْرُهَا سَهْوًا أَوْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَصْرِهَا، فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: احْتَجَّ الْأَوْزَاعِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْعَمْدَ إِذَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ; لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ تَكَلَّمَ عَامِدًا، وَالْقَوْمُ أَجَابُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِنَعَمْ عَامِدِينَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ كَلَامَ النَّاسِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ زَعَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، مَعَ أَنَّهُ كَانَ، بِمَكَّةَ وَحُدُوثُ هَذَا الْأَمْرِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ; لِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ، أَمَّا كَلَامُ الْقَوْمِ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمْ أَوْمَئُوا بِنَعَمْ، وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُمْ قَالُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَإِجَابَةُ الرَّسُولِ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ، لِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ عليه السلام «مَرَّ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَدَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ لَهُ عليه السلام: " أَلَمْ تَسْمَعْ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنفال: 24] » وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّكَ تُخَاطِبُهُ فِي الصَّلَاةِ بِالسَّلَامِ، فَتَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا الْخِطَابُ مَعَ غَيْرِهِ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، وَأَمَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى تَقْدِيرِ النَّسْخِ وَقَصْرِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ الزَّمَانُ زَمَانَ نَسْخٍ، فَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى هَذَا التَّوَهُّمِ فِي حُكْمِ النَّاسِي.
وَأَمَّا كَلَامُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّمَا جَرَى عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَمَّلَ الصَّلَاةَ، فَكَانَ فِي حُكْمِ النَّاسِي، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ:" إِنَّمَا أَنْسَى " كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَقَدْ زَعَمَ الْقَائِلُ بِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَيَجِبُ بِهِ الْعَمَلُ، فَقَدْ أَخْبَرَ ذُو الْيَدَيْنِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَأْمُونٌ، فَالْتَفَتَ بَعْدَ إِخْبَارِهِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ فَكَانَ مُتَكَلِّمًا بِذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى مَذْهَبِ هَذَا الْمُخَالِفِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُخْرِجًا مِنَ الصَّلَاةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ هَذَا مَنْسُوخًا وَأَبُو هُرَيْرَةَ قَدْ كَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ، وَإِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَنَسْخُ الْكَلَامِ كَانَ بِمَكَّةَ، قِيلَ لَهُ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ عَنْ وَقْتِ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ كَمَا ذَكَرْتَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ فَمَنْ رَوَى لَكَ هَذَا؟ وَأَنْتَ لَا تَحْتَجُّ إِلَّا بِسَنَدٍ وَلَا تُسَوِّغُ خَصْمَكَ الْحُجَّةَ عَلَيْكَ إِلَّا بِمِثْلِهِ، فَمَنْ أَسْنَدَ لَكَ هَذَا وَعَمَّنْ رَوَيْتَهُ؟ وَهَذَا «زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ الْأَنْصَارِيُّ يَقُولُ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] فَأُمِرَ بِالسُّكُوتِ» ، وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْهُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فِي كِتَابِنَا، وَصُحْبَةُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بِحَدِيثِهِ هَذَا أَنَّ نَسْخَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، مَعَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ لَمْ يَحْضُرْ تِلْكَ الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصْلًا ; لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ أَحَدُ الشُّهَدَاءِ، قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ فَقَالَ: كَانَ إِسْلَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَمَا قُتِلَ ذُو الْيَدَيْنِ، فَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَعْنِي بِالْمُسْلِمِينَ - وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ، وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّا وَإِيَّاكُمْ كُنَّا نُدْعَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ» "، فَهَذَا النَّزَّالُ يَقُولُ: " قَالَ لَنَا "، وَهُوَ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ قَالَ لِقَوْمِنَا، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: "«كُنَّا نَرُدُّ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ» "، وَأَبُو سَعِيدٍ فِي السِّنِّ أَيْضًا لَعَلَّهُ دُونَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ بَلْ هُوَ كَذَلِكَ اهـ، مُخْتَصَرًا.
-
1018 -
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
ــ
1018 -
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) : ابْنِ مَالِكٍ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَأُمُّهُ (ابْنُ بُحَيْنَةَ) : مُصَغَّرًا بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي أَسْمَاءِ الرِّجَالِ، لَكِنْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الصَّحَابَةِ، قَالَ: وَأَبُوهُ مَالِكٌ لَهُ صُحْبَةٌ أَيْضًا، وَقَدْ قِيلَ فِي أَبِيهِ: مَالِكُ ابْنُ بُحَيْنَةَ، وَهُوَ وَهْمٌ وَغَلَطٌ، وَإِنَّمَا بُحَيْنَةُ امْرَأَتُهُ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ نَاسِكًا فَاضِلًا صَائِمَ الدَّهْرِ اهـ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَوْ كُتِبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَالِكٍ ابْنُ بُحَيْنَةَ يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ أَلِفُ " ابْنٍ " وَيُنَوَّنَ مَالِكٌ لِيَنْدَفِعَ الْوَهْمُ، وَيُعْرَفَ أَنَّ ابْنَ بُحَيْنَةَ نَعْتٌ لِعَبْدِ اللَّهِ لَا لِمَالِكٍ، فَتَأَمَّلْ فِي ذَلِكَ، ( «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ» )، أَيْ: فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الْمُتَابَعَةِ حَيْثُ تَرَكُوا الْقُعُودَ الْأَوَّلَ وَتَشَهُّدَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أَنَّهُ لَمَّا قَامَ وَلَمْ يَجْلِسْ لِلتَّشَهُّدِ سَبَّحُوا لَهُ، فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ إِلَيْهِمْ، (حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ)، أَيْ: بَقِيَّتَهَا (وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ)، أَيْ: لِلسَّهْوِ (قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ) : وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَلَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَثَبَتَ سُجُودُ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ سُجُودَ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ اجْتِهَادٌ فِي غَايَةٍ مِنَ الِاسْتِبْعَادِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِأَنَّهُ سُجُودُ الصَّلَاةِ لَا السَّهْوِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِيدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ سَهْوًا، (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَيْضًا: وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الْجُلُوسِ، أَيْ: لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ سُجُودَ السَّهْوِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ الْمَأْمُومُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَآخَرُونَ، خِلَافًا ; لِأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ مَذْهَبُنَا إِذْ لَا دَلِيلَ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُخَالَفَةِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي
1019 -
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ» ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
1019 -
(عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ) : أَسْلَمَ هُوَ وَابْنُهُ عَامَ خَيْبَرَ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ) : وَفِي نُسْخَةٍ، النَّبِيَّ (صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ)، أَيْ: بَعْدَمَا سَلَّمَ، كَمَا يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُهُ الْآتِي (ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) : قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِتَفَرُّدِ رُوَاتِهِ بِزِيَادَةِ التَّشَهُّدِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ وَعَدَمِ لُحُوقِهِ بِمَرْتَبَتِهِمْ، قُلْتُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِ غَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّشَهُّدِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالِاخْتِلَافُ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ غَيْرُ مُضِرٍّ ; لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ، وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ أَخَذُوا مِنْ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَنَّ الْأَصَحَّ أَنَّ التَّشَهُّدَ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ مَنْدُوبٌ، بَلِ ادَّعَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إِمَامُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ، قَالُوا: وَدَعْوَى التِّرْمِذِيِّ غَرَابَتَهُ لَا تُؤَثِّرُ ; لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنَّهُ كَالضَّعِيفِ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ اتِّفَاقًا.
قُلْتُ الْمُقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْغَرَابَةَ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ وَالْحُسْنَ. وَلِذَا قَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ فَإِطْلَاقُ الضَّعْفِ عَلَيْهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، وَقَدْ غَفَلَ عَنْ هَذَا ابْنُ حَجَرٍ، فَرَدَّ كَلَامَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّ مَحَلَّ الْعَمَلِ بِالضَّعِيفِ فِي الْفَضَائِلِ مَا إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ يُعَارِضُهُ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا بَيَّنَ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِالتَّشَهُّدِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْقَدِيمِ أَنَّ مَحَلَّ السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ.
-
1020 -
وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِذَا قَامَ الْإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ» "، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ.
ــ
1020 -
(وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَامَ الْإِمَامُ ")، أَيْ: شَرَعَ فِي الْقِيَامِ، وَفِي مَعْنَاهُ الْمُنْفَرِدُ (" فِي الرَّكْعَتَيْنِ ")، أَيْ: بَعْدَهُمَا مِنَ الثُّلَاثِيَّةِ أَوِ الرُّبَاعِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَقْعُدَ وَيَتَشَهَّدَ (" فَإِنْ ذَكَرَ ")، أَيْ: تَذَكَّرَ أَنَّ عَلَيْهِ بَقِيَّةً مِنَ الصَّلَاةِ (قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا ") : سَوَاءٌ يَكُونُ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، أَوْ إِلَى الْقُعُودِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْهَمَّامِ، وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ، (" فَلْيَجْلِسْ ") : وَفِي وُجُوبِ سُجُودِ السَّهْوِ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ اخْتِلَافٌ بَيْنَ الْمَشَايِخِ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُجُوبِ ; لِأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يُعَدَّ قِيَامًا، فَكَانَ قُعُودًا، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَوْلَهُ الْآتِيَ: " وَيَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ " خَاصٌّ بِالْقِسْمِ الثَّانِي، فَلَا يَسْجُدْ هُنَا لِلسَّهْوِ، وَإِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي عِدَّةٍ مِنْ كُتُبِهِ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:" «لَا سَهْوَ فِي وَثْبَةٍ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا قِيَامٌ عَنْ جُلُوسٍ، أَوْ جُلُوسٌ عَنْ قِيَامٍ» " وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ " لِتَلَبُّسِهِ بِغَرَضٍ فَلَا يَقْطَعْهُ (" وَيَسْجُدُ ") : بِالرَّفْعِ (" سَجْدَتَيِ السَّهْوِ ") : لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الْقَعْدَةُ الْأُولَى، ثُمَّ لَوْ عَادَ بَعْدَمَا اسْتَوَى قَائِمًا فَسَدَتْ فِي الْأَصَحِّ لَتَكَامُلِ الْجِنَايَةِ بِرَفْضِ الْفَرْضِ بَعْدَ مَا شَرَعَ فِيهِ لِأَجْلِ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَلَوْ قَامَ فِي الصَّلَاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى الْخَامِسَةِ، أَوْ قَعَدَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ السُّجُودِ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَامَ إِلَى الرَّابِعَةِ فِي الْمَغْرِبِ، أَوِ الثَّالِثَةِ فِيهِ، أَوْ فِي الْفَجْرِ، أَوْ قَعَدَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ يَجِبُ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ، بِمُجَرَّدِ الْقِيَامِ فِي صُورَةٍ، وَبِمُجَرَّدِ الْقُعُودِ فِي صُورَةٍ لِتَأْخِيرِ الْوَاجِبِ، وَهُوَ التَّشَهُّدُ وَالسَّلَامُ فِي صُورَةِ الْقِيَامِ، وَلِتَأْخِيرِ الرُّكْنِ وَهُوَ الْقِيَامُ فِي صُورَةِ الْقُعُودِ، كَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ) .
قَالَ مِيرَكُ: وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ شَوَاهِدُ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ بَعْضَهَا وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بَاقِيهَا وَبِهِ يُرَدُّ قَوْلُ الْبَيْهَقِيِّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، لَكِنْ قَالَ غَيْرُهُ: أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ، فَعَلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَيْ: عَلَى انْفِرَادِهِ.